الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الفكر التونسي الحديث

Share

تحية :

احمل اليكم ( * ) من تونس العربية : وجيب وفاء اخوى ، طالما شد وطنى بقادته وجماهيره ، بنخبه ، وبناته ، الى اشقائه العرب ، في لبنان ، وفي كل قطر عربي يتحفز قادة الفكر فيه ، لحمل الرسالة النيرة ، تذود الدفق الحرارى الفوار فى مجارى النهضة القويمة . وهم الجميع رد الطاقات المتكاتفة الى مسالك الحياة الاجتماعية فى تطلع مجتمعاتنا لمزيد من : العافية ، والفهم والازدهار . .

وبلادى تعرب ، بتجاوبها مع هذه الطليعة العربية المفكرة ، عن حضورها الواعى الذى لم ينقطع فى مجالات العمل العربى السليم ، تضم جهودها الى جهودكم ، وتردف تجاربكم بتجاربها ، وتبارك للحلقة الرصينة ما سيكون لها فى مضمار البحث والاعتبار : حصادا موفورا تضعونه على الطريق العربية صوى هداية ، لها من نبراس العلم سني وضاء ، ومن تدبير العقل منهاج رشيد .

لما وصلتني الدعوة لحضور الحلقة ثقل على ان لا تكون مشاركتى ايجابية فى هذه النشاطات الفكرية العالية ، خاصة وتونس ما تزال ، كشقيقاتها الاخرى فى المغرب العربى الكبير ، بحاجة الى التعريف بنفسها لدى اشقائها المشارقة كى يكون التوفر اجدى فى وصل اللحمة العربية فيما بين شطريها وارقنى ان يمر مقيات البحوث دون ان أتهيأ لوضع الفكر التونسي بإزاء اشقائه فى المدار العربى . . فانتهيت الى اعداد " اطار لدراسة الفكر التونسي الحديث " وأملى أن أكون قد وفقت فيما حرصت على توفيره من وضوح ، لأعوض ما حملت عليه ، بعامل الزمن المحدود من اقتضاب . عسى ان ترد المساهمة الموجزة تمهيدا لمشاركة ادق ، وتقديما بين يدى تقارب " اكادمي " متكامل يلتقى فيه المشرق والمغرب العربيين التقاء اوثق ، وفي كليهما من الاصالة واسباب التفاعل ما يشدهما الى عناق سليم مستديم

الفكر التونسي الحديث

1- طبيعته 2 - خصائصه . 3 - مقوماته 4 - مجالاته

مقدمة :

منذ ربطت تونس مصيرها بالامة العربية خلية حية فى كيانها النشيط ادلفت تقيم اود حياتها على اسس عربية اسلامية انصهرت فى بوتقتها بقايا الحضارات الغابرة . .

ولما تسلل الترهل الى العقول العربية المفكرة والقوى المبدعة : تداعي البناء المغربى ، تداعيه فى المشرق ، يستنزف طاقاته المعطاء سبل من الكوارث لا يلين . .

غير ان للمحن - دائما - دلالات خفية ينفذ الى اسرارها الراسخون في العلم والحكمة ممن تتحول الاحداث القاسية فى بصائرهم النابهة : حواف منيرة ، يتولد عنها انصراف الى تاملات عميقة . . تتمخض فى وضح الاعتبار والتدبر عن : وعي ذهنى مستوعب لواقع الاوضاع ، يكون للصفوة منه تصميم ارادى جرىء ، على مواجهة الازمة باصرار وتبصر .

حصل هذا الشد الاخضر فعلا لما تألبت الازمات الداخلية مع الاخطار الخارجيه على الاطاحة بالكيان العربى ، فى المغرب والمشرق ، ضحية التخلف والاطماع ، وسوء الادارة احيانا . .

1 - طبيعة الفكر التونسي الحديث :

فلما اهل القرن التاسع عشر كان الشريان التونسي ينبض حذر مما بشيم فى الافق من اعاصير الاحداث الدولية ، وكانت الصفوة المفكرة فى تونس على قلة عددها ترقب - من قرب - ما يجرى على الضفة المقابلة للبحر الابيض المتوسط من تطورات حضارية مدهشة وادركوا - فى الابان - ما بلغته النهضة الاوروبية هناك من شأو ، ولم يخف عليهم ما بات لجيرانهم فى دول الغرب من تقدم صناعى ضخم ، وازدهار علمي فريد ، وقوة حرية لا عهد لهم بها من قبل . .

واستبدت الحسرة بالقلة التونسية الواعية مما تخطتهم به الالة العملاقة الجديدة ، بين عشية وضحاها ، فاذا كل اجهزة بلادهم ووسائلها اشبه باثار الامم البدائية الغابرة . .

وكيف يمكن ان تكون هذه المبتكرات العجيبة ، وخاصة الاسلحة المدمرة منها بالنسبة لدولة صغيرة كتونس مجردة من اى معنى مثير ! ، وعهدها بموقعها الجغرافي : انها دائما على حافة الاخطار ، بل وكثيرا ما تعرضت في الماضى القريب ، فضلا عن تاريخها القديم ، وخاصة فى القرن السابع عشر والثامن عشر وما قبلهما ، لغارات اجنبية عديدة استهدفت سلامة اراضيها وسيادة مواطنيها ، وكان لها انذاك من قوة الدفاع ما يقارب على الاقل عتاد المغير بالاضافة الى ظروف محلية وخارجية ساعدت على انحسار الغزاة لا عن نصر ولا عن هزيمة ، ومع ذلك كان شغل النابهين فى الدولة : تعبد معدات البلاد باستمرار ، كى تظل فى مستوى القدرة على رد العدوان

ولم يكن لخلف اولاء اليقظين الا الذعر والحذر مما تحقق لاعداء الامس وما اصبحوا اصدقاء يطمان الى عهودهم فى الوفاء - ما تحقق لهم - من اسباب القوة والعظمه ، بينما تغدو شؤونهم فى مستوى اقرب الى البدائية منه الى التطور .

وليس من الطبيعى ان يظل هذا الاحساس الواعي مجرد حشرجة ، لا تتحول - بالتضخم الى تساؤلات ملحة عما شد البلاد التى كان لها في مضمار الحضارة نصيب موفور ، فعاقها عن مواكبة التقدم الجارى هناك عل مرمى البصر ، بل انتهت الصفوة المفكرة ، لا فقط ، الى تشخيص الداء الذي جرد الحركه القومية من فعاليتها بالقياس الى ما تم في اوروبا من تطور سريع بل الى وصف الدواء فى متسع من الوقت الانتقاء الافضل مما لا يسئ الى جوهر الشخصية الوطنية بالمسخ والتشوبه

فلما تحركت الجيوش الاجنبية صوب الاشقاء في الجزائر سنة ثلاثين وثمانمائة 1830 استحالت الحملة الباغية ناقوس خطر يخترق قصفه من قلب الشمال الافريقي ليصل اذان القلائل ممن باتوا فى الميمنة على تهيب لما قد تتكشف الايام عنه من أهوال ، واصبحوا على يقين ، او شبه ، من توقع امتداد الخطر ذات اليمين فى تونس ، وذات الشمال فى المغرب الاقصى

ووقر فى اذهانهم ان : الوقاية لا ينسج درعها الا على انوال : نهضة داخلية شاملة تكون :

لحمتها : التراث القومى الاصيل وسداها : فيض من معين الثقافة العصرية التى قلبت حياة الغرب ورفدها : اقامة علاقات ود وتعاون مع بعض الدول الاوروبية مما نشط حركة الاتصال المباشر على الصعيدين الرسمى والفردى ، كما ساهم في تحريك النشاطين الاجتماعى والاقتصادى بعض التحريك .

وهم فى ذلك لم يخرجوا عن : طبيعة تفكيرهم المتوسطية : ثراء شخصية وتعدد عنصر ومرونة تكيف ، واستعدادا للاخذ والعطاء فيما لا يمس جوهر الذات ولا يطمس معالم الوجود القومى ولم يخطئ المفكر الفرنسى " بروزون " وهو يقرر

. . ان حكمة فلاسفتها - اى المعاهد التونسية - دعتهم الى التسليم والازدراء بسلطة الحكومات التى توالت عليهم . تولى عليهم الصنهاجيون والموحدون وبنو حفص والاسبانيون ، والاتراك ، ولكن السلطة الخفية بقيت بايديهم ، وهى تلك السلطة التى لا يغالبها شئ ، وبذلك وقع ما يجب او يكون : فان كل طائفة مهاجمة تسلطت على هذا البلد لم تلبث حتى اندمجت فى اهلها . وهكذا تكونت الجنسية التونسية . . هذه الجنسية مؤلفة من عناصر شتى وقوتها مستمدة من ذلك . ومن حسن البخت انها بقيت عربية لان الاسلام قد ختم عليها بختمه الذى لا يمحي ولا يزول . . "

2 - خصائص الفكر التونسى الحديث :

فى طليعة ما يقف عليه الدارس فى استقصاء خصائص الفكر التونسى الحديث ، وهو يتابع تأملاته العميقة فى شؤون الحياة الذاتية داخل المجتمع الملتحم به التحام الوجود الحتمى فى بقاء النوع وسلامة المصير ، وعلى هدى من مجريات التطور خارج الحدود فى المجتمعات الحافلة بمعالم نهضة جديدة ، خصيصة :

1 ) الوضوح الذهنى ، بما تنطوى عليه من : 2 ) تفتح عقلي

وكلتاهما حرية بالتاكيد فى الكشف عن طبيعة هذا الفكر واستجلاء ميزاته ، وهو ان لم نقل عنه :

انه فى مستوى الاحداث الجارية وعلى اقتدار ما ، لعجم بعض المضاعفات الزمنية على الاقل ، واحتساب لجانب من معقدات المشاكل ، وتقدير دوافعها الخفية ، يكون قد سقط فى محاولتنا الغور المميز ، وخدعنا بالوصف الطردي الذي لا شان له فى تعريف المعرف بعناصره الجوهرية

3 ) وكما سيرت خصيصة : " الثبات " لانتقاء العلاج الناجع ، وافسحت فى مجال التفكير لاصطفاء اسلم التلاقيح

4 ) كانت " القدرة على البت " فى مجال الاختيار ، قاضية على التردد الماحل بما عصم البادرة المبدعة من القضاء فى دوامة الحيرة ، والارتباك ، والتهيب .

وهاتان الخصيصتان ما كانتا لتلابسا الفكر التونسى على دقة الموقف بسبب معارضه المحافظين ( 2 ) لو لم يكن قد كسب قدرا غير يسير من النضوج والاقتناع .

كنت انتهيت من بحث ( 3 ) استغرق ستا من السنين الى : أ - ان الفكر التونسى كان طوى ، فى القرن التاسع عشر مرحلة ، التردد و التدبر

ب _ وقضى فترة تتراوح بين القرن والقرنين - حسب متنفساته - يتمرس بمحاوله التطور فى منطق حركى ، له من النمو والتجدد ما اعاد اليه اعتباره فى حياة الانسان : قوة فهم وادراك ، وطاقة عطاء وتوليد ، ومحرك ابداع لتكييف شؤون الفرد ، والجماعة ، والدولة على نحو مماثل لما فى طبيعته من : مرونة ، وانفتاح

" ..اما المحاولة الاولى التى استرد بها الفكر العربي في تونس قدرته على اداء وظيفة فى تسيير الحياة نتيجة لانتصاره على مراسن القهر والجهل والفراغ ، فالعهد بها يرجع الى : اوائل القرن : السابع عشر ، لما استفاقت الصفوة فى هداة اعصار اجتاح الثقافة التونسية فى ثلاثنيات القرن السادس عشر على ايدى جيوش الاحتلال الاسبانى . . واستمرت اثاره التخريبية حتى نهاية قرن النكبة . . وعندها بدات مرحلة : التحسس الثقافي .. ثم تطورت الى شعور فردى وجماعى بالحاجة الى سد الثغرة التى خلفها الجهل والقهر . . وكان ان التقت الحالة المرضية التى استبدت بعقول النابهين على نحو من الانسياق الواعى مع الضمير الاجتماعى فيما كان يهزه من : جدب روحى ، وعقم فكرى

اما على الصعيد المادى ، فما كانوا بحاجة الى امتحان اشد ليدركوا ان بلادهم تقوم على حافة زلوق من الاخطار . وقديما تطلعت اليها الاطماع ورمتها بويلات من الشدائد ، فغدا لهم من معتركهم المغرى اعتقاد راسخ بضرورة القيام على التعبئة المستديمة لمواجهة الطوارئ الداهمة .

لئن انبثقت تلك اليقظة بالاساس عن الشعور بالحاجة الى ما يقيم اود المجتمع من العلماء المتفقهين فى الدين ، مما ادى الى ظهور نهضة ثقافية اسلامية ، ونهضة لغوية ادبية تبعا لها ، فانها قد اكتسبت فى القرن التاسع عشر دما جديدا ، لا عهد للثقافة العربية به ، لان مصدر الطاقة الفكرية الجديدة لم يرد هذه المرة من مصدر عربى ، كما كانت حركة الاحياء السابقة ، فصح القول اذن :

ان حياة الفكر فى تونس دخلت - منذ بداية القرن التاسع عشر طورا جديدا ، غدا فيه الكائن النشيط يتنفس بملء رئتين سليمتين كانتا مقومى حركته :

1_ فبينما استمرت اولاهما تعب من ينابيع الثقافة الاسلامية ، والتراث  العربى الزاخر

2 - انطلقت الثانية تتحرك فى مناخ فكرى جديد . وجاء انطلاقها فيه نتيجة لمثل التساؤلات الاتية :

- اين تقع تونس فى الهرم الاممي الحديث ؟ - لم فقدت امكانات الثبات فى حلبة الصراع ؟ - كيف انزاحت عن اداء دورها فى بناء الحضارة ؟ - باى عدة تقى وجودها من محاولات الافتراس التى ظهرت بوادرها تلوح فى افق السياسة الدولية ، بالاضافة الى ما كانت تهب رياحه بين الفينة والاخرى ، من اراضى الجيران والاشقاء ؟

1 - المقوم الاول :

على نحو من هذا التساؤل انكبت الفئة المفكرة على درس الاوضاع التى غدت عليها البلاد تجاه المستحدثات العصرية فى العلم والصناعة والمعدات واتخذت من ثقافتها الاسلامية العربية عدة متينة لبناء مستقبل افضل .

1- وكان لها من تمثلها طريقة ابن خلدون فى تحليل الاحداث وتعليلها ما اجرى التجارب الاصلاحية على نحو من الاصالة والوعى

ولمع الوزير مصطفى صاحب الطابع المتوفى سنة 1861 ( 1 ) من بين المتأثرين بآراء ابن خلدون المودعة فى مقدمة تاريخه ، وظهرت آثاره فيما قام به من جهود الاصلاح على الصعيد الرسمى ، ولم يزل يرتقى فى مراكز الدولة العالية الى ان بلغ رئاسة مجلس الشورى

وفي الحادثة التالية ما يدل على قوة شخصية هذا المفكر ، واستواء تفكيره ، ومبلغ تأثره بالمبادئ الديمقراطية الغربية .

. . . استشار المشير ( 2 ) رحمه الله رجالته فى امر ، وكان هو - اى مصطفى صاحب الطابع - وجه الجماعة . فقال للمشير : " اى شىء تشتهى سيادتكم ؟ " فبين له مراده ، وانتقض الجمع على غير راي . ولما خرجنا المتكلم وهو احمد بن ابن الضياف ، ومصطفى صاحب الطابع انكرت عليه قوله : " اى شىء تشتهى سيادتكم ؟ " ، وقلت له : " لو اراد شهوته لفعلها دون مشورة " . فقال لى : " إذا غالطنا انفسنا ، لا نغالط ربنا ، وهو اعلم بنا منا ، ناشدتك الله اترى خدمتنا مقصورة على المصلحة وما يقتضيه العقل والتجربة من غير اعتبار الملوك ؟ ! اترى نفسك فى فرنسا ايها الشيخ ؟ ، ودليل ذلك عدم نتيجة هذا الجمع ، " فلم احد جوابا . . " ( 3 )

فانظر الى دقة التعبير ، ونفاذ الكلمة ، وصادق اللهجة على جراة فى الصراحة ! ثم انظر اليه فى مواجهة النفس بالحقيقة من غير مغالطة بما هو شكلى من اجراءات رسمية : وهل تعنى كلمتا : العقل ، والتجربة الا هذا الاسلوب من التفكير الواضح الذى يخضع الاشياء لمنطق سليم ؟ ، يحكم النظر ولكنه يستنير بالتجربة ايضا كيلا تجنح النظريات بالمسؤول عن الواقع فينعزل فى عالم المثال . واخيرا الى ملكة المقارنة التى يصدر عنها فى عفوية واقتناع ، وعن خبرة ودراية ، يوعز لمجادله ليقيس حال حكومة هم شركاء فيها بحكومة فرنسا . ويجيء الدليل الحي ، من واقعة الحال التي امتد منها حديثهم قاطعا مفحما . .

وتهيأ لهذا المفكر الذكى ان يحوز ثقة امراء تونس ممن تقدم المشير فاستاثروا به لتربية ابنائهم وكان من بينهم المشير احمد نفسه ( 4 ) .

كانت المدرسة الفكرية التى اصل قواعدها العبقرى التونسي عبد الرحمن ابن خلدون - الى ذلك العهد - ما تزال نشيطة فى اوساط النابهين من المفكرين ، ولم يقف تاثيرها فى مواطنيه عند التمرس بمنهجها الموضوعي فى علاج القضايا السياسية والاجتماعية مما له صلة بمبادئ علم الاجتماع وفلسفه التاريخ ، ولا فى توارثهم دراسة المقدمة وموسوعتها : " كتاب العبر ، وديوان المبتدأ والخبر ، فى ايام العرب والبربر ، ومن عاصرهم من الدول الكبرى " بل وفي الاهتمام ايضا - بتدوين الاحداث وتتبع جزئياتها

على نحو لم يدع لصناعة التاريخ اى مجال للكساد حتى فى اشد الفترات التى بكب فيها الحرف ، لذلك ما تزال صناعة التاريخ تتنقل فى اجيال التونسيين يتوارثها الحاذقون منهم الى يوم الناس هذا ، وكان لها من رجال القرن التاسع عشر عدد من المؤلفين نخص بالذكر منهم

- المؤرخ الوزير احمد بن ابي الضياف المتوفى سنة 1874 ، وتاريخه : " اتحاف اهل الزمان باخبار ملوك تونس وعهد الامان "

- المؤرخ الاديب الباجى المسعودى المتوفى سنة 1879 ، وتاريخه : " الخلاصة النقية فى امراء افريقية "

- المصلح خير الدين باشا المتوفى سنة 1889 ، وتاليفه : " اقوم المسالك فى معرفة احوال الممالك " ( 5 ) .

- المفكر الكاتب محمد بيرم الخامس المتوفى سنة 1889 ، وكتابه : " صفوة الاعتبار بمستودع الامصار والاقطار "

- الشيخ بالزى وتاريخه : " تاريخ مصطفى اسماعيل " - اذا صحت نسبته اليه .

ب - انضم الى مفعول المنهج الخلدوني فى الدراسة : معين غزير من الثقافة الاسلامية العربية بشتى فروعها السياسية والدينية والادبية مما كان يدور فى رحاب جامع الزيتونة ، وغيره من مساجد المدن والقرى وفيها لسوق المعرفة رواج وازدهار

ان القاء نظرة على مقدمة " اتحاف الزمان . . " ومثلها على مقدمة " اقوم المسالك " تكشفان مدى ضلاعة علماء هذا القرن بفروع المعرفة الاسلامية العربية بالاضافة الى تأثير ابن خلدون فى المؤرخين منهم ، وغير المؤرخين

ح - فى رحاب هاتيك المدارس نهج بعض الاساتذة والشيوخ فى تلقين العلم اسلوبا طريفا يقوم على الفهم والهضم اكثر من قيامه على الحفظ الالي المجرد ويعني بالمصادر والمطولات تعويلا على التحقيق والاستقصاء ( 6 ) ويفيد من تجارب العالم الاسلامي في ميدانى التدريس والتأليف ( 6 ) بحكم اتصال علماء تونس المستمر بالاقطار الاسلامية فى المشرق والمغرب ، يرحلون اليها ( 6 ) لاحد الاغراض الاتية :

1 - الاتصال الرسمى فى قضاء مهمة حكومية . 2 - الرحلة للحج 3 - طلب العلم لمزيد من التبحر والتحصيل ( 6 )

وجنى علماء تونس من وراء هذه الاسفار صداقات متينة مع علماء العالم الاسلامى فى الحجاز والشام وبيروت ومصر وتركيا والجزائر والمغرب ( 6 ) .

2 - المقوم الثاني :

اما الرئة الثانية التى انطلقت بالفكر التونسى انطلاقها بالفكر العربى فى اجواء جديدة اسهمت اسهاما فعالا فى توجيههما وجهة لا عهد لهما بها من قبل فهى : الثقافة العصرية التى هبت على العالم العربى من بلدان اوروبا الغربية .

والغرض من ذلك ما اشار اليه الوزير خير الدين فى مقدمة " اقوم المسالك فى معرفة احوال الممالك "

" التماس ما يمكنهم - اى ذوى الغيرة والحزم من رجال السياسة والعلم من الوسائل الموصلة الى حسن حال الامة الاسلامية ، وتنمية اسباب تمدنها بمثل توسيع دوائر العلوم والعرفان ، وتمهيد طرق الثروة من الزراعة والتجارة ، وترويج سائر الصناعات ، ونفي اسباب البطالة . واساس جميع ذلك حسن الامارة ، المتولد منه الامن ، المتولد منه الامل ، المتولد منه اتقان العمل المشاهد فى الممالك الاوروبية بالعيان وليس بعده بيان . . ( 7 ) وفى تونس لم يحصل هذا التماس الوثيق بالثقافة الغريبة بين عشية وضحاها ، ولم يولد مولد الصدفة فى غير ما ارتكاز على حذور ، وانما قام على قواعد رسخت فى الماضي على مدى قرنين من الاحتكاك المباشر وكان  خلوصه الى ميادين الفكر والمعرفة تتويجا لتطورات شتى مر بها اتصال

التونسيين بالاوروبيين ان فى ديار الغرب التى سافروا لها منذ القرن الثامن عشر للزيارة ولقضاء مهام رسمية . او بمخالطة ابناء حالياتهم المقيمين فى تونس ، ومن جاء منهم للزيارة والسياحة او للعمل فيما لم يتوفر لخدمة التونسيون من فنون التجارة والصناعة . .

ومن هؤلاء الدكتور الفرنسي  Louis Frank " لوي فرانك " الذي زار تونس مرتين وعمل طبيبا خاصا لحمودة باشا اوائل القرن التاسع عشر وكان على اتصال بعدد من مفكرى تونس وعائلاتهم ، ثم وضع كتابا عن الحياة التونسية فى ذلك العهد يعد من اهم مصادر تاريخ تلك الفترة ( 8 )

وعدا هذا العمل فهناك عوامل اخرى لا تقل اهمية فى تهيئة الاذهان لتقبل الرافد الفكرى الجديد فى جو من التفتح والثقة

2 - من ذلك التزوج بالاجنبيات والتسرى منهن حتى كان من بينهن أمهات لبعض رجال الدولة ، بل ومن كان فى قمة المسؤولية ( 9 ) فظهر اثرهن فى نعلم ابنائهن اللغات الاجنبية والانفتاح على ثقافة الغرب ، ثم التأثر بها فى الحكم والادارة

3 - مغامرات القرصان التى جعلت من القرصنة مهنة نشيطة رابحة ، وكانت سبيل القرن الثامن عشر وما قبله للثراء ، وقد اسهم الاسرى الاوروبيون منهم فى تطوير البلاد حتى كان بعضهم يستعمل فى دار الصناعة الحربية على عهد المؤرخ حمودة بن عبد العزيز

4 - كما شجع على هذا الاقتباس ما ظهر فى عاصمة الخلافة الاسلامية من اقبال على النظم الغربية المستحثة لمحاولة الافادة منها فى اصلاح شؤون الدولة .

وكانت مظاهر اتصال التونسيين بالمدنية الغريبة الحديثة 1 - تعلم بعض اللغات الاجنبية حتى كان من التونسين من ينظم الشعر

بها . وفى المقابل تعلم بعض الاجانب العربية ، وكان منهم من يحرر بها ) 10 ( .

2 - ابرام اتفاقات سياسية مع بعض دول اوروبا الغربية وخاصة فرنسا مثل معاهدة عام 1802 ( 11 ) .

3 - استقدام البعثات للافادة من خبرتها ( 11 )

4 - انشاء المدارس الحديثة لتعليم العلوم الحسابية واللغات الاجنبية الى جانب ما كانت تؤديه المدارس التقليدية فى نطاق الثقافة القومية على تعددها وانتشارها فى ربوع البلاد

اشترك في نشرتنا البريدية