الارض ربشاء وللماء فيها خرير رتيب . . والفراشة فى ثوب العرس ترتشف رحيق الزهر ارتشاف المدمن مسلمة لنسمات الربيع قلبها وجسدها فى لهفة المنتشي يطلب المزيد ولا يقنع . حلمها كحلم السمك فى الماء لا يحده حدا او سياج فهى هدية النور الى النوار حب يتجدد ووصل ديمه سكون واستمرار .
الفراشة عاشقة النور والزهر آلت على نفسها الا تتزوج وبكى النرجس المتيم من تمنعها حتى ذبلت عيناه وفسد عقله لكنه لم يغلق عليها بابا و بجمعه بها جماع حلال للفراشة قلب كبير فهى الهوى بجناحين
قالت للنرجس فى ساعة من ساعات الانس التى تهديها للعشاق عن طواعية . . . دون كيل ودون ميزان . .
- أقلع عن أنانيتك المطبقة ولاتك تيم السراب فتهلك . . حبلى أنا بالنور بألوان الربيع بألحان الشجر . . وانى لأزف فى كل ليلة والد عند كل مطلع شمس . ساملا الايك نسلا كريما يتلألأ فى ندى الصباح كعيون السنانير في هذه الحلكة الداهمة . أما رأيتهم يزحفون وكل خطوة من خطاهم مدك زلزال . . . الناس يخنقون الربيع فى مثابرة وجد ليعمروا أرض العشب والازهار ويملؤوها ضجيجيا وعجرفة . فاملا قلبك بالربيع قبل العجاج فهو آت ولا ريب ولا تفكر فى زيجة قفص تزج بنا فيها كالنور ينتحر فى بئر
واقتنع النرجس بمنطق الفراشة اقتناع الراضى بما قسم له ولم يك أول المسلمين . فعشاق الفراشة كثير فى أرض الربيع ونحن فى عهد الزلازل والقواصف نبنى ونشيد . . قالت الفراشة :
- هل لنا من حياة نحياها غير هذه الساعات المعدودات نختلسها اختلاسا لنسمو بها ونشف ؟ الحب طهارة والناس اليه احوج منهم الى شهوات البطون . . لولا الحب . . لولا الحلم لتجمد فى امعائنا العسل المصفي وحتى ماء الكوثر الذى به يوعدون . نحن نترش النور . . نتذوقه . . وهم لا يشبعون . لو كنت امراة من فصيلة هؤلاء لكنت عاهرا ولأدمنت الفجور الدعارة يا خلى السعيد صنو الطهارة . . ضع هذه الحقيقة نصب عينيك واحلم بالمستحيل فى كل لحظة والا فمصيرك عندما تغشينا العتمة مصير
الملحد اذ ينتحر . وانهم لينتحرون . . تطلع الى الافق . . آلاتهم دهمت الربيع . . وهم يزحفون . .
واغرورقت عيناها الحالمتان بدمع سخي ساخن وكانت الفراشة على غير ما يعتقد الناس دمعة سريعة البكاء غزيرة ماء العين
قالت الفراشة :
- لذلك ترانى أتمرغ فى فرش العشاق . . لأحب وأحيا . . . لأثبت وجودى العابر واقهر العدم فالزمن سحاج يقشر كل شىء . فلكل عاشق منى وطر وهو لا محالة خفيف مقتصر . أعجل الطية لاختصار العمر . . . ولا اميز بين العشاق قويهم والحقير . . ملوكهم والخدم . . ولا حتى بين الذكر والانثى . . نعم حتى بين هذين وقد أرادت عادات الناس ونواميسهم الخرقاء ان تفرق بين الاجناس لتسود وترضخ الرقاب . أنا للحب يا صديقى اينما كان أجده فى مخادع الملوك والرعاة والبهلوانيين والجن والسحرة على حد سواء . أعطيهم ويعطون دون قيد . . دون شرط . . دون حساب . أما هؤلاء أصحاب الخوذة والسوقاء وحملة المطارق والرفوش والمعاول . . فكل شئ عندهم له حساب مقدر أو إطار مسبق . أرأيت هذه القبور الشاهقة التى تحجب الشمس وتدعس رونق الربيع ؟ عمرانهم بدعة ووهم وسعادتهم اكتضاض وضباب وغبش مستمر . أحالوا أرض النور والنوار الى أزيز ووحل وغبار . . حركاتهم مجنونة . . هم عباد الظلام والهرج والنتونة ونحن من طينة الطيب والسكون والشفق الخضيب . دعارتنا طهارة وطهارتهم المزعومة رجس وقذارة . . فتعشقني وعجل . . وحملنى الربيع ألد الربيع . . ولنجدد الكون نملأه عناقا وحنانا ودفئا وملاطفة عسى أن ننقذ الناس مما هم فيه يعمهون .
وعلم النرجس ان حياته معها لن تكون على سنة الله والرسول وانه اذا أرغمها على الزواج منه لن يكون الا كالثور البليد يغشى انثاه . . يأخذ منها ولا يعطى . . فهو كالآلة تدك براعم الربيع . . أنانى جلف وضيع الغريزة فأحبها فى ساعات أنسها هى ولم يك ملحافا .
وسمع فى ارجاء الايكة ذات يوم دوى مادت له الارض وكسفت على اثره الشمس وفقد الشجر بعض ظله . واشرأبت اعناق الازهار بأنواعها متطلعة الى الافق البعيد فصاح صائح فى أرض الربيع :
- انه الزلزال . . لقد ضاع وجه الافق وصلع رأس الشمس . السماء مرعدة مبرقة ونهارنا ليل ثقيل
واستمر دوى الآلات زلزالا مبيدا يطوى الارض طيا . وما من يوم يمر الا ويحجب من الشمس وجها ويقطع شعاعا . ومات النوار فى أرض النوار تحت اقدام الزاحفين . وأصيب النرجس بداء مكين فخبا رونقه وبرزت عظامه . عرقته الخطوب فدال وأتت الفراشة تعوده وقد قربت ساعته فوجدته كعصف الزرع جز قبل ان يدرك . فحملته بين ذراعيها وضمته الى صدرها طويلا . وسمعته وهو يلفظ آخر أنفاسه يردد فى نغمة يائسة كئيبة :
- انصرفي . . انصرفي . . الجار اليك أحوج منى . . أحوج . . أحوج . الحب الطهارة . . والحياة عابرة . . مختصرة . . مقتصرة . . الحب . انصرفي . . الحب . . طهارة
ومات النرجس على صدر خليلته . . قرير العين . . نرجسا حبيبا لا ثورا بليدا .
وأيقنت الفراشة ان ساعتها آتية آتية . وان عليها قبل ان يفوت الفوات أن تعجل . . فحثت على أمرها تزرع بذور الحب فى حقلها وقد حاطت به عمارات المستهجنين ممن عميت عليهم أمور الحياة فاختلفت واضطربت فتاهوا وخنقوا الربيع فاختنقوا . كانت الابتسامة على ثغرها عريضة ساخرة وكان لها عند كل عاشق وقفة وعلى كل شفة قبلة . . تودع الصغير والكبير فى لهفة لم تقيدها لعلمها بان حياة الفراشات لا تنتهى بالموت وبأن السيد مهندس الحظيرة من هواة جمع الفراشات ذات الالوان الزاهية . فهو مدمن معذور وهي النضارة والحسن زينة وزخريا .
وتابعت الفراشة مسيرتها غير مبالية وأخذت الرحاب تضيق عليها وعمارات المدينة الصاخبة تؤطرها حتى لكأنها تطير فى بئر . وقالت وقد بلغ منها الإعياء والوهن
- هده مدينة لن ينقد اليها الربيع ولن تغمر بيوتها الشمس عندما تنتهي أشغال الحظيرة .
فى بيت من عمارة شاهقة وضع المهندس على مكتبه مثال البناء ليتبين مدى ما وصلت اليه الاشغال . فنحنح فى تيه وسوى قامته متكبرا ولو كان له شاربان لفتلهما بين أصابعه زهوا وخيلاء . وشخصت عيناه فى مربع صغير وسط المثال تحوطه العمارات الجديدة من كل الجوانب . . مساحة خضراء توشيها قبور ناصعة البياض . . فى لون النرجس فى لون الياسمين . . فى لون الطهارة . لمح ذلك من خلال جناحى الفراشة قاهرة الموت بألوانها التى ظلت تحكى الربيع فى صمت وفى وداعة وانفة
فى تلك الاثناء مر بالشارع ما يشبه الجنازة . . كانت جنازة غريبة لقلة مشيعي الميت . . كأنما كان الفقيد يقود نفسه الى قبره . سأل المهندس كاتبته الجميلة عن الفقيد فقالت بصوت فاتر لا لون له كأنه قطعة من جليد
- قيل انه كان بستانيا وانه كان يقول كلاما منغما لا يفهمه الناس . . من رعاع القوم يا سيدى . . تافه . . لا شأن له . .
وسكتت الكاتبة وهى تدني من المهندس ملفا من الاوراق الملطخة بمداد مختلف الألوان . . وظلت عينا المهندس في مثال البناء شاخصتين لا تطرفان أخذ المقص وفصل الاطار الاخضر عن المثال الملطخ بدماء الازهار . . ثم غطى المربع الاخضر بقطعة من البلور الشفاف برزت من خلاله مفاتن الفراشة عروس الربيع . وعلق الاطار على جدار مكتبه تحت أنبوبة كان النور الكهربائى ينبعث منها باستمرار . . وسمعته الكاتبة وهو يقترب من النافذة ذات البلور الداكن الثابت في اطاره على الدوام : . . . سمعته يتمتم كانه يحدث نفسه
- عاش فقيرا ومات على فقره . . . ولد فى فجر القرن . . كان شاعرا ملهما . . من رهط من لا يموتون . .
ثم ادار الرجل وجهه نحو الفتاة وحملق فيها طويلا وسألها - هل تحفظين بيتا من الشعر ؛ قالت وفى صوتها المرتعش خوف وتوسل - الشعر ؟ أبدا يا سيدى . . . أبدا . . وسألها وهو يشير الى الاطار المعلق على الجدار
- أتدرين ما اسم هذه الدابة ..؟ فأجابت دون تردد:
- بعوضة تطير ٠٠ كصغار البق ٠٠ يتهافت فى النار . . . مجرد حشرة . . . قال :
- الناس كذلك يوم البعث يموج بعضهم فى بعض . . . جراد منتشر وفراش مبثوث . لو رأيتها ترفرف على النوار لايقنت أن الناس فى حاجة الى الشعر . . الى الحب . . الى الربيع . . الرجل التافه الذى لا شأن له . شاعر افترش الناس عرضه حيا . . والآن وقد أنسحب وجب ان يرفعوا له تمثالا . . . الشاعر والفراشة من فصيلة واحدة . . يلقيان نفسهما فى ضوء السراج . . ويرتفعان بالموت . . فى إطار . . فى تمثال " كاللحن فى شفة الطيور " وسكت المهندس لحظة وعلا وجهه وجوم فزم برأسه لألم به والخواطر تتزاحم فى دماغه وقال وهو يعود الى النافذة ويشرف على الشارع من خلال بلورها الثابت :
- لم يبق لنا بعد كل ما انجزنا الا أن نحيى الربيع . . ليعم هذه الربوع طرى الاعشاب وفريش النبات وما لا يقوم على ساق . . لكن . . هيهات . هيهات . .
ومرت الاعوام تترى واختنق سكان المدينة الجديدة من تلوث الهواء قبل نهاية القرن . . قيل أصابهم وباء استوخم المساكن ووعر الناس وحبسهم عن حاجاتهم ووجهاتهم فمات الكثير وتفرق الآخرون أيدى سبا لا يلوون على شىء . . ولم يبق من اثر لهم سوى تمثال وفراشة وبعض الاوراق الملوثة بحبر الألم والندم
هلفرسوم ليلة 10 اكتوبر 1975

