المنظر الاول
مبني كبير من مباني الاعتقال ، ) الوقت تشير الساعة الى منتصف الليل ، عباس بوخضر ، وصالح في نفس الزنزانة ، يسمع صراخا حادا .
عباس به خضر : ) قلقا ( لقد تركنا مدة غير قصيرة ، بدون محاكمة وبدون ان توجه لنا اى تهمة . . ) فجأة يسمع الصراخ الحاد ( . . ما هذا ؟ ما هذا ؟ ٠٠ صالح : ) مرتاعا ( . . لعلهم يعذبون شخصا جديدا ! . . عباس بو خضر : اظن ذلك ! . هؤلاء الكلاب ، قساة . . انهم يزيدون من ماسي الانسان المعذبة . . هؤلاء الذين وقفوا في وجه شعب الجزائر البطل ، يحاولون بكل ما اتوه من قوة وسلطان ، منعه من نيل حقوقه القانونية فى الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية . . سوف يلاقون -
العقاب الصارم على يد هذا الشعب الابى . .
صالح : ) متمما ( وهل هناك ريب في ذلك . . هل يعتقدون الطغاة ان لافجر لنا ولا شمس . . مساكين هؤلاء ! ) يزداد الصراخ ( . . هكذا يقتل ابناء الجزائر الاحرار فى اقبية السجون المظلمة ، على ايدى المظليين الفرنسيين عباس بوخضر : هذا هو الثمن . . ثمن الحرية . . الحرية تتطلب مزيدا من الدم ٠٠ مزيدا من الجهد والعمل . . مزيدا من التضحية بالارواح . . وبخلاف ذلك لن نكسب الحرية لشعبنا العظيم !
صالح : ) ينهض من محله مسرعا ( ولكن الا نستطيع ان نحطم باب الزنزانة ، ليتسنى لنا انقاذ صاحب الصوت ؟ . . ) يحاول في الباب (
عباس بوخضر ) نهارا ( ليس لدينا أى أداة ، لكى نحطم بها هذا الباب الحديدى ، أنه مصنوع من الصلب الجيد . . ولا نقدر على فتحه بأيدينا . . آه . . ) رافعا رأسه ( ليتنا نصل اليك أيها الشهيد . . شهيد الحق . . شهيد الوطن ! . . ولكن فلتعذرنا . . اننا مثلك مكبلون ماسورون ولكن رغم ذلك ارادتنا وقلوبنا واحدة لن يستطيع تجزئتها معتد أثم .
صالح : ) عائدا الى محله ( انهم لا يقدرون حماية نظامهم الفاسد الا بهذه الجرائم المنكرة ! . .
عباس بو خضر : ) ناهضا من محله ، يذرع الزنزانة جيئة وذهابا ( ان هؤلاء الطغاة . كمرض التدرن الحاد في اجسامنا . . انهم يجرون إلى المقبرة عشرات الضحايا الابرياء . . فى العام الماضى ، قد قتلوا اخي الشاب الذى لم يتجاوز الخامسة
والعشرين ، وكان من ضمن شهداء اخرين كان يساهم معهم فى الهتاف فى احدى التظاهرات الشعبية والتى اشترك فيها العمال والفلاحين والمثقفين والطلاب . وكافة الفئات الخيرة ، وقد انهار على هذه الكتل البشرية الهاتفة ، الرصاص كالمطر . . فى حين ان رجال المظاهرة لا يملكون ، ايما شئ يحمون به انفسهم . . والنتيجة ، فقد تساقط عشرات الشباب . . ولكن مع الاسف الشديد لم احضر هذه المظاهرة الكبرى ، اذ كنت محتجزا فى غياهب السجن ، ورغم ذلك فقلبى نبض مساهما معهم بالايمان بالحرية الكاملة لشعبنا . . ان السواعد القوية . . والصدور العارية هى التى تتزاحم لتدك معقل الاستعمار الفرنسى البغيض . . ) تتساقط بضع دمعات على خده ، يلاحظها صالح (
صالح : ) مواسيا ( لا تبك . . ان الفجر قريب . . فلتربط جأشك . .
عباس : ) بعطف ( . . انا لا ابكى . . ولكن بعض الدموع تساقطت بالرغم عنى . . لانني تذكرت دماء الشباب البرئ . والمجازر الوحشية التى يرتكبها الاستعمار . . فانا يا صالح كثير الاحساس ، والحوادث تترك آثارها السيئة فى نفسى . . ) تسمع فرقعة فى ثقب الباب ، وكأن يدا تهم بوضع مفتاح فى ثقبه ، يفتح الباب ، يدخل ضابط وجنديان ( .
الضابط : ) وهو يرفس عباس بحذائه ( قم يتقدم الجنديان ويقبضان على عباس ويهمان بالخروج به (
عباس : ) وهو خارج معهما ( مع السلامة ايها الزميل العزيز . . لا ادري متى اللقاء ؟
صالح : ) يشيع عباس بنظراته الحنونة خني اختفى ( سنلتفى ان شاء الله !
) يدخل الأربعه فى حجرة تعذيب يعرى عباس من ثيابه تماما ، ويطرح أرضا ، جندى يشد اقدامه بحبال ، ومن ثم يضغط عليهما بكل جسمه ، جندى آخر يضغط على رأسه بحذائه ( .
الضابط : ) آمرا الجندى ( هات السلك الكهربائى . . ) يجلب له ( اوصله بالتيار . . يوضع نهايته فى فم عباس ، يقوم جندى آخر برش ماء على جسد عباس ، يسرى ألم حاد فى اوصاله ، ويتمايل بجسمه من شدة الالم ، الجنديان يمنعانه عن الحركة ، تصدر منه صرخات الم متقطعة ( إذا أردت ان تعترف فما عليك الا أن تؤشر بأصبعك
) يكرر وضع التيار ، ولكن عباس تنخفض مقاومته تدريجيا ، لان جسمه بدأ يعتاد التيار ( .
الضابط : ) وهو يبعد التيار ( هيا . . ننقله إلى الماء . . ) يقوم الكل . الى بركة من الماء ، بينما يسعل عباس سعالا حادا ، فيتقيا ( ) موجها الكلام الى عباس ( سنغيبك فى هذه البركة ، وسوف ننتزع اقوالك بالقوة . . افهمت ؟ . . ) صمت ( .
عباس : ) مغتاظا ، وهو يسعل ( مجرمون . . هكذا تلعبون بالانسان . . انكم لا تتقيدون حتى بابسط المفاهيم الانسانية . . ما هذه الجرائم التى ترتكبونها بحق شباب الجزائر ؟ . . ولكن رغم التعذيب المر ، سوف تتحرر الجزائر وتأخذ مكانها تحت الشمس
الضابط : ) يستشيط غضبا ( الم يهدئك العقاب الذي حل بك قبل لحظات ؟ ! ) وهو يامر الجنديين بتغييبه فى البركة ( يظهر انه يهوى العقاب ، إذا كان كذلك فليفتح صدره لمزيد من العقاب . .
) تكرر عملية الضغط على عباس ، مغيب فى الماء حتى يهمد جسمه عن الحركة تماما . ويسارعون بانتشاله وتنكيسه لتفريغ الماء من بطنه المنتفخ ، لكى يعود للحياة حتى يواجه التعذيب مرة اخرى . ولكنهم يفقدون الامل كلية فى الحصول على اعتراف او قول ، فينقلون عباس الى محل آخر للتعذيب ، وهو الكى بالنار ، الضابط يقرب شعلة النار من قدم عباس العارية وتظل تشوى لحمه ، يقوم عباس بحركة كلها الم وتوجع ، ثم يصرخ بكل ما اوتى من قوة ، فتردد صرخته كافة اقبية السجن ، ويسارع الجنود الى سد فمه بقطعة من القماش ، ويظل كلما سلطت عليه النار ، يضغط على أسنانه ، وكأنه يحاول ان يحمي نفسه من النار التى تشوى قدمه ، ثم ينتقلون بشعلة النار إلى القدم الاخري وتفوح رائحة اللحم البشرى المعذب ، وتكرر العملية حتى تدمى القدمان تماما ويعجز عباس ان يوطئ عليهما . . ويفك رباطه وترمى عليه ملابسه ولكنه لا يستطيع تحريك جسده الا بصعوبة ، لان الم التيار الكهربائى . الذى عصر أمعائه وفكك تماسكها وقل نشاطها ، والتغطيس في الماء الذي كتم انفاسه وسبب الضغط الشديد على قلبه ورئتيه ، وكافة حواسه ، والكى بالنار الذى أزال اللحم من قدميه وسطا على العظم ، كل ذلك قد جعل جسده محطما ، لا يقدر على الحركة الا ببذل مجهود جبار . ثم سحبه الجنديان الى أن أوصلاه الى زنزانة بقرب زنزانة صالح ، ففتح الباب والقيا به فى اعماقها ، واغلقا الباب ، ولكنه راح في سبات عميق من الاغماء الشديد (
صالح : ) وهو يسمع انينا ينبعث من الزنزانة المجاورة ( ما هذا ؟ . . هذه أول
مرة اسمع فيها هذا الصوت . . لعله لسجين جديد قد آلمه الضرب المبرح الذي ينزله المظليون بضحيتهم عند القاء القبض عليها ) يفز من مكانه ، يدعو الى الحائط يلصق اذنه به . . يرفع رأسه ويرفع يده ويهوى بها علي الحائط ( من انت ايها المسكين . . تكلم . . انا مثلك أسير ) بصوت عال ( ايها الجزائرى . . ايها المواطن . . ) لا احد يجيب ، لنفسه ( لعله مغمى عليه ! . . ( يعود الى مكانه يائسا ( هكذا يقضون علينا . . يلقوننا فى ظلام الاقبية . . كل بمفرده . . لكي لا نعلم المصير الاسود الذى يؤول اليه كل منا . . ما اتعسنا هنا ! . . انهم يعزلوننا عن شعبنا لكى يشلو حركته . . ولكننا سوف نقضى على جهودهم . . سوف لن يكون لهم موطئ قدم فى بلادنا . . هؤلاء الذين يتاجرون بمقدرات الشعوب ويحرمونها حقها في الحياة والحرية . . سوف نرصف ارض الجزائر بالجماجم ونملأها بالدعاء الطاعرة ثمنا لحريتنا واستقلالنا من ربقة الاستعمار الفرنسي البغيض . .
