لعل أبرز ميزة للقرآن - وهو يتلى مرتلا بصوت جهورى - أن المنصت اليه فى امعان وتربر يحس انه ليس من الكلام المألوف الذى سمعه ويسمعه ، فأياته وفواصله تتناغم وتأتلف مع الغرض الذى سيقت له فى تساوق جذاب ، وجرس طروب
فاذا كان فى الآية ما يدعو الى التأمل والتفكير فى خلق الله جرت الالفاظ على نغم هادىء . " أفلا ينظرون الى الابل كيف خلقت ، والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت ، والى الارض كيف سطح الآية انذار او وصف عذاب عذاب تحس فى جرس الالفاظ قوة تقرع الاسماع وترهب القلوب :
" ألم تر كيف فعل ربك بعاد . ارم ذات العماد . التى لم يخلق مثلها فى البلاد . وثمود الذين جابوا الصخر بالواد . وفرعون ذى الاوتاد . الذين طغوا فى البلاد . . الآيات " ) 2 (
فالمقاطع فى الحروف من مظاهر الجمال وحسن النغم ولها دور فى التأثير ولقد جرى العرب كتابا وشعراء وخطباء على أن يحدوا النغم في فاصلة سجع ، أو قافية شعر ، لكن نغم القرآن فى ترتيله ينبعث من حروفه وكلماته واسلوبه . فحروفه متآلفة فى كلماته ، وكلماته متلائمة فى جمله ، وجملة مؤتلفة مع بعضها بعضا فى القول كله . ولذلك جنح مسيلمة الكذاب حين
عارض القرآن الى ما حسبه مجرد نظم موسيقى ، ولم يدر ما وراء ذلك من التصرف البديع فى اللغة وأساليبها ، ودقائق البيان فيها ، ظنا منه أن سر الاعجاز البياني يكمن فى أوزان الكلمات وفى الجرس اللفظى للفاصله دون ما عداها . فكان ما نسجه على منواله من كلام سخيف مثار للضحك والازدراء وكان الى الهزل أقرب منه الى الجد
وقد أحس الوليد بن المغيرة روعة القرآن فى أسلوبه وعذوبة موسيقاه - وكان من الد اعداء الرسول - حين قال لبني مخزوم : لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الانس ، ولا من الجن . ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة ، وان أعلاه لمثمر ، وان أسفله لمدق ، وانه يعلو ولا يعلى . . فقالت قريش : صبا والله الوليد ! فقال أبو جهل وهو ابن أخيه : أنا أكفيكم اياه . فقعد اليه حزينا وكلمه مما أثاره . فقام الوليد فأتاهم فقال : تزعمون أن محمد مجنون . فهل رأيتموه يحنق ويخنق ؟ وتقولون : انه كاهن . فهل رأيتموه بتكهن ؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا ؟ . وتزعمون انه كذا فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ فقالوا فى كل ذلك : لا ! ثم قالوا : فما هو اذن ؟ ففكر ثم قال : ما هو الا ساحر ! أما رأيتموه يفرق بين الرحل وأهله وولده ومواليه ؟ وما الذى يقوله الا سحر يؤثر عن مسيلمة وأهل بابل . . فارتج النادى فرحا بهذا الرأى وتفرقوا متعجبين ) ٢ ( فنزل قوله تعالى : " انه فكر وقدر ، فقتل كيف قدر ، ثم قتل كيف قدر ، ثم نظر ثم عس وبسر ، ثم أدبر واستكبر ، فقال : ان هذا الا سحر يؤثر ان هذا الا قول البشر . " ) 2 (
وقع الفاصلة : ومن روعة اسلوب القرآن هذه الفاصلة التى لها وقع فى الاأذن والنفس معا ، لأن للالفاظ أطيافا وظلالا وموسيقى وأصداء فى النفس
وما على الباحثين في أسرار الاعجاز البيانى للقرآن الا أن يعرفوا مقامات الكلام ، وما تمليه طبيعة الموقف وظروفه ، وذلك من خلال اختيار القرآن للفواصل فى مواقعها الملائمة .
وطريقة الاستهواء الصوتى فى اللغة معروفة ، وأثرها فى النفس طبيعي ، لأن ما عظم فى السمع وقعه ، عمق فى النفس أثره
فالصوت كما يقول الجاحظ : اللفظ والجوهر الذي يقوم به التقطيع ، وبه يوجد التأليف ، ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موذونا ولا منثورا الا يظهور الصوت ، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف " ) 1 ( وقد ذكرنا الجاحظ بأن المسألة تتطلب البحث فى الكلام كاصوات ، وما لها من وقع فى الاذن ، ثم ما لهذا الوقع من انعكاس على النفس
فالفاصلة القرآنية ترد وهى تحمل شحنتين : شحنة من الوقع الموسيقى وشحنة من المعنى المتمم للآية وكثيرا ما ترد لبيان المعنى ودعمه كقوله تعالى : " أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون " ) 2 (
فان الكلام تم بقوله : ) ومن احسن من الله حكما ( . ثم احتاج الى فاصلة تناسبه وتزيد فى بيان حكم الله ، لان اليقين فى عدل الله المطلق يقوى الثقة فى حكمه
يقول ابن قيم الجوزية فى تفسيره لقوله تعالى : " وما يستوى الاعمى والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، وما يستوى الاحياء ولا الاموات . إن الله يسمع من يشاء ، وما أنت بمسمع من في القبور "
وهذا الاسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ ، لان ذلك حاصل لهم . وبه قامت الحجة عليهم . لكن ذلك اسماع الآذان ، وهذا إسماع القلوب . فان الكلام له لفظ ومعنى . وله نسبة الى الاذن والقلب وتعلق بهما . فسماع لفظه حظ الاذن ، وسماع حقيقة معناه حظ القلب . فمرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود الى القلب ويترتب عليه القبول والاجابة
وقد أخذت الفواصل القرآنية حظا وفيرا من عناية علماء اللغة منذ القرن . الثاني مثل الفراء فى كتابه " معانى القرآن وان كان يسميها ) رؤوس الآيات ( لان هذه التسمية جاءت بعده . فهو يعرض بالمناسبة ، ولا سيما فى السور المكية القصار ، أن القرآن يراعي الفاصلة عمدا ليحقق بها جمال اللفظ ، فيقدم أو يؤخر ، ويؤثر لفظا على آخر فى معناه مراعاة للمشاكلة
اللفظية ، ولرصف الكلام في وحدات صوتية تتبع نظاما واحدا يساير وقعه العام في السورة القصيرة ، أو فى مجموعة ذات محور واحد من الآيات ، لان هذه الفواصل هي التى تحقق التوازن فى التركيب ، وتريح القارىء ، وتطرب السامع ، وتنشط ذهنه . فاذا دخل فيها الازدواج كقوله تعالى :
" لا يكلف الله نفسا الا وسعها . لها ما كسبت . وعليها ما اكتسبت " ازداد الكلام روعة وبهجة ، وكان ادعى الى القبول والتأثير
قال أبو هلال العسكرى : " لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو ، حتى يكون مزدوجا . ولا تكاد تجد لكاتب بارع كلاما يخلو من الازدواج ، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن " ) 1 (
الفاصلة والمعنى : وإذا كان القرأن يختار ما يتفق والفواصل ، وينسجم مع النسق الصوتى المتبع فى السورة ، أو فى جملة من الآيات ، فلا يكون ذلك على حساب المعنى كما نجده فى السجع المتكلف
وقد كان للعربي في عهد نزول القران من الذوق المرهف ما يدرك به مكانة الفاصلة وحسن موقعها من الكلام ، بل وما يبغى أن تكون عليه لو حصل خطأ من القارىء :
فقد روى أن أعرابيا سمع رجلا يتلو : " فان زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم فقال على البداهة : " إن كان هذا كلام الله فلا . لان الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل ، لانه يغرى ويجرىء عليه
وعاد القارىء لينظر فوجد الآية انتهت بقوله : " فاعلموا أن الله عزيز حكيم " . فالمعنى قبل كل شئ هو الذي يتحكم فى الفاصلة ، ثم يأتى النغم اللفظى متمما للروعة يتميز بها أسلوب القرآن ونظمه
وقد تغيب عن الاذهان العلاقة بين الآية ونهايتها ، فيتوهم البعض أن الحديث في الآية حول فكرة ، ولكن الفاصلة جاءت بفكرة أخرى ، لانهم لم يجدوا ارتباطا بين الآية وفاصلتها ، أو بين المقدمة والنتيجة .
ولو تأملوا لوجدوا هذا الانسجام بين الفكرة التى تحملها الآية ، والخاتمة التى تنتهى بالفاصلة اقرأ مثلا هذه الآية التى جاءت على لسان عيسى عليه السلام مجيبا ربه يوم القيامة
" إن تعذبهم فانهم عبادك . وإ تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم " . فقد نتساءل هنا : لماذا لم تنته الآية يقوله مثلا : وإن تغفر لهم فانك أنت ( الغفور الرحيم ) مع أن السياق يوحى بالغفران ؛
والجواب أن الذى استحق العذاب لا يغفر له إلا من كانت سلطته أعلى السلطات ، وقوته أعظم القوى ، وعزته فوق كل عزة ومن كان كذلك وجب أن يكون متصفا بالحكمة التى يساندها العقل والمنطق لسليم ، وينأى عنها الحمق والتسرع والظلم والتهور
واذا وردت الفاصلة بالعزة مقترنة بالحكمة ، فلأن القادر على العقاب عزيز دائما ، ولكن ليس كل عزيز عادلا . فكم من ملوك وحكام ومن بيدهم سلطان على الناس فى هذه الدنيا ملكوا العزة ، إلا أنهم فقدوا الحكمة التى يسندها العقل والعدل ! أفلا تجد معي أن ربط الحكمة بالعزة فى هذا المقام تعبيرا رائعا ، وتصويرا جامعا ؟
فارتباط الفاصلة بالمعنى على البحث والنظر لمعرفة العلاقة التى تربط بينهما . وقد نحت بنت الشاطئ هذا المنحى فى تعليلها لحذف الكاف من قوله تعالى فى سورة الضحى : " ما ودعك ربك وما قلى "
فقالت : ولعل حذف الكاف من " قلى " مع دلالة السياق عليها تقتضيه حساسية مرهفة بالغة الدقة واللطف ، وهي تحاشى خطابه تعالى لرسوله المصطفى فى موقف الايناس بصريح القول " وما قلاك " لما فى القلى من حس الطرد والابعاد وشدة البغض . أما التوديع فلا شئ فيه من ذلك . بل لعل
الحس اللغوي فيه يؤذن بأن لا يكون وداع إلا بين الاحباب ، كما لا يكون توديع إلا مع رجاء العودة وأمل اللقاء(1)
ولا شك أن هذا المبدأ يضع حدا لما يتوخاه بعض المفسرين من أسهل الطرق ، وهو إرجاع الفاصلة الى الجانب الشكلى فقط ، فى حين أن جانب المعنى فيها أساسى ولكنه يستدعي الكثير من الامعان والتعمق
قال الزمخشرى : لا تحسن المحافظة على الفواصل إلا ببقاء المعانى على سدادها وفقا للمنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه ، كما لا يحسن تخير الالفاظ المونقة فى السمع ، السلسة على اللسان ، إلا مع مجيئها منقادة للمعانى الصحيحة المنتظمة . فأما أن تهمل المعاني ويهتم يتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه الى مؤداه ، فليس من البلاغة فى شئ ) 2 (
جاء في تفسير أبى حيان لسورة الزلزلة : " وقال الانسان ما لها . يومئذ تحدث أخبارها . بأن ربك أوحى لها "
وعددى أوحى باللام ، وإن كان المشهور تعديتها ب إلى لمراعاة الفواصل "
والحقيقة أن تعدية أوحى باللام هنا متعينة لا لمجرد المشاكله ، بل لان الموحى اليه حماد فيكون الابحاء لمعنى التسخير . أما إذا كان الايحاء لبشر فيأخذ دلالته الخاصة في المصطلح الديني للوحى وهو الالهام وقد هدى الاستقراء إلى أن القرآن لا يعدى هذا الفعل بحرف ( إلى ) إلا حين يكون موحي اليه من الاحياء ويطرد ذلك فى كل آيات الايحاء وعددها سبع وستون آية .
وهذا مجال فسيح لدراسة عميقة متأتية فى فواصل القرآن
