(( حملتك فضاءا . . عشتك زمنا . . ولتك بعدا . . )) الجندى المجهول
الفضاء :
عندما امسكت المظلة وخطوت وسط الوحل وقطرات المطر فكرت فيك بجدية فكرت في كل الكآبة التى يمكن ان تكون قد تلبست بوجهك . تصورتك واقفة بهيكلك الجامد امام نظرات والدك ليسمع صوتك المتعثر يسترجع احداثا مضت . قلت لنفسي ان وجودك فى افكارى يبدو كوجودى هنا وسط هذا الاطار لا معنى له لذلك كنت أريد الهروب من واقعى ذاك . اسرعت قليلا فوجدت قدم تغوصان فى الوحل وكان معنى ذلك انه يجب ان افتح عينى جيدا لانظر بهما الى كل الحفر التى تستقبل قدمى وانه يجب ان امسك المظلة جيدا وان ادرك القطار قبل ان يغادر المحطة .
عندما اسرعت كنت تفطنت الى شبح اسود يتبعنى وبدا لى ضبابيا تحت ضوء الفوانيس المتباعدة وفكرت انه قد يكون شبح والدك وانه قد يكون تركك هناك بين جدران حجرتك تتعثرين فى طبقات صوتك بعد ان قال لك الكلمات التى تبكى وبعد ان صفق الباب وراءه وانطلق فى اثرى . . وبدا لى ذلك جرا من الاطار الذى اتخبط فيه وبدا لى ذلك الاطار بما فيه من ملاحقة ومطر وظلام كالكابوس المزعج الممتد . . عندما صفعتنى الريح بصقت فكرة بدت لى جدية أكثر من وجودى هناك وهى انى فى اشد الحاجة الى مثل تلك الكوابيس لكى اجد مبررا كافيا لسعيى وسط شوارع مدينتكم الواسعة الموحلة بكل الصحو الذى يمكن ان يكون فى حركاتى وبكل ماترميه هذه الشوارع على ثيابى من فضلاتها وروائحها وضوئها . . وجدت حاجتى شديدة الى ضحكةطويلة وبصوت مرتفع يوقظ مدينتكم من بكائها . . وبدت الاشياء فى تداخلها وتناقضها فى حاجة الى التجاوب . . ووجدتنى الهث بقدمين تغوصان فى الوحل وفى المياه المتجمعة وفكرت انى ضفدع يمسك بمظلة وكانت المظلة تنتحب وترسل دموعها على كتفى وفكرت فيك بحزن اكبر . . . واحببتك فى اعماقى بعمق
اكبر . . . وتناسيت اباك وتصورتك تنظرين الى الجدار وصوتك يتعثر فى حلقك وانت تبصقين للصمت ولاذني أبيك حكاية البيضة الملونة الحمراء .
(( . . . امسكت تلك البيضة الملونة الحمراء بين يديك ووقفت انا الى جانبك لاقول لك انها كبيرة وحمراء وجميلة . . .
قلت ان أمك قد قالت لك انه يجب ان تحافظى عليها جيدا لانها بيضة عاشوراء .
قلت لك لماذا لا نجلس لننزع عنها قشرتها ونرى كيف تكون بيضة عاشوراء من الداخل ؟
قلت انك لا تريدين ان تغضبى امك وان البيضة قد تكون غير مغلاة وانه قد تعطى طائرا اذا استطعت ان تحافظي عليها . . .
وكنت مفتونا بالبيضة وكان الجوع يعمل فى افكارى وكنت قد لاحظت ذلك لذلك بدأت تلقين الى بصوتك لتحكى لى حكاية المطرقة المذهبة الرأس التى يملكها والدك . . . ))
وتصورتك بكل الاشياء التى تتوالد فى اعماقك وكنت مشرقة وجذابة فى خيالى . . وولدت الاضواء التى حولى فى شعورا بان الاشياء لم تكن لتكون على تلك الصورة وان اباك لا بد ان يكون غاضبا جدا لكى يبعث كل تلك الضوضاء فى حركاته . . ووجدت نفسى اجرب الشعور بالخوف ولكنى لم اشعر الا بالهوة العميقة التى توجد بين اعماقى وبين الاطار الذى حولى . . وامسكت المظلة جيدا وقفزت من البركة التى كنت فى اعماقها واجتاحنى شعور بالخفة والاستعداد . . وفهمت ان اباك قد فسر الاشياء حسب منطقه وان منطقه قد جعله يعتقد انه لا يغضب لمجرد الغضب بل لان صوتك كان خائفا ومتعثرا بما فيه الكفاية . . .
(( . . . وكان من الشاق ان اجدك رغم عنادك جذابة ومغربية بيديك القابضتين على البيضة الملونة وبكل تلك الابتسامة التى زرعت على شفتيك . . وكنت . . وكنت ٠٠٠ )) .
وكدت اومن بصحة تلك الافكار لو لم اتفطن الى ان والدك لم يغضب لمجرد
الغضب وانه يلاحقنى باصرار اعظم وانه يبدو ورائى فى وحل الشوارع واضوائه يلوح بتلك المطرقة التى كنت قد حدثتنى عنها . .
((. . . قلت لي ان اباك يملك مطرقة مذهبة الرأس ذات مقبض مرصع وان والدتك تحتفظ بها مع اشياء زواجهما وانك عندما كنت طفلة مأخوذة بتلة المطرقة كنت تبكين طويلا لان امك تمانع فى اعطائها اياك . . واضفت انى ابدو الآن مأخوذا بالبيضة الملونة كما كنت انت مفتونة بالمطرقة المذهبة . . . )) .
وكان في حركات والدك من الجد ما جعلنى اعتقد ان لسانك رغم ما قد يكون عطله من تعثر الا انه توصل الى ان يقول الاشياء التى ينتظرها والدك . . وبعثت في قدمى جهدا من الحركة . . وسمعت صفير القطار بعيدا ورائى ولكن المحطة ابعد منه .
(( . . . و كنت قريبة منى عندما اطبقت يديك على تلك البيضة الملونة وبقيت يداك فى مستوى صدرك وارسلت نظرك بعيدا وحدثتنى عن قصة ولدتك التى امسكت بيضتها ذات يوم عندما كان والدك شابا لم يركبه التجهم الذى يلاحقنى به الآن في ذلك العهد وكيف انه كان يفكر فى تقشير البيضة وكيف ان والدتك كانت ترغب في الاحتفاظ بها وكيف كان أبوك مندفعا . . وكانت يده ممسكة بالمطرقة . . وكانت يده اكثر اندفاعا ووجدها تسبق افكاره الى قشرة البيضة ووجد ما فى داخل البيضة سيل على وجه امك وثيابها . . وكيف ضحك الاثنان في وقت واحد ثم شرعا في تنظيف ملابسهما واحتفظنا بقشرة البيضة وبالمطرقة الذهبية فى صندوقهما الزجاجى . . . )) .
ووجدتك تقفزين الى افكارى ( وقفزت فوق بركة كادت تغوص فيها قدماى ) بوجهك الضاحك وانت تحدثيننى عن وجهك الكئيب وانت تنصتين الى امك تقول لك : (( ما زلت صغيرة ولست فى حاجة الى هذه المطرقة الآن . . ستصبحين كبيرة ذات يوم وستكون لك مطرقة اجمل من هذه . . . هذه البيضة حافظى عليها جيدا . . ضمى عليها يديك جيدا فحرارتهما ستبعث فيها الحياة وسيخرج منها طائر عندما يحين ذلك . . . )) . وتصورتك وانت تبكين مطالبة بالمطرقة ( وبكت المظلة على وجهى وغاظنى كثيرا ان تكون المحطة بعيدة بهذا الشكل . . . ) واستعدت صورتك وانت تحاولين ان تقنعينى ان البيضة لم تنضج بعد . . وانا احاول ان اخفى عليك تلك الفكرة التى بدأت تنمو في رأسي . . وغاظني ان اجدك لعبة قديمة منسية . . وغاظنى ان تلعبى
بافكارك و بعواطفى . . وقبلتك بوحشية . . ثم حدثتك عن تلك المطرقة المذهبة الرأس التى أملكها فى غرفتى . . ووضعت البيضة فى حقيبة يدك وسرنا إلى غرفتي لاريك اشيائى . . وجلست هناك على فراشى ( كما اجلس الآن في الوحل بمظلة مثقوبة مزقتها الريح . . وكان يجب ان لا اجد كل هذه القطرات تتساقط على وجهى لكى احس بكل هذه الكآبة والغيظ . . ) . واريتك تلك الصورة التى تبديني بوجه اقل طفولة . . واعجبتك الصورة . . وحاولت ان ألبس صورتى بماعليها من قسماتى . . ومددت يدى الى احد الادراج لاخرج مطرقة مذهبة الرأس مرصعة المقبض . . وكانت تلك هى المفاجأة وكان فى أعماقى من الرغبة الشئ الكثير لكسر تلك البيضة التى فى حقيبة يدك . . وشعرت بما على وجهينا من تجاهل لما يقع خارج غرفتي ( وكان وجودى هنا وسط كل هذا الوحل وبكل هذه الضجة التى تحملها الريح الى من قدمى والدك وبكل هذه القطرات المتساقطة على وجهى . . كل ذلك بدا لى زمنا جامدا . . ولم اكن قد تعلمت ان احيا الدقائق الميتة لانى لم اتعلم الخوف من قبل ) . . . وتكورت يداك على البيضة الملونة الحمراء نرنو اليها تحت ضوء الشمس . . وانضمت أصابع يدى اليمنى حول مقبض تلك المطرقة المذهبة الرأس وبقينا ننظر اليها تحت ضوء الشمس . . وفتحت فمك اعجابا وفتحت عينيك . . وفتحت صدرك . . وكان ان ابتلعنى صوتك عندما كنت تهمسين كأنك تحدثين نفسك : (( ولكن ماذا لو وجدناها نية ؟ ! ! . . . ))وبقيت تنظرين الى . .
( وبقيت انظر الى المحطة التى جمدت فى هيئتها وسط الليل كما جمدت أنا وسط الوحل . وفكرت ان اباك قد يكون اقترب اكثر وان القطار قديكون اقترب اكثر كثيرا . . وان جلوسى هنا وسط الوحل وبكل هذه الريح حولى وهذه الاضواء التى تبصقها الفوانيس المتباعدة وهذه المظلة التى تصطفق مع الريح كل ذلك لن يعيننى على التخلص من هذا الكابوس الضخم الذي يجثم على أفكارى . . وكان ان تحركت يدى بالمظلة لارتكز عليها . . ) . وكان ان وجدت ان يدى قد تحركت بالمطرقة ليسيل ما بداخل البيضة على الفراش . . وفهمت كم كنت احمق ( ونهضت واقفا لانظر الى والدك وهو يقترب اكثر وفى يده تلك المطرقة المذهبة الرأس يلوح بها . . ) . ووجدت مفهوما جديدا للزمن . . ووجدت ان الاشياء التى اكلتها طوال حياتى قد بدأت تهضم بطريقة سريعة جدا وفعالة وبدأ لى غريبا ان احس بها تكتسح جسدى ( واكتسح صوت عجلات القطار اذني في ذلك الحين الذى كان فيه والدك قد اقترب منى الى حد مزعج . . وفى ذلك الحين الذى اخذت فيه قطرات المطر تواترا اسرع على وجهى . . ) . ويبدو انك قد تذكرت صباك لكى تعود دموعك التى حدثتنى
عنها بتلك السرعة . وكنت انتظر ان تضحكى كما فعلت امك عندما انكسرت بيضتها . . وكان مؤسفا ان اجدك قادرة على كل ذلك البكاء . ومع ذلك السائل المنزلق من بين القشرة المحطمة لاحظت دموعك وهى تستقر وسط هدوء غرفتى الذى بدأ ينفتح عن العالم الخارجى . . ولثمت ما على وجهك من دموع ويبدو ان ذلك لم يعمل الا على تركيز فكرة انه كان من الممكن ان تعطى البيضة طائرا . .
وعندما توصل فمك الى الانفتاح فى النهاية فكرت انك قادرة على نسيان الاشياء المؤلمة وفكرت ان اقبلك بكل ما املك من ضمير يدفعنى الى اتقان تلك الحركة . ووجدت ان الضمير يتجاوز حدود الزمن الميت ( وحاولت ان افتح المظلة من جديد وبدأ لي غريبا ان اجدها مجرد اشلاء لا تستجيب . . وكان القطار قد دخل المحطة بعينيه المضيئتين . . ) وكانت فى عينيك حيرة أليمة وتفطننا الى ان الشمس لم تعد تشملها وسمعتك تسأليننى : (( ماذا سأقول لأمى ؟ . . .)) و كان فى نظرتك كثير من الخوف والندم . . .
عندما ودعتك امام باب منزلكم همست لى : يجب ان لا تلاحظ أمي ان ثيابى ملوثة ! ! ! )) . ووجدت انك مازلت وستبقين دوما تلك الفتاة التى تملك رصيدا وافرا من الطيبة . . وعندما قبلتك وجدت ان شفتيك مثلجتان ووجدتك ترتعشين . . وهربت منك فى اتجاه المحطة . . . ( وكان القطار يغادر المحطة عندما قفزت فى العربة الاخيرة ووقفت انظر الى والدك وهو يلوح لى بمطرقته من بعيد وينظر الى القطار فى غيظ وحملت الى الريح بقية كلماته الغاضبة : (( لماذا . . . لماذا طالت لحيتى الى هذا الحد ألكى تقع فى الوحل ؟ ٠٠ لماذا ؟ . . لماذا ! ؟ . . )) .
قدم الملف الى المحكمة ولكن المحكمة طالبت باعادة النظر فيه . قال المؤلف بعد ان قرر ان يفتح الملف من جديد : (( قضية قديمة مثل الزمن . . قضية لم تجعل لتربح بل لتعرض ! . . )) . واعاد المؤلف عرض القضية من جديد . قال فى نفسه : (( هذه المرة سأغير وضعية الاشخاص ! )) .
الزمن :
وضع البناء حجرة فوق حجرة فوجد ان اللعبة اكثر من مسلية واكتشف
ان وضع الاشياء فوق بعضها يخضع لمنطق خاص بها لذلك نمت الحجارة بين يديه وكان يسقيها بعرقه وكانت تتمدد فى الفضاء الذى يسع الاشياء ويسع افكاره وكان ينفخ فيها هواء صدره وكانت تتضخم فى الزمن الذي يكيف الفضاء . . . اخذت البناء نشوة البناء ثم افاق على المدينة الكبيرة تنظر اليه بكل ما فى جدرانها من ارتفاع وشموخ ووجد نفسه صغيرا حقيرا بجانبها . وتراءت مجموعة نقائص على شكل نفايات سوداء تغيب بين الجدران . سأل نفسه : (( هل هو أنا الذى رفع كل هذا ؟ )) . ولم يستطع ان يصدق ذلك . .
بعثت المدينة الخوف فى أعماقه وكان ذلك اكثر من مزعج . . . منعه ذلك الشعور من تذوق الزمن الذي مدت ورفعت خلاله تلك الحجرات . وكانت حجرة ثم حجرة . . . ثم . . . ولكن كيف كانت مدينة ؟ لا ! لا يمكن . . . لا يمكن ان تكون هذه الاصابع القذرة والمتشققة رائعة الى هذا الحد . لا ! لا يمكن . . . وكان جميلا ان يحس البناء بكل ما فى أعماقه من اعتزاز وفخر لانه انتج شيئا شامخا هائلا . . وجد البناء ان اصابعه لم تكن قبيحة جدا كما كان يتصور ووجد ان بقايا الملاط قد امتدت مع اظافره وكان فى حاجة الى الماء النظيف والصابون الجيد . . وكان فى حاجة الى شئ يغسل أفكاره . . .
وبقيت البقايا السوداء على الجدران مجرد بقايا من بقايا مما ورثه من الاشياء - والأشياء الموروثة عندما تكون متداولة تكتسب ميزة التحف - وكان جميلا ان يكون الاعتزاز شعورا فى متناول البناء وفاض الاعتزاز على جوانبه وكان زبدا طغى على عقله وعينيه وكان نشوة . . . لا يعقل أن تولد الاشياء بهذه الطريقة فى غير زمنها ! فكر ان منطق الاشياء قد بدأ يخدعه وكان فى اشد الحاجة الى ذلك الشئ الذى يعيد الى الفضاء منطقه وابعاده ولكن الزمن كان ميتا . . . وكما تستيقظ الساعة التى توقفت بعض الوقت من تلقاء نفسها استيقظ البناء على صوت ضخم هز المدينة وشعر ان الزمن قد ولده بشكل آخر . . . وعندما فتح البناء عينيه كان الاعتزاز قد ذاب فى الزمن وكان الزلزال قد فتح بعدا بين الجدران العالية الشامخة وكان الانفتاح قبيحا فى ذلك الفضاء وكان باعثا على تفجير الاشياء فى نفس البناء الذى تفطن الى تشققات اصابعه بحدة اكبر . . . فكر فى كل ما أمكن ان تبصقه هذه الارض التى يثقل ظهرها ببنائه ووجد فى ذلك كل الفضاء وكل البعد اللذين يمكن ان يعذبانه . . وعاش الزمن كابوسا . . راودته فكرة المطرقة العظيمة من قبل ولكن لم يفكر في مطرقة عظيمة تفتح بعدا فى مدينته . كم هو فى حاجة الى غسل افكاره . تلك الافكار التى اصبحت ترى انه من الممكن ان تمسك يد كبيرة كبيرة مطرقة عظيمة عظيمة لتهوى بها علي مدينة شامخة شامخة فترمى
بقشرتها وسط الفضاء الذى يسعها وتغوص المطرقة العظيمة العظيمة فى الارض التى تحوى المدينة وتبصق تلك الارض ذلك السائل الذى فى جوفها على اصابع البناء تلك الاصابع التى هى فى حاجة الى الماء النظيف والصابون الجيد .
وكان السائل قذرا وبدا للبناء كشىء صالح لغسل الافكار . . . وبدا له ان اليأس عذب عندما فكر ان ذلك لن يدفعه الى اكثر من اعادة البناء من جديد ولكن قبل ذلك يجب ان يسترجع ذلك الشئ الذى يسمى زمنا . . . وانطلق يبحث عن شئ آخر غير اليأس . . بحث عن الزلزال الذى قلب منطق الاشياء . وكان يتمخض عن سؤال صنع الزلزال فى افكاره : (( لماذا ؟ . . لماذا كان يجب ان تتشقق اصابعى الى هذا الحد اذا كان ما رفعته ينفتح بهذه السرعة تحت تأثير أول مطرقة ؟ ؟ ؟ . . . )) . حمل البناء مطرقته فى يده وشرع بها الارض بحثا عن الزلزال الذى دق مدينته الى ان دق عتبة (( قصر العدالة )) .
قدم المؤلف القضية من جديد باسم البناء . تعالت الاصوات فى القاعة محتجة . وقف المحتجون ليتقدم كل منهم فيدل باسمه وباحتجاجه .
- المفكر : احتج باسم الحرية لان المؤلف أبدل اسمي باسم البناء واسم حرية التعبير باسم المدينة واسم الرقابة باسم الزلزال . .
- السياسي : احتج باسم التاريخ لان المؤلف أبدل اسمى باسم البناء وأبدل القضية بالمدينة وجعل من الاستعمار زلزالا يهدم ما نبنى . . .
قاطعه المفكر فى حدة : - قضيتك قدمت بالامس . لقد انتهى دورك عندما زال الاستعمار . انت شخص لا تعيش منطق الزمن !
- وانت لم يأت دورك لانك شخص تركبه مجموعة من النقائص اسمها الخوف والانانية والنفاق !
تقدم بقية المحتجين : - باسم الانسانية . . .
- باسم القانون . . .
: . . . . . . . . . . . . . . . . . . رفضت المحكمة النظر في القضية لانها تخضع لمنطق القانون .
قال المؤلف لذلك البناء الذى فى أعماقه : ((قد تكون العدالة ابعد نظرا مما ذهبت اليه . . . قد أكون بناءا من الصنف الردىء . . . لم اعرف كيف أربح هذه القضية . . . ولكنها قضية لم تجعل لتربح بل لتعرض . . . )) .
قضت العدالة ان تكون قاعة المحكمة خالية الا من المؤلف والقضاة .
أحرق المؤلف أوراقه والتجأ الى مصلحة الجوازات يطلب جواز سفر . قدم للمحاكمة بتهمة استعمال اسماء مستعارة . كانت قاعة المحكمة خالية الا من القضاة .
البعد :
كنت مستعدا لتلك المحاكمة وكان من المؤسف ان تكون قاعة المحكمة خالية الا من شخصى ووجدتها قاعة واسعة بكل ما فى فضائها من امتداد ولم يكن بعنيني كثيرا ان يوجد جمهور ليستمع الى ما كنت اريد ان اقوله . كنت اعلم ان شمعة ما ستضاء وانه يجب ان اتكلم الى ان تنطفئ تلك الشمعة . من تلقاء نفسها . كنت أحس بكل تلك العيون تنظر الى من خلال ذاكرتى وكانت كلها عيون قضاة .
وقفت فى ذلك الفضاء متجها بنظرى الى الحائط المقابل وكانت الاضواء تسلط على جسدى بطريقة تلقى بظلي الى جانبى لينكسر عند الزاوية وكنت افكر ان ظلي الذي ينكسر عند الرقبة هو مجرد شئ اتخيله ليبعث الانس فى نفسى . كنت مرتاحا لاني قد احرقت كل اوراقى وكنت اعلم ان كل ما بلزمنى فى ذلك الفضاء الواسع هو ان اتكلم وان اجد الكلمات التى يمكن ان تملا الزمن الذي يجب ان اقضيه واقفا . كنت اشعر بحدة الاضواء واعلم انها ستخفت تحت تأثير الزمن وانى فى حاجة الى ان اتكلم الى ان افقد ظلى نهائيا .
كانوا قد قالوا لى ان القاعة ستنفتح بكل جدرانها عن كل العدسات التى يمكن ان اتصورها بكل العيون التى تخفيها وراءها جمهورا تحركه روح المجموعة . كانوا قد قالوا لى انه يجب ان استعد جيدا وان اركز نظرى على
الفانوس الكهر بائى الذى ثبت فى مقابلتى وانه يجب ان افتح فمى بمجرد ان يضاء ضوؤه الاحمر .
كان بيضة حمراء التهبت فجأة عندما تصورته مضاءا . فتحت فمى : كنت اسميك عدالة وكنت تبكين لاشياء تافهة وكنت طيبة وكنت أتصورك بيضة تنكسر تحت الضغط وكنت تبكين لمجرد ان امك قد منعتك من اللعب بمطرقة أبيك المذهبة وكنت اعلم انك زهرة رقيقة لذلك فهمت انه يجب ان اهديك مطرقتي لانك تستحقين ذلك . . . وجدت فى نفسى من الانانية ما دفعني الى ان البسك اقنعة متعددة لتهربى من المعنى ونسيت انك كنت فى يوم ما تحملين اسم (( المدينة )) عندما كنت مجرد (( بناء )) ونسيت ان اى مطرقة فى اى مدينة يمكن ان تتحول الى أداة فعالة هدامة . وكان يمكن ان اهواك كما انت مدينة بكل الاخاديد التى تشق فضاءك وكان يمكن ان نواصل رفع الاشياء انا بعقليتى البنائية الضعيفة وانت بفضائك الموحى بالبعد والشموخ . . . ولكن لم يكن ممكنا ان اهرب بك من الزلزال . . . لذلك سميتك عدالة . وكان يمكن ان اهواك كما انت عدالة ضعيفة مدللة بكاءة .
وذات يوم وجدتك تملئين فراشى وكنت شابا ريانا بالنسغ وكنت لعوبا تهوين الاسماء كما تهوين الاقنعة والبستك قناعا جديدا وثوبا جديدا وكنت ((انسانية )) وكان ثوبك فضفاضا وتياها ومفاخرا وكنت عبثا وطيشا ومجازفة وذات يوم وجدتك تذوبين فى ثوبك الى الحد الذى لا اعرفك فيه لذلك مزقت ذلك الثوب وألبستك الاقنعة الاخرى . وكنت تلك القضية التى تجسدت فى حياتي وحملتك في افكارى وقررت ان اضع الاشياء فى اطارها الخاص وسفكت مع دمى ولكنك لم تغادرى افكارى . . . ولم استطع التخلص من ذلك الكابوس الذى لبسنى . . وحملتك دائما فى ذاتى . . وكان الزمن يقهقه لانى كنت ذلك الشخص الذي يسبح بيديه ورجليه دون ان يتحرك من مكانه . .
وكان مؤلما ان اكتشفك - كما انت هيكلا محدودبا احوف . . . وألبستك قناعك الآخر والآخر والآخر و كنت عطرا وكنت انطلاقا وكنت حلما . . وحركت الافكار فى عقلى وكنت في حاجة الى شئ يغسل الافكار . . . وحركتك فى افكارى لاجدك تركبينها ولاجد نفسي في اعماق بيضة كبيرة مجوفة ملونة من الخارج جذابة تسمى (( الغربة )) وتسمى (( الانسلاخ )) وكانت خانقة وقاتلة من الداخل وكنت قذرة فى ذلك المحيط وكنت وحلا وغرقت فيك الى ان ابتلعتنى ثم لفظتنى ممسوخا بحواز سفر (( أديب )) لم يثبت امام التاريخ وكنت قصة وكنت مؤلفا وطالت القصة واهترأ جواز سفرى وانتهى اجله ووجب ان ابدله ووقفت امام مصلحة جوازات السفر لابدل جنسيتى . . .
كم يبدو مزعجا ان اقدم طلبا للحصول على جواز سفر فاجد نفسى متهما امام محكمة التاريخ باستعمال جوازات سفر باسماء مستعارة . . .
وكم يبدو مزعجا يا افكارى ان تكونى بيضة وان تكونى سجنا وان احافظ عليك بكل الحاجة التى تدفعنى الى التنفس من خلال قشرتك القاتلة وان لا اجد فى نفسى الشجاعة الكافية لكسرك .
انا لم اتحيل عندما استعملت اسماء مستعارة كثيرة . . . لقد كنت كل ذلك ولكن . . . ولكن لن اسكت . . . : )) .
اغلقت فمى . تفطنت الى ان الفانوس قد اضئ فى الحين ثم سمعت حركة العدسات وهى تستعد للتصوير . . . كسرت تلك البيضة الحمراء التى كانت مرتسمة امام وجهى . عرفت ان ما قلته لم يسمع ولم يسجل وعرفت انه يجب ان اتكلم . وجدت من الشاق ان اعيد حكاية البيضة الحمراء من البداية الى ان انطلق القطار وبقى الأب يطرح سؤاله : (( لماذا ؟ ! . . لماذا ؟ ؟ )) . وجدت من الثرثرة ان اطلب من ذلك البناء الذى فى اعماقى ان يعيد بناء مدينة كاملة هدمها الزلزال . وجدت من التمثيل ان اراجع كل الكلمات التى نطقت بها ليقع تسجيلها . فتحت فمى قلت :
(( قضيتى لم تجعل لتربح بل لتعرض . . . وسأعرضها على شاشة أفكارى . . .)) .
