لم يرغمني على تصديقها . . ولم ارغمك على قراءتها . . فاذا لم تعجبك فالذنب ذنبك وحدك . .
واستلقي سالم على سرير متواضع فى اعلى سطح الفندق الذي كان يحتل فيه بالامس ارقى وافخم غرفة . . واستعرض يومه الكئيب فلم يكن يفكر قط فى انه سيصبح جرسونافى مطعم حقير في جبل من جبال أوروبا وتصور اهله وحاله وناسه ، وتصور الايام الباقية فى هذا الوضع المهين لقد كان بين امرين احلاهما مر . .
لقد ورث سالم ثروة طيبة عن ابيه الذي توفى فى جاوة ، وكان يعيش قبل ذلك بجانب أمه . . عيشا ضنكا وكان يكافح في سبيل العيش كفاحا مريرا منذ سافر والده وانقطعت اخباره . . وكان فى يديه ثقب تنساب منه النقود . . الى حيث لا يدرى رغم ما كان يعانيه من ضيق ، وقرر اول ماقرر ان ينتقم لنفسه وللايام الضيقة التى عاشها ، وقبل ان يفكر فى تغيير حاله . . اخذ جانبا من هذه الثروة وانطلق بها كالصاروخ . . يريد ان يرى الدنيا وان يمتع نفسه بكل قطرة من مباهجها التى حرمها . . كان هذا
اول عهده بالاسفار ولكن جراته والمبلغ الذي ينطوى عليه جيبه كانا كافيين لان يبددا أى هي هيبة للغربة او الاسفار
واستقبله مطار القاهرة قلقا على تخليص متاعه . . متعجلا اشد التعجل حتى اذا قذف بنفسه وحقائبه فى اول تاكسي وجده خارج المطار صاح فى سائق التاكسى :
- عجل من فضلك . . - عاوز في يا بيه ؟ - عاوز احسن مطعم . . - قصدك لوكانده ؟ - أقول لك احسن مطعم . .
وقد تعمد هذه اللهجة الآمرة لكى يظن فيه ضعف الغريب او سذاجته ووقف به السائق امام مطعم فخم من مطاعم القاهرة وكان مطعما اوروبيا فى نظام وسمته وهدوئه واناقته . . . وانطلق فى جوف المطعم كالصاروخ وراحت اردانه الوسيعة تكتسح الكراسي المنتشرة والزهريات الانيقة وتسابق الخدم وراءه يتفحصون هذا
الطارىء ويتتهيأون لجذبه من اردانه ، واحس بخطواتهم واستدار اليهم في اعتداد :
وجلس على مائدة كبيرة واستدعي اليه الجرسون . .
وكان هذا اول عهده بالاسفار وبالمطاعم . . فلم يتظاهر بالعلم ولم يشر بيده الى اسم يجهله فى قائمة الطعام كما فعل غيره من قبل ولكنه فوض رئيس الخدم فى ان يختار له اجود ما فى هذه القائمة من اصناف مع ديك رومى وانحنى رئيس الخدم مرة اخرى . . عاوز سعادتك حته من الفخذ ؟ من الصدر ؟ . .
- لا عاوز ديك رومى كامل بتمام اوصاله ! . .
وابتلع رئيس الخدم ضحكة عصبية تلجلجت فى صدره وهو يسأله السؤال المألوف :
- حاجة تانية كمان ؟ - قلت لك اجود ما لديكم من اصناف . .
وسجل فى مفكرته شيئا وانصرف فى ادب . . وروع سالم بعد دقائق بخدم المطعم يقبلون عليه فى شبه مظاهرة وأيديهم محملة بالاطباق وهم يدفعون عربة مكتظة بحملها ، ورئيس الخدم يسعى فى الطليعة بياقته السوداء الانيقة كما يسعى معلم الرقص فى احدى فرق الباليه . . وغص بريقه وهو يتطلع الى الصحن
الضخم الذي استقر على المائدة وفيه ما يزيد في الحجم على الخروف الصغير وغص بريقه مرة اخرى وهو يتطلع الى مائدة ثانية تستقر بجانب مائدته وتلتحم بها ، لتؤلفا مائدة طويلة اصلح ما تكون لوليمة عرس ضخم
وزاغت عينه وهو يرى هذه الاصناف العديدة التى تحتل كل ركن من المائدة والانظار التى تطلعت اليه فى فضول وسخرية واحس انه يذوب فوق كرسيه . . واحس انه لم يكن يفكر قط فى ديك رومى عندما ذكر اسمه بل لعله لم يشاهد ديكا روميا من هذا النوع فى حياته واحس انه تجاوز حدود الثقة والاعتداد والرغبة فى مباهج الحياة عندما انطلق من سيارة التاكسي الى المطعم وكان بوسعه ان يستقر في أى فندق وان يتأمل هذه الحياة الجديدة بهدوء . . وان يهضمها بهدوء ، وان يأخذ مباهج الحياة وزينتها بهدوء أيضا وبمقدار ما يحتاج وما تهضم امعاؤه .
ووقف الخدم وراءه كما يقفون امام شخصية خطيرة فى ادب جم واستعداد كامل . . وانفرد بالمائدة المجنونة ، والانظار الساخرة تلتهمه من كل مكان وسقطت الشوكة والسكينة مرتين من يده المرتجفة من هول المائدة ومن هول الموقف الذي وضع نفسه فيه مختارا والله يعلم كم مر من الوقت وماذا فعل بالطعام الذي بين يديه والذى اضرب حلقه عمن اذدراده تحت ضربات الانفعال
العصبي الذي احتواه ، والله يعلم كم دفع لصاحب المطعم وكيف غادره مغادرة طفل غرير هرب من المدرسة وفي قلبه رجفة الحوف من عقاب استاذه . .
وقذف بنفسه في سيارة التاكسى ومرة اخرى تكرر السؤال :
- على فين يا بيه ؟ .. لو كانده فى حته هادية . . - سمير اميس . . مينا هاوس ؟ - لا عاوز لو كاندة على قد الحال
والتفت اليه السائق وعلى وجهه ١٢ علامة استفهام ؛ وعذره سالم فى نفسه وهو يعد ١٢ علامة الاستفهام التى تراقصت على وجه السائق . . فقد تحول الاعتداد الاكيد . . والرغبة العارمة في صدره لاقتحام هذه الحياة فجأة الى النقيض من ذلك على طول الخط . ومن حق السائق ان يختار . . وقفز الى ذهنه اسم فندق معين . . واستقبلته القاهرة اياما طويلة يحيا فيها حياة النقيض . . . سرف فى غير موقعة وتقتير فى غير موقعه . وهدوء ، فى وقت الضجة وضجة في وقت الهدوء . . واتسع الخرق الذي في يديه وانتقل من فندق إلى شقة . . وتعرف الى الحياة واتزنت خطواته متانق فى لباسه ، وتأنق فى اختيار افخر ربطات العنق ، وتعلم كثيرا من اصول الحياة واسرارها ، وكلفه علمه هذا اكثر مما يستحقه هذا العلم لو دخل هذه الحياة متأنيا
ولم يكن يعنيه ما يتكلفه بمقدار ما يعنيه ما يكسبه من هذه الحياة الحرة التي شغف بها شغفا لا مزيد عليه وشغف بمباهجها شغفا إلى حد الجنون وفي دنية مرحة ضاحكة جميلة في القناطر الخيرية حدثه اصدقاؤه الجدد عن الحياة في اوروبا وهونوا عليه السفر والمعيشة وارتفعوا بمقدار نفسه في نفسه وبذكاء نفسه في نفسه ، حتى رأى نفسه في احلام اليقظة تزهر يجتاز أروبا والصحف تتسابق الى اخباره وهو يرتاد الفنادق والمطاعم والملاهي فيرتبك نظامها و تهتز حسانها ورأى نفسه في هالة من الفتنة يعيش في مباهجها يومه وليله . . واستعد للسفر وحملته في جوفها طائرة ذات طابقين فيها ترف وفيها متاع وجرب مدخره من اللغة الافرنسية الضئيلة التي كان قد تعلم طرفا منها فزادته التجربة أنسا وائتناسا بهذه الحياة الجديدة التي يقبل عليها واستقبلته أول بلد اوروبي فلم يكن لها في نفسه الوقع ولا الصورة التي توقع . .
اسراب الحسان ... و ناطحات السحاب .. وعدسات المصورين .. ودنيا المغامرة والضجيج .. لم يجد من هذا كله شيئا . لقد كان المطار في ضاحية هادئة جميلة .. و انسابت به سيارة الاتوبيس وكان جاره في مثل سحنته وهيئته وغربته ...
واستعاد كل الاخطاء التي مرت به ، واستعاد كل القواعد التي حفظها وركزها جيدا في نفسه وعقله ... وهو يهبط الى فندق معروف ، وتطلع في هدوء وفلسفة الى الشوارع والآثار والناس .. والعجيب انه لم يحس في ايامه الاولى بجديد .. والاعجب من هذا انه احس بالعزلة وبالجمود والكآبة واتخذ لنفسه نظاما صارما عجيبا .. وحافظ في الايام التالية على مواعيد الطعام .. كلها ومواعيد النوم كلها ، وفيما يلى ذلك من ايام كان يخرج وئيدا وفي جيبه بطاقة وفي الجيب الآخر كل ثروته من المال فقد كان فيه حذر يفوق حد الحذر .. لانه الى الخطأ اقرب منه الى الصواب في هذا الامر . .
وينطلق ساعيا النهار كله على قدميه وراء الساعين ووراء المتسكعين ، ويعود آخر السعى فى سيارة تأكسى يبرز لها بطاقة الفندق . . ويدع للفندق محاسبة السائق لئلا يغشه فى الحساب وانتظم فى رحلات السائحين وبرامجهم وقصد الفنادق الكبرى . . وتعرف على كل شبر وعلى كل شئ فى ايام معدودات ، وبدت له حياته مملة تصلح لساكن من سكان اوروبا . . ولكنها لا تصلح ( لسالم ) الذي يريد الحياة بالجملة . .
وعاوده طبعه ، ومغامرته وجرأته العارمة ، وعاد صاحب مطعم القاهرة يقف كل يوم امام صورة جديدة
للحادث القديم في مطعم او ملهي او مسرح ، تؤوب اليه فطنته حينا . . وتستبد به رغبته العارمة المستعجلة النهمة معظم الاحيان ، وقد بدل الفندق الذي شهد فطنته وهدوءه ، واستقل سيارة تلازمه ليله نهاره . . وارتاد كل محل وكل مكان ارتيادا عنيفا كالعاصفة وهو يخرج من كل مكان وقد خلف وراءه اكثر من عاصفة وارتاد المصايف . . والمدن الشهيرة وحفلت ذاكرته باقاصيص طريفة بعضها مضحك وبعضها مؤلم ولكنها فى مجموعها اقاصيص فيها من العنف ما يستحق ان يذكر . . والقت المقادير في طريقه بصديق يأنس اليه واستقبلتهما قرية هادئة حالمة من قرى ايطاليا تعيش بين الجبال والغابات كالسلة المعلقة فى اغصان السرو أو كالعش اقامته العصافير فى اكناف الورود . .
وصافح سمعه نغم لذيذ عذب هادىء ينبعث من الردهة التى انبث فيها اناس يغطى الثلج معظم رؤوسهم ويتوج الذهب بعض هذه الرؤوس فى قلة نادرة . .
واستقبلهما صاحب الفندق بوجهه الاشيب السمح المرح الهادي وسجل كل معلوماته وبعث بهما فى رفقة خادم انيق رقيق مهذب يصعد امامهما الدرج المفروش بالسجاد فى هدوء ليسلمهما الى غرفتين هادئتين وكانت الغرفتان
كأنما صنعتا واختيرتا اختيارا لذوقيهما وكان كل مافيها يوحى بالجمال والفتنة والهدوء . . وفتح النافذة واستنشق بملء ، رئتيه الهواء الرطب النقى البارد الذي انساب اليه من الجبال المختلفة المطلة عليه من الجانب الآخر بصبر البحيرة الجميلة الحالمة . لقد كان يفهم كل شئ ويتصور كل شئ الا مذاق السعادة التى فتحت له قلبها كله فجاء فى هذا الفندق الهادى ، والقرية المعلقة باغصان السره . .
حاول ان ينام . . حاول ان يهدا حاول ان يحلم . . ولكن الجو الذي احاط به . السعادة التى غزت قلبه كانت تصرخ فيه وفي دمه وفي اعتابه
ان الانسان لا ينام فى احضان السعادة ولكنه يصحو فى احشانها ويحياها لحظة لحظة وساعة وراء ساعة يحياها حياة حافلة مترعه عنيفة . . هذا ما كان قلبه يدق به . . ويرجف وهبط السلم فما استطاع الهدوء وقصد الى المطعم وكان الوقت غذاء مكان المطعم مقفرا . . واقبل عليه ندل أنيق سمح الملامح . .
وجاء الطعام الذ مما يشتهي .. واشتهي مما طعم فى حياته كلها ، مانسابت اليه انغام الموسيقى الهادئة فجأة من الصالة الساكنة ، وسمى الفندق فى نفسه فندق الشعراء . . وصارح صاحبه بهذا الاسم فاحتج
عليه واختار له اسما آخر اشد واقعية واحتكما الى صاحب الفندق فحكم لصاحبه عليه فى جرأة وصراحة . .
وانطلق سالم فى فجر اليوم الثانى مع صاحبه مرائد الفندق . . يرتاد الجبال العالية التى يلفها الضباب وينساب في المسالك والدروب الخطرة التى تعلق القرية باغصان غاباتها ولفته الظلمة الحالكة فى ظلال الاشجار مقلب في الضباب الذي يسميه الناس سحابا فيما تحت هذه القمم . . . وطرق بساعده بابا . . يختفى وراء غابة من الورود يسأل كأسا من الماء . . أو قطعة من الشواء لم يكن في حاجة اليها . . ولكنه المرح والحياة التى احس حرارتها تدب فى دمه واعصابه وقايضه الجميع مرحا بمرح وعبثا بعبث . . وعاش يوما كاملا في غابة من غابات أوروبا . . لم ينفق فيه درهما ولا دينارا . . . ولكنه انفق الشباب المرح الجرئ الطليق وتقاضى عن هذا شبابا مرحا طليقا واسكان فى الفندق يريد ان ينام . . ونام رانده ولم يحفل بعشائه وقام صاحبه ولم يأخذ من العشاء الا لماما . . أما هو فقد فقد صرخت الحياة فى دمه واعصابه . . صرخت به صرخة صرفت النوم وصرفت الهدوء عن عينيه واعصابه . .
وتناول طعامه من المطعم حزينا . . وحيدا فقد كان النزل كلهم جماعات
جماعات مرحة سعيدة . . مؤتلفة على بعضها . . واذاه انه وحيد . . واذاد اكثر من هذا . . انه يريد ان يسعى وان يتحدث . . فلا يجد مسيرا و لاانيسا . . وآلمه اكثر من ذلك ان الناس يتعبون وينامون ، أما هو فيريد الحياة يقظة كلها وانفعالا كلها . وعاوده طبعه القديم . . ونادى رئيس الخدم وهمس فيه :
اننى احس بالثلوج ترتاد صدرى فى فندقكم هذا . . الغارق فى الضباب الذليل على شاطئ البحيرة . . يعلم بالعويل يأتيه فى انغام الشاطئ المقابل ويغفو على انغام موسيقاكم التى تهزج خائفة لايكاد يسمع لها ركزا . وهمس رئيس الخدم . . وانحني . . وانسابت النقود من الكف المخروق مرة ثانية وضجت المائدة . . وانقلب الفندق الهادىء . . صالة صاخبة من صالات المدن لم تالفها القرى . وانزوى صاحب الفندق بشعره الفضى ونظارته الانيقة وامتد الضجيج الى الصباح . . والتقى الصباح بالمساء . . واختفى سالم وراء جدول كثيف من الاوراق المالية ينساب بين يديه صبحا ومساء . . . واستيقظت القرية الهادئة بكل شياطينها الظامنة إلى هذا الجدول الوحيد الذى كان ينقضها ، وعلت الكآبة والتساؤل رواد الفندق الهادئ وملأت الاشاعات القرية النائمة وراء
اعشاش الورود . . واختفى الصديق او كاد . . بين انفعالات الحياة الجديدة الحرية التى يحياها سالم وقد وجد الحياة ، ووجد المباهج فى ذروة الصورة التى صورتها له احلامه . .
وعرف قيمة المال الذى بين يديه وعرف كيف يسخره وان لم يحسن صرفه قط . . واقبل صاحب الفندق بطرق غرفته طرقا وئيدا . . يتحدث اليه فى رفق . . ان يرأف بنفسه وبشبابه وبماله . . وان يرأف بالجنة التى يعيش فيها . . ومن تحت الاردية الانيقة الثقيلة التى كان ينام تحتها سالم كان يحاوره بمرح وسخرية وكانت الحياة كلها تنطلق وراء الفاظه وكلماته وتعليقاته الساخرة ، وقد انقلبت الكلمات التافهة التى كان يحفظها من الافرنسية الى لغة ذات بيان وتبيين . . وهز رئيس الفندق رأسه فى شفقة وفي حكمة . . وغادره بابتسامة فاقت في عرضها الابتسامة التى ودعه بها سالم .
وامضى سالم شهرا كاملا فى هذا الفندق يعيش فيه كالصاروخ . وقد اختلط ليله بنهاره ونوره بظلامه . . لم يسالوه حسابا . . ولم يناقشوه أسبابا . . انفق فى جنون ولكن الفندق كان دائما مأواه ومطعمه ومصدر حاجياته الكثيرة . . التى لا تجد . . وتحدثت كل الاندية وكل
المطاعم عن سخائه . . وصمت الفندق الوقور ينتظر فيض هذا الكرم وهذا السخاء يوم السفر . .
واقبلت على الفندق ذات مساء . . وتحت وابل من المطر الغزير فتاة . . ترتجف من البرد . وترتجف من الرهبة وهى تضم فى حجرها طفلا صارخا عاريا . . . ألا من لفافة صغيرة . . طفلا فيه عربدة وفيه جمال ، وحارت اعين الناس فى هذا الفندق بين جمال الطفل وجمال الفتاة . . وبين عربدة الطفل وعربدة الفتنة على وجه الفتاة وتساءلوا عنها فى ذعر وفى ريبة . . وشهدت القرية الهادئة والفندق الحالم فتاة تتكلم بهدوء وثقة وتسأل صاحب الفندق ان يجمعها بسالم . . لتفضى اليه امرا . . . وهبط سالم وقد اخذته الفتنة . . واثاره فضول السؤال واثارت في قلبه صرخات الطفل الجميل العارى آلاف الغرائز والمشاعر والاحاسيس . .
واصغى اليها وحيدا ، ولم يعرف احد مادار بينهما ولكن الجميع شهدوه بعد ذلك وقد ضمها بصدق واخلاص وطيبة فى حبوة يسره وآماله العريضة وافرد لها كل ما وسعه كرمه ، ونسى ماضى رفقته ليذكر جديدها . . . وفي حمى هذا الكرم الاصيل . . عاشت صاحبتنا وسرها منطو في صدرها وسالم منطو عليها يغرق فيها
ولها كل ايامه وآماله وكل ساعات ليله ونهاره وكل محتويات محفظته ايضا . . واصبح سالم ذات صباح وهبط الدرج وجلس فى البهو بوجه شاحب مفزوع ، واعصاب ترتجف لاقل صوت واقبل عليه رئيس الخدم واصدقاؤه من كل الخدم الذين الفوه يسألون عن السر فى هذه اليقظة المبكرة . . وفى هذه الرجفة المبكرة وسألهم سالم عن الفتاة وابنها فأجابوه فى دهشة : الم تودعها فى منتصف الليل عند القطار ، انه لا يذكر الا شيئا واحدا . . هو اطياف ليلة افاق من سحرها وفتنتها على تلك الخاتمة الرهيبة . .
مضت الفتاة تحت سمعه وبصره حين ودعها بنفسه على المحطة . ولكنه ودع معها كل ما كان يملك من مال ، وما يدخر من رصيد لاداء دينه الباهظ فى الفندق ، أفاق سالم على هذه الحقيقة الرهيبة . . ودار رأسه وهو يقف مذهولا وقد احاط به كثير من النزلاء وخدم الفندق يتهامسون فى سخرية واشفاق وكان لا بد من انقاذ الموقف ووضع الرجل الطيب مدير الفندق الحل الذى لا يقبل سواه . .
ومنذ تلك اللحظة انقلب سالم الفتى الانيق الثرى المترف . الذي بهر نزلاء الفندق واصحابه بحياته المسرفة وسخائه المجنون . . انقلب
ندلا يعمل فى الفندق لخدمة النزلاء وينام على سرير متواضع على سطح الفندق الى ان يستوفى الفندق دينه الكبير . .
ومضت الأيام ثقيلة مهينة . . حتي اذا احتواه القطار بعد شهور وليس فى جيبه غير نزر تافه مما يبلغ به
القوت . . وقف صاحب الفندق بشعره الاشيب ونظراته الحنون يودعه
وعندما تحرك القطار امتدت يده بهدوء تقدم لسالم محفظته بكامل محتوياتها . . فقد احب صاحب الفندق ان يضيف إلى فصول حياته فعلا جديدا . . فكان ما اراد . .
