لفظتني الحافلة فعانقت الفضاء ... الفضاء الذي تخافه امي وتخاف علي منه . قالت لى امي : " اناهنا يا ابني في هذه الدار بين الجدران منذ خلقت . تغيرت الجدران بالطبع ، ولكن الجدران دائما الجدران مطبقة ثابتة . امك انست الى هذه الجدران وتعلمت كيف تتحملها . اخاف عليك يا ابنى فضاء المدينة !...
خفت الفضاء فتقلصت لآخذ منه بأقل من حجمي ، مشيت في الازقة الضيقة ، الازقة الظلماء المطبقة ، كنت اغوص في الزحام وانزلق بأقل حركة وبأكثر سرعة ، الوقت ... الوقت الوقت ايضا يخيفني !... يخيفني كالفضاء ، الفضاء يغريني بالحرية المزيفة والوقت يقيد هذه الحرية .
يجب ان اكون في المطعم الجامعي قبل الثامنة والنصف ، المطعم يقفل عند الثامنة والنصف ومراقب التذاكر يخاف هو ايضا من الوقت لذلك هو يصر على الا يقبل احدا بعد فوات الوقت ... اخيرا وصلت ... وصلت قبل فوات الوقت ، كان الزحام شديدا ، الاجسام تضغط على الاجسام ، الانفاس تحرق الانفاس ، ارهقني الانتظار ، الانتظار !... الانتظار دود جائع ينهش العمر في صمت ، نلم اشتات اللحظات ونهرب فيلاحقنا اينما نذهب فى الحاح الكلب ... ننتظر امام الشبابيك ... في محطات الحافلات ... اما المطعم ... فى المقاهى ... امام المكتبات ... ننتظر ، ننتظر والدود دائما جائع يصر ويود ابتلاعنا !
تضايقت من الزحام فبسطت وجهى على كفي وعركت جبيني وقد اغمضت عيني ثم فتحتهما وجعلت احملق في بلاهة الاحمق في الوجوه الجامدة المتقلصة فعرفت منها وجها ... كانت هي ! شاهدتها وتيقنت باحساس غريب انها هي ايضا شاهدتني ، كانت بقربي وكنت اناديها من اعماقي
ولكني تجاهلتها ، واجهت الزيف بالزيف تحاملت على نفسى ولم اتكلم . ماذا اقول لها ؟!..
بيني وبينها جدار ، جدار بناه الزيف وشيدته الوحشة والاغتراب ... جدار يسد على افق حياتي ويطمس فضاء نفسي . تحول الجدار الآن الى كتلة بشرية مضطربة تبتلعني وتعصرني بمناكبها .
تحرجت من ذراعي ولم اجد كيف اضعهما ، احسست انهما زائدتان ... ليستا مني ، لو خلق الإنسان بدون ذراعين لكان اقل تحرجا . فتشت جيوبى ... طوقت صدري ... لمست عنقي ... لافائدة ! ذراعاى زائدتان لا اجد لهما مكانا .
كنا ننزلق في توتر اللحظات امام طاولة مراقب التذاكر نبيعه اوراقا بافلاس مزيفة ، وضعت فلسي الاصفر وتناولت طبقا حديديا وامتدت الايادى تضع فيه ما يشبه الطعام ومررت لآخذ الخبز ، الخبز بلا ثمن ، بلا افلاس مزيفة . وانزويت في مكان بعيد عنها . لا فائدة ، بيني وبينها جدار والضعفاء لا يقوون على تحطيم الجدران وانا لا احسن استعمال المعاول .
كانت خواطرى تجول فى محجر الاوهام ويدي تحمل الطعام الى فمي في ارتعاش وتقلص . كنت اقضم الحجر واسف التراب ، كنت اجهل صلابة الحجر وطعم التراب فتعلمته فى ذاك المساء .
حياتي صلبة طعمها تراب . اعيشها في خوف بأعصابي ... بوجداني ... بحسي . خفت عليها عبث الاحداث فخبأت لحظاتها بحرص في معطف الزمان وطوبته في اعماق الوجود واطلقت نفسي تعبث بها اوراق الرياح وبقيت مع افكارى الطمها بيد الاحزان فتصيح وتعوي وكياني لا يرد لها صدى . كياني ضيق اظلم كقبر مهجور حطمته الاعاصير .
قيل لها : هو يريدك . فقالت : دعوني فما فى هذا افكر .
هو ذاك . انا ايضا لم افكر . لولاك لم افكر . وفي غيرك لن افكر ... كوني على يقين بأنى الآن افكر ... افكر واتعذب .
بقيت وحيدا فى قفر الزمان الموحش . بيني وبينها جدار ! جدار بناه الزيف وشيدته الوحشة والاغتراب . ما ذنبى ! ان كان بيننا جدار . ما حيلتي ! وهي لا تريده ينهار . عزائى الوحيد امل حالم يخترق ذلك الجدار فأراها من خلاله ضبابا ونورا يرتعش ويعبق كرائحة الحنين . ولكن يأتي الليل فيخنق خفقة ذلك الامل الجميل . فألتصق بالجدار واعود الى وحشتي وتوتري وابقى كـ " سر بروس " احرس " برسفون " مترقبا الصباح .
مرت الايام ثقيلة طويلة تمحو عمري في صمت مأتم . وفي يوم من هذه الايام دعاني صديق لحضور حفل عيد ميلاد صديقة لنا فلبيت واجب الصداقة مكرها . كان الاصدقاء يتداعبون ويتهامسون والابتسام يقطب وجوههم . ملؤوا الكؤوس ... شربوا ... داروا بالاطباق ... اكلوا . وكانت القهقهات ، وكانت التهاني ثم انطفأت الشموع وانطلقت الموسيقى تزمجر في صخب فتحركت السيقان وانتفضت الابدان وجعلوا يرقصون .
قبعت في زاوية وتناولت كتابا . كنت امر بين السطور وكأني بسرداب ضيق مظلم . اتحسسه . امد يدى فى الظلام ... فى الفراغ !... ازيح الظلمة بكبريتي . تموت خفقة النور الضعيفة وتذوب في دياجي الظلام ولا ارى شيئا . ترى ! اين يصب هذا السرداب ؟ تراني انهيه ام ينهيني ؟ ! كل شئ غامض ، مستتر : الحروف ... الكلمات ... المعاني ... كل شيء غامض . لا افهم . يجب ان اخرج من هذا السرداب . يجب ان امشي فيه حتى ... لا ادري ! يجب . يجب . نفد كل كبريتي ولم يبق سوى عود ثقاب واحد ، اشعلته وبقيت احملق واتحسس ... وامشى احسست بالكبريت يحرق اناملي تحملت الاحتراق حتى احترق كله وحرق معه أعصابي فنثرت الرماد ووضعت اناملي في فمي اغسلها بريقي وبقيت امشي ... امشي ...
وفجأة سمعت صوتا اقتلعني من السرداب . تجاهلت النداء وانغلقت في السرداب . كان صدى النداء يرتعش ويضيع فى السرداب فيوقفني ويمنعني من السير . رفعت راسي فاذا الفتاة التي نحتفل بعيد ميلادها .
- سيدي ، اتسمح بهذه الرقصة ؟
ارتبكت ولم استطع الرفض . ان الضعفاء لا يرفضون .
التصقت بي وجعلت تتمايل في رقة الجنون . كنت اهتز كالمعتوه ودست قدميها كم مرة . ففهمت اني لا احسن الرقص ولكنها ابتسمت وازدادت التصاقا بي . اصابني ازورار وضيق وتمنيت لو تنتهى الموسيقى في الحين . كنت ادور في حركات دائخة . ادور حول نفسي ... حولها ... حول الناس ... حول الفراغ ... كان الارهاق يعصرني ويكبت حركاتي شيئا فشيئا ... حتى انتهت الرقصة .
جذبتني الفتاة قائلة في تودد :
- لا بد ان تذوق كعكة عيد ميلادي وتشرب معي كأسا .
- تفضلي ... تفضلي ...
مسكت كأسي في اطراق وصمت . لم استطع النظر اليها ... الى وجهها ... الى عينيها . كنت خائفا وكنت مرتبكا . آه لو استطيع النظر اليها ! ان احدق في عينيها !... قالت لي :
- انتم الرجال اخافكم ومع ذلك استسلم لكم - انت تخافين من نفسك . - نفسي لا اخافها لاني لا اكبتها .
- انت تتلاعبين ... انت تجعلين من الافكار قناعا ولا تبحثين عن وجهك الحقيقي .
- ماذنب وانتم لا تريدون الوجوه القبيحة . انتم مجانين ! - وكيف ذلك ؟ . - انتم تأكلون البصل وترضون بنتونته - اتكرهين النتونة ؟ - اخاف عليكم ان تفقدوا طعم الحياة .
- اتجدين للحياة طعما ؟ - طعم الحياة ان تستسيغوا الوجود . - اخاف عليك ان ترتبكي بين الوجود والحياة . - ليس هذا الذي يخيفني... يخيفني الضياع !... ان تضعوا في الاوهام - دائما التعقيد . هكذا مزاجكن انتن النساء . الحياة عندي فترات متفاوتة
العمق اعيشها ثم تمر وقد جربت بعض ايام من عمرى وما يبقى منه فلست مسؤولا عنه .
- انسيت الزمن ؟ الزمن الذي يقيد الحياة . - لا افهم . - جدار الزمن ! جدار الزمن الذي يقف حدا بين العمر والحياة .
خدعتني هذه الفتاة الذكية . احسست بنفسي اصطدم بذلك الجدار الذي بناه الزيف وشيدته الوحشة والاغتراب . تذكرت جدار " سارتر " فتقلصت شفتاي في ابتسامة بلهاء وخرجت العن الماضي واسب الحاضر ... واشفق على المستقبل .
خرجت اتيه فى شوارع المدينة كمجنون هارب يبحث عن كل شيء ولا على شيء . شعرت ببرودة فى يدي ... كانت يدي على السياج الحديدي الذي يطوق قبر الجندي المجهول . على القبر زهور واعشاب وانوار ساطعة . فتمتمت في تهكم المعتوه : على القبر زهور وانوار وبداخله دود وظلام . كذلك . حياة البشر ، على سطحها تطفو النقاوة والآمال والافراح وفى اعماقها رجس ، وخبث ، واحزان ...
وضعت يدي في جيبي ... عصرت اسناني ... قلصت شفتي ثم اطرقت واستأنفت مسيري . كانت اعقاب السجاير كثيرة على الارض . كثيرة وكأنما امطرت السماء اعقاب سجاير هذه مخلفات الانسان الذي يحترق . يشرب النار ويبصق الدخان الازرق . هو لا يجد الشجاعة بأن يعيد كل شئ من جديد لانه يرهب التحطيم ... التحطيم عنده فظاعة فلجأ إلى نحطيم نفسه لانه اضعف منها وله عليها سلطان .
مللت من هذه الخواطر المتوترة فألتجأت الى حانة وجعلت اعب الخمرة في شراهة مجنون . مجنون ظمان جفت كبده ويبست اعصابه .
كنت امتص من كأسي سائلا كحامض الرصاص يتفاعل مع دمي فيسلق عروقي ويمضغ اعصابي . كنت كمن يبصق الصدأ ويسف النخالة .
خرجت ادفع جسمي وكأنما ادخرج برميلا مصلوبا . تخلصت من خواطري فوقعت في عناء جسمي . تدحرج البرميل ، زحف على الارض ، ارتطم بالحجارة ، زلق في الوحل حتى وصل . وصل الى قبوه . قبو حزين مظلم ضيق نتن الرائحة . واستسلمت للموت المزيف وقد اطلقت احلامي في فضاء حياتى ... حياتي التى ارهقتني وارهبتني ومازالت تخيفني ... تزعجني .
احسست بأهدابي ترقص على رعشات اشعة الشمس . افقت وبقيت انقلب واتدحرج كبرميل البارحة . برميل البارحة المصلوب احسست به الآن يستوى . برميل البارحة كان مليئا ولكن اليوم جفت خمرته وعاد فارغا خاويا لذلك سهل علي دفعه في اقل عناء من البارحة . دخلت قاعة الدرس و كان الضجيج ، وكان الصراخ . الاستاذ لم يأت بعد . كل البقاع احتجزت مسقار احتجزها الطلبة وقد نثروا كتبا وكراريس ويقوا يرصدون الفتيات لتجلس بجوارهم . دخل الاستاذ فازداد الصياح وتعالى التصفيق .
- اهدؤوا يا شباب اهدؤوا . الثورة لا تكون بالصراخ فى قاعات الدرس - هاهاها ! - صدقوني يا ابنائي ، الثورة في غير زمانها وفي غير مكانها عبث وجنون . - ما هو العبث وما هو الجنون عندك ؟ هز هذا السؤال صديقا بجانبي فصاح فى غيظ :
- نحن نعانق الايديولوجيات بعاطفة مسعورة ونرقد فى تكاسل تحت ظلال الافكار . كلنا رغبة فى تحطيم كل شيء ليس لنا ولم نبنه بأيدينا ، ولا أدري هل لنا الشجاعة بأن نعيد كل شيء من جديد !
تعالى الصراخ وهاج الطلبة وماجوا فاضطرب صديقي وكاد يأخذه الحرج والارتباك وسمعته يفرقع حنجرته ويصيح في تحسر :
- نحن نكره البورجوازيين حتى الموت ولكننا نتصرف مثلهم . وصاح آخر :
- نحن نعشق الثورة كعشقنا لحسناء مغرية وكلنا يدعي بأنه لا يجهل
ادب المضاجعة حتى لا تقول عنا فتاة اليوم بأننا مكبوتون جنسيا . ضحكت فتاة وقالت :
- وانت لا تجهل ادب المضاجعة بالطبع ! - اسكتي انت ... انتن الفتيات وراء افكاركن تخفين دائما غريزتكن الجنسية . - ما ذنبنا ! وانتم الرجال لا تطلبون منا سوى ذلك . انتم ايضا لا تبحثون عن ذواتكم .
اعجبني هذا التحدى ولم استطع تحمل هذا الضجيج وهذا التنافر فجمعت اشلائى وخرجت ابحث عن ذاتى .
وفي مساء مختنق ضيق الصدر اعتلجت انفاسه بأنفاسي واضطربت انامل ضلوعي على رعشات انواره المتوترة ، كنت اسير على الرصيف ادفع جسمي في تثاقل وارتباك وخواطري تجول فى نظرات ساهمة جامدة فاصطدمت رجلي بكلب جعل يعوى وينبح فصاحت صاحبته تلومني ولكني واصلت سيري ولم التفت اليها . قلت فى تساؤل المرتبك : للسيارات الطرقات ... للناس الارصفة ... فأين تمشى الحيوانات !... الحيوانات كالناس تمشي على الارصفة . ليتهم لقنوها آداب السير كما علموها آداب المضاجعة حتى لا تتعثر بيننا كالخنازير الهاربة ...
ابتلعني الزحام وقد تعالى نعيق السيارات وزفير المحركات . كانت الانوار ترقص في غمزات آمرة . طمست عيون وبرقت عيون فكانت ساعة الخلاص . اتجه الناس في اتجاهات مختلفة وذهبوا وبقيت وحدى . كل الناس اختاروا اتجاها وقرروا مصائرهم الا انا فلم اختر اتجاها و لم اقرر مصيري . وبغتة احسست بيد تقع على كتفي . التفت فاذا الفتاة التي راقصتني البارحة . لم ابتسم ولم اتكلم . ولم تحاول هي ايضا ان تبتسم او نتكلم . مسكت يدها واخترنا اتجاها وسرنا . مررنا بقاعة لعرض الافلام . لم انظر الى الصور ولا الى عنوان الفلم واندفعت الى الشباك فاقتطعت تذكرتين ودخلنا القاعة .
كانت الصور مبعثرة تتناثر امامي كأوراق تتصفحها الرياح وفي تناثرها وتبعثرها حياة جافة بدون طعم . فيها اختلاق وفيها خيال سخيف و لا تخلو من قبلات مفتعلة طويلة تثير المتفرجين فيتنهدون في زفرات
مكبوتة فيها حرمان وفيها سخط . شعرت بأنفاسها تلفح وجهي وبالليونة تعبق حولي . كانت يد صاحبتى ترتجف في حضني . وهمست لي :
اما زلت تذكرها ؟
احسست بلساني يلتصق في فمي في لزوجة الحلزون وبحلقي ينتفخ ويجف كان شعرها شوكا يغرز وجهى وجسمها كالرصاص يسقط على جنبي ... فتحت رابطة العنق . لمست رقبتي . حككت فخذى . تثاءبت وبقيت اترقب النهاية في خوف وحذر .
يالسخف الخذلان ! الضعف قيدني وحكم علي بالضياع . كنت اخاله يقودني الى النهاية فاذا النهاية بداية تعود وتذهب لتأتى من جديد . النهاية وهم والهدف حلم يختفى وراء الجدار . ذلك الجدار الذي بناه الزيف وشيدته الوحشة والاغتراب .
تزول ياجدار او لا تزول فتلك حياتي وراءك تختفي وانا هنا اعيش مع عمري احرق رجسه بجهنم الإنسان واريق لحظاته في بحر الزمان ويكفيني انى هنا اضطرب وانبش عن ذاتي وانت هناك جامد ساكت تحرس حياتي في ضجر الكلب الممقوت . فلأقض عمري في لا مبالاة . حسبي ان اسير ولا يهمني الطريق الذي آخذه ما دام هو طريق . الوجود ... الثورة ... الحرية ... الحب كلها خواطر مزيفة هي من اختلاق الإنسان الذي فقد ذاته فعوضها بهذه الالفاظ واوهم نفسه بأنها غامضة غموض الفضاء فكانت ملهاته الوحيدة التى يتسلى بها . واذا ما فقد هذه الالفاظ قال ان الحياة تافهة ليس لها معنى فحكم عليه الزمن بالضياع .
غرقت في الانوار فتحرك جسمى في اضطراب الغريق واذا بالستار ينزل والموسيقى تعصف في فضاء القاعة . خرجت في صمت وفارقت صاحبتي على غير موعد وعدت الى قبوي الحزين ، قبوى المظلم الضيق ، النتن الرائحة . واستسلمت للموت المزيف وقد اطلقت احلامي في فضاء حياتى ... حياتي التي ارهقتني وارهبتني ولكنها ما عادت تخيفني و لا تزعجني لانى انست اليها وعرفت كيف اتحملها . خير لي ان احلم بحياتي من ان اعيشها لانها لا تساوى شيئا وليس هناك ما يساويها . هي توصلني إلى حيث اريد ولا اجد منفذا للخروج وذاك الجدار امامي يسد على افق حياتي ويطمس فضاء نفسي .
