الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

" الفكر " هذه المنارة

Share

قليلة هي المحلات العربية الفى تعمر طويلا ، وعلى امتداد الساحة العربية ومنذ أواخر القرن التاسع عشر لا نجد مجلات كثيرة امتد بها العمر اكثر من عقد من السنين . ولو أحصينا عدد هذه المجلات لوجدناه أقل من عدد أصابع اليد الواحدة .

وهذه المجلات العمرة نذكرها فيما يلى بحسب تاريخ ميلادها :

١ - مجلة الهلال : وهي التى كونها جرجى زيدان فى النصف الثاني من القرن التاسع عشر بمصر ، وتناوب على ادارتها كثيرون من رجال الفكر والادب بالقطر السابق الذكر .

ب - مجلة الآداب البيررتية : وهي التى تكونت - ان لم تخنى الذاكرة - سنة 1952 ، واحتفل المفكرون العرب باليوبيل الفضى لهذه المجلة سنة 1977 - 1978 ، وأخرجت مطبعة " الآداب " عددا خاصا للمجلة بهذه المناسبة .

ج - مجلة " الفكر " : وهي ثالث المجلات العربية التى وقفت ثابتة أمام العواصف ، وقد تكونت فى سنة 1955 وتونس - وقتها - لا تزال على عتبة الاستقلال ، والحالة المادية للبلاد لا تزال ضعيفة جدا ، ورواتب الموظفين ضعيفة كذلك ، ورغم ذلك فقد تعمد الاستاذ محمد مزال مدرسا بالمعاهد الثانوية فى ذلك الوقت - مضطرا تمويلها من راتبه الخاص وراتب زوجته السيدة فتحية مزالى .

- رجلان في حياة الفكر : وقبل التوغل فى الحديث عن المجلة لابد أن نتحدث عن رجلين كان لهما لاثر البالغ في حياة المجلة وصمودها .

الاول : هو مؤسس المجلة ومكونها وهو الاستاذ محمد مزالى

والثاني : هو مرافقها والمباشر لها وهو الاستاذ البشير بن سلامة

* تعارف الرجلان صدفة فى حدود سنة 1954 عندما كان كلاهما يبيع صحيفة وطنية كان الاستعمار الفرنسي يمنع بيعها ، وتكونت بين الرجلين ألفة قوية ، ومع الايام كانت هذه الالفة تزداد رسوخا ، وكان مرتكز هذه العلاقة : الله والانسان والوطن .

وكان للرجلين صفات متقاربة يتميزان بها : كان الاستاذ محمد مزالي شديد الباس على نفسه ، سمح الاخلاق ، صوفي التفكير ، يؤمن بالقيم والمبادىء ، ويؤمن بأن المثل العليا هي كل شئ فى الحياة . وأن الانسان الفاضل هو الذى يرسم فى حياته مثلا أعلى يسعى باستمرار لتحقيقه ، بحيث يكون هذا المثل الاعلى حبل النجاة كلما هم الانسان بالاغراق فى المتع الفانية .

وهو يرى ما يراه جان يول سارتر ان الانسان هو ما يفعل . فالمرء - فى رأيه - يمكنه أن يخلق قيمته الذاتية بنفسه ، ويكيف حياته كما يشاء ، لأنه ، يتحرك على هذه الارض بالاختيار لا بالجبر ، وذلك ما يجعله قادرا على أن يكون خليفة الله فى الارض .

كما أن الاستاذ مزالى يؤمن بحرية الفكر ، ويرى أن مقارنة الرأى بالرأى والحجة بالحجة هى التى تقرب من الحقيقة ، وان الامتياز لا يكون لاحد على آخر الا بمقدار ما يبذله من جهد فى الحياة الفكرية والاجتماعية . فالحياة ميدان نسيح ، وعلى كل فرد فى المجتمع أن يشمر على ساعد الجد ، كل حسب اختصاصه ، فتكون المنزلة الاجتماعية ويكون الجزاء على قدر العمل

والاستاذ مزالي من رجال السياسة القلائل - فى العالم الثالث - الذي ليغروا بنخوة الحكم ، بل كان الرجل يعتبر المناصب تكليفا لا تشريفا ، ولذلك لم ينطلق - كغيره من أصحاب الحكم - فى متع الحياة ، ولم تستهوه مراقص اسبانيا ، أو دور القمار فى لندن ، أو حسنوات منظمة الجيشا باليابان . بل

كان الرجل مسيطرا على نفسه ، قواما عليها ، وما ذلك الا لان الرجل صوفي التفكير - كما ذكرت آنفا - يعتقد أن مجاهدة النفس من ضمن الجهاد في سبيل المثل الاعلى ، ورغم أن الحياة متاحة له ، فقد كان يشتغل فى النهار بشؤون السياسة والحكم وفي الليل يعكف على مجلته لينتخب لها الصالح من المواضيع ، أو ليبدى رأيه فى شأن من شؤونها ، أو ليكتب مقدمة لها اقتضتها الاحداث الفكرية أو السياسية ، أو ليراجع ما طبع من مواضيعها طبعة أولية ان اقتضى الامر منه ذلك ، واتسع لذلك وقته .

وهو يفعل ذلك لانه يعتقد أن الفكر فى جوهره جهاد فى سبيل انسانية الانسان ، وهو تصوف وحرمان من اللذات العابرة ، وأن الانسان كلما جاهد نفسه ، وغالب غرائزه التى تشده الى الارض كلما علا فكره وصفا وجاد .

* وقد امن الاستاذ البشير بن سلامة بما امن به صاحبه - آمن بأن الفكر سعى متواصل نحو الافضل والاسمى ، وهو يعتقد انه لا بد من اتاحة الفرصة أمام الاجيال لتبرز مواهبها ، ولتقول كلمتها الطريقة فى الفكر والحضارة ، رغم ما قد تحتوى عليه من تباين وتناقض أحيانا

ولايمان الرجلين الرجلين بهذه الآراء ، ولايمانهما بضرورة احترام الرأى المقابل ، وبحتمية سيادة الحرية فى الفكر والمجتمع أكبر الاثر على بقاء المجلة وعلى دوامها فى خط تصاعدى ، وعلى اقبال أهل الفكر والثقافة عليها مع اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم .

- الفكر مدرسة الاجيال : كانت الفكر وما تزال على مدى ربع قرن مدرسة للاجيال ، وقد برزت على صفحاتها أسماء لم تكن معروفة فى دنيا الادب ، وهي الآن أسما لامعة فى مجال الفكر والثقافة .

ويكفى أن نعطي أمثلة على ذلك : برز جيل من الشعراء على صفحات الفكر فى أوائل الستينات ، ويمثل هذا الجيل جعفر ماجد ونور الدين صمود والميدانى بن صالح .

وظهر جيل ثان من كتاب الرواية والقصة فى أواخر الخمسينات وأول الستينات ويمثله البشير خريف الذى كان للفكر فضل السبق فى اكتشافه

ودخل جيل من القصاصين وكتاب المقالة مدرسة الفكر فى بداية السبعينات وبتالحديد سنة 1968 ويمثله : نور الدين بنقاسم وابراهيم بن مراد وأحمد ممو وسمير العيادى وعز الدين المدني وفاطمة سليم ، وحياة بالشيخ وغيرهم

كانت تحتضن " الفكر " الى جانب أسرتها فى حصص غير مضبوطة دوريا زمرة من الشبان الذين يقرؤون انتاجهم وينبرون لمناقشته بمشاركة رئيس تحرير الفكر .

وفي أوائل السبعينات أقدمت الفكر على تشجيع محاولة شعرية جديدة .

وأصل هذه المحاولة أن أسرة " الفكر " أثناء فرزها للاشعار الواردة على المجلة وجدت أشعارا بعث بها بعض الشباب ليس لها وزن الاشعار العربية العمودية ، ولا تلتزم بالتفعيلة الواحدة كما هو الحال فى الشعر الحر ، فرأت الفكر " أن تشجع هؤلاء الشبان بنشر هذا النوع من الاشعار كتجربة وبداية لبحث طويل فى سبيل موسيقى شعرية جديدة ، وباعتبار أن هذا الشعر ليس بالعمودى ولا يلتزم بما يلتزم به الشعر الحر سمى بــ " فى غير العمودى والحر " .

ومن أصحاب هذه التجربة : الطاهر الهمامى ، والحبيب الزناد ، وفضيلة الشابى وغيرهم .

الا ان هذه التجربة الشعرية ماتت فيما بعد لسبب أساسى وهى انها لم تكن أصيلة ، فقد أنكرت كل التراث العربى ، وادعى أصحابها أن ما كتب فى عهد الناقة لا يصلح أن يقرأ او يكتب مثله فى عهد الصواريخ ) * ( .

وبهذا الانكار لم تجد هذه التجربة قاعدة تراثية ترتكز عليها ، فبقيت لذلك معلقة فى الفضاء لا حذور لها تصلها بالتراث العربى وترضعها منه ، وفماتت وزالت رغوتها بفعل تيار الاحداث .

* وفشل هذه التحريرية لم يفت فى ساعد الفكر ، بل دفعها اكثر الى المزيد من تشجيع التجارب الجديدة فى الشعر وفى القصة بالخصوص ، اعتقادا منها ان التجربة محاولة ... والذى يحاول يصل ، طال الطريق أم قصر .

والاجيال السابقة الذكر - على تعددها وتتابعها وتفاوت أعمارها - تتحاور على صفحات الفكر حوارا حرا ، يمتاز بالطرافة والتنوع ، وذلك لاختلاف المشارب والثقافات لهذه الاجيال ، واختلاف مفاهيمها ومواقفها من قضايا المجتمع والحياة .

فنحن العرب اليوم نحتاج الى هؤلاء الرجال الشبيهين بسيزيف ، الدافعين باستمرار الصخرة نحو قلة الجبل . نحن نحتاج - فى هذا الزمن الردىء - الى هؤلاء الرجال المناضلين ، الصامدين فى مواقعهم ، المخلصين لامتهم ، العاملين بالليل والنهار على أن تكون هذه الامة احسن مما هى عليه ، وذلك ابتغاء مرضاة الله ومرضاة الضمير وخدمة للانسان .

ولقد مثل الاستاذ مزالي هذا النموذج من الرجال ، فهنئا له على ما قدمه - بفضل مجلته - للفكر العربى من جليل الاعمال

ومزيدا من الفعل في سبيل أمة أحسن وأرقى ، وعالم افضل وأعدل .

اشترك في نشرتنا البريدية