الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الفكرة والمنهج فى " مواقف " محمد مزالي

Share

ما انبل الكلمة ، حين تصدر عن نفس الاديب صادقة ، تحمل قوة الايمان والعدل والحرية ، وتؤكده يقينا ، فى أنفس قد تاهت بالشك والحيرة ، وفى قلوب قد زاغت بالهوى والضلال ، وفى عقول قد عميت بالباطل والانحراف ولكن الكلمة مع ذلك ستبقى منعزلة بحدود امكاناتها الضيقة ، وسجينة بظروفها الصعبة ، تؤثر بالصدفة ، وتخصب بالاتفاق ، ما لم تتطور الى نظرية ترسم المنهج ، وتدل على الطريق ، وما لم يتحول بها صاحبها الى موقف شجاع يلتزمه من قضايا مجتمعه وعصره ، ويراجع به جملة من حقائق التاريخ والحضارة فيزيل التشويه واللبس ، ويقيم بذلك معالم رائدة فى درب الحقيقة والتقدم تهدى الى المستقبل الافضل ، وتوجه الى الخير والنفع والمحبة .

ومن المؤكد أن فترة التطور ، التى يمر بها المجتمع العربى المعاصر ، هى من أخطر الفترات التى عرفها العرب فى تاريخهم ، الملىء بالانعطافات الحضارية ، واللازمات المصيرية ، ذلك لان هذا الشعب العريق ، يواجه تحديات عنصرية واديولوجية تهدد وجوده ذاته ، بما ينشر من ألوان الشك فى حقيقته الحضارية ، وبما يذاع من ألوان التلبيس والمغالطة ، فى جدوى قيم الفكر والتراث ، التى انتخبها عيونا ، لتقوده عبر مسيرته التاريخية الظافرة ، بل ان القضية لتتحول عند الكثيرين من دعاة الشعوبية الجديدة ، الى اتهام بالعجز الفطرى ، يوجه الى طبيعة النفس العربية ذاتها ، وبذلك يحاولون اقامة فلسفة للقصور والعجز والهزيمة ، يشيعون لها ، بمختلف الاساليب والبدع ، ويعملون جاهدين على تأصيلها فى نفوس أجيالنا الشابة ، المشرئبة بطبيعتها الى كل جديد .

من أجل ذلك ، ثقلت مهمة رجل الفكر بأرضنا ، وعظمت مسؤوليته تجاه المجتمع والتاريخ ، ولزم أن يتخذ زمام المجابهة والتصدى ، ويكشف دون مواربة او تستر ، أقنعة الزيف والخداع ، وأساليب الرأى التمويهية الحاقدة ، التى تمت بها ساحتنا الثقافية والفكرية ، ومن أجل ذلك أيضا جاءت أهمية كتاب - مواقف - للمفكر الكبير الاستاذ محمد مزالى ، الذى تلتئم هذه الندوة ، فى جمعكم الحاشد هذا ، لدراسته ومناقشته ، تكريما لمؤلفه الذى ناضل بعمله

وقلمه ، قرابة العشرين سنة ، وجهد أن يرسى دعائم مدرسة ادبية وفكرية لها خصائصها واتجاهاتها ومنطلقاتها ايضا ، واثر بها تأثيرا قويا نافعا فى مجرى الثقافة العربية بمغربنا الأشم ، بما مكن للشباب من فرص الظهور والتشجيع ، وبما أتاح لكل أصحاب الرأى والقريحة ، من فرص التعبير واللقاء ، وبما فسح للأفكار والآراء بمجلته الصامدة - الفكر - أن تتحاور وتتناظر ، فى غير عنف او جلبة او صراع .

وهكذا تنوعت آراؤه ، وتعددت مواقفه ، ازاء أغلب قضايا الفكر والسياسة والاجتماع ، التى لابست حياتنا الجديدة ، منذ فجر الاستقلال المبارك ، ومنذ أن بدأ هذا التلافى الفكرى والادبى والاجتماعى ، يتم بيننا وبين تيارات الفكر والادب فى الشرق العربى والغرب الاروبى

وهذا الكتاب الذى يصدر له اخيرا ، بعد اعمال فكرية اخرى جيدة ، هو حصيلة لتلك المواقف الجادة ، التى اتخذها من كثير من شؤوننا الجوهرية ، وتوجه بها الى الاجيال الصاعدة من شعبنا الفتى ، ليكون على بينة من واقعه فى الحضارة والتاريخ ، وليدرك اننا شعب لم يقتصر دوره فى رحلة الوجود الكبرى ، على الاستهلاك والتلقى ، وانما اثرى الفكر والتحضر الانسانى بعامة ، بعديد المساهمات النافعة ، فى مختلف فروع المعرفة البشرية ، التى نجد لها شواهد هنا وهناك ، تقوم فى هذه الارض او تلك ، عند هذا الشعب او ذاك

ويتوسل المؤلف فى - مواقفه - بمنهج نقدى واضح ، يحكم الكتاب منذ البداية الى النهاية ، فيعرض للقضية فيحللها ، ثم يبرز عيوبها ويشير اليها وقد يشتد فى ذلك كثيرا ، ثم ينتهى الى ما يعتقد انه الحق والصواب ، بعد ان بقدم بين يدى ذلك الادلة والبراهين ، المستمدة من أصول التاريخ المقارن وقواعد الفكر المنطقى ، والرجل - فيما اعتقد - ينتسب بمنهجه النقدى هذا الى مدرسة عريقة فى الفكر العربى والاسلامى ، تلك التى اتخذت لها موقفا ثابتا قويا ، من قضايا الفكر اليونانى ، وهو يصطدم بالفكر العربى ، وقد أخذ يلتمس سبيله بين السبل ، فقد برز أبو نصر الفارابى فى هذا الطور ، شارحا للفكر الفلسفي الجديد ، ناقدا لبعض جوانبه التى لا تتفق وقواعد الفكر العربى الاسلامى ، ومنتهيا الى أن الفلسفة الحق ، لا تصادم جوهر الدين الحق ، وكذلك كان ابن رشد الاندلسى ، وكذلك كان الجاحظ ، وهو يعرض لبعض آراء ارسطو ، فينقدها ويقلل من خطرها ، ويعرض لمختلف القضايا الفكرية الاخرى ، بذلك المنهج النقدى ، الذى لا يرضيه غير الدليل الحاسم من منطق او واقع

بل لعلى لا أكون مغاليا اذا قلت ان محمد مزالى ، له صلة ما ، قد تكون قوية ، بفكر ابى حامد الغزالى ، صاحب كتاب - المنقذ من الضلال - فقد درس الغزالى جميع مدارس الفكر المعاصرة له ، من فلسفة وكلام وتصوف وفقه ، وغيرها من مدارس المعرفة العربية وغير العربية ، وتوغل فى نظرياتها ، وسبر براهينها التى قدمتها ، لتدل على الحقيقة وتوصل الى اليقين ، ولكنه لم يجد فيها غير السراب والقصور ، والا تلك الاقيسة التى لا تتماسك حتى النهاية ، ومن هنا انتهى الى منهج خاص به ، عرف به دائما ، قد نتفق فيه معه اولا نتفق ، ولكننا لا نملك ازاء جراته واخلاصه ، الا تقديره واحترامه ، وكذلك كان محمد مزالى فى هذا الكتاب ، فهو يتصدى لعديد النظريات المعاصرة ، بالتحليل والنقد ويقلب وجوه ادلتها ، ويكشف بجرأة عن ملابساتها الخاصة التى ترعرعت بها ومن ثم مباينتها لترائنا الاصيل المصفى ، وطبيعة نظرتنا الخاصة للكون والحياة انطلاقا من ان الفكر ينبغى ان يظل سيد نفسه ، لانه الوسيلة الاولى للمعرفة والكمال الانسانى فى هذه الارض ، فان " الحكمة فى الحيطة والحذر والتيقظ المتواصل ، والهيمنة على علومنا ومعارفنا وآرائنا وميولنا واذواقنا . . والفكر يجب ان يخضع له كل شئ ولا يخضع هو لاي شئ ، وان يكون مكونا صانعا خلاقا " ) 1 ( ومعنى ذلك ان العقل الانسانى يرفض كل وصاية ، ولو اتخذت طابع العلم والحتمية ، لانه فى الحقيقة لا حتمية فى العلم والفلسفة ولا فى التاريخ كذلك ، والادلة تنهض دائما لتقوض ما اعتبر فى اوقات كثيرة انه حقيقة مسلم لها ، ان " درس الغزالى او ديكارت لا يكون نافعا ، الا اذا شككنا فى فلسفتيهما هما أيضا ، وتساءلنا عن مدى قيمتها ، واننا لا نكون أكثر قربا منهما ولا أشد اتصالا بهما ، الا حينما نبتعد عنهما ، هناك خطأ يجمل ان نتجبه ، هو ان نظن أن ميدان الحقيقة دائرة قد تتسع ولكنها لا تنفتح " ) 2 ( .

فمحمد مزالى اذن يعتصم بالفكر والعقل ، أمام جبروت الانغلاق المذهبى وجاهز الرأى والعقيدة ، لان فى ذلك - حسب رأيه - قيدا على الفكر ، وحرجا يمنعه من مواصلة السعى والبحث والابداع ، لكن الايمان بالعقل عنده لا ينبغى ان يتجاوز الحدود والطاقة ، لان القصور خاصية من خصائصه وهو كثيرا ما يعجز عن الاجابة عن عدد من قضايا المصير الانسانى " ان العقل الذى أدعو اليه شخصيا وأومن به واعتبره اللغة الوحيدة ، التى تجمع بيننا جميعا كبشر ، لا

يستطيع ان يجيب عن الاسئلة الكبرى المصيرية ، التى لا يزال الانسان يلقيها على نفسه ، ويفتش لها عن جواب منذ أول الخليقة الى الآن وربما الى ما لا نهاية له ، وهى الاسئلة المتعلقة بمعنى الحياة والموت والسعادة والمحبة والمآل " ) 3 ( وبهذا نرى لمحمد مزالى مصدرا فكريا آخر ، صاغ منه نظريته المتكاملة فى الاجتماع والادب والسياسة ، وهو تلك الفلسفة المثالية الكبرى ، التى شاعت فى اروبا وقتا طويلا ، فى ألمانيا وفرنسا ، واوقد شرارتها - ديكارت - صاحب كتاب " مقال فى المنهج " وتكاملت فى فلسفة كانط ، صاحب كتاب " نقد العقل المجرد " ، وبذلك يكون صاحبنا قد تكون فى تلك الفلسفة العربية الاسلامية الشامخة ، واستمد منها جرأته فى البحث والتفكير ، والتصدى لكل قيمة فلسفية ، تزعم لنفسها التكامل ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وتكون أيضا فى فلسفة المثال الاروبية المقيدة ، التى تؤمن بسيطرة الفكر على الواقع ، وارجاع كل صيرورة فى الكون ، الى عناصر لها فى الفكر المطلق أو المجرد ، الا أنها تضع للعقل حدودا لا يصح له أن يتجاوزها ، لتنافيها مع ماهيتها الاصلية .

لقد تحددت رؤية كاتبنا محمد مزالى صدورا من تلك المنطلقات الفلسفية والمنهجية ، وعالج بها كل القضايا التى واجهت مجتمعه ، فى فترة عصيبة من تاريخ شعبة المكافح ، مؤمنا بأن " الكاتب الاصيل يتخذ دائما موقفا ، من دون مواربة وفى غير التواء ، لانه يؤمن بقدرة الارادة البشرية على تغيير الواقع ولانه لا يكفر بشئ كفره بأسطورة حتمية التاريخ وترديد بعضهم لمأساة الانسان فى عالم تدير شؤونه قوى ما ورائية عمياء او نواميس اقتصادية ومادية قاهرة ) 4 ( وبهذه الجرأة الفكرية عالج شؤوننا القومية ، التى نجمت من سعى شعبنا للتخلص من براثن الاستبداد الاجنبى ، الذى حاول مستميتا اقامة بنيان فكرى وثقافى واقتصادى ، يمنع كل تطور ايجابى ، لتحقيق اهداف الشعب المنشودة ، فى العدالة الاجتماعية والعزة والكرامة ، ونراه يلتزم باخلاص وثبات ، قضية الاصالة القومية ، فى التاريخ والحضارة والادب والفن ، فيحلل بعمق صلة الابداع فى كل مستوياته الاجتماعية والسياسية والثقافية والفنية ، بالروح الذى يصدر عنها ، وبالجوهر الذى ننتمى اليه ، وان المثقف الحق لا يتأتى له ان يمارس مهمته الايجابية بهذه الديار ، الا اذا ادرك حقيقة شعبه الكامنة

وخصائصه التى تفرد بها بين الاقوام ، وبالتالى ربط اللحمة متينا ، بين العمل والتراث ، بين الانتاج والحضارة " بين القضية والشخصية العامة لشعبنا ، ولذا حينما تصدى محمد مزالى لقضية التعريب مثلا ، لم يعرضها عرضا مجردا يتخذ طابع الشعارات والهتاف ، وانما يربطها بحقيقة الشعب التونسى الحضارية ، وشخصيته العربية ذات الحضارة المجيدة ، وبمتطلبات واقعنا فى النهضة والتقدم " ان قضية التونسة والتعريب قضية وعي بواقعنا ، وتوعية بوجوب تطوير هذا الواقع ، بما يتلاءم مع شخصيتنا وتصورنا للكرامة والمناعة والتعاون الحق " ) 5 ( وكذلك كان نهجه فى مختلف المواقف الاخرى ، السياسية والاجتماعية والتاريخية والأدبية ، والتى تتطلب دون ريب ، وقفات اخرى ينبغي أن تطول ، لسنا متوفرين عليها فى هذه المناسبة الكريمة . بيد انى احب ان أشير فى النهاية ، الى شىء من اسلوب المؤلف ، فهو سهل متين ، بين الدلالة والمقصد ، مما يذكر باسلوب الجاحظ فى هذا السبيل ، تغلب عليه اصطلاحات الفلسفة الاسلامية ، ويصيغ المؤلف تراكيبه فى جمل قصيرة متوترة ، فيها شئ من جفاف المنطق والفكر الفلسفى ، ولكنها لا تضيع هدفها بحال ، وانما تتجه الى هدفها مباشرة ، لتحقق لدى القارئ وعيا بفكرة راجعها صاحبها طويلا ، فأخلصت له ، واخلص لها اخلاص المفكر الحر لرسالته فى الحياة والوجود .

اشترك في نشرتنا البريدية