الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الفكر الديمقراطي عند الاستاذ محمد مزالي

Share

أن يحلل المفكر مبادئ الديمقراطية ومفهومها ومسارها التاريخي فأمر مهم ، أما أن يعتمد أفكاره التى نبعث من كيانه لتحقيق الديمقراطية فى بلاده فأمر رائع ، وحين يجمع بين المقولات النظرية وموقع الفعل لتجسيد حركه الواقع بما تحمل من وعي متميز وصيرورة دائمة الى ما هو أسمى لتركيز اسس الديمقراطية فذلك هو بلوغ مستوى أعالي مراتب الانسانية والريادة

ومن هذه المنطلقات كانت الممارسات الديمقراطية للاستاذ محمد مزالي على المستويين النظرى والتطبيقى منذ الخمسينات

ان تحليله للديمقراطية اضاءات للعلاقات التى تحكم المجتمع والناس ، اضاءات مشعة تفضى الى الاكتمال والنضج وترسيخ الكيان ، تحاليل فيها من المنطق دقته ، ومن البعد وضوحه ، ومن الذاتية وعيها ، ومن الواقعية ما يجعلها قابلة للتطبيق في مناخ اجتماعي وسياسي اكتملت مقومات سيادته واستقلاله

ان الابعاد النظرية والتطبيقية للديمقراطية عند الاستاذ محمد مزالي شملت المستويات الوطنية والقومية والانسانية لتنصهر كلها فى بوتقة الشخصية التونسية ضمن رافدها المتميز المترابط مع التيار العربي الاسلامي المتأصل والمتجذر في نبع القيم العليا مع تلاقيه بالتيارات الانسانية التى تحمل نفس السمات رغم تنوع الخصوصيات والمميزات

فما هى المنطلقات الديمقراطية عند الاستاذ محمد مزالي ؟ وما هو المنهج الذي انتهجه فى تطبيق القناعات والمبادئ الديمقراطية ؟ .

ان الايديلوجية تستلزم أن يحلل المفكر الواقع لمعرفة خصائصه وطبيعته حتى يتمكن من ايجاد الحلول الكفيلة بتغيير أوضاعه التى تجاوزها الزمن ولم تعد متماشية مع الرؤية الحضارية لابنائه الذين تشبعوا بمفاهيم حضارية جديدة جذرها فيهم زعماؤهم الوطنيون الذين انهالوا على الاوضاع المتعفنة هدما واجتثاثا حتى انهار ما كان صرحا مشيدا على الانبتات والتغريب والتهميش

لذا لم يكن تعامل الاستاذ محمد مزالي في تفكيره الديمقراطي مع النصوص ليفضى الى الحصول على وثيقة نظرية خيالية ، وانما كان تعامله مع الفكر الانسانى فى مساره الكفاحى من أجل تحقيق الديمقراطية مع اضافة طرافه للموضوع تتمثل فى تطبيق المبادى الديمقراطية على المجتمع التونسي حتى لا يكون مجتمعا متفرجا مطلعا على ما يدور فى العالم من سعى لاثبات الذات البشرية .

يرد الاستاد محمد مزالي أن يكون هاضما لمقولات أثبتها مفكرون عبر التاريخ البشرى ، وانما وطن العزم على أن يكون للكلمة الفاعلة نصيرا مع انتاج ابداعات نظرية وعملية فى الميدان الديمقراطي لاثبات ما للفكر التونسي من قدرة على الخلق والانتاج

إن المتتبع للمنطلقات الديمقراطية عند الاستاذ محمد مزالي يراها متماشيه مع الفكر الانسانى ، كما أنها لم تتخل لحظة عن الإطار الوطني التونسى اثباتا للذات واعتزازا بالشخصية التونسية ، فقد كتب تحت عنوان تونس في درب الديمقراطية ، فقال : ذلك معناه أن الشعب صاحب السلطة المطلقه ومصدر السيادة الكاملة . ومعناه أيضا أن الامة تتجه اتجاها ديمقراطيا واضحا لا التواء فيه ولا غبار عليه بذلك تحافظ الامة التونسيه على اسلامها وعروبتها فى اشرف معانيهما وانبل مقاصدهما وبذلك تكون قد ربطت بين ماضيها المجيد وحاضرها الباسم ومستقبلها الزاهر ، ) 1 ( .

هذه المقوله ترجع الى سنة ست وخمسين وتسعمائة والف ولكنها اضاءت للدرب الديمقراطى الذى انتهجته تونس حاضرا ومستقبلا انطلاقة

واعية لحتمية المسار الديمقراطي رغم ضبابية المصير فى ذلك الحين استقلال هش ، وأصابع اخطبوط استعمارى تنخر فى الخفاء ، واستعمار مقنع يتربص بنا ريب المنون ، وشعب ليس له تجربة فى ممارسة أصول الحرية الا ما تمكن من غرسه فى النفوس الحزب الحر الدستورى التونسي الجديد ) 2 ( من معاني الاباء والكرامة طيلة ربع قرن فى ذلك العهد

فى تلك الفترة التى كانت فيها الطاقات الوطنية التى ساهمت فى تحرير البلاد تتلمس الطريق لرسم الخط الحضاري لارساء دولة وطنية نجد الاستاذ محمد مزالي يطرح الرؤية الديمقراطية لتكون الارضية الصلبه لاقامه حكم وطني قادر على الاستجابة لشعب متحرر . وقد وضع شروطا للتمكن من اقامة حكم ديمقراطي

والحرية عنده هي الشرط الاول لتطبيق الديمقراطية . فالاستقلال فى نظره الرشد والمسؤولية ، هو ثمرة النضالات وتواصل المجابهة والتحدى

والاستاذ محمد مزالي يرى ان للمد الديمقراطى تواصلا رغم الخيبات والنكسات التى اعترت الانسانية فى نضالاتها من أجل تحقيق المبادىء الديمقراطية لان تحقيق المعادلة المتمثلة فى تجسيم التوازن بين حرمة الفرد وسلطة المجتمع والدولة صعب يتطلب وعيا وتفانيا فى خدمة الغير ونكران ذات الى حد التضحية

والديمقراطية فى نظر الاستاذ محمد مزالي : " . . عقد مبرم بين جميع أفراد المجتمع الاحرار يرومون تأسيس هيئة اجتماعية متحضرة انما تستمد قوتها وسلطانها منهم " ) 3 ( .

وحديثه عن الديمقراطية فى مفهومها وأركانها والظروف المحيطة بتحقيقها يتسم بالاتزان والموضوعية بعيدا عن الشعارات البراقة الخلابة ، وعن الشعور بالتعالى أو الكبرياء

انه يحدثنا عن الديمقراطية كمكسب غالي الثمن صعب المراس عزيز الجانب ساهمت الانسانية منذ أقدم العصور فى تجسيمه بصور مختلفة وطرق شتى .

ان النهج الذي تناول به الاستاذ محمد مزالي المسار الديمقراطي نهج علمي يعتمد الاستقراء والاستنتاج بعيدا عن الرفع المفرط من شأن بعض المفكرين أو الحط من أهمية مفكرين آخرين ، لان حلقات المسار الديمقراطى هى حلقات متماسكة قد يطول الزمان أحيانا دون أن تحرز على انتصارات جديدة ، وقد يعتريها الجمود ، وقد تصيبها الخيبات والنكسات ، ولكن رصيدها متواجد حتى يظهر أحد الفلاسفة أو المفكرين ليجلوا عن معدنها ما أصابه من صدأ عن طريق الاضافات المنطقية أو التطبيق الفعال

هذا المنهج المنطقي فى معالجة قضية الديمقراطية جعل الاستاذ محمد مزالى يبين فى كتابه : " الديمقراطية " ) 4 ( مجهودات أعظم المفكرين الذين تناولوا موضوع الديمقراطية بالبحث مؤيدين وجودها وتطبيقها نظرا الى ان للديمقراطية معارضين وأعداء ، فمنهم من ينادى بالحرية المطلقة ، ومنهم من ينادى بالحكم الفردى ، وفي كلتا الحالتين يوجد عدم التوازن . ففي الصورة الاولى تنعم سلطة المجتمع والدولة ، وفي الصورة الثانية تمحي شخصية الفرد ويصبح الحكم ديكتاتوريا ، الامر الذي جعل الديمقراطية وسطا بين حدين متطرفين ، فهى فضيلة بين رذيلتين لانها توفق بين المتناقضات فهي تضمن حرية الفرد فى حدود متفق عليها ، وتمكن الدولة من ممارسة نفوذها دون ظلم أو حيف او ارهاص أو ارهاب

والاستاذ محمد مزالي ليس من المؤمنين بالديمقراطية كفلسفة أو كتنظيم نظري فقط ، بل يؤمن ايمانا مطلقا بوجوب تطبيقها فيقول : " واذا عرفنا " فلسفه " فلسفة الديمقراطية باعتبارها شيئا يجب ان يتحقق ، من الطبيعي أن نتساءل كيف يمكن أن يتحقق ذلك الشئ ، . ) ٥ ( .

والمهم ان المفكر الاستاذ محمد مزالي لم يبحث فى كيفية تطبيقها بصورة مطلقه ، وانما التزم بايجاد الحلول فى كيفية تطبيقها بتونس بداية من فجر

الاستقلال عندما توفر احد مقومات الديمقراطية وهو الحرية ، حيث ان الاستقلال هو الرشد والمسؤولية ، هو ثمرة النضالات وتواصل المجابهة والتحدى ، هو حصيلة القوة لجبارة المتولدة عن الروح الواعي للشعب هو الوفاء للذات والذود عن الكيان ، هو الحرية والانعتاق والانطلاق فى أروع مظاهرها .

وماهية الديمقراطية تتضمن استمداد السلطان من الهيئة الاجتماعية ، واذا انعدمت الحرية انتفت القدرة على اتخاذ القرار . فالترابط بين الديمقراطية والحرية ترابط جدلى حتمى حيث لا تولد الديمقراطية الا فى أجواء الحرية .

والاستاذ محمد مزالي ينظر الى الحرية من مستويين : مستوى الفرد ومستوى المجموعة

فتحقيق الذات واكتمالها واكتساب صفة الانسانية لا تكون الا بالممارسة الفعلية للحرية ، بها يتخلص الانسان من حيوانيته وسلبياته ويرتقى مدارج السمو والعظمة ، فهي جزء من الكيان البشرى ، الامر الذى جعل الانسان يدافع عن حريته الى حد الاستشهاد : " هناك شعور قوى عارم بأنا ولدنا احرارا ولا يمكن لأية قوة - مهما كان مصدرها - أن تسلبنا حريتنا " ) 6 (

وبالنسبة للمجموعة فلا قيمة للحرية اذا لم تشمل كل أفرادها بقطع للنظر عن كل التصنيفات والتقسيمات والدرجات والحدود : " لا معنى للحرية ما لم يكن حظ الناس منها واحدا وما لم يتمتع بها البشر أجمعين حيث وجدوا وأنى عاشوا وأيا كان لون بشرتهم ونوع الدم الذى يجرى فى عروقهم " ) 7 ( .

حين يحلل الاستاذ محمد مزالي جانب الحرية فى تركيبة الديمقراطية نتبين انه المناضل المفكر الذي يجاهد من اجل تحقيقها ، فقد عاش فترة شبابه فى عهد سيطر فيه الاجنبى على بلاده فشعر باستلاب الذات وسيطرة

الاجنبى ، الا انه لم يستكن ولم يستسلم ، وانما ناضل سياسيا وفكريا من أجل تحرير وطنه ، وفي تحرير الوطن تحقيق لحرية الذات والمجموعة وهو بذلك يعبر عن رسالة المثقفين الذين يصنعون القرار فى أوطانهم ويكون رمزا لمن يؤمن بالمبادئ السامية والقيم العليا ، ولا يكتفى بذلك وانما يجاهد صابرا صامدا مرابطا من أجل تحقيقها حسب الاشكال الوطنية البعيدة عن التبعية والشعارات الجوفاء : " وعلى المثقفين كذلك ان يتجاوزوا الاعتبارات الشكلية والجدل العقيم ، فينطلقوا من واقعهم وحياة شعبهم لتقييم أمورهم وتحديد رسالتهم ومنزلتهم في مجتمعهم ، وأن يحذروا من النماذج " الاجنبية المستوردة فى حكمهم على الأشياء ، وبذلك يكونون ( مشاركين لا متفرجين ، ايجابيين ، لا سلبيين ( ) 8 ( .

ومن مظاهر الايجابية ترشيد الحرية ، فالحرية لا تعنى التصرف المطلق الذي لا حدود له ، وانما هي الحرية المسؤولة ومنها حرية الاختيار ، فالعقد الذي يلتزم المواطنون بتطبيقه يكون الدستور وجهه التطبيقي مع ضرورة الفصل بين السلطات الثلاثة حتى يمكن تطبيق الديمقراطية

ان التوجه الديمقراطي عند الاستاذ محمد مزالي هو توجه انسانى تطبيقى واقعي يأخذ بعين الاعتبار الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبلاد حتى يقع التدرج المتزن الواعي نحو الديمقراطية الفعلية بعيدا عن الخيبات والنكسات

وقد تمكن من جعل مشاغله الوطنية ضمن الدوائر الانسانية : فالديمقراطية فى وطننا لا تنفصل عن المفهوم الديمقراطي الانسانى ، ومع ذلك لها ميسمها وخاصياتها النابعة من الشخصية التونسية التى تفرض ان تسود المساواة بين كافة المواطنين ، وهذه المساواة هي ركن من الاركان الضرورية لتوفير المناخ الديمقراطي

وفكرة المساواة هذه مقامة على الاساس المتمثل فى الدور الاجتماعى الذي يقوم به كل فرد من أفراد المجتمع ، معنى ذلك أن كل واحد منا في حاجة ماسة الى خدمات الغير مهما كان نوعها ومستواها ، وضرورة التكافل وتبادل الخدمات تفرض مفهوم المساواة ، فلا يعقل أن يكون الفرد أعلى

مقاما من غيره لانه يقدم خدمات قد يراها ارقي من غيرها او لانه ينتمي الى طبقة قد يظن انها أرفع من سواها لان ذلك يؤدى بنا الى الطبقية وهو ما لا يتناسب مع مفهوم الديمقراطية

فالدور الاجتماعي مهما كان فى مستوى رفيع هو تكليف لا تشريف وله اعباء قد تكون أثقل ومستويات قد تكون أشمل ، ومع ذلك فلا بد ان يشعر القائم به براحة الضمير حين يؤدى أجل الخدمات الى المجتمع ، وبرضاء النفس حين يساهم فى تقدم وطنه دون ان يكون ذلك سببا فى غرس مركب الاستعلاء في نفسه فيتعالى ويرتفع على الغير ويحيط نفسه بهالة من التميز المزيف الذي يكون سببا عند انتشاره فى عرقلة رسوخ مفهوم الديمقراطية وفى هذا السياق يقول الاستاذ محمد مزالى : " على أن المساواة ليست تستمد حرمتها وهيبتها من شعور الناس بذلك فحسب ، بل ان الضمير الاخلاقي يضعها وضعا ويفرضها فرضا لانه يضع حرمة الانسان فوق كل اعتبار ويرفع قيمته الى الذرى " ) 9 ( .

وبما أن الاستاذ محمد مزالي ممن يرون حتمية اثبات مبدأ المساواة على اساس ضرورة الدور الاجتماعى الذى يقوم به الانسان ويرفض مبدأ الاعتماد على اقرار القيمة الاجتماعية على أساس الانتماء العائلي الشريف أو الى قيمة الاملاك والاموال المكتسبة فانه يطرح الحل البديل ويرى أن العمل هو الذي يكسب الانسان انسانيته ويجعله جديرا بتحمل الرسالة التى أبت السماوات والأرض حملها وقبلها هو : " . . ليس الانسان ما ولد أو ما كسب بل ما عمل وقدمت يداه " ) 10 (

فالعمل جوهر واحد لا يتجزأ واصناف الاعمال هي صور لذلك الجوهر ، هى فيض متواصل له دون أن نسلط عليها الاحكام المعيارية التى تبنتها مع الاسف المجتمعات نتيجة ترسبات تاريخية متأتية من أنظمة اجتماعية توالت قديما وامحت وبقيت منها تلك الاحكام

قد يتصور البعض أن فكرة المساواة بديهية لا ينازع فيها أحد ، فى حين أن الواقع يثبت العكس حيث نجد العديد من المفكرين والفلاسفة يقفون ضد

هذه المساواة ويرون فى " النخبة الذكية " ملاذ البشرية ومنقذتها ، وهي التى يجب أن تتصدر الزعامة وبالتالى هى أرقى من غيرها فى تسيير الامور وممارسة الحكم .

ان المستقرئ لمسار التاريخ يلاحظ بوضوح أن مفهوم المساواة ينتصر ويوالى انتصاراته على مفاهيم الطبقية بفضل التضحيات والثورات المتوالية وعن هذا التطور يقول الاستاذ محمد مزالى : " واتجاه هذا التطور يدل على أن حظ البشر منها يتزايد باستمرار . فالسدود التى بين الطبقات تنهار شيئا فشيئا وتتداعى وكل ثورة كسب وغنم وخطوة الى الامام " ) 11 (

ان الانتصار للديمقراطية والتشبث بمبادئها والايمان بحتمية تطبيقها مفاهيم متحذرة في تفكير الاستاذ محمد مزالي فكتاباته التى ظهرت منذ الخمسينات الى الآن فى خط واحد ترى الديمقراطية قدر العالم المتحضر المتطور مهما كانت ضريبتها غالية ومهما كانت ممارستها صعبة

ان الثوابت التى يقرها المنطلق ويقبلها العقل لارساء قواعد الديمقراطية غير كافية لضمان استمرارها لان حقوق المواطن اذا لم نربطها بواجباته قد تؤدى الى مزالق تجاوز الحدود ، الى الفوضى والميوعة وعدم الانضباط فى حين ان العلاقة الجدلية بين هذه الحقوق والواجبات تضمن تساوى طرفي المعادلة ، ومن ذلك تربية أفراد المجتمع على أداء واجباتهم مع تمتعهم بحرياتهم ، فأداء الواجب في نظر المواطن الواعي فرض عيني لا يسقط عنه اذا أداه غيره ، بل يجب أن يؤديه بنفسه عن طواعية ورضاء نفس وبحماس واقبال ، ويثور حين يحرم من ذلك الواجب وينقم على نفسه اذا تخلى عنه ويبذل قصارى الجهد لتحقيقه . تلك التربية الوطنية السليمة هى التى تكبح جماح النوازع الذاتية وتضمن للفرد سلامة التفكير والسلوك

ومن هذه الواجبات التى يجب أن يقدسها الانسان واجب الانتخاب الذي يمكنه من المساهمة فى الحكم عن طريق الاختيار السليم الموضوعي ، فلا يمكن أن يكون كل الناس حكاما ونوابا للشعب وممثلين له ، الا ان الاختيار هو مساهمة فى التسيير والاقتراح والتقرير والتنفيذ

) 11 ( ص 81 من كتاب " الديمقراطية " .

ان المنهج الديمقراطي عند الاستاذ محمد مزالي يتسم بالوضوح والمنطق والواقعية ، فهو يرفض التغنى بالشعارات الجوفاء وينبذ اللجوء الى التلويح باللوائح التى تبهر الانظار فى حين انها خالية من كل محتوى يجعل منها محطات حضارية يمكن للشعب أن ينطلق منها لتحصين الديمقراطية ضمانا لاستمرارها وديمومتها .

ثم ان واجب الانتخاب لا بد من توفير ضمانات له حتى نجنبه الهزات وهذه الضمانات لا تكون الا عن طريق اقرار الدستور فى البلاد

فالدستور هو الحكم الفيصل بين كل افراد الشعب ، هو المرجع عند التشريع والتنفيذ والتقاضى ، هو المنظم للعلاقات بين السلط ، والمنظم للعلاقات بين السلطة وافراد المجتمع ، وهو المحدد للحقوق والواجبات وهو لن يكون بتلك الاهمية والقيمة الا اذا ربيت الاجيال على احترامه وعملت كل من المؤسسات الدستورية وافراد الشعب على تنفيذ بنوده ، وكل حياد عنه يعتبر جريمة اخلاقية تدخل تحت طائلة القانون

ان ترابط ركائز الديمقراطية أمر حتمي حتى لا يختل التوازن وحتى لا ينهار الصرح الذي شيده الشعب بكفاحه وتضحياته

ان التربية المدنية السليمة تجعل المواطن ينظر الى الامور بمنظار فيه تحقيق للمنفعة الشخصية ضمن اطار الشرعية والقانون مع اعتبار ما هو حق احيانا واجبا حتميا . ومن ذلك اعتبار العمل فى بعض الظروف واجبا مقدسا لا يمكن التخلى عنه

فالانسان الذي بذل الشعب والدولة - من أجل تثقيفه - الجهد والنفس لا بد أن يعتبر العمل واجبا وطنيا الى جانب كونه حقا مشروعا .

فالمهندس والطبيب والفني السامى والمخترع والمكتشف والمفكر وغيرهم لهم وظائف ضرورية لرقى المجتمع ، وفي هذه الصورة لا بد من انصهار المنفعة الذاتية في بوتقة المصلحة العامة

ثم ان العمل فى العديد من الظروف يعتبر واجبا وطنيا مقدسا خاصة إذا تعرضت البلاد او يمكن أن تتعرض الى مخاطر حين تعطيل العمل أو الانقاص من الانتاج والانتاجية .

فالمصلحة العليا للوطن قبل كل شئ والجهاد من أجل تحقيق مناعته وعزه أمر ضرورى تهون أمامه كل المصالح الشخصية وتمحي أمامه كل الحسابات الخاصة

وبهذا التمشى المنطقي يصبح البعض مما هو حق واجبا ومن ذلك التعلم والارتفاع فى مدارج العرفان كلما كانت الطاقات الذهنية قادرة على الاستيعاب ، فالتلاميذ الذين حباهم الله ذكاء والطلاب الذين لهم امكانات فكرية هائلة يدعوهم الواجب الى مواصلة البحث والدراسة حتى يصلوا الى أرقى المراتب التى تجعل منهم مكتشفين ومخترعين فيمكنوا أمتهم من أن تكون فى مقدمة الدول المتحضرة التى تحكمت فى التكنولوجيا العصرية وتكلل جبينها عن طريق أبنائها باكليل الفوز والفخر : من واجب المواطن وقد انهى تعلمه واستكمل ثقافته أن يقوم بواجبه كمثقف فى مجتمعه فينكب عليه درسا وتحليلا ويتصدى لعلاج مشاكله وقضاياه من دون ان يجد الصلف الفكرى المقيت اليه سبيلا " ) 12 ( .

هذه بعض ملامح المجتمع الديمقراطي سلوكا وممارسة وعقيدة فى نظر الاستاذ محمد مزالي الذي لم يكتف بالايمان النظرى بوجوب تحقيق الديمقراطية في تونس ، وانما عمل ويعمل منذ الاستقلال على اثبات هذا المطمح الانسانى النبيل مساهمة منه فى انجاح النهج الديمقراطي في بلادنا .

ويقيني أن الممارسة الفعلية للعمل الديمقراطي تزيد الاتجاه وضوحا والمبادئ رسوخا وهذا ما نلاحظه بالنسبة للعلاقة بين الاستاذ محمد مزالي والمنهج الديمقراطى ، فقد ساهم بنضاله فى تحرير بلاده وتخليصها من هيمنة الاستعمار ومخلفاته ثم ان موقع المسؤولية مكنه من تطبيق ما امن به .

وللتطبيق مراحل مترابطة وحلقات متواصلة تتطلب التأني والخبرة والصبر ووضوح الرؤية والايمان العميق والقدرة على مواجهة الصعاب وتحدى التعنت والجهالة الجهلاء

اعتقادى أن هذه الخصال قد توفرت في المفكر المسؤول الاستاذ محمد مزالي والاعمال الديمقراطية شاهدة على ذلك ، وتوفير المناخ لتركيز الديمقراطية دليل قطعى متوفر منذ سنوات

فالوعى بالديمقراطية يفرض على المثقف ان يشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه شعبه ، وقد شعر الاستاذ محمد مزالي بنبل الرسالة رسالة المثقف الواعي فساهم في تحرير تونس ثم شرع فى تنفيذ بعض ما تقتضيه الديمقراطية فغامر مغامرة المؤمنين بالنجاح وأصدر مجلة * الفكر " فى غرة اكتوبر سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف ايمانا منه بمد الجسور بين أبناء تونس من ناحية وبين اخوانهم مشرقا ومغربا من ناحية ثانية ويقينا منه بأن تونس قادرة أن تثرى التيار الثقافي العربى الاسلامى بانتاج ابنائها الذي له صفات مشتركة مع غيره وله كذلك طابعه المميز وهو ما أطلق عليه التونسة التى هى اصالة وتفتح .

ومن ناحية ثانية فان شعبا جاهلا عائشا على فتات موائد الغير ثقافيا وحضاريا لا يمكن له أن يمارس الديمقراطية ولا أن يجني من ثمارها أى خير فالجهل عدو الد للديمقراطية ، فهو الانغلاق والجهالة والتعصب والفئوية وعدم ادراك المصلحة الخاصة والعامة وسرعة الغضب والعجز ، وهذه صفات لعمري لا تمكن الانسان من التحليل والتمييز والاختيار لان الديمقراطية وعي بالمكانة والمنزلة ، والديمقراطية ضبط للنفس والديمقراطية تعال عن النزوات الشريرة والطبائع الخبيثة ، وهذه النزوات والطباع لا يمكن أن تجتث الا حين يبلغ الانسان مرحلة النضج الثقافي والحضارى ، وهذا النضج لا يتم الا عن طريق الدراسة وبالتالى الانتاج الفكرى لطرح الرؤى الخاصة وبسط التجارب وتبادل الخبرات عن طريق الحوار الحضاري المجدى

ان افساح المجال واستمرار افساحه أمام المبدعين ليكتبوا كلمتهم الحرة البناءة مهما كانت اتجاهاتهم الفكرية - فى وقت لم يكن يؤمن فيه الكثيرون بقدرتنا على الخلق والابداع - لعمل من الاعمال الرائدة التى هيأت الارضية لممارسة الديمقراطية الحق

ثم ان الاستاذ محمد مزالى معروف منذ الخمسينات بندائه الدؤوب الى ضرورة التعريب وسعيه الذي لا يني في تطبيقه على المستويين الاداري

والتربوى وقد سارت تونس أشواطا جبارة في هذا الميدان حتى أصبح بالنسبة الينا أمرا عاديا وكأنه لم يكن في يوم من الايام مشكلة فى حين أن له أعداءه ومناوئيه من ضعاف العزائم وذوى التفكير الضيق الذين يرون اللغة العربية عاجزة عن مسايرة ركب الحضارة في حين أنها قادرة - ما دام ابناؤها قادرين - على الصمود أمام التحديات الحضارية مهما كان مأتاها ومهما كان نوعها .

وفي التعريب اثبات للذات ، والديمقراطية تتطلب استقلالية كاملة واعتزازا بالذات الوطنية للتمكن من الخلق والابداع والتحكم في المصير فالذين يدورون فى فلك الغير وهم هوامش لا هوية لهم لا يستطيعون أن يفكروا فى ممارسة نمط من الديمقراطية يتماشى مع طبيعة وطنهم ويستمد أصوله من انماط تفكيرهم

ثم ان الاستاذ محمد مزالي معروف بدعوته الملحة الى التحصن بالعلوم والتقنيات الحديثة وهذه الحصانة لا تتأتى فى نظره الا بتشجيع البحث العلمي الذي هو طريق الى الاكتشاف والاختراع ، ومجهودات الاستاذ محمد مزالى لا يمكن التغافل عنها فى هذا الميدان حيث ساهم فى توفير التجهيزات الاساسية للبحوث العلمية ، وشجع العلماء والباحثين التونسيين حتى يتمكنوا من انتاج ما يبرهن على قدرة الخلق والابداع عندهم

ان المناعة المادية والمعنوية ضرورة من ضرورات تركيز الديمقراطية الدائمة فى البلاد

ومع هذه المناعة لا بد من تمكين المثقفين من التعبير عن وجهات نظرهم ومواقفهم عن طريق الكلمة والحرف ، وخير شاهد على ذلك كثرة المجلات والجرائد التى تصدر فى بلادنا منذ سنة احدى وثمانين وتسعمائة والف وهى تعبر عن موقف أقصى اليسار الى مواقف أقصى اليمين مرورا بمن هم معتدلون او محايدون

فليس سهلا ان نجد الصحافة الحرة فى بلد من البلدان ، وليس أمرا عاديا أن يرضي النظام بالنقد ولفت النظر ، فذلك يتطلب من المسؤول أن يكون متشبعا بالمبادئ الديمقراطية

والاستاذ محمد مزالي الى جانب ايمانه المطلق بحرية الرأى والتفكير واتخاذ المواقف ما دامت لا تتجاوز مصلحة البلاد العليا ولا تعرضها للاخطار الداخلية والخارجية ولا تعرض الوحدة القومية الى التصدع البغيض الذي قد يكون سببا من أسباب الانهيار وضياع المكاسب الديمقراطية التى حصلنا عليها فانه يروض الكثيرين على تقبل الاصول الحقيقية للديمقراطية لان الديمقراطية ليست كما يراها البعض فى تتبع النقائص المفتعلة أو احصاء الاخطاء البسيطة التى تفرضها مسيرة التنمية أو التضليل واختلاف الاكاذيب لاحداث الفوضى والبلبلة واحراز نصر سياسي على حساب النظام القائم والمصلحة العليا للوطن ، انه يروضهم بالفعل ويلقنهم دروسا في التشبث بالديمقراطية رغم صعوبة ذلك ورغم العناء والجهد لانه يقابل حربهم الشعواء على الديمقراطية بالمضى قدما فى ممارستها دون اللجوء الى الاساليب التى يلجؤون اليها والتي هى عنوان من عناوين عداء الديمقراطية ، وهي الاستفزاز واستعمال العنف وجر النظام الى مقابلة ذلك بالمثل .

ان التمسك في الاعصاب واقرار مفهوم الحوار والتشبث بالتوعية ونبذ كل أصناف العنف مهما كان مأتاه ومصدره لدليل قاطع على التفانى المطلق فى اقرار مبدأ ممارسة الديمقراطية

ومع التطبيق الفعلي لممارسة الحريات السياسية والاجتماعية - وهو مظهر من مظاهر الديمقراطية - فان صيانة المهام التى تقوم بها السلط لثلاث التى يقوم عليها النظام الديمقراطي في بلادنا أمر اثبتته الايام والمواقف . ففي الساعات الحرجة والمواجهات الصعبة نجد الاستاذ محمد مزالي ينادى بأن يقول القضاء كلمته العليا دون تدخل فى مشمولاته وقراراته ودون التأثير عليه من أية سلطة من السلط

كما أن السلطة التشريعية هي المرجع فى كل ما اعترض البلاد من مشاكل وصعوبات للتشاور اولا وأخذ القرار ثانيا حسب ما يقتضيه دستور البلاد

وبذلك يثبت المفكر المسؤول الاستاذ محمد مزالي أن الديمقراطية ممارسة فعلية واعية ذكية تتطلب رباطة الجأش وهدوء الاعصاب ونفاذ البصيرة خاصة عندما تشتد المعضلات وتعظم المشاكل التى لا يمكن أن يسلم منها بلد يسير نحو النمو والاقلاع الحضاري وراهن على تثقيف شعبه والرفع من مستواه مهما كان الثمن

وانطلاقا من بيان هذه الممارسات الديمقراطية الفعلية عند الاستاذ محمد مزالى فمن المعلوم أنه يركز جهوده على نجاح مقوم من مقومات الديمقراطية وهو انجاح المسيرة التنموية لان المجتمع الجائع الفقير المحتاج لا يمكن له ان يطبق الديمقراطية ، فالجهل والجوع من اعدائها

ولقد فتح الاستاذ محمد مزالي عدة واجهات تنموية قائمة على التعاون الحر النزيه مع الدول الصديقة والشقيقة وتشجيع الاستثمار القومى وتنمية الصناعا الوطنية ومع ذلك اعطاء الفلاحة الاولوية المطلقة لان شبعا لا يضمن اكتفاءه الذاتى من القوت لا يستطيع أن يكون بمنأى عن الضغوط الخارجية

وظهرت للعيان النتائج الايجابية لهذه الثورة الخضراء من ارتفاع للانتاج القومى واقتراب من الاكتفاء الذاتى فى ميدان الحبوب الى جانب تفجير المياه السطحية والعميقة وبناء السدود وتشجيع الفلاحين وترويج منتوجاتنا داخليا وخارجيا .

ان الديمقراطية الفعلية فى بلادنا اكسبتنا احترام الاصدقاء والاشقاء ورفعت من مكانتنا بين الشعوب المؤمنة بحقوق الانسان .

والواجب يدعونا جميعا الى الحفاظ على هذا المكسب الغالي وهو الديمقراطية لان القائمين والساهرين على النظام ممن يتفانون في تطبيقها وتحقيقها .

والديمقراطية حين نضمن سلامتها ووجودها فى بلادنا نكون قد ضمنا الثقافة والحضارة والتربية والرفاهية والحرية والمساواة والتكافل الاجتماعى واحترام الدستور وتحقيق مبدأ احترام كل سلطة من السلط التى ينص عليها الدستور .

فالديمقراطية الفعلية هي القدر الحتمى لشعبنا ما دام الساهرون في الدرجه الاولى على تسيير حظوظه مؤمنين بأن طريق المستقبل فى تونس هو طريق الديمقراطية الواعية المسؤولة التى تمكن المواطنين والمواطنات من تدبير شنؤونهم بالحوار واجتناب العنف اللفظي او الجسدى أو المادى " ) 13 ( ، وما دام هؤلاء المسؤولون ممن سرت الديمقراطية فى عروقهم فاكسبتهم قوة التحدى والنضال لتحقيق ما يصبو اليه شعب يطوق إلى تبوؤ أرقى مراتب السؤدد والفخر

اشترك في نشرتنا البريدية