4 لا اكتمكم الحقيقة . . لقد أصبحت عشيقة أحمد . أعذروني فلست خجلى وأنا أقول عشيقة أحمد . . لست أدرى كيف حدث هذا بالتدريج . . فقد خرجت بدورى عن إرادتى وكنت أحس بنشوة وهو يتلمسنى فى هدوء . . ثم وهو يضمني إليه . . يضغط على صدرى مرة برفق وأخرى بعنف ، ويلصق شفته بشفتي . . وتجاوز به جنونه هذا الحد . . فصار يطمع فى أكثر من اللمس والتقبيل والضغط على صدرى وذراعي . . ولكنى كنت أصر فى منعه كلما حاول تجاوز ذلك الحد
، ومع مرور الأيام . . أو الليالي . . ضاع من اصرارى وعنادى . وضاعت مقاومتى . . فاضحيت مثل أحمد أرغب . . بل لا أمانع في اجتياز حدود اللمس والتقبيل . . أضحيت فريسة أنوثتى . . أرغب فى شئ أكبر من الذي آخذه من أحمد . . شقيقى أحمد . . عفوا . . عشيقى أحمد . . ان ثورة عارمة تشتعل في أعماقى فيمتد لهيبها من الداخل الى الخارج ثم من الخارج الى الداخل . . ثورة تعلنها أنوثتى ويستطيبها أحمد . .
ومن هنا كان لا بد أن تحتضننا الخطيئة . . الخطيئة التى لها ألف وجه . . والتي اندفعنا اليها فى الظلام الدامس من غير مقاومة أو رفض . . أو على الاقل ، من غير استمرار في المقاومة والرفض . . حدث لنا تماما كما يحدث لأى لص بدائي فهو لا يندفع نحو السرقة الا بعد تردد وخوف شديدين ولكنه فى النهاية يندفع ليسرق شيئا يحس بحاجة اليه . . فيسرق دون أن يفكر بعد ذلك في العاقبة أو النتيجة التى قد يجنيها فى نهاية المطاف . . فلا يلبث أن يقع فيما لا تحمد عقباه
كنت في ذلك الوقت قد أصبحت فتاة مثيرة ولا أقول جميلة . . كانت ثمة أعين قد بدأت تلتصق بى وتتبع خطواتى وتتعلق بصدرى البارز وساقى الملفوفتين وخصرى المغرى الذى يتثنى فى خفر وغنج .
اسمحوا لي . . لقد تعلمت سرد مثل هذه الأوصاف من الرسائل التى كنت اغرق فيها والتي كانت تصلني يوميا بالعشرات . . ولعلكم تعرفون ان شبابنا متفنن في كتابة تلك الرسائل التى يسمونها برسائل الحب والغرام وان كانت في حقيقتها سخيفة وساذجة . . ومع ذلك . . كنت كأى فتاة مراهقة أحبها وأهتم بها أشد ما يكون الاهتمام . . وكنت أقرأها مرات عديدة فى اليوم الواحد . . بل فى الساعة الواحدة ، وكنت أحفظ جملها وكلماتها عن ظهر قلب . . ثم بعد ذلك أعني بالاحتفاظ بها وبنقلها من مكان الى مكان خوفا عليها من الوقوع فى يد من يقسو عليها ويعرضها للضياع . . كنت أحس أنها نصف حياتى .
صدقوني . . لقد أصبحت أحب أحمد . . نعم ، أحبه غير حب الأخت لأخيها . . غير هذا الحب الجاف الذى لا نحسه ولا يتحرك فينا قويا الا عندما نكون بعيدين بعضنا عن بعض . . بل أحببته بكل جوارحى . . أحببته كما يمكن أن تحب أى فتاة فارس أحلامها عندما تصل اليه وعندما يتحول الى حقيقة حلوة تملأ حياتها ودنياها . . أحببته ذلك الحب القوى الذي يسيطر على عواطفنا وأفكارنا فيتحول فى داخلنا الى مشاعر تغلى وتتحكم فى أعصابنا وكل تصرفاتنا وتطغى على تفكيرنا . .
لم أعد أخشى أن يفتضح سرنا اللذيذ لغير عيون الظلام . . كنت أعتقد أننى سوف لا أعبأ إن أكثرت لو أن ذلك حدث . . لو أن سرنا اكتشفه غيرنا مهما كان ذلك الغير . . ربما كان ذلك مجرد شعور اندفاعي . . مجرد تفكير ساذج . . ربما . . على أن لكل واحد منكم أن يشرح ذلك بالطريقة التى تحلو له وكما يشاء . . أما أنا . . وان كان الامر يهمني قبل غيرى ، فانى لست أعرف حتى الآن كيف أعلل تلك الظاهرة أو أحللها . . وقد يرجع ذلك الى أنى لا اهتم الآن بالعودة الى تلك الحقبة الكالحة من حياتى بكل حواسى
شغلنى حبى لأحمد عن الاهتمام بكل ما يدور حولى . . بقدر ما شغلني عن إعارة بعض انتباهى لنظرات الاعجاب التى كانت تطاردني من كل ناحية . وفى كل ناحية وكلمات الاثارة التى كانت تتردد حولى . . وعروض الاغراء التى كانت تتكاثر من أجلى كل غدو ورواح . .
وكان ثمة شخص قد بدأ فعلا يلفت نظري اليه نسبيا . . والسبب فى ذلك راجع الى تشجيع بعض صديقاتى اللواتى كن يهمسنن فى أذني :
- انه جميل . . وجذاب . . وأنيق . . اياك أن يفلت من يدك . ولعلكم تعرفون أننا معشر الفتيات . . ضحية بعضنا البعض كان يملك سيارة . . ولسانا يقطر عسلا . . كل كلمة يتفوه بها تعصر قلبى وتنتزع ابتسامة صافية من ثغرى شئت ذلك أم أبيت . .
وكان بالفعل وسيما وجذابا فى شكله ومنظره . . ومع أني كنت متحفظة . . أتظاهر باللامبالاة واللا اهتمام ، فقد كنت أحس بميل اليه . . كنت أخشى أن يضيع منى . . أن أفقده بعد مطارداته لى اللامجدية . . وكنت أحس أن كل يملك من سيارة واناقة مفرطه ووسامه وذكاء وحديث ناعم . . انما يملكه لي وليس له وحده . .
نسيت أن أقول لكم ان والدى تخلى عن اهتمامه بى . . وكأنما أسقطني من حسابه الى الأبد . . ربما شغلته زوجته الجديدة . . والعلاقة الجديدة بين شخصين لا بد لها من وقت حتى تصير عادية وروتينية . . سرني ذلك بادىء الأمر . . ولكن سرعان ما انعكست الآية . . انه لم يعد يحفل بي بالمرة كأن أمرى لا يهمه . . كأنه قبرنى مع جثة والدتي . . لقد طردنى من باله ومخيلته . أضحيت بالنسبة اليه مجرد شئ تافه وسخيف بلا قيمة ولا كيان . . شئ يستحق حتى الاحتقار . .
تصوروا أن أبى نسى حتى اسمى يعد ينطق به . . تصوروا أنه لم يعد يمد يده الغليظة الخشنة الى محفظتى ليفتشها ثم يلقى بكل ما تحتوى عليه كم كان يفعل من قبل . . تصوروا أنه لم يعد يحمل لي في يديه بدلة أو نعلا أو منديلا عندما يبتاع شيئا من ذلك لاخوتى وزوجته الشابة . . الا بعد اصرار من هذه الاخيرة وقد يتكرر اصرارها عشرات المرات دون فائدة . .
كنت أشعر وأنا أفكر بالموضوع . . بنوع من الغبطة والسرور رغم اجساسي المطلق بأني صرت شيئا تافها بالبيت . . كنت أتذكر كم تمنيت في الماضى أن ينسانى أبى ويتركنى وشأنى . . والآن . . الآن وقد تحقق لي ذلك ، أدركت أن لا فرق بين القسوة والاهمال . .
حاء الليل . . واحتوانا الظلام شقيقين عاشقين فى حجرة واحدة مكبوتة الأنفاس تضم معنا أخوين لا علم لهما بما يدور حولهما فى الخفاء
انقضى معظم الليل . . وأحمد لم يتحرك من مكانه . . لم يعبل على كعادته عذبني انتظاره . . كنت انتظر أن تمتد الى يده . . أن يلتصق جسمه بجسدى فتنغرس شفتاه فى شفتى . . غير ان ذلك لم يحدث . . كنت أسمع أنفاسه تتصاعد تقطع استمرارها تنهدات بين الحين والحين . . كان يتلوى فى فراشه وكأن به حمى أو مسا من الألم . .
وتحولت من مكاني في حذر شديد حتى التصقت بجسمه الساخن وكان تحته زوبعة نار . . وسألته بصوت مهموس : - ماذا بك يا أحمد . . ولم يرد . . ضمني بكلتا يديه وأسكت صوتى بقبلة طويلة وعنيفة هي أول قبلة من نوعها . .
* ومن ليلتها بدأت أحس أن شيئا غير عادى يجرى فى حياته . . شئ ما لا يعرفه غيره . . شئ اثر على أفكاره وعواطفه .
ولأل مرة شعرت بالغيرة التى سمعت عنها الكثير . . أحسست بأني أغير على أحمد . . شقيقى وعشيقى مخافة أن تسلب لبه فتاة غيرى . . فتاة قد يكون نصيبها من الجمال غير نصيب وحظها فيه أكبر من حظى . . فتاة قد يكون من حقها أن تحبه وتستميله فتضع يدها فى يده أمام أعين الناس . . كل الناس .
وكم كانت الصدمة عنيفة وقاسية على قلبي وعقلي عندما اكتشفت ان تلك الانسانة التى سلبت لبه وقيدت شعوره وسرقته حتى من نفسه هى زوجة أبى ٠٠
كم نكون جبناء وسخفاء عندما نفكر أو نلجأ الى حل نسميه انتقاما . . فهل يستطيع الانسان أن ينتقم من غيره قبل الانتقام من نفسه ؟ ! هذا ما حدث لي . . فكرت في الانتقام من أحمد . . أردت أن أصدمه مثلما صدمني فأحسست بسكين من الألم يذبح شعورى ويمزق قلبي ثم ينغرس فى رأسى . . أردت أن انتقم لنفسى منه عل ذلك يجعل الحسرة والألم والندم يقلق راحته ويستولي على أفكاره وحواسه . .
ما اقساها سخرية . . هذه الأفكار السخيفة كانت يومذاك أفكارى وكنت ادافع عنها بل كنت مؤمنة بها ايمانا لا يرقى شك اليه . . من كان يومها ينصحنى ؟ من كان يقول لى انها افكار ساذجة ولا معقولة ؟ من كان يوضح لي معالم الطريق فأحييد عن فكرة الانتقام من أحمد لأنها انتقام من نفسي ؟
هل يكون أحمد نفسه الذي صار يشبع غريزته العاطفية والجنسية مع زوجة والده الشابة دون وخز الضمير ودونما شعور بالعار . .
الآن فقط أصبحت أعرف العار والضمير وحدود كل شئ .. لأني فقدت كل شئ حتى ثقتى بنفسى . . لم يعد فى حوزتى غير ما خلفه لى أحمد من حيرة وحسرة وندم وتنهدات عميقة . .
عندما قررت الانتقام من أحمد كان صاحب السيارة الفاخرة . . والمظهر الأنيق . . واللسان المعسول ، أول صورة قفزت الى ذهنى وتشخصت أمامى . ولم يكن الشخص هذا حسب تفكيرى آنذاك ، صعب المنال . . بل كان فى متناول يدى . . فقد يصبح أسيري بمجرد اشارة واحدة . . بمجرد أن أرد عليه بكلمة وهو يعاكسنى عندما أكون ذاهبة أو عائدة ، من البيت الى المدرسة أو المدرسة للبيت . .
وبما أننى كنت هدفه وغايته منذ أيام ، فقد كنت واثقة من أنه سيعترض طريقي هذا المساء لدى عودتى من المدرسة . . وفعلا . . لم أكد أخترق زحام التلميذات لآخذ طريقي في اتجاه البيت حتى زفت الى نظراتى الزائغة سيارته الفخمة وقد وقف هو الى جانبها يستعرض أفواج التلميذات وبين شفتيه سيجارة تحترق . .
تظاهرت بعدم المبالاة كما هى عادتى عندما أمر به فى غير اهتمام . . أو بعبارة أفصح . . متصنعة عدم الاهتمام به . . وكأني قادرة على مقاومة مطارداته واغراءاته الى الابد . .
- مساء الخير على الأقل يا قليلة الأدب هكذا قال وأنا أمر بجانبه . . ثم ابتسم قبل أن يفتح باب سيارته التى صعد اليها شأنه كلما مررت به قبل أن يقتفى أثرى بسيارته يتصيد فرصة معاكستى والوقوف في طريقي .
سبقني إلى المنعطف القريب ثم أوقف سيارته من جديد واعترض طريقي فقلت مع نفسي انها فرصة مواتية . . ربما كان هو الآخر قد صمم عزمه على أن تكون هذه المرة آخر مرة يعاكسني فيها ويعترض خلالها سبيلي فاما أن أستجيب له والا حول اتجاهه . .
ذلك انه استوقفني وقد شد بقبضة يده على ذراعي ثم قال :
- كلمة . . أريد منك كلمة واحدة . . اما مع واما ضدي . . وقفت انظر اليه وانا أضم محفظتى الى صدرى بيدى معا وقد ارتسمت عني شفتى ابتسامة لا معنى لها - انى مصغية اليك قل ما تشاء . . - كفاك عنادا - ماذا تريد ؟ - أريدك أنت . . - انك تمزح - خاب فألك يا آنسة . . اني أبحث عن التفاهم معك . - ولماذا اخترت هذه الطريقة ؟ - اية طريقة أخرى أختار ؟ . . إنصحينى اذن سكت لحظة استدار بعدها صوب سيارته فأشار قائلا - تفضلى . . سوف نتحاور ونتفاهم - إلى أين ؟ - الى داخل سيارة . . نحتجب عن الأنظار . . - ولماذا ؟ - اسمحي لي يا آنسة . . سؤالك هذا سخيف . - أليس من حقي أن أسأل - بلى . . من حقك ذلك . . ولكن أنا . . اليس من حقي أن أغير على سمعتنا فأفكر في الهروب من هذه النظرات المتسلطة علينا ؟ !
ولست بعد ذلك ادرى كيف اندفعت الى داخل السيارة فوقعت على الكرسى الامامي الى جواره وقد انطلقت بنا السيارة تجوب شوارع المدينة . . - سيارتك جميلة . . - ولكن أجمل منها أنت يا حلوة . .
- أنا حلوة ؟ . . - لا أقول غير الحق . . وهل تكون هذه السيارة جميلة بالفعل اذا لم تكن بها جميلة مثلك ؟ ! لم أستوعب كلماته كما يجب . . اذ لم يكن من الضرورى استيعاب كل ما يقال ، فمن المفروض أن نقول أشياء كثيرة تصدر منا من غير تفكير - ما اسمك ؟ هكذا سألته للخروج من الصمت . - أحمد وتلفت إليه وكأني أراه لأول مرة وقد جحظت عيناى وقفزت فكرة الانتقام من جديد الى رأسى - يبدو أن هذا الاسم لم يعجبك يا آنسة ؟ ! - لا بأس . . كل الاسماء سواء . . - وانت . . ما اسمك ؟ - أنا . . فاطمة . .
لذيذ تشرفت بمعرفتك توقفت السيارة بنا فجأة أمام عمارة متوسطة ولكنها نقية وجميلة فى شكلها الهندسى - لماذا توقفت هنا ؟ - شقتتى تأتى بالطابق الثاني من هذه العمارة . . سوف نستريح بها قليلا . . - أرجوك . . لست فى حاجة الى راحة . . يكفى أننى - لا تمتنعي يا فاطمة . . أتوسل إليك . . طاوعينى إنى فى حاجة اليك . . إلى جمالك - هل أنا جميلة فى نظرك ؟ - صحيح أن الورد لا يعرف قيمته . . هل تشكين فيما أنا قائل ؟ إنى لا لا أقول غير ما أحسه وأراه - لا تبالغ يا أحمد . . تمنيت عندها لو كان اسمه غير أحمد .
- صدقينى يا آنسة إنك الجمال بعينه . . هيا . . تعالى . . - دع عنك هذا الى وقت آخر - ليس هناك أجمل من هذا الوقت . . ان الحياة فرصة يا فاطمة - أمامنا فرص كثيرة لقد حان وقت عودتى الى البيت ان والدى رجل قاس وحاد فى كل تصرفاته معى . . يجب أن أكون بالبيت قبل وصوله - اذن لن استمر فى الحاحي يا عزيزتى وانطلقت السيارة بنا كأنها محمولة في الهواء . منذ ذلك المساء . . وعلاقتى به تمتد جذورها الى الاعماق . . الى مداخلى . . تطورت علاقتنا بسرعة .
وهنا يجب أن أقف قليلا حتى أقول لكم انى قرأت مرة لكاتب عربي ليس مهما ذكر اسمه هنا ، عبارة قال فيها :
- إن الرجل الذكى هو الذي يستميل المرأة دوما فتحبه حتى ولو تكسر كبرياؤها وانانيتها على صخر ذكائه ، ان الذكاء ميزة الرجل الذي يسبر أغوار المرأة التى يريدها هو . .
وتسوقنى هذه العبارة الى الاعتراف لكم بأن أحمد صاحب اللسان المعسول ، كان من هذا النوع من الرجال . . لقد كان ذكيا . . ربما كان أذكى رجل عرفته فى حياتى فعلمني أشياء كثيرة على حسابى طبعا . .
لقد عرف كيف يستغل جبنى وسذاجتى وسخافتى ورغبتى فى الانتقام . . عرف كيف يشدني اليه ويملأ حياتى بالأمانى العذاب . . كان يلبى كل طلبات ورغباتى حتى وان لم ابح بجلها . . بل انه كان يسير وفق أسلوبي وميولى . وكان ايضا يترك لي حرية التصرف والقول . . كل هذا ولم يكن يتسرع فى طلب أى شئ مني . . وماذا عساه يطلب ؟ !
وتخيلت أنه يحبني . . يحبني لأجلى . . يحبني لأني انسانة من حقى أن أحب وأحب . . وكبر تخيلى هذا حتى صرت أعطيه القبلة من غير أن ينتزعها هو مني . . واللمسة دون أن يسعى هو اليها ، وجعلني أحس أن ذلك كله من حقه بل أنا كل من حقه . . وهكذا . . أعطيته كل شئ لأنه عرف كيف يأخذ مني كل شئ من غير عناء . .
وبعدها . . أصبحت لا شئ فى حياته أطرق باب شقته فيتجاهل طرقاتى ويظل الباب مغلقا في وجهى . . وأعترض طريقه فيمر من أمامى دون أن يوقف سارته أو يستدير نحوى كأنه لا يعرفني البتة . . وقد رأيته مرات عديد والى جواره تجلس واحدة من ضحاياه الجدد فكنت أزداد حقدا عليه وكرها له ٠٠
إن علاقتى به لم تزد على أربعة أشهر يوما واحدا ، حطم خلالها كبريائي كأنثى وهشم اثناءها ثقتى بنفسى .
أربعة أشهر أخذ منى فيها كل شئ . . كل ما أراد بعد أن ملأ قلبي وعيني بالأمل وبالنور . . لكن . . سرعان ما تلاشى ذلك الأمل . . وانطفأ ذلك النور وتبخرت الاحلام الجميلة . .
وللمرة الثانية اصطدمت بالواقع المر فانهارت أعصابي وضاعت مقاومتى وأحسست بأنى اتمزق . . شعرت بخنجر من الشوك واليأس ينغرس في حلقي وضلوعى ثم عدت الى البكاء . .
أبي . . لم يعد مشكلتى الآن . . أخي أحمد هو مشكلتى الكبرى . . لقد أحببته كل الحب ، ثم كرهته كما تكون الكراهية . . كأنما جاء ليعلمني الحب ويعلمنى الكراهية . .
أحببته يوم كان أستاذى فى العشق وتبادل العناق والقبلات الى آخر ما بحصل من التمادى فيهما . . وكرهته يوم اكتشفت انه خائن ضميره وان زيف شعورى وحولنى الى بضاعة لا ترفض أى مشتر يلفظها ويبصقها لحظة ابتياعها . . وكرهته لأنه أضعف من غريزته الحيوانية ولانه جبان لم يحذ حذو اتربائه ونظرائه فيبحث له عن عشيقة خارج حدود البيت الذى لطخ حرماته وداس مقدساته . . وكرهته بالتالي لأنه أصبح فى نظري شيطانا احتقره وأسخر منه . . وعدم وجوده أهم عندى من وجوده . .
أما أبي . . فقد سحقني إهماله ، وكنت كلما نظرت اليه نظرات متفحصة رأيت في وجهه الشاحب وجهين : الأول لرجل غريب ومخيف وغامض ، والوجه الثاني . . لرجل سخيف تخونه زوجته ويعبث بكرامته ابن أحبه كثيرا وتمنى أن يجسد كل أحلامه وأمانيه فى الحياة . .
- مسكين أنت يا أبى كنت أكتفى بهذه الجملة بيني وبين نفسى وأنا أحس بألم مرير يدب بين حناياى . . لا تسألوني عن الدراسة . . فقد تحجرت الافكار فى رأسى وتجمدت رغبه التحصيل فى أعماقى . . ولم تعد ثمة علاقة بيني وبين السعى والاجتهاد . ولا بيني وبين الدراسة بالمرة رغم أنى أغادر البيت مرة فى كل صباح واخرى بعد كل ظهيرة ، هروبا بنفسي من الواقع المؤلم من جحيم العذاب . . و كانت ترافقني محفظة لم أعيد أطبق حملها ولا حتى النظر اليها وكأني أحمل بها مجموعة قنابل ٠٠
* يا لهول الكارثة . . إن شبح الخوف يطاردني باستمرار . . يعترض سبيلى
لقد بدأت أشعر بأن احساسي بنفسي تغير كثيرا . . وطعم الحياة والأشياء تغير بدوره كثيرا . . أحس بدوار عنيف . . بدوخة مستمرة تكاد تقلع جذور رأسى . . أحس برغبة ملحة لا تحد ، فى التقيؤ . . بدأ لونى يشحب . . عوارض غير طبيعية تظهر فى كل تصرفاتى وعلى جلدى . أسنانى توجعنى . . نهداى تحجرا . . شئ فى بطنى يتحرك . لقد أصبحت أحمل جنينا فى بطنى .
ترى ابن من يكون هذا الجنين الذي يهدد حياتى ؟ أهو ابن شقيقى الذى داس ضميره ؟ أم هو ابن ذلك ال اللعوب الممثل البارع ؟
لست أدرى . . لست قادرة على التفكير . إنني الآن أمام أمرين . . لا ثالث لهما ، أمام طريقين يتعين على اختيار احدهما قبل فوات الأوان . . فاما ان انتحر ولا يهمنى ما سوف يحدث بعد ذلك . . واما ان استسلم للفضيحة التى سوف تقيم الدنيا من حولى وتقعدها . .
، وبينما أنا أفكر ورأسي يلف بسرعة وكأنه يريد أن ينقذف من بين كتفي ، برقت فى ذهنى فكرة . . اللجوء الى أمينة ؟ !
وأمينة هذه صديقة لي تكبرنى سنا وتجربة . . ربما كان عندها حل أسهل
، وأقرب ولا يكلف ما يكلفه الحلان السابقان من معاناة وأتعاب وآلام . . خصوصا ،توأمينة مشهورة بحدة ذكائها حتى انها كانت قبلة كل صديقاتها يلتجئر اليها ساعة الضيق والحيرة . إذن . . على بأمينة . .
ولم أعط لنفسي المجال الكافي حتى أفكر بالامر كما يجب . . فقد توجهت الى بيت أمينة أسابق أفكارى . .
كانت أمينة على أهبة الانصراف من بيتهم ، اذ كانت على موعد كما قالت بعد ذلك . . ولكنها عندما فتحت الباب الخارجى للبيت وجدت يدى معلقة فى الفضاء قبل أن تطرق الباب . .
لم تخف أمينة مفاجأتها من زيارتي لبيتهم . . فقد كانت تلك أول مرة أزور فيها بيت صديقة حتى ولو كانت هذه الصديقة هى أمينة نفسها . . وهي الصديقة رقم واحد في حياتى . .
أدخلتني أمينة الى حجرتها الخاصة فى أسفل البيت . . وهى حجرة متساوية الطول والعرض . . أنيقة ومريحة تعبق منها رائحة عطر ثمين . رتب أثاثها ترتيبا متقنا مما يدل على سلامة الذوق عند صاحبة الحجرة . . عند أمينة المتميزة دوما بالاناقة والرشاقة والحيوية وبحبها للحياة فهي لا تعرف السأم ولا الملل . . ومن خاصياتها كذلك جمالها الذي لا يضاهى . . الا انها برغم أنها جميلة تجلب الانظار وتسحر الالباب لم تكن فى يوم ما ضحية غرورها بما حباها به الله من جمال ورشاقة ، بل كانت تملك من القدرة النفسية والعقلية والجمالية ما يجعلها تستميل الرجال وتأسرهم دون أن تمنحهم خفقة واحدة من قلبها القوى . وكما ان للكثير من الرجال ضحاياهم من النساء فان لأمينة الكثير من ضحاياها من الرجال الذين يتهافتون عليها ويتسابقون من اجلها ويتفننون فى أساليب الاغراء دون أن يحرك ذلك ساكنا فيها .
كانت أمينة لا تزال ترحب وتبدى استغرابها لهذه الزيارة غير المرتقبة . . وربما أنساها الاهتمام بى أنها على موعد خاصة عندما استطاعت من غير تكلف أن تفهم ان وراء زيارتى لبيتهم دافعا أقوى من ارادتى ، وأن فى الأمر سرا رهيبا . . فحدقت فى وجهى الشاحب بعينيها الثاقبتين .
ولم أقو على مواجهة نظراتها الفاحصه فقد انخرطت فى نوبة شديدة من البكاء حتى لفت ذلك نظر والدة أمينة فأقبلت تستجلى السر الكامن خلف
عبراتى الا ان أمينة عرفت كيف تصرفها عنا وتقنعها بعدم التدخل بعد ان كانت على وشك أن تقول شيئا قد لا استطيع الرد عليه . باختصار . .
رويت لأمينة كل شئ . . قلت لها كل ما عندى . . فقد كنت ضعيفة . . كنت أحس بأني في حاجة الى أى شخص أفرغ له كل ما بقلبي وعقلي . . حتى ولو كان هذا الشخص دون أمينة . .
أطرقت أمينة برأسها برهة محاولة أن تخفي عني وجهها . . وأحسست انها قوية فهي تستطيع ان تمنعك مما تريد قبل أن تمعن فى التفكير . . فقد كنت أحاول ان أقرأ شيئا على وجهها القمرى الذى يطيب النظر اليه ولكنها اخفته عني . . أحسست بها أقوى مما مضى . . فهى دائما قوية . . ربما كان لها هذا بذكائها . . ربما باتزانها وبثقتها فى نفسها . . ربما بطبيعتها الصارمة الواضحة المعالم . . ربما استمدت قوتها من بيئتها التى نمت بين احضانها . ربما كانت قوية بسبب توفر كل هذه العوامل دفعة واحدة . .
هكذا كنت أفكر . . وقبل أن أسمع رأى أمينة التى كانت تعبث بشفتيها ، دخلت أمها وهي تحمل بين يديها ) صينية ( عليها قدحان من الشاى وضعتها بيننا ثم عادت الى الخارج بعدما ألقت على وعلى ابنتها نظرة تساؤل كبيرة .
ومع أن بيت أسرة أمينة من تلك البيوت التى لا تخلو من خادمة . . فقد تطوعت أمها لخدمتنا رغبة منها فى تتبع الحوار الذى يدور بيننا . .
رفعت أمينة رأسها الى ثم ربتت على كتفي وقد وضعت على شفتيها ابتسامة عذبة كأنها اشراقة أمل ، قبل أن تقول من غير أن يحدث أدنى تغيير على نبرات صوتها :
- خذي الشاى يا عزيزتى . . لا تبالي ولا تكترثى لهذا الحدث .
شعرت كأني وجدت علاجي في جملتها تلك . . كأن كل شئ تافه وليس بمستوى الخطورة التى تصورتها أنا . .
ورمقتها بنظرة مقتضبة وكأني أوافق على كلامها ثم مددت يدى الى الكأس وجرعت منه جرعة من غير لذة فقد كانت كل حواسى جامدة ولم أعد متحكمة فيها .
يتبع -

