الاندلس فردوس العرب المفقود الذي انتزعته الايدى الحاقدة ابان تركزها على صعيد الاختلافات الشخصية والزعامات الواهية ، والتفكك الاجتماعى ، بالإضافة الى انحلال الروابط القومية وذوبان الشعور الروحى فى تلك الفترة العصيبة التى حل على اثرها افول شمس العروبة والاسلام من سماء ذلك الاديم الذي كانت تتركز فيه الاشعاعات الحضارية العربية التى امتدت منها الخيوط الضوئية الطويلة فاضاءت الطريق فى اوروبا وحررت المجموعة هناك من الشلل الفكرى والتحجر العقلي . واعتقد ان كل عربي يعرف ذلك التاريخ يحز فى نفسه ان يذهب ذلك الفردوس العربى نتيجة الانقسامات السياسية التى لا طائل للمجموعة منها الا الاكتواء بأوارها ومقاساة نتائجها الرهيبة . كما يؤلم كل مسلم ان يستبدل اجراس الكنائس الثقيلة بصوت اخيه المسلم الذي كان يردد صوته الجهورى بآيات التكبير والتهليل فى مآذن الاندلس
واشد من ذلك وطاة ان تظل تلك الاجسام البشرية المسلمة تحت حكم الناقمين انذاك تدبرها الانفس الحاقدة كيفما شاءت بغية اذلالها واهانتها . فما اكبرها من مصيبة
على العرب والمسلمين
لقد قالت ام يوسف بن الاحمر لولدها آخر ملوك العرب فى آسيا عقب تسليمه
آخر معقل عربي فى الاندلس : " ابك كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال "
فلقد صدقت تلك العربية فى عتابها وعسى ان لا تقول لنا اجيالنا مثل ما قالت تلك العربية الملتاعة التى تفتت قلبها ألما وحسرة على ما عمل ولدها من تفريط .
فلسطين
لا شك انها اغنية كل عربي يعتمد فى نفسه المعنى القومى ويعتلج فى صدره الولاء لعروبته واوطانه وامجاده واسلافه الذين فتحوا البلاد وعمروها ، فهذا شاعرنا القومى فؤاد الخطيب ، يترحم على فلسطين ويغنى بمقدساتها وتاريخها العريق فاسمع اليه وهو يقول
لبيك غير مروع بجحود
يا ثالث الحرمين في التمجيد
ايه فلسطين المؤرق جفنها
لك ما اردت هوى وصدق عهود
كم محنة دلفت اليك تسللا
فوجدت يوم النصر غير بعيد
والمسجد الاقصى المبارك حوله حصن العروبة فيك والتوحيد
فى كل شبر من مقدس ارضها اثر يتيه بروعة وخلود
مافي المعارض والمتاحف ذرة مما حوت من طارف وتليد
هي - معرض - لكن لكل بطولة
هى - متحف لكن لكل شهيد !
انها مهد الديانات السماوية ومحط انظار الروحانيين ، واول قبلة فى الارض وفيها ثالث الحرمين الشريفين تآمرت عليها ايدى الطامعين ونسجت الخيوط الطويلة العريضة ضد سكانها وشعائرها ومقدساتها وانفقت الاموال بكثرة فى سبيل ذلك ارضاء للضمير الحاقد على الامة العربية التى كانت وما زالت تؤمن بدينها وقوميتها وتقاليدها وتحارب الاستعمار فى جميع صوره واشكاله البشعة . . وعطفا على تلك الحفنة الصهيونية التى
سيطرت على اعصاب اولئك الذين لا يفهمون معنى الانسانية والحرية - الا في المادة ومشتقاتها - فسخر ذلك لهم " روتشيلد " و " بلفور " و ) روكفلر ( والرأسماليون الصهيون ، فسبروا تجاههم وتفكيرهم العقيم كماشاؤوا حتى سلموا فلسطين العربية الى عصابة - افاقة مجرمة ، عاشت فى هذا الكون كأحقر ما يعيشه بنو الانسان لا تعرف من الحياة الا القتل والغدر وامتصاص الاموال با ى وسيلة من وسائل الخداع والمراباة وما تمقته الانسانية
ولا ننس ان العرب فى ذلك الوقت كانوا فى رقدتهم الطويلة فى ظلال اللاشعور . قسم يرزح تحت نير الاستعمار ويعاني منه اشد اساليب العذاب ، وقسم متشعب الاطراف متباين الاتجاه ، مختلف المبادىء والاهداف فباسم الجامعة العربية ارسلت الجيوش لتحارب فى فلسطين فكان كل جندى عربى يؤمن فى قرارة نفسه بان النصر سيكون نتيجة حتمية للعرب بدليل المقارنة بينهم وبين عصابات الهاجاناه - والماباي - والعصابات الاخرى
ولكن سرعان ما تكشفت الحقائق وبرزت النيات حينما ذهب القسم الاكبر من فلسطين الى اليهود بدون مقاومة متكافئة وبدت فلسطين كهدف لسهام الغربيين واكتملت الخطة وعادت الجيوش العربية بخفى حنين .
واعقب تلك الهزيمة الكبيرة تحرر اكثر البلاد العربية من السيطرة الاجنبية وحمل الاستعمار عصاه الى غير رجعة واخذت الصيحة والهتافات تتردد في كل بلد عربي بان فلسطين هى الفردوس الموعود الذي سيحرره العرب في الكرة الثانية - ومضت الايام والسنون تترى والعالم العربي يصغي الى الاثير ليسمع ضربات المدافع وازيز الرصاص فى فلسطين ولكن لم يكن فى الامكان احسن مما كان بل ظللنا طيلة هذه السنوات ونحن نعب من عبارات التسلية على صحفنا العربية وعلى تلك النغمات الجميلة والأناشيد الحماسية ظلت الانفس المتلهفة تصغي لعل وعسى ان تدق طبول الاخذ بالثار ويعود الوطن السليب الى اهله الشرعيين ولكن وللاسف لقد مضى اربعة عشر عاما على اغتصاب الوطن الجريح بدون ان يحرز تقدما ملموسا تطمئن له القلوب اللهم الا ان القضية كان يدور اسمها فى كل جلسة عمومية فى هيئة الامم المتحدة باسم اللاجئين والتوطين والتهجير لا باسم الوطن السليب . ولا ندري اكانت مناقشة قضية اللاجئين وحدها قصدوا منها استدرار الدموع المحبوسة ام انها سياسة يراد بها شئ اخر ؟ ولكن يبدو ان الساسة العرب بدأوا يتجهون الى طلب مناقشة القضية كاملة لا تجزئة بين اللاجئين والوطن الذي اغتصبه بنو صهيون بدون حق تاريخي او قانوني كما اوضح ذلك البروفسور " ارنولد توينبي " حيث فند المزاعم اليهودية وابطلها
ونفي ان يكون لليهود حق تاريخي في فلسطين كما فندت ذلك ايضا الكاتبة الاميركية " ايلين بيتي " وغيرها من رواة التاريخ .
ولا ننس أن قضية اللاجئين أعطت فلسطين طابع الاهمية الدولية وهذا ما حدا بالمتآمرين ان يبذلوا محاولات كثيرة لتقويض شكل اللاجئين الحالى بالاستيطان - فى البلاد العربية او بالتعويض والتنازل عن الجنسية الفلسطينية ولكن قوة الايمان ورسوخ العقيدة تجعل الحق مهما كان سينتصر رغم ما يبذل ضده من محاولات ومؤامرات فالعقيدة جعلت اخواننا اللاجئين يعيشون فى مهب الريح القاسية يعانون اقسى ظروف الحياة وهم صابرون ، ورفضوا الاستيطان ، ورفضوا التعويض لانهم يؤمنون بشرعية حقهم فى المطالبة ولا شك ان الذين صبروا طيلة اكثر من ثلاثة عشر عاما على الحياة الاليمة وهم ينظرون الى وطنهم وقد احاطت به القوات المسلحة سيكونون فى طليعة الزحف المقدس الى فلسطين ، انهم ينتظرون اولا وقبل كل شئ اتحاد الصف العربى - ثم السلاح والاذن لهم بتحرير وطنهم السليب وقد اصاب جلالة الملك الراحل عبد العزيز حينما اقترح على الجامعة العربية عدم ارسال جيوش الى فلسطين بل طلب اعطاء اخواننا الفلسطينيين السلاح والعتاد لانهم يعرفون المسالك والدروب فى وطنهم
وخلاصة القول ، ان العالم العربي ليشفق على فلسطين العربية ويخشى عليها من المؤامرات الطويلة التى تهدف الى سلخها من العروبة وتهويدها لبنى وبنات صهيون افاقى الارض وشذاذ الناس واشر خلق الله على هذه البسيطة لا سيما فى هذه الظروف
الحرجة التى يعيشها العالم العربى مما جعل القلوب تتفتت الما وحسرة اشفاقا على الفردوس الموعود .
واقول بصراحة مجردة من كل عاطفة ان الايدى الاجنبية تسعى فى وضح النهار ضد مصلحة العرب بدليل ما تسمعه عما تقوم به اسرائيل فى عزمها تحويل مجرى نهر الاردن لتعمير صحراء النقب وتوطين ملايين من اليهود المهاجرين . لقد كانت قرارات الجامعة العربية فيما يتعلق به ترهبها بعض الشئ ولكنها ارتاحت من تلك الصيحات اللاذعة وعادت الى ممارسة نشاطها حينما انقلب المقياس وتغير المفهوم والمبادىء والاهداف العربية التى كانت تستمد منها الاتجاهات وتستقى منها المفاهيم فاذا تذكرنا ماضينا البعيد وجدناه يحتل بصدارة وجدارة التاريخ وكم داعبتنا الاحلام فى ان نستمد منه الروابط التى تربط بينه وبين حاضرنا . ولا شك انه لن يكون ذلك الا اذا اخذنا بعين الاعتبار العودة الى المبادئ والاخلاق واقتفينا طريقة الاسلاف الاول واتحدنا بمفاهيمنا واتجاهاتنا واهدافنا وما اشد حاجتنا الى ذلك فى هذا الوقت الذى تمتد فيه الايدى الطامعة الى النيل من كرامتنا بدافع من الحقد المترسب من آثار الماضى البعيد والقريب واعتقد انه لا يمر يوم الا ونسمع فيه باعاجيب ونيات جديدة تصاغ فى قوالب مختلفة حتى الكنائس فى امريكا تخرج النشرات التى يزعم اصحابها ان بترول العرب ليس للعرب ولكنه وديعة سيأخذها الشعب المختار .
ويؤيد هذا القول ما نشره احد اخواننا العرب المسيحيين في مجلة - العربى متحمسا ومطالبا جميع العرب الذين يعتنقون
الدين المسيحي بالوقوف امام هذا التيار المتسم بالدين ، والدين منه براء ، هذه اجزاء صغيرة تخرج للملأ ولكن ما بالك بمايحاك في حلكات الليل الرهيب .
فيا امة العرب ان واقعنا المؤلم يحتم علينا العودة الى المبادئ التى كان آباؤنا وعظماؤنا يستمدون منها مفاهيمهما المشتركة واتجاهاتهم الجماعية ، فما احوجنا الى اقتفاء آثارهم والسير في الدرب الذي سلكوه ونقوم بالواجب المقدس لاسترداد الفردوس الموعود من ايدى الغزاة الطامعين ولاشك ان واقع فلسطين اختبار لنا يحتم علينا واجبنا المقدس أعداد العدة وتسخير الجهود ، لمجابهة ذلك الخطر الذى يهدد الكيان الجماعي لنا فان نحن فعلنا ذلك فسنجتاز المحنة بسلام .
خاتمة
كان الشاعر العربي الياس فرحات في خارج حدود الوطن العربي من جملة المهاجرين العرب فسمع عن الأحداث العربية ومجرياتها ورأى ان هناك نوعا من التفكك بين العالم العربى فى وقت ليس بالبعيد الا ان النسبة لم تكن مثل الواقع ، فكتب هذه الابيات الوطنية :
سلام عليكم كلكم آل يعرب
متى ؟ ينتهى مسعاكم المتنافر
متى تذكرون المجد فالمجد ذاكر ؟ لكم اطيب الايام والدهر ذاكر
اما من فتى حر إذا هب للوغي ؟ تهب البوادى خلفه والحواضر

