الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الفكر الاصلاحي من خلال شعر وخواطر، الطاهر الحداد

Share

توطئة :

من المعروف أن الطاهر الحداد لم يترك ديوانا شعريا مطبوعا فى كتاب مستقل بذاته كبقية انتاجه الذي خص به العمال والمرأة ، لذا اعتمدنا فى هذه القراءة لأشعاره على كتاب الاستاذين : الجيلاني بن الحاج يحيى ومحمد المرزوقى " حياة الطاهر الحداد " كذلك كتاب المرحوم أحمد الدرعى : " حياة الطاهر الحداد " وفي هذه القراءة سنقارن بين الاشعار والخواطر التى تشكل كتابا منفردا صدر عن الدار العربية للكتاب سنة 1974

لقد تأثر الحداد بموجة الاصلاح التى ظهرت على يد الافغانى ومحمد عبده وخير الدين التونسي . فطبع تفكيره بالفكر الاصلاحى كما تتلمذ على يد الشيخ حمد المرابط شهر العنابي ) 1 ( والشيخ سعد السطيفى الجزائرى

الأصل ) 2 ( والمصلح الشيخ عبد الحميد بن باديس ) 3 ) وهؤلاء الشيوخ عرفوا بنزعة الاصلاح سواء فى تونس أو الجزائر

وفي قراءتنا المقارنة بين الاشعار والخواطر اردنا أن نبين الخيط الرابط بين نتاجين مختلفين فنيا ومتحدين رؤية لدى كاتب شاعر

ففي الشعر يظهر الحداد واقعيا ملتصقا بقضايا شعبه وأمته بعيدا عن الرومنطيقية التى ظهرت أيام حياته كآخر تقليعة وصلت الى بلاد المشرق والمغرب العربيين عن طريق الترجمة والادب المهجرى ، فاستهوت صديقه الشابى وطبعت أشعاره ومحاضراته بميسمها .

ورغم النكسة التى أصابت الحداد من جراء معركة غوغائية بعيدة كل البعد عن روح النقد العلمي النزيه لم يسقط شعره في بوتقة الرومنسية والانطواء على الذات بل ظل يخاطب قومه شعرا ونثرا فى صمود وثبات لان ذلتهم ذله وعزتم عزه كما يقول فى الابيات التالية من قصيدة " أملي " :

عشت وحيدا فيك أندب حظهم وحظي بهم ندبا يذيب حديدا فذلتهم ذلى وعزي بعزهم وان وهبوني للسعير وقودا

المرحلة السياسية :

لقد التحم الحداد بالشعر عند انضمامه للحزب الحر الدستورى القديم وكان من أبرز عناصره . فأم النوادى يخطب فى الجماهير التى كانت

تجتمع أسبوعيا ولا يتخلف عن مخالطة أنشطهم وأحزمهم في الدعاية وأرغبهم فى الوطنية يثير لهم السبيل ويكشف لهم عن طرائق التفكير لا يألو جهدا فى نصحهم وتنويرهم وكان مجيؤه اليهم عيدا ، يلتفون حوله ليلتقطوا الدرر المتساقطة من فيه ولم يكن أبدا ليفعل ذلك مع أعيان الدستوريين وأثراهم وأوجههم وإنما كان ميزانه فيهم الاخلاص والاستعداد للعمل فقد يقصد العملة منهم وأصحاب المصانع والاجراء مهما كانت اشتغالاتهم ومهما كانت ثروتهم ( 4 ) .

هكذا كان الحداد محركا نشطا يذكى النفوس بحب الوطن كسياسي محنك على صغر سنه ولا يبخل بنصيحة يوجهها لقومه سواء عن طريق الخطب والمقالات السياسية أو بقصائد تطفح بحماس فياض كما فى قصيدته " نصيحة لقومي " التى يقول فيها :

يا قومي استمعوا للنصح يبذله أخ لكم همه الاخلاص للوطن

إن شئتمو ان تنالوا الفوز فاتحدوا فنحن بين نيوب الجور والوهن

ضعف نقاسيه من أمراض كبوتنا حكم يسير بنا للهول والمحن

يا ويح قوم أضاعوا منهمو شرفا بناه أجدادهم فى سالف الزمن

يستقبلون رزايا الدهر مفعمة سحقا ومحقا وعارا غير مضطعن

وقصيدته " نصيحة لقومي " على ما يبدو كتبت فى المدة الزمنية الاولى من انبعاث الحزب التى اتسمت بشئ من تحرك الوفود الى باريس لمطالبة فرنسا بالدستور والبرلمان التونسيين . . فرأت الحكومة الفرنسية فى مطالب التونسيين خروجا عن بنود المعاهدة وقابلت هذا التحرك بارسال مقيم عام حديد هو " لوسان سان " الذي رفض بدوره تأسيس برلمان تونسى

ونتيجة هذا التحرك والاحداث السخنة أظهر الباى محمد الناصر تعاطفا مع وفد الحزب المتركب من 27 عضوا والذى جاء فى خطاب أحد نوابه أمام الباي ما يلى :

إن الامة التونسية مجمعة الارادة على أن تكون مسيرة مثل ما كان آباؤها من قبل بدستور محرر يعلن ويضمن الحقوق والحريات العمومية ، وفصل لسلط عن بعضها واشراك الامة اشتراكا تاما فى الحكم

وقد جاء فى جواب الامير :

وماذا تظنون في أميركم ؟ ألست واحدا منكم أحس بما تحسون وأشعر كما تشعرون كونوا على ثقة بأنى سأبذل مجهوداتى فى تحقيق رغائبكم ولا أظن رجال فرنسا - الممتلئ تاريخها بالعدل والحرية - لا يبخلون بانجاز هذه المطالب ) 5 ) .

ولما علمت فرنسا بتعاطف الباى مع الوطنيين حاكت ضده مؤامرة بواسطة وزيره الاكبر الطيب الجلولي ومدير تشريفاته أدت به الى الاستقالة فأعلن الشعب الاضراب العام وتظاهر مطالبا الباى بالعدول عن قرار التخلى عن العرش ) 6 ( .

فمن البديهى أن الحداد عاش هذه الاحداث بكل جوارحه كشاب يتقد حماسا ووطنية فتأثر بالاحداث والخيبات المتكررة التى جابهت الوطنيين فنراه يقول في القصيدة السالفة الذكر

اعنيك يا امة الخضراء فانتبهي هبى الى المجد لا تلوى على الأفن

ظنوك امة زهد لا حياة لها فاستخدموك لقصد ليس بالحسن

جاروا عليك احتقار فيك واستتروا تحت العدالة فى الاوراق واللسن

عرفت ذاك فقمت اليوم منكرة ما استدرجوك به فى حضرة الدمن

قالوا : مؤامرة . قلنا : مطالبة بالحق لا طلب منا الى الشجن

فاستعملوا الضغط جورا كي يروا وهنا

فينا فخاب الذي راموا ولم نهن

فحاولوا صدنا باللين عن طلب يدوم ما دام هذا الروح في البدن

وقال : رأسهمو هذا يجوز وذا محال اجراؤه فى أيما زمن

وهكذا جبروت القوم اقعدهم عن حق شعب تجافى موقد الفتن

وأمام الخيبات التى منى بها الحزب والحياة المضطربة وأمام عدم جدوى العمل السياسي فى صلب حزب مهترئ لا يؤمن بالعمل خارج اطار النوادى والصالونات ، جمد الحداد نشاطه الحزبي مع بعض من رفاقه أمثال : أحمد الدرعى ومحمد السعيدي والطاهر محفوظ

وقبل ان ننتقل الى مرحلته الموالية نورد الخواطر عدد 54 لنقف على تلك الفترة التاريخية من الزمن في تصوير مختزل لحالة البلاد فى العشرينات أكثر دقة وتعمقا من القصيدة

لقد وضعنا خطة العمل مطابقة للاصول النظرية التى وضعناها لحياتنا الوطنية فرسمنا فيها الحماس البالغ والاحتجاج الشديد وبكل قوانا ضد الحوادث التى تأتى علينا من طريق الغالبين فلا تمر أيام أو أشهر على الحادث حتى ننساه كأنه لم يقع أو لم يتم علينا لنشتغل بالحادث الجديد مثلما اشتغلنا فيما قبله : فمن حادث احتلال المتحزبين لاسلامبول اثر الحرب الكبرى وقبل الحرب الكمالية الى حادث تنازل الباي في أفريل 1922 الى حادث انطباق قوانين التجنيس الفرنسى على التراب التونسي وعلى التونسيين بالخصوص الى حادث انتزاع الاملاك التى ادخلت في جغرافية ادارة الفلاحة والغابات الى حادث تجنيس العدلية التونسية بوضع حكام فرنسيين المقرر من لجنة الاصلاحات الباريسية عام 1925 الى حادث نصب تمثال الكردينال لافيجرى فى وسط العاصمة ال حادث المؤتمر الافخاريستى بتونس الى حوادث تحجير الحريات والصحافة التى تخللت كل هذه الحوادث وأخيرا فتوى قبول توبة المتجنس والابعاد فى دوار وقفل الجرائد الوطنية ذات اللسان الفرنسي ونوادى حزب الدستور وهكذا تأخذ الحوادث الواحدة بعد الاخرى كل نشاطنا في الخصام وتوفية أحقادنا حقها فى ثورة البعض على البعض سبا ولعنا واظهار العيوب الشخصية والناس ينتظرون ويسمعون .

والخواطن التى جاءت على امتداد صفحات 84-85-86 أوردنا معظمها على

الرغم من طولها لنبين أهميتها التاريخية ، وليقف القارئ على ملامح تفكير الحداد وتطوره بالمقارنة لجيله من حيث رصده للاحداث التى عاشها الوطن فى تلك الفترة وكيفية تحليلها تحليلا منطقيا بأسلوب يطفح مرارة وكثيرا ما بخرج الحداد بحلول ناجعة للنهوض بالوطن . لكن زعماء ذلك الوقت كثيرا ما وقفوا في وجهه وألصقوا به عديد التهم

بين الشيوخ والتراث :

من خلال ما أوردنا رأينا البلاد التونسية فى الثلث الاول من هذا القرن نعيش الاضطراب والفوضى ، فالجهل جثم على القطر التونسي والفقر كذلك من جراء الاستعمار ولانعدام قيادة حكيمة تحرك فى الشعب الروح الوطنية وتذكى فى شعوره أعباء المسؤولية . فنرى الحداد فى قصيدته " بين مارق وخادر " يخاطب " تونس " فى لوعة وتفجع فيقول :

أتونس عندي في هواك تولع وانت مني نفس عليك تقطع

نسيت بك الدنيا وعيشي وراحتى اريد بك الحسنى وخصمك يمنع

الى أن يضيف في هذه القصيدة مصورا المجتمع والحالة التى تردت فيها البلاد قائلا :

ظللت تعانين الحياة مريرة تزيد بك البلوى وقومك هجع

أضاعوك واستخذوا لسلطة معشر لنزف دماء الواهنين تجمعوا

شبابك موؤود ومجدك آفل ومالك منهوب وحقك ضائع

تنادين لكن من تناديه خادر يمر بعينية الخيال فيجزع

لقد مات هذا الشعب واغتيل عزه فأصبح للارزاء فيه تولع

ومسؤولية الشعب والوطن فى غياب قيادة سياسية وطنية - كما ذكرنا تقع على عاتق شيوخ التدريس الذين وقفوا فى وجه الحداد وأمثاله عندما طالبوا بتعصير التعليم ونشره فى أوساط الشعب

وقف الشيوخ فى وجه الحداد وبقية المصلحين : باسم المحافظة على التراث واللغة ، فكان العلوم الحديثة رجس من الشيطان ! إلا أن غاية ما فى الأمر هو خوف الشيوخ من فقدان عمدانهم : فى الجامع الاعظم عند حدوث التطور ، وبفقدان العمدان تفقد الجرايات ، فيقول الحداد في قصيدته " ضحايا الماضى "

إن سادتنا اضاعوا تراثا إنهم مثلنا كسالى حيارى

سيموتون مثلنا فى لظى الجوع سكارى وما هم بسكارى

فى الجرايات همهم ومناهم ونراهم لخيرنا انصارا

سنرى الخبر كلنا عن قريب نائبا كالنجوم في الأفلاك

فاللغة والتراث العربي بقيا في خانة التحنيط باسم المحافظة على التراث والأصالة ، ورغم صيحات المثقفين لم يدخل الاصلاح مدارهما للتفجير والدخول بهما جدلية التطور التى حدثت وهزت الغرب لما استفاق وقفزت بدوله الى ذرى الحضارة ، فنرى الحداد في خواطره عدد 60 ص 97 يتناول مستقبل اللغة العربية ويأتي على الظواهر السلبية التى كانت أكبر حاجز فى وجه النخبة النيرة التى طالبت بتعصير أساليب التعليم آنذاك لما للتعليم من أهمية للنهوض بالمجتمع فيقول :

لم يبق للغة العربية فى تونس غير الكلية الزيتونية وهي فيها موؤودة منذ قرون لا تعرف الحياة ولا الحياة تعرفها ، وأهل تلك الكلية يحافظون كل المحافظة على أن تبقى فى هذه الحال كأمانة عهد اليهم حفظها من التبدل والتغير مقابل جرايات ينالونها وهذا شأنهم فى سائر المعارف التى يزاولونها هناك فما أشبه الكلية الزيتونية بأسواق المدينة المحدقة بها فى الجمود والعجز عن التطور واذا كانت الحال متشابهة فلا عجب أن يكون مستقبل اللغة العربية مشابها لمستقبل تلك الصناعات المائتة حولها ثم لا عجب بعد هذا ان تكون حياتنا مشهدا تاريخيا يتحرك أمام أنظار الباحثين والسواحين الاجانب لا يبعد عن تمثيل أجدادنا الا بقدر ما يقتضيه اندفاعنا المستمر فى هاوية الموت

فى هذه الفقرة صور لنا الحداد حالة اللغة العربية وشبهها بالاسواق المحيطة بالجامع لما فيها من ركود وكساد ، وبطريقة غير مباشرة جعلنا نتعرف على الوضع الاقتصادى والاجتماعى وكيف كان القائمون على هذه القطاعات يحركون ساكنا رغم الخطر المحدق بهم والموت البطئ الذي يلفهم ، ويضيف الحداد في شعره واصفا ذلك فيقول :

وهذي مزارعنا في بوار كذلك صناعاتنا فى انصرام

وتجارنا ركدوا تحت سقف يدوسهم الموت دون احترام

وأمام انعدام خطة محكمة لاستقراء التراث ونفض الغبار عنه قصد النهوض به : ظلت اللغة العربية موؤودة والصناعة والتجارة كاسدة والفلاحة بوسائلها العتيقة فى انحدار الى أن عم الموت وحل الجمود فشل كل القطاعات وبقى المجتمع فى فلك الاستعمار " يعطيه بعض العلف ليستمر فى خدمته " فتولد شعب خامل قابل للاستعباد كما ستبين لنا الخواطر عدد 41 ص 66

نحن شعب ما زال في انتاجه على الفطرة ولكنا نستهلك بما بقى من تراث الجدود أضعاف ما ننتج لان حياتنا الجديدة التى وقعنا فيها وقوعا قد استعبدتنا ، والآن قل مالنا وعجزنا عن الاستهلاك الذي ألفناه حتى استعبدنا ولكننا لم نفكر في رسم خطة لتحسين الانتاج وتوسيع موارده عسانا نعوض ما ذهب من تراثنا ونقدر على الاستهلاك لترقية حياتنا دون أن نخسر من تراثنا الا ما يزيده نموا بجهودنا المتضافرة ، نعم ان الحركات السلبية هى التى تنقذنا لو أننا نحسن القيام عليها ولكن هذا التوفير لا يفيدنا شيئا ان لم نضع له رسم بناء تقوم عليه حياتنا . والهدم لا ينفع إن لم يكن للبناء لان اهل التصوف هم الذين يهدمون الحياة لانتظار الموت في غيبوبة عن الحس

فى هذه الفقرة من الخواطر نرى تركيز الحداد على ظاهرة طغيان الاستهلاك على الانتاج وهذا ما أدى بالمجتمع : الى الانهيار وهي ظاهرة سلبية كان بامكان القائمين على شؤون البلاد اذا كانت نواياهم صادقة وعزائمهم صلبة استغلال الانهيار الاقتصادى للبناء بوضع خطة محكمة ومخطط سليم ينقذ الامه من الوضع الذي تردت فيه ، وفكرة التخطيط التى وردت في الخواطر ليست غريبة عن الحداد وهو الذي ساهم مع محمد على الحامي في ارساء التعاونيات الاقتصادية والنقابات التونسية

وبأسلوب آخر وبطريقة كتابية اخرى يكشف الحداد عن واقع شعبه فى الابيات التالية :

ينتج الغير كل رزق ويثري في ثرانا ونحن كالاشباح

نحن نحيا بلا ضمير ولا ما ل وحرمة ولا أمال

غير خبز يلين من جوع بطن وكساء يخفى افتضاح الحال

. . أنت يا شعب مالك اليوم خل غير غاو او جائع محتال

يرصد العيش عاجزا عنه الا من طريق المخادع الدجال

لعن الله خبزنا فلكم عاد علينا بالذل والاتكال

نلاحظ في الخواطر والابيات تطابق نظرة الحداد في شكلين مختلفين من الكتابة والنظر تتمثل فى الكشف عن السبب والمسبب الذي أدى بالوطن الى حالة الوهن والشلل الاجتماعى والثقافي الذي انعكس على الحالة الاقتصادية فمهد لدخول الاستعمار وسهل مهمة بقائه : وتمرير بضاعته لمجتمع استهلاكى مستعبد .

اشترك في نشرتنا البريدية