الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

(( الفكر )) مجلة عربية رائدة

Share

أجد لزاما على أن أتحدث عن (( الفكر )) كمجلة عربية رائدة وعن اثرها فى النهضة الادبية والفكرية والثقافية المعاصرة ، ان ألقى نظرة عجلى على الصحافة الأدبية فى تونس اعتبارا بأن الصحافه كانت ولا تزال فى كل زمان ومكان هي المتنفس المتاح للكتاب والشعراء وحملة الاقلام يعبرون من خلالها عن آمال شعوبهم وآلامها وعن قضايا مجتمعهم وتطلعاته ، كما انها المرآة التى تنعكس عليها مختلف التيارات الأدبية والفكريه والمذاهب الاجتماعية والسياسية .

ولعله أن يكون غنيا عن البيان أن مسيرة النشر والطبع فى تونس من مطلع هذا القرن العشرين . كانت طول عهد الحماية لا تساعد على إبراز النهضة الأدبية والانتاج الأدبى التونسى .

على أنه بالرغم من كابوس الاستعمار الأجنبى الذى جثم على صدر البلاد وعلى الرغم من أغلال الحماية وقيودها وسطوة الاحتلال وقهره ، فلم تعدم تونس رئة تتنفس من خلالها ونافذة تطل عبرها متمثلة فى مجلتى السعادة العظمى للشيخ محمد الخضر حسين ومجلة خير الدين لمحمد الجعايبى . فقد كانت هاتان المجلتان علامتين بارزتين فى طريق النهضة الادبية والفكرية وحررتا الادب عن تبعته للصحافة السياسية ، فبدأت الأقلام تهتم بالدفاع عن الشعب والانتصاف للمظلومين والتغنى بالحرية والمناداة بالتحرر ومناهضة الاستعمار . وأخذت أصداء الحرية تتردد فى النتاج الادبى التونسى وتحدد للأدباء ، دورهم الطليعى فى تحقيق المطامح الشعبية . ونادت مجلة السعادة العظمى بأول ثورة على الشعر الكلاسيكى

ودعت الى مفهوم جديد وعصرى للشعر من حيث الشكل والمضمون فى حين أقدمت مجلة خير الدين على نشر أول قصة تونسية فى العصر الحديث ، ولم تعزل الصحافة الأدبية التونسية نفسها عن الآداب الاوربية فبدأت تعنى ولأول مرة بترجمة الشعر الافرنجى لتؤكد انفتاح الأدب التونسى على الآداب العالمية .

وعلى إثر معركة الجلاز سنة 1911 أصدرت السلطات الاستعمارية قرارا بتعطيل جميع الصحف العربية فى تونس فأصيبت الحركة الأدبية والفكرية بنكسة ثم نشأت بعد ذلك احزاب سياسية وسمحت السلطات بعودة الصحف المعطلة كما سمحت بصدور صحف أخرى جديدة ، فكان هذا القرار انتصارا للشعور الوطنى بقدر ما كان انتصارا للأدب والفكر التونسى .

ووقف وراء كل صحيفة ومجلة نخبة من الأدباء والشعراء وحملة الأقلام يشدون أزرها ويقوون من عزائم الزعماء وعادت أنغام الحرية والاستقلال تتردد على صفحات جريدة المبشر وصدى الساحل وافريقيا والنديم والاتحاد والحقيقة والعصر وغيرها من الصحف والمجلات الوطنية ، كما عاد الحديث عن الأدب مفعما بالأمل فى التجديد ومواكبة التطور الحاصل والأوضاع السياسية فى البلاد ، وأصبح الشعر العصرى حقيقة واقعة لا سبيل الى إنكارها أو جحدها ، وأصبح الشاعر التونسي صوتا لمجتمعه يعبر عن آلامه وآماله ، ومن ناحية أخرى تطورت القصة التونسية من فن المقامة فى كتابات محمد العابد الترهانى واقتربت من مقومات القصة بمفهومها الفنى فى كتابات محمد البشروش وزين العابدين السنوسى ومحمد العريبى وقد حاول هؤلاء الرواد معالجة القضايا المختلفة التى كانت تحتمها مقتضيات الواقع الذى كانوا يعيشونه .

وما ان وقعت حادثة سوق الأربعاء وحادث إطلاق الرصاص على عمال ميناء بنزرت وحادث المرسى فى الربع الأول من هذا القرن - وهى جميعها حوادث معروفة لا تنسى فى تاريخ تونس المعاصر - حتى هب الشعراء يسجلون تلك الأحداث الدامية والتحمت رسالة السياسى والصحفى برسالة الأديب والشاعر .

ثم كان ان صدرت مجلة العالم العربى فى الثلاثينات من هذا القرن وتولى تحريرها الأديب الموسوعى زين العابدين السنوسى وضم الى أسرة التحرير كوكبة من الشباب المثقف وتبنى المحاولات التى ظهرت فى ادب آبى القاسم الشابى ومصطفى خريف ومحمد البشروش والهادى العبيدى ومحمد بن سالم والتيجانى بن سالم وغيرهم . ولم تلبث تلك المجله أن احتجبت بعد ثلاث سنوات من صدورها ، وعلى اثر انقطاعها عن الظهور صدرت مجلة المباحث سنة 1938 لصاحبها الأديب الشاعر محمد البشروش فالتف حوله نخبة من الأدباء التونسيين من أمثال محمود المسعدى وعلى الدوعاجى ومصطفى خريف ومحمد الصالح المهيدى والفاضل بن عاشور والهادى العبيدى ومحمد السويسى ومحمد الحليوى وغيرهم ، إن المجلة لم تلبث أن احتجبت هى الأخرى بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية .

ومما يذكر لهذه المجلة أنها عملت على إبراز معنى الثقافة وإبراز ملامح الذاتية التونسية ووصل المثقف بأحداث حياة شعبه اليومية وأعلنت على صفحاتها أن رائدها هو الوفاء للثقافة الاسلامية العربية التى هى أعز مظاهر حضارة البحر الأبيض وأشدها حيوية وأعمقها أصالة فى توطيد الصلة بينها وبين غيرها من الثقافات الأجنبية التى تستمد روحها وتستلهم وحيها من صفاء هذا البحر .

جاءت مجلة المباحث فى وقت ازداد فيه تفاعل البلاد بما حولها من الأحداث وانتشر فيه الوعى السياسى والثقافى بين أفراد الأمة وأصبحت فيه قضية التحرر الوطنى شاغلها الشاغل وهمها المقيم المقعد ، يحمل شعلتها صفوه من الشباب المثقف . فاسهمت المجلة فى خلق معنى جديد للثقافة يتلاءم مع التطلعات الشعبية ، بيد أنها كما سبق أن ذكرنا لم تلبث أن احتجبت الى أن ظهرت مجلة الندوة سنة 1953 فأعادت الى الأذهان ذكرى مجلة المباحث واتسم ما تنشره من نتائج أدبى بطابع التجديد والانفتاح ، ووجد الشاعر التونسى فيها نافذة يطل منها وخميلة يتفيأ ظلالها فظهرت على صفحاتها كوكبة من الشعراء أمثال محمد العروسى المطوى وأحمد اللغمانى ومحسن بن حميدة وظلت تلك المجلة تؤدى رسالتها نحو الأدب.التونسى المعاصرة حتى انبثقت سنة 1955 مع تباشير فجر الاستقلال الوطنى مجلة  ((الفكر )) لمؤسسها الاستاذ الكبير والأديب المفكر محمد مزالى .

هذه لمحة عجلى عن الصحافة الأدبية فى تونس وجدت لزاما علي أن استعرضها كخليفة لذلك المشروع القومى العظيم الذى اضطلع به أستاذنا

الكبير محمد مزالى وأسهم فيه الأستاذ الأديب البشير بن سلامة بجهده وإخلاصه ووطنيته وقلمه كرئيس تحرير للفكر .

لقد دخلت النهضة الأدبية والفكرية التونسية المعاصرة مع ظهور مجلة الفكر مرحلة حديدة بكل ما تعنى هذه الكلمة ، فاضفت على هذه النهضة طابع الجدة ونفثت فيها روح المثابرة وأمدتها بقوة وحيويه وغذتها بدماء جديدة جرت فى جسدها وعروقها وشرايينها مجرى الماء العذب فى العود الأخضر ، فأخرجت تلك النهضة شطأها وأينعت وازدهرت واستوت على سوقها وآتت أكلها وأثمرت وأصبحت (( الفكر )) بحق عنوانا على النهضه الأدبية التونسية المعاصرة فى كل محفل وناد وعند كل أديب ومفكر ومثقف داخل البلاد وخارجها ، فالحقيقة التى لا سبيل الى إنكارها أو الغض منها أن مجلة الفكر فى مجال الصحافة الأدبية الجادة الهادفة الى التنوير والتثقيف تعتبر بحق وبكل المقاييس مجلة رائدة فى هذا المجال ولها اثر فى النهضه الادبية والفكرية المعاصرة فى تونس لا يدانيه أثر .

والحديث عن الفكر متعدد الجوانب متشعب النواحى ، فهى أشبه بالبلورة التى تشع بأضوائها المختلفة فى جميع الاتجاهات والمجالات ، وكل شعاع من هذه الأشعة يمثل جانبا من جوانبها المتعددة وناحية من نواحبها المختلفة .

ولعل الأدباء والشعراء والكتاب الذين أسهموا فى مهرجان العيد الفضى للفكر سنة 1980 أن يكونوا قد غطوا بعض هذه الجوانب أو تعرضوا لبعض ذلك النواحي ؛ فتحدثوا فيما تحدثوا عنه عن ظاهرة استمرار تلك المجله وصدورها دون انقطاع طيلة ربع قرن من الزمان وتحدثوا عن أسباب هذا الاستمرار وتعليله ونضال المجلة طوال هذه الفترة ووقوفها بعزيمة وإصرار فى وجه جميع العقبات والصعاب التى واجهتها وثباتها بقدم راسخة أمام جميع التحديات التى صادفتها ومقاومتها لعوامل القهر والاحباط .

كذلك تحدث المتحدثون فى مهرجان الفكر عن رسالة المجلة فى خدمة الأدب وإسهاماتها فى نشير الوعى القومى والتعريف بالأدب والفكر التونسى المعاصر وعن انفتاحها وتفتحها على كل التيارات والاتجاهات والمذاهب الأدبية والفكرية والثقافية المعاصرة ورعايتها لكل المواهب الأصيلة والمحاولات الجادة الواعدة سواء فى ميدان الشعر والقصة أو الرواية أو المقال أو الدراسات النقدية واجتماعية والتاريخية .

وبطبيعة الحال لن أتحدث فى هذا المقال فيما سبقنى اليه المتحدثون والاكان الحديث معادا والكلام مكرورا ، وإنما حديثى عن الفكر فى هذه المرة بمناسبة مرور ثلاثين عاما على صدورها سيكون عن بعض الجوانب لهذه المحلة باعتبارها مجلة عربية رائدة فى مجال الصحافة الأدبية فى تونس .

لقد ظهرت الفكر أول ما ظهرت سنة 1955 كما سبق أن ذكرنا ، وبعبارة أخرى انبثق فجرها مع تباشير فجر الاستقلال الوطنى بقيادة المجاهد الأول الحبيب بورقيبة . ظهرت بعد أن عاشت البلاد حقبة طويلة فى ظلام الاستعمار بكل ما فى هذا الظلام من ظلم واضطهاد وهيمنه واستعباد وسطرة وقهر وتجبر وتقييد للحريات واستهانة بالحرمات واعتقالات وسجون ونفي ومصادرة للأموال والممتلكات ومحاولات لطمس روح العروبة والاسلام فى الشعب التونسى .

ظهرت الفكر بعد مرحلة طويلة من النضال الوطنى والكفاح القومى وبعد تضحيات بطولية جسيمة من أبناء الشعب التونسى ، وعاصرت كل الأحداث الكبرى التى واكبت عهد الاستقلال فى الجمهورية التونسية الفتية وفى الوطن العربى الكبير من مشرقه إلى مغربه بل فى العالم أجمع بتياراته ومذاهبه وإيديلوجياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المختلفة والمتصارعة ، عاصرت المجلة كل الأحداث وعاشت فى صميمها وانفعلت بها وبهموم العصر وقضاياه الفكرية الحديثة عربية كانت أو أجنبية .

إذن فقد كان وراء هذه المجلة قبل ظهورها رصيد كبير من النضال والصمود والتحدى والمشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقضايا الفكرية والثقافية والتربوية ، بقدر ما عاشت بعد صدورها فى خضم الأحداث الكبرى وانفعلت بها وتفاعلت معها وشاركت فيها بالرأى والموقف وأسهمت فيها بالتوجيه والارشاد .

من هذا المنطلق ومن تلك الخلفية نستطيع أن نتبين بوضوح ثلاثة ملامح أساسية فى مجلة الفكر كمجلة عربية رائدة ف مجال الصحافة الأدبية والثقافية فى تونس ، هذه الملامح هى فى الحقيقة والواقع نتاج لهذه الخلفية وحصيلة لها وفى الوقت نفسه تفسر لنا دور الريادة الذى قامت به هذه المجلة وتوضح لنا دورها فى النهضة الأدبية والفكرية المعاصرة فى تونس . هذه الملامح أو تلك الركائز الاساسية هى الأصالة والمعاصرة

والتفتح ، وكل ملمح من هذه الملامح وكل ركيزة من هذه الركائز يمثل جانبا من جوانب الفكر ويعتبر صدى من أصداء ماضيها وحاضرها ومستقبلها إن شاء الله . وبعبارة أخرى يمثل حصيلة من محصلات الأمس الذى عاشته تونس واليوم الذى تعيشه والغد الذى تتطلع اليه .

فالأصالة رد على الماضى الاستعمارى الذى عاشته تونس منذ ليل الاحتلال حتى فجر الاستقلال .

والمعاصرة انفعال بالحياة المعيشة بكل مشاكلها وتياراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية والأدبية .

والتفتح تطلع للمستقبل وتبشير بكل جديد فى عالمنا المعاصر ودليل حيوية وعامل استمرار .

هذه الملامح أو تلك الركائز اجتمعت كلها فى مجلة الفكر ، وهى الوقت نفسه ملامح وركائز للنهضة الأدبية المعاصرة فى تونس التى تحمل الفكر لواءها وترفع مشاعلها .

فبالنسبة الى الملمح الأول وهو الأصالة ، فقد وجدت الفكر المناخ ملائما فى تونس الحرة المستقلة بعد أن حطمت البلاد قيودها وملكت زمام أمورها وقضت على عوامل القهر والاحباط والهيمنة التى تسلطت على مجلاتها وصحفها وكادت تشل حركتها الفكرية والثقافية . فالأصالة التى تمسكت بها مجلة الفكر تعنى فى المقام الأول التمسك بالعروبة الحق والروح الاسلامية الخالصة والحفاظ الواعى على التراث بكل ما فيه من عراقة وعبقرية .

ولا يتوهمن أحد أن الأصالة معناها رجوع إلى الوراء أو ارتداد إلى الخلف أو دعوة الى الجمود والتحجر والتمسك بالرسوم والأشكال وإنما الأصالة هى التجاوب مع النبض العربى والتحليق مع الروح الاسلامى والوفاء لمقدسات الوطن واستخراج كنوز التراث الاصيل وتجليته وتذوقه . كذلك لا يتوهمن أحد أن الأصالة معناها الانعزال عن الأمة العربية الاسلامية أو أنها تنطوى على معنى من معانى المحلية المتشددة أو القومية المتعصبة أو المقابلة بين الشخصية التونسية وبين العروبة الاسلامية وإنما الأصالة

التى تتمسك بها مجلة الفكر كمجلة عربية رائدة هى الاصالة التى تبرز الذاتية التونسية بقدر ما تمتزج بالروح العربية الاسلامية وتنفعل بها وتتفاعل معها .

ومن هنا نستطيع ان نقول : إن ملمح الاصالة فى مجلة الفكر هو عودة طبيعية الى الروح العربية الاسلامية بكل نقائها وصفائها وعراقتها واصالتها وقد كان لهذه الأصالة أصداؤها على صفحات مجلة الفكر ترددت فى تلك الدراسات الأدبية والتاريخية الجادة كما ترددت فيما تناولته المجلة من قضايا فكرية وأدبية وثقافية وتعليمية من زاوية عربية ومنظور إسلامى .

وقد عملت تلك الأصالة على إبراز الشخصية التونسية فى النتاج  الادبى والفكرى المعاصر بقدر ما عملت على ابراز الروح العربى والاسلامى فى ذلك النتاج ، فاستوحى كتاب المجلة وشعراؤها فى هذا النتاج ظروف المجتمع التونسى وتاريخه وثقافته ولغته وتراثه .

وبعد أن ظهرت الفكر وقطعت هذه الخطوات العديدة فى طريق الحياة الأدبية والفكرية فى تونس استطعنا بكل وضوح فى الرؤية وبكل تذوق للفن ان نتعرف على الأدب التونسى وأن نقف على سمات هذا الأدب وخصائصه ومقوماته ، فعرفنا أنه أدب غني وعريق ووفى لماضيه وتراثه ، يحمل فى ثناياه الكثير من العناصر الجمالية والمقومات الفنية ، وتعرفنا من خلال المجلة على أسماء تونسية مبدعة فى الشعر والقصة والرواية والمقال والدراسات النقدية والاجتماعية والتاريخية ، وقبل هذا كله وبعد هذا كله وقفنا على الذاتية التونسية أو الشخصية التونسية المتميزة فى هذا الأدب واستطعنا أن نتعرف على الروح التونسية الأصلية العريقة فى النتاج الأدبى والفكرى وأن نلمس المقومات والعناصر العربية والاسلامية التى يستند إليها هذا النتاج ، كل هذا عرفناه ولمسناه ووقفنا عليه بعد أن ظهرت مجلة الفكر منذ ثلاثين عاما ، وأصبح الأدب التونسى بفضل هذه المجلة بكل ذاتيته ومميزاته وخصائصه ومقوماته ومذاقه وألوانه معروفا فى مشرق البلاد العربية ومغربها .

أما عن ملمح المعاصرة فان هذا الملمح يتمثل في معايشة الحاضر بكل قضاياه الفكرية والثقافية الحديثة سواء كانت عربية أو أجنبية ، وقد القويات المجلة بالرأى واتخاذ الموقف وأسيمت بالتوجيه والارشاد فى كل القضايا المعاصرة سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو تربوية أو

أدبية أو فنية أو فكرية ، وكانت بحق تصويرا صادفا لمسيرة ثلاثين عاما من تطور تونس في ميدان الفكر والأدب والفن والثقافة والتعليم وصورة أمينه لروح الأمة التونسية المتطلعة الى الأحسن والأكمل والاجمل . وقد تناولت المجلة على صفحانها قضايا حيوية معاصرة شديدة الارتباط بالمثقف التونسى بخاصة والحياة العربية التونسية بعامة .

ومن هنا فان كثيرا من كتاب المجلة وشعرائها كانوا فى نتاجهم الأدبى والفكرى صادقين مع واقع أمتهم أوفياء لقضايا وطنهم لا يعيشون مع خيالاتهم فى أبراج عاجية ولا يتقوقعون مع أوهامهم فى محارات منغلقة وإنما ينزلون الى ميدان الواقع يعبرون عن آمال شعبهم وآلامه وتطلعات مواطنيهم وطموحاتهم ، سلاحهم الكلمة الشريفة والرأى السديد والنقد البناء . سواء اتخذ هذا السلاح شكل قصة أو رواية أو أفرغ فى قصيدة أو مقال .

إن المعاصرة . كملمح من ملامح مجلة (( الفكر )) تعنى المشاركة الايجابية الفعالة فى الحاضر المعيش بكل قضاياه وهمومه ومشاكله ، إنها نوع من الالتزام في الأدب ، ومن هنا فان المعاصرة شديدة الارتباط وثيقه الصلة بالملمح الثالث من الملامح الاساسية لمجلة الفكر وهو التفتح . ولعل هذا الملمح أن يكون من أهم ما يميز الفكر عن غيرها من المجلات الأدبية التى سبقت فى الظهور ، ولعله أيضا أن يكون من أسباب استمرار تلك المحلة وصمودها طوال نيف وربع قرن من الزمان .

واقصد بالتفتح هنا كل ما تعنى هذه الكلمة من معانى التقبل والاستقبال ورحابة الصدر والترحيب .

وقد اتخذ هذا التفتح عدة مظاهر وعدة اتجاهات .

أول هذه المظاهر وتلك الاتجاهات هو أن المجلة لم تضع نفسها فى سجن مذهبى ولم تتعصب لمدرسة أو تيار فكرى أو أدبى معين ولم تتعصب لجيل دون آخر ، وانما تفتحت وتقبلت ورحبت بكل ألوان الانتاج ، رائدها فى ذلك الصدق والأصالة والتذوق الأدبي والارتفاع فى الخلق والابداع والابتكار . فكانت الفكر منذ صدورها ملتقى للأقلام الجادة فى تونس ومن مختلف الأقطار العربية ، فالتقى فى ساحتها المفكرون والأدباء العرب ودرج فى رحابها جيل من الشيوخ والكهول والشباب ، وقد حدد الاستاذ محمد مزالى فى السنوات الأولى من عمرها رسالتها بأن تكون ملتقى لأسرة

الأدباء والمفكرين ومنبرا لكل الآراء الصادقة والافكار النيرة ورائدة فى إثراء التراث الفكرى فى الوطن العربى .

فكانت المجلة منذ تأسيسها ملتقى المثقفين والمفكرين والادباء والكتاب والشعراء على اختلاف اهتماماتهم ونزعاتهم وتباين مشاربهم ومذاهبهم وتعدد أساليبهم ومناهجهم وتفاوت أعمارهم ، فلم تكن مجلة شخص أو جماعة بعينها وانما كانت منبرا لكل الآراء الصادقة والأفكار البناءة ومجالا لكل المحاولات الأدبية الأصلية ، مبدؤها التمسك بحرية الفكر والذود عن حرمة المفكر والأديب ، ورائدها السعى وراء الشخصية الأدبية القومية وإبراز الذاتية التونسية والقاء الأضواء على الواقع التونسى وتعزيز مقومات الثقافة الوطنية والاسهام فى إثراء التراث الفكرى فى الوطن العربى الكبير ايمانا منها بأن النهضة الأدبية المنشودة ثمرة لجميع جهود الأدباء مهما كانت أساليبهم ومدارسهم وأعمارهم .

وبقدر ما كانت مجلة الفكر ملتقى المفكرين والأدباء العرب بقدر ما كانت مدرسة حرة مفتوحة تلتقى فيها كل التيارات والاتجاهات والمذاهب الأدبية . تتقبل التغيير والتنوع فى الأفكار والأساليب ضمن إطار الوفاء للأصالة والوطن وتشجيع الحوار الايجابى بين مختلف الأفكار والتيارات ، تقارع الحجة بالحجة والرأى بالرأى الآخر بعيدا عن الاسفاف والابتذال .

هذا التفتح أعطى لمجلة (( الفكر )) عند القراء طعما خاصا ومذاقا متميزا بين المجلات الأدبية الأخرى فى العالم العربى ، وهذا هو الذى جعلها تتبوأ مكانها بين المجلات الفكرية والأدبية التى عرفها الوطن العربى فى العصر الحديث وهيأ لها لان تكون رائدة فى مجالات شتى وميادين مختلفة ومنارة توجيه وشاهدة عصر ووثيقة تاريخية لحركة الفكر والأدب والثقافة فى تونس ، لقد حرصت الفكر منذ أعدادها الأولى على فتح صدرها للشباب سواء فى مجال القصة أو الرواية أو الشعر أو المقال أو النقد .

ويرجع الفضل لمجلة الفكر فى اكتشاف وإبراز القصة النسائية بما نشرته وتنشره لأديبات تونسيات من أمثال ناجية ثامر وعروسية النالوتى وفاطمة سليم وحياة بن الشيخ ونافلة ذهب وفاطمة حيدى ونعيمة الصيد وشفيقة الساحلى وشريفة العرباوى وغيرهن . كذلك نشرت المجلة محاولات يوسف رزوقه ووحيد الخضراوى فى كتابة المسرحية الجديدة كما اكتشفت

الكاتب القصصى البشير خريف ونشرت روايته إفلاس أو (( حبك دربانى )) تلك الرواية التى أحدثت ضجة بين أنصار الفصحى والعامية .

أما فى ميدان الشعر فلم تغلب المجلة جيلا من الشعراء على جيل آخر  بل فتحت صدرها لكل المذاهب والمدارس الأدبية ولكل المواهب الأصلية العربية وظهرت على صفحاتها أسماء ولمعت فى سمائها أقلام وبرزت فى آفاقها مواهب ما كان لها من سبيل الى الظهور لولا ما تميزت به هذه المجلة  من رحابة صدر وتفتح وانفتاح . وقد تعايش على صفحاتها الشعر العمودى والشعر الحر وتعايش الشيوخ والكهول مع الشبان المعاصرين بألوانهم الجديدة ونزعاتهم المختلفة ومحاولاتهم المتنوعة فكانت الفكر بالنسبه للشعر التونسي أشبه بالحديقة فيها الأشجار العتيقة الشامخه الضاربه بأصولها وجذورها فى أعماق الأرض وفروعها وأغصانها فى عنان السماء ، وفيها الأعواد الخضراء الغضة الطرية ، وفيها العيون الفوارة المندفعة وفيها الطيور بمختلف الحانها وتنوع أنغامها وتباين ضروبها ، وفيها الورود والرياحين والازهار بمختلف ألوانها وعطورها وأشذائها ، وفيها الثمار الناضجه وفيها الثمار الغضة بمختلف طعومها ومذاقها ، كل هذا تجمع فى خميلة الشعر على صفحات الفكر فنشرت مزيدا من الشعر الحر بريادة محمد العروسى المطوى ومحسن بن حميده ثم انضم اليهما كثير من الشعراء مثل نور الدين صمود وجعفر ماجد وأحمد اللغمانى ، كما نشرت المجلة لأصحاب الشعر العمودى من أمثال الهاشمى زين العابدين والشاذلى عطاء الله ومحمد مزهود ومحمد الناصر الصدام ومحمد الشعبونى وغيرهم .

كما فتحت الفكر بعد ذلك ذراعيها لجماعة من الشعراء المتحمسين للجديد والطريف من الشعر الحر غير العمودى ، وتخرج منها جميع الشعراء الشبان المعاصرين بألوانهم الجديدة ونزعاتهم المختلفة ومحاولاتهم المتنوعة مثل الصادق شرف ( أبو وجدان ) ومحيي الدين خريف وعبد الرحمان الكبلوطى والطيب الرياحى وعبد الحميد خريف ومحمد عمار شعابنية وعبد القادر شروده ، كذلك يرجع للفكر الفضل فى نشر المحاولات الجديدة فى ميدان الشعر لكوكبة من الشعراء الشبان أمثال محمد أحمد القابسى ويوسف رزوفة ورضا بوخريص ومحمد لطفى اليوسفى وحميده الصولى وكمال فداوين وسوف عبيد ومحمد ميلاد ، كما حرصت الفكر على أن تحتضن الشاعرات التونسيات الموهوبات من أمثال زبيده بشير وفضيلة الشابى وعائشة الخضراوى وحياة بن الشيخ وفاطمة الدريدى ،

هكذا كانت الفكر سجلا للحركة الثقافية والفكرية والأدبية فى القطر التونسى وكانت ولا تزال مدرسة للأجيال برزت على صفحاتها أسماء لم تكن معروفة فى عالم الأدب هى الآن أسماء لامعة فى مجال الفكر والثقافة ونجوم شارقة فى سماء الشعر والقصة .

وهكذا كانت الفكر نافذة نطل منها على إنتاج تونس بل انتاج المغرب العربى كله . وهكذا كانت منبرا تعرف المشارقة من خلاله وبواسطته على الأدب التونسى المعاصر ، هكذا كانت مشعلا فى طريق النهضة الأدبية فى تونس واصلت وتواصل مسيرتها لتؤدى رسالتها فى خدمة الأدب وتطويره ومد الجسور بين الأجيال المتعاقبة والتيارات الفكرية التى يزخر بها عصرنا الحديث .

فليس غريبا إذن أن تكون الفكر مجلة رائدة فى هذه المجالات الأدبية والثقافية والفكرية والفنية ومرجعا هاما لرصد النهضة الأدبية المعاصرة فى تونس .

إن النهضة الأدبية والثقافية التى تعيشها تونس فى هذه الأيام مدينة لمؤسس الفكر ومديرها الاستاذ الكبير محمد مزالى وصحبه الأبرار من هيئة التحرير وفى مقدمتهم الأستاذ الاديب البشير بن سلامة رئيس تحرير المجلة .

ولا يسعنى وأنا أختتم حديثى إلا أن أدعو من صميم قلبى لمجلتنا العزيزة مجلة الفكر بالدوام والاستمرار والازدهار لتواصل مسيرتها وتؤدى رسالتها فى خدمة الأدب والثقافة ، رافعة رايتها حاملة مشعلها على طريق النهضة الأدبية المعاصرة فى تونس ، كما أدعو لمديرها ومؤسسها الاستاذ الفاضل والأديب الكبير محمد مزالى ولجميع العاملين بها بمزيد من التوفيق والسداد .

اشترك في نشرتنا البريدية