ما زلت اتذكر بحثا قيما عن الفكر قدمه احد طلبة الدراسات العربية العليا فى جامعة انديانا قبل بضع سنوات (ربيع 1982) - وذلك فى حلقة دراسية حول الادب الحديث فى المغرب العربى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . أما البحث ذاته فقد كان موضوعه : اللغة العربية كما عالجها كتاب الفكر خلال ربع قرن (1955 - 1980 ) وقد استطاع صاحبه - وهو اليوم استاذ فى احدى جامعات الاردن - ان يوثق - فى جملة ما اوضحه من امور - مساهمه عدد كبير من كتاب تونس والعالم العربى وبعض المستشرقين فى تناول قضايا اللغة كالتعريب والازدواجية والكتابة وتيسير الطباعة العربية والمصطلحات العلمية والمجمع العلمى العربى بدمشق ومشكلة ترقية اللغة واللغة العربية والتقدم الفكرى والتونسة والتعريب وغيرها من المسائل أو المشكلات التى وردت فى ما يزيد عن مائة دراسة او مقالة .
هذه معلومة قد تبدو لاول وهلة من معاد الكلام عن الفكر ، وقد ترددت كثيرا فى ذكرها لهذا السبب أو لسواه ولكنى اخترت البدء بها شهادة قارىء يعتز بالفكر - ونحن نحتفل بمرور ثلاثين عاما على تأسيسها - لسببين :
أولهما : تأكيد ما قيل من قبل عن مكانة الفكر كمرجع لا يستغنى عنه عالميا سواء كان ذلك فى اطار الحياة الثقافية فى تونس والمغرب العربى أو فى مجال العربية وحضارتها وآدابها فى وطنها الاكبر .
وثانيهما : - وهو الاهم - لما تعكسه المعلومة من مزايا الفكر كمجلة تنشد تأصيل النهضة الادبية والفكرية فى تونس - وهى جزء لا يتجزأ من النهضة العربية - على دعائم متينة من المعرفة والتحرى المتصل والمنهج الموضوعى والحوار الحر المتواصل .
لقد تجسدت لى هذه المميزات وأنا أتابع الفكر منذ صدورها كما تجسدت بفضلها ظاهرة نادرة فى مجلاتنا المعاصرة وأعنى بها : قدرة الفكر أو حرصها على أن تستقطب عددا متناميا من الكتاب بغض النظر عن اتجاهاتهم أو
منطلقاتهم دون ان تفرض منحى فكريا موحدا تتمسك به وتتعصب له ، وهى بفعل ذلك لا عجزا عن الالتزام برؤية وموقف ورسالة - فلها رؤيتها ومواقفها ورسالتها - بل انطلاقا من ايمانها بضرورة التعددية فى التفكير او الاجتهاد والنهج الموضوعى واحترامها لحرية التعبير . ولعلنى لا أعدو الصواب ان قلت بأن هذه - أى التعددية والموضوعية وحرية التعبير - معالم بارزة تلخص حياة الفكر ورسالة الفكر وتجعلها مجلة رائدة فى طليعة المجلات العربية الحديثة وهى معالم رسمها مؤسسها ومديرها الاستاذ محمد مزالى ونص عليها اكثر من مرة وفى مناسبات عدة منها مناسبة الاحتفال بمرور ربع قرن على تأسيس الفكر حين قال : (( ... لم نضع أنفسنا فى سجن مذهبى بل أردنا دائما ان يكون للفكر صولة وجولة واقدام وقدرة على الابتكار والنقد ولم نتعصب لمذهب أو لجيل أو لمدرسة دون غيرها فلقد تفتحنا وتسامحنا وتقبلنا كل ألوان الانتاج من غير ان نحكم على الانتاج من وجهة مذهبية بل حكمنا عليه من وجهة الصدق والاصالة والذوق الادىي والرفعة من حيث الخلق والابتكار )) (*) .
ان من يتصفح محتويات الفكر منذ ظهورها حتى اليوم لا يستطيع الا ان يكبر فيها الممارسة المطردة الى حد بعيد للتعددية والموضوعية وحرية التعبير وان يلمس ما انبث عنها من آثار ايجابية تتجلى فى تنوع الآراء والمعرفة وتعدد مناهلها ، ومن ثم فى الطابع الموسوعى العالمى بالرغم من ان التراث التونسى العربى جوهر رسالتها حتى ليخيل الي ان الفكر استحالت الى حرم آمن بلا جدران هداه التفتح الواعى لا التمذهب القبلى المسدود ورائده مواكبة احداث العصر وتياراته الفكرية والادبية دون الانبهار الاعمى أو فقدان الشخصية . لقد اشاد من قبل بعض الباحثين الى محاور ارتكزت عليها حياة المجلة كمحور أصالة الشخصية التونسية وتفتحها والكفاح من أجلها ومحور خدمة العربية والفكر والادب العربى تأصيلا للكيان واثباتا للذات ومحورى النتاج القصصى والشعرى وما اسهمت به المجلة فى سبيل اثرائهما وتطويرها كما قال الاستاذ البشير بن سلامة [الفكر 26 (19881/80) 2 -3 ] ومنهم من ذكر اسسا مماثلة كرعاية الادب العربى فى تونس والمغرب العربى وخلق حركة نقد ادبى فاعلة ورعاية المواهب الجديدة وتطبيق مبدأ الثورة الدائمة من الداخل وتشجيع الحوار الايجابى بين مختلف الافكار والتيارات واقامة الجسر الفكرى بين جناحى الوطن العربي على حد تعبير الدكتور حسام الدين الخطيب [الفكر 26 (1981/80) 232-233 ] .
اما الدكتور عبد الله شريط فقد أجمل ميزات الفكر فى قوله بأنها تصوير صادق لمسيرة ربع قرن من تطور تونس فى ميدان الادب والفن وهى صورة كاملة للنفسية التونسية المتحضرة الشفافة ، وهى ديوان صادق من روائع النثر ومستجد الشعر لفترة تستغرق اكثر من جيل من رجال القلم التونيسيين وهى عنوان كبير لقوة التوازن والاعتدال ومد الجسور بين الاجيال والتيارات التى يزخر بها عصرنا الحديث وهى صورة أمينة لروح الامه التونسية المتشبعة بعروبتها العميقة واصالتها الناضجة واسلامها المتفتح )) : [ الفكر 26 (1981/80 ) 223 ] .
هذه المحاور او الاسس او السمات التى اشار اليها الكتاب من قبل تنعكس بلا شك فى محتويات الفكر وقد يكون من العسير أن يضاف اليها شئ آخر غير أنى أرى - مع ذلك - ان ينص على مالها من بعد عالمى - وان جاز القول بوروده ضمنا فيما ذكر من المحاور والاسس او السمات - بفضل معالجتها او معالجة كتابها لتجارب وقضايا تخص شعوبا وثقافات اخرى ، او نشرها مترجمات من الآداب العالمية ، او التعليق على ما ينشر فى غير العربية عن مختلف جوانب الحضارة العربية الاسلامية والتعريف بما يستجد من الاتجاهات او المذاهب ، بدءا من الأدب الايسلاندى للاستاذ عثمان الكعاك (1955) و (( جوزيف كونراد )) للاستاذ حسن عباس الى سلسلة مقالات الطاهر الخميري عن النقد الادبي فى امريكا (1957/56) وملاحظات المرحوم محمد فريد غازى عن دائرة المعارف الاسلامية (1960/59) و (1961/60) ودراسة مصطفى الفارسى عن اللاقصة ثورة فى الادب الاوربى الحديث (1963/62) وأحمد القديدى عن (( الهيكلية تواجه قضايا الانسان)) (65/64 ) ومحمود الدرويش عن ((النزعة الانسانية فى أدب قوقول )) ( 75/74 ) وحبيب المخ (( ملاحظات حول تعريب الماركسية )) (1977/76) الى (( موجة النقد الادبى الجديد فى فرنسا)) للشاذلى الساكر (1983/82) وآخر المحاولات لحسونه المصباحى (( تراجيديا الموت فى روايات غبريال غرسيا مركيز )) (1985/884) .
اما المترجمات المنشورة فى الفكر ، من دراسات وقصص وقصائد وبعض المسرحيات فهى تتصل بعدد ملحوظ من آداب شعوب العالم : الاتحاد السوفياتى - الارجنتين - اسبانيا - المانيا - أمريكا (الولايات المتحدة ) - انكلترا - ايران - ايطاليا - الباكستان - البرازيل - بلغاريا - تشيكوسلوفاكيا - تشيلى - فرنسا - المجر (هنغاريا) - النمسا - اليابان ويوغسلافيا . واذا اضفنا الى هذه القائمة اقطار العالم الثالث التى تناولتها محتويات الفكر كالهند والصين وتركيا ونيجيريا لتجلت لدينا عناصر البعد
العالمى الذى اشرت اليه ، وتجلى لنا كذلك مدى التزام المجلة بمبدأ التفتح على الثقافات الأخرى ، والتفاعل مع الاحداث او التيارات العالمية ، وحرصها على الاسهام فى تحقيق التواصل بين العرب والشعوب الاخرى ، والفضل فى ذلك كله لا يرجع الى صاحبها والمشرفين عليها فحسب بل يعزى كذلك الى من اكتسبتهم من الكتاب والمفكرين .
غير ان من حقنا وحق الفكر علينا - ونحن نتطلع الى مواصلتها مسيرتها فى سبيل اداء رسالتها - أن نشير الى ان المترجمات لم تحقق التمثيل الوافى او التعادلية فى تمثيل الآداب العالمية ، وانها لاسباب تاريخية وثقافية معروفة أولت الادب الفرنسى او اللغة الفرنسية كوسيط للترجمة من الآداب الاخرى دورا طغى على غيرهما من الآداب واللغات ، وان آداب العالم الثالث الذى ننتمى اليه ونشاركه الهموم والتجارب والمطامح لم تنل ما تستحق من اهتمام وأخص بالذكر الآداب الافريقية التى لا تكاد تجد لها أثرا بين مترجمات الفكر ، والادب اليابانى الذى مثل ببضع فقرات .
ليس الغرض من هذه الملاحظة تحميل الفكر مسؤولية هذا الاهتمام بآداب العالم الثالث او الآداب العالمية عامة ، فهى ليست مجلة للآداب العالمية . بالرغم من أنها تحملت قسطا كبيرا من المسؤولية فى هذا المجال ، والاهتمام بآداب العالم الثالث بعد ذلك كله مسؤولية عربية مشتركة ، غير ان اعتزازنا بالفكر وبالتفتح الذى تتمسك به وتدعو اليه ، وايماننا بالدور التاريخى الذى لعبته او يمكن ان تلعبه افريقيا العربية كجسر بين العرب وبقية افريقيا ، يدعواننا الى ان نتوقع منها دورا رياديا آخر تؤديه اسهاما منها فى تحقيق التواصل المنشود بين ثقافتنا وآداب العالم الثالث او افريقيا بخاصة (*) .
وللفكر من انجازاتها ورؤيتها المتفتحة ، وخبرتها الغنية المكتسبة عبر ثلاثين عاما من كفاحها ، ما يشد أزرها ، ويكفل لها مواصلة الاسهام فى هذا المجال او غيره من المجالات .
