غاب قرص الشمس وراء التلال وتلاشى ضوءه الخافت بين الشجيرات البعيدة ، وبدأت السحب تتراكم وشرع النسيم البارد فى الهبوب منذرا بقدوم المطر ، ومن حين لاخر يصعق الرعد صعقات متتالية تبعث الرعب فى قلوب أولئك الاطفال القابعين فى بيتهم ، ملتفين حول أمهم ، وأمامهم كانون لامع الاقباس يعكس أشعته على وجوه الاطفال السبع وأمهم فيكسبها حمرة باهتة .
ظلوا صامتين يتطلعون بأعينهم الى الباب ويرهفون سمعهم لنباح الكلاب ثم ينقلون أنظارا حيرى الى وجه الام كئيب ، فلا يجدون فيه جوابا لاستفهاماتهم ........ بدأ الظلام يحبك حبال سترته ، وبدأ المطر فى النزول ببطء فظل ينقر قعر " القصعة " الحديدية امام البيت فيحدث وقع قطرات الماء موسيقى رهيبة تبعث على الكآبة والانقباض
وطال الصمت ، وترددت الاسئلة على شفاه الاطفال الحيارى ولكنهم لا يجسرون على اذاعتها ، فهذا الجو الرهيب يبعث على الانقباض . . . وقطعت الام حبل الصمت بزفرة طويلة فتشجع أحد بنيها وهمس :
- لماذا لم يأت أبى بعد ؟
فتتطلع العيون إليه ثم تنتقل الى شفتى الام التى ظلت مطبقة . . . وهكذا ضاع السؤال بين الاقباس والعيون ولكن الطفل لم ير بدا من اعادته وتعلق فى هاته المرة بعنق أمه وظل يعانقها ، فارتمى كل الاطفال فى حضن أمهم يعانقونها ، فتضمهم اليها وتتفرس فى وجوههم وتنبس :
- سيأتى أبوكم عما قريب وما أظنه تأخر الا ليقبض أجرته الشهرية ، لان اليوم هو بداية الشهر الجديد ! . . فيزيد الاطفال تعلقا بأمهم ويهتفون معا : عاش بابا . . يحيى بابا . . ثم يدخلون فى حديث جماعى كل يعرض طلباته على أمه ، هذا يريد ان يشرى كتابا وذاك قلما والآخر حذاء لقد غمرت الاطفال
الفرحة حتى أنهم نسوا العشاء تلك الليلة . . . وراح كل يستعرض صورة ابيه داخلا مبتسما فيبسط الاوراق الخضر والزرق فى حضن أمه ثم يحلقون كلهم حول القصعة الفخارية للعشاء وتكون السهرة بعد ذاك ممتعة بما يأتى به من الكاكاوية واللوز . .
هكذا ظل الاطفال بتخيلون قدوم والدهم وكلهم واجم ، غائب عن الوجود ، ذاك هو الانسان لا يستطيع ان يعيش بدون خيال اذ ان الخيال مولد الامل والامل موجد الحياة .....
عادوا الى صمتهم والى انتظارهم بأشد من ذى قبل . . وطال الانتظار واشتد الشوق . . فالاب لم يأت بعد ! . . فأرتسمت سيماء الحيرة والخيبة على الوجوه من جديد ! . . وما كادوا يسمعون نباح الكلب حتى هزتهم الفرحة فاندفعوا بجملتهم الى الباب ولولا المطر لاندفعوا الى الخارج . . . وما كادوا يرون شبحا مهر ولا نحوهم حتى تصايحوا : بابا جاء . . بابا جاء . . الحمد لله على السلامة يا بابا . . بابا يضحك لانه أخذ اليوم " خلاص الشهر " ! وسرعان ما يدخل الشبح الملتف ببرنسه فيلتف حوله الاطفال ويتفرسونه . . ولكن كم كانت خيبتهم عند ما وجدوا ان الرجل خالهم فتملكهم الوجوم وأدار الرجل برنسه ليخلعه ، فتنتثر قطرات المطر العالقة به على الوجوه فتستفيق ، فيمطرونه بالاسئلة عن والدهم . فلا يجيب وانما يحيى أخته الام ويقبل الاطفال ويحاول ان يلعب معهم ويحاء ، ان يحدثهم أحاديث مختلفة من خرافة وغيرها .
واستغريت الأم سلوك أخيها فلم تتعود منه هذا الانبساط مع اطفالها لقد كان جديا الى اقصى حد ، جلفا عبوسا . . اما الآن فما له يتضاحك وما له يصطنع التفكه والابتسام ؟ . . ودق في قلبها امر محزن ، لا بد ان هنالك شيئا ؟ . . كيف ؟ . . أخوها يأتى فى مثل هذه الساعة من الليل ليلاعب الاطفال ؟ . . هذا غريب ؟ بقيت الام فى هذا التمزق وفى هذه الحيرة فى حين ظل أخوها يسامر الاطفال ، ولكن هؤلاء لم يستسيغوا السهر فأمطروه بالاسئلة من جديد ، وحاول التملص من الاجابة ولكن لم يفلح . . وأخيرا ضاق صدره بالخبر ، فقال لهم :
- لن يأتى أبوكم الليلة ، بل فى الصباح ، فيرتد الاطفال عنه ويحولون انظارهم الى أمهم التى زعقت مستفهمة : لماذا ؟ . .
ولم يستطع الرجل ان يجيب ، ولا علم كيف يجيب بماذا سيفاجئ هذه العائلة البائسة الهادئة ؟ سيعكر جوهم ! . . سيكون سببا فى احزانهم سيهدم كيان أسرتهم بهذا الخبر الذى يحمله بين جنبيه ! . . وبقى مترددا ايقول أم لا يقول ؟ . .
وتقوم نحوه أخته فجأة وتهزه من كتفه بعنف ناطقة : لماذا لا تجيب ؟ . . لماذا لا يرجع هذه الليلة ؟ . . هل انه يعمل فى الليل ؟ ٠٠٠
ولم يستطع ان يجيب ، وظلت الكلمة محتبسة فى حلقه بين الصعود والنزول ، أيقول . . لا . . لن يقول . . ولكن سيعلمون بالخبر منى أو من غيرى واخيرا اقترب من أخته وهمس لها : مات . . لقد مات ....نعم . مات فتفغر الأم فاها وتتسع حدقتاها ولم تجسر ان تسأله كيف ومتى وأين ؟ . . بل ارتمت على الفراش باكية منتحبة ، فألتف حولها أطفالها وشاركوها فى البكاء دون ان يعلموا الخبر ، وأنسل الرجل بعد ان القي قنبلته وسط هذه العائلة ففجر بها القلوب ومحق سعادة تلك الاسرة وحول نعيمهم الى جحيم ! ٠٠٠ .
وفى الصباح ينهض أهالى القرية ويتجهون الى اعمالهم كالعادة ، ولكنهم فى ذلك الصباح ما كادوا يفعلون حتى سمعوا بالخبر ! . . لقد مات " حمودة " ! . . فى المنجم إثر انفجار غازى وها هم يترقبون اخراجه من هذا المنجم اللعين الذي ظل رمزا للوحشية منذ اكثر من عشرين عاما ! . . هذا الخطر المفزع الجائم على قلب الجبل . . لقد كان وما زال يهدد أهل القرية ! . . لقد اعتادوا تشييع الضحايا ، واعتادت عيونهم سكب الدموع الغزيرة حتى تساقطت رموشها ، لقد اعتادوا المآسى حتى انهم أصبحوا بذاتهم مأساة ، كل يعرف أنه سيكون ضحية لهذا المنجم . . . كالاكباش تعيش وتسمن ثم يفترسها الغاصب القاهر .
ورددوا فى صوت واحد : ذلك هو قانون الحياة ....الموت لا يختطف الا الاخيار ، أصحاب العيال . . . ليفشى البؤس ولينشر الروع والهلع .

