كلما فكرت فى الوضعية الانسانية من جميع نواحيها الفكرية ، والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية ، أحسست بعمق أن الانسان بامكانه أن يكون أحسن ، وأنه بامكانه أن يصل الى ما وراء العرش ويسود الكون ، وان ما وصل اليه هذا الانسان من تقدم وحضارة ما هو الا خطوة ضئيلة مما يمكن أن يصل اليه لو حدب على أوضاعه أكثر ، ولم شتات نفسه وشتات جنسه ، وتسامى اكثر بنشدانه للكمال .
الا اننى سرعان ما أدرك أن هناك عوامل كثيرة ترجع الى الرواسب الاجتماعية والنفسية والعقائدية - هذه العوامل تحد من سرعة التطور الانسانى ، ان لم أقل تعرقله أحيانا .
ذلك أن كثرة المذاهب الاقتصادية المتوزعة فى العالم ، وتعدد الاديان المنتشرة بين الشعوب ، وتنوع النحل والملل على اختلافها فى أرجاء الارض من الاسباب التى تشتت جهود الفكر الانسانى ، وتوسع الشقة باستمرار بين مفاهيم الطوائف المختلفة للحياة والتقدم والحضارة ، واختلاف الناس فى مثل هذه المفاهيم يترك الانسانية تتأرجح بين الحضارة الموغلة فى التقدم والبدائية الموغلة فى القعود والتقصير . . . واذا استمرت الانسانية على هذه الحالة فانها لن تسعد كلها ، بل يبقى نصيب منها يعانى الجهل والمرض والانحطاط المادى .
والرأى عندى أن الانسانية بامكانها أن تخرج من هذه الوضعية المأسوية اذا ازدادت ايمانا بالفكر ، واتخذت من شرعته طريقا للخلاص من وضعيتها الراهنة ، لان الفكر قوى قوة الحقيقة ، فمهما اعترضته الحواجز فانه يستطيع تحديها والتغلب عليها ، لانه الحقيقة ذاتها التى سعت وتسعى اليها الانسانية ، ولانه الجوهر الباقى الذى تزول دونه كل الاعراض .
لاجل استقرار الفكر الحق على المبادىء الثابتة فى المجتمع والحياة وتشبثه الدائم بالحقيقة فان الانظمة السياسية المهلهلة ذات المصالح الفردية تخشاه ، فتحاول تدجينه ، وتسعى الى اتقاء صولاته باساليب شتى . ويفضل الحياة الفكرية الحية تحدث الحركية فى صلب المجتمع ويحدث التغير والتطور .
فماذا يطرأ عن كل تغير جديد فى الخلق الفكرى ؟ وما هو نوع الصراع الذى ينتج عن ذلك ؟ ولماذا يتمسك الناس بالقديم ؟ وهل لصراع الثقافات دخل فى الصراع الفكرى ؟ وما هى العقبات التى تحول دون بلوغ المضامين الفكرية سليمة للناس ؟ وما هو دور الفكر فى العالم الحديث ؟ وكيف يكون الفكر قائدا للانسانية حتى تتطور وتسعد ؟
ان الجواب على هذه الاسئلة الكثيرة يؤدى بنا الى البحث عن مفعول الفكر فى الحياة ، فللفكر مفعول السحر فيها ، وهو الذى يوجهها ويربيها ، ويحاول أن يجعل من فوضاها نظاما ، ومن تشتت الناس فيها مجتمعا يبنى الحضارة ويشيد العمران ، وهو الذى يضفى عليها جدة ، بقلبه للأوضاع القديمة فيها ، فالجديد الذى يخلقه الفكر هو التغيير عينه ، ولن يقع التغير الا بفضل الفكر التقدمى الصادق .
الا ان كل تغير فى الحياة الفكرية لا يتم بسهولة ويسر ، بل ان كل تغير يسبب صراعا عظيما بين انصار الفكر التقدمى والمحافظين ، وليس تصورنا لهذا الصراع قائما على أساس غير موضوعى ، فهناك حقائق ثلاث تجعلنا نقر بهذا الصراع :
" أولى هذه الحقائق ترتكز على ما يصحب كل تغير كيفى من صراع بين أطراف هذا التغير ، وهذه الحقيقة مطردة فى الطبيعة والمجتمع والفكر جميعا والتغيرات الكيفية تختلف عن التغيرات الكمية ، فان أية اضافة كمية قد لا تغير من حقيقة العلاقات المحددة وان زادت من حدتها .
على حين أن التغير الكيفى وان ارتكز فى طبيعته غالبا على تزايد الاضافات الكمية فانه يشكل انفجارا فى القوى والعلاقات الناتجة عنها " (1)
نستنتج مما سبق ان التغيرات الكمية فى الحياة الفكرية ليس لها أهمية مثل التغيرات الكيفية التى تحدث تحولا جذريا فى مسيرة الفكر ، مما ينتج عند ضعف التواصل بين الفكر فى مرحلة ما ، والمراحل السابقة له ، فتتولد من ثم الصراعات والهزات فى عالم الفكر بفعل هذا التغير الحذرى ، ويحتد الصراع كلما وجدت قوى سياسية أو ظروف اجتماعية تساند أو تساعد طرفا من طرفى الصراع . (2)
والحقيقة الثانية لا تقوم على أساس التصور العلمى للحقائق الانسانية فحسب وانما تستند الى بعض ما ذكرته النصوص التاريخية والتى تؤكد بصورة لا تقبل الشك وجود طوائف من الناقمين والمنكرين سلوك الانظمة القائمة ومنهجها فى الحياة السياسية والاقتصادية (3) مما ينتج عنه وجود نزعات شتى تزيد من حدة الصراع الفكرى والاجتماعى ، ولعل هذا ما يوفر الاتجاهات الفكرية والعقائدية ويسبب تعارضها وتصادمها من أجل بقاء الاصلح منها ، ومن أجل توليد الحركية فى صلب الحياة الاجتماعية نفسها .
والحقيقة الثالثة أن محاولة القوى التقدمية ربط المدلول الفكرى الجديد ومضمونه بالمدلولات الفكرية القديمة ومضامينها (4) تبرهن من ناحية على سلامة التفكير الانسانى وترابطه وامتداده فى أعماق التراث الانسانى ، ولكن من ناحية أخرى هذه العملية تضفى صفة التدرج البطئ على مسيرة الفكر ، وتجعله فى الغالب ملتصقا بالموروث ، فيبحث عنه وينشده أكثر مما ينشد الجديد ويحاول الابداع .
والحقيقة السابقة قد تلقى ضوءا على القوى المعارضة للتطور الانسانى وتقف فى اصرار ضده ، فهى قوى محافظة تعتقد أن الجديد فى الفكر يجب أن يكون فى اطار من الحقائق المعروفة ، وأن هذا الجديد يكون منبتا اذا خرج عن هذا التصور .
وهذه النتيجة تؤدينا الى نتيجة حتمية أخرى وهى أن الاحتفاظ بالقديم والتسليم به لا يترك المجال للفكر الانسانى كي يتطور بالطفرة حسب تعبير داروين أوقل بالقفز مما يجعل كذلك تطور الانسانية بطيئا عبر التاريخ .
والواقع أن التمسك بالقديم لا يعنى ان الناس قد تعودوا فقط أسلوبا من التفكير أو من الحياة والعادات معينا ، ولكن الناس أيضا يخافون من كل
جديد طارئ فالجديد فى كل شئ مخيف وغير مستقر فى تصورهم بعكس القديم عندهم فانه ثابت وقار ومألوف . أضف الى ذلك أن الانسان فى مختلف مظاهر حياته ، وفى مختلف اطوارها يبحث عن المجهود الادنى حتى فى الفكر . فالجديد يكلفه عناء فى البحث وفى البرهنة عليه ، وفى ايقافه على قدميه أمام العواصف النقدية . أما القديم فلا يكلفه عناء بل هو جاهز وقار ، لذلك يلتجئ اليه الناس ويطمئنون له .
ولذلك فانه فى بداية كل حياة فكرية جديدة تظل الغلبة للقديم بحكم استقراره الطويل وبحكم ما يحيط بكل جديد فى بدايته من غموض ، ولكن الجديد فى الفكر الانسانى النافع لمسير الحضارة ما يلبث أن ينتزع النصر من القديم ويمزق عنه رداء القداسة ويكشف ما به من عيوب وأخطاء ، بعد ان يتحول بعض أعلام القديم أو المحافظين الى جزء من الترات ، فيكتسبون ما للتراث من قداسة (5)
وهنا يخف الصراع الفكرى عما كان عليه من قبل ، ليكون هينا فى الاطوار الموالية ، ولكن الفكر فى طوره الجديد يبقى حينا من الدهر بعيدا عن رياح النقد الهوج ، وذلك لان فى مضامين هذا الفكر ما فى ذات الاجيال المعاصرة له من أهداف ورؤى ومطامح ، فترضى عنه وتسعد به وتناصره وتشد أوزه ، لكن مع مرور الزمن تصبح الحقائق الفكرية التى سلم بها الناس فى طور تجديده محل شك ونقد عنيف عند أجيال جديدة لاحقة ، لها أهداف جديدة ورؤيا للحياة جديدة فيثور بعض هذه الاجيال على المضامين الفكرية المتعارفة . وهكذا يصبح كما قال ابن قتيبة " كل قديم فى عصره جديد " ، وأضيف قائلا : وكل حديد يصير فى فترة ما من فترات التاريخ قديما . لكن رغم هذا فان الفكر يحافظ على مسيرة التطور فى خط تصاعدى حتى يصل الى الحقيقة التى يسعى اليها على الدوام ، والتزام الفكر الانسانى بخط الحقيقة وثباته فى تطوره يعود الى شئ هام هو ان القديم فى كل شئ ليس ما يراه الناس قديما ، انما القديم هو ما لا ينفع الحياة ولا يعينها على التطور ، والجديد هو الذى ينفعها ويطورها . واذن تكون على هذا الاساس أقوال أقدم المفكرين جديدة باستمرار لانها تنفع الناس باستمرار ، وتكون أقوال وأعمال بعض المعاصرين قديمة قدم التاريخ لانهما زبد ولا ماء . . .
- صراع الثقافات : ومما يزيد فى حدة الصراعات الفكرية اختلاف الثقافات وتعددها ، وليس أدل على ذلك مما حدث فى عهد الدولة العباسية ، فقد أدى ازدهار الترجمة لمختلف العلوم الى خلق : " اجيال جديدة من المثقفين بالثقافات غير العربية . الملمين بالثقافة اليونانية على وجه الخصوص ، والمحيطين بالفلسفة والمنطق الارسطى على نحو أخص ، وقد قوبلت هذه الاجيال من العلماء بمقاومة شديدة من المفكرين ذوى الثقافة الواحدة (6) وقد أدى ذلك بأهل السنة المتشددين الى أن لا يطمئنوا الى هؤلاء الذين قيل فى أحدهم :
فارقت علم الشافعى ومالك وشرعت في الاسلام رأى دقلس (7)
فأهل السنة من المحافظين فى الدين واللغة يخشون أن يضيع منهم النفوذ الادبى والدينى فيضيع بذلك مركزهم الاجتماعى بعد أن حافظوا على هذا المركز منذ العصر الاول للاسلام ، فقد شعر هؤلاء بأن مالهم من مفاهيم تقليدية وآراء سلفية لا تستطيع الوقوف أمام هذا الفكر الجديد الزاحف الذى يتخذ المنطق سلاحا ، ويتخذ المجادلات الفلسفية سبيلا الى معرفة حقائق الدين لذلك فالسنة لم تربدا من مهاجمة هؤلاء ، ومهاجمة هذه الصناعة الجديدة التى يسمونها فلسفة : " ولو أن هذا المعجب بنفسه ، الزارى على الاسلام برأيا نظر من جهة النظر ، لاحياه الله بنور الهدى ، وثلج اليقين ، ولكنه طال عليه ان ينظر فى علم الكتاب ، وفى أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته فى علوم العرب ولغاتها وآدابها ، فنصب لذلك وعاداه ، وانحرف عنه الى علم قد سلمه له ولامثاله المسلمون ، وقل فيه المتناظرون ، له ترجمة تروق بلا معنى ، واسم يهول بلا مسمى " (8) .
فها هنا المحافظون من أهل السنة لا يتورعون عن اتهام أصحاب الفكر الجديد بالكسل وعدم القدرة على الاطلاع الواسع على ما للعرب من علوم ، وعدم الاناة والصبر على النظر فى علم الكتاب وأخبار النبىء ، فلهذا الكسل فى رأى أهل السنة التجأ العلماء الى الفلسفة لانها أسهل مأخذا وأقل مشقة وأروض فى الركوب من علوم العرب الاخرى . ومرد هذه المسألة يعود الى
دفاع عن الكيان الذاتى ، وعن الثقافة الشخصية التى أصبحت غير ذات جدوى أمام تعدد الثقافات وزحف الفكر بمضامينه الجديدة مع تركز الحضارة ورسوخها . ولكن رفض اهل السنة لهذه الثقافات الجديدة ووثوقهم ازاءها موقف المناهض لم يحل مشكلتهم التى هى دفاعية بحتة ، فلم يروا بدا : " من ان يبنوا رفضهم لها على أسس علمية مقنعة ، وليس ابتداء من مشاعر عاطفية لا سبيل معها الى الاقناع " (9) .
وموقفهم هذا ناتج عن شعورهم بالضعف ازاء هذا الزحف العظيم - الذى لا مرد له - من الثقافات الأصيلة من يونانية وفارسية ، فآقتنعوا من ثم بمعرفة هذه الثقافات التى يناهضونها كى يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم ، ومن ثم كذلك وجدت هذه الثقافات الجديدة سبيلها الى العلوم العربية الخالصة والعلوم الاسلامية ، كما وجدت سبيلها الى ما يتصل بالعقيدة وأسسها وأصولها وأحكامها بصفة خاصة ( 10 ) .
وهكذا انتصر الفكر الجديد على الفكر المحافظ ، بل سلم المحافظون أنفسهم بضرورة معرفة التيارات الفكرية الجديدة حتى تكون حججهم مبنية على البرهان العلمى والمعرفة المباشرة للتيارات التى يناهضونها .
ومما سبق نستنتج أن الرافضين لجديد الفكر أو لجديد الحضارة يكونون فى فترة ما من فترات انتقال الحضارة نفسها مجبورين على اعتناق هذا الجديد الذى رفضوه ، لان فى اعتناقهم له دفاعا عن وجودهم واقرارا بشرعيتهم فى الحياة ، ويكون حالهم عكس ذلك فى حالة وقوفهم موقف الرافضة .
وهذه النتيجة الاخيرة تجرنا الى نتيجة ثانية وهى أن التطور الفكرى خاصة او التطور البشرى عامة مهما وقفت أمامه العوائق وحالت دونه ودون المسير لغايته ، فانه يكتسح تلك الحواجز ويرمى بها على هامش الطريق ليواصل سيره الى مصب الانسانية العظيم - ذلك المصب الذى لا يتجمع فيه الا ما فجرته العزائم الصادقة والافكار النيرة المخلصة . . . وسر القوة فى تقدم الفكر والحضارة يرجع الى أن الزمن لا يعود الى الوراء ، وأن التاريخ لا يعيد نفسه ، وأن الذى يشده النظر الى الخلف لا يجد الوقت كى يلتحق بالقافلة . . . فطبيعة الحياة اذن تفرض التطور فى خط ايجابى ، بالاضافة الى ان الفكر حقيقة ، والحقيقة مهما أحاطت بها سحب الاباطيل والزيف لا بد أن تشرق يوما على العالم ، وتنقذ الناس من ليل العبودية وغفوات الانحطاط
جناية اللغة على الفكر والتطور : اللغة هى الوعاء الذى يحمل عصارة الفكر الانسانى ، ولكى نعرف علاقة اللغة بالتطور الفكرى والحضارة لا بد أن نعرف أن الانسان قد مر فى حياته اللغوية بأطوار عديدة ، فكان الصوت الترجمان الاول للانسان البدائى ، اذ أنه لم يكتشف اللغة بعد ، فكان يعبر عن شؤونه تعبيرا انفعاليا بأصوات مختلفة فى النغمية والطبقات الصوتية ، وذلك عين ما يعبر به الحيوان عن انفعاله تقريبا فأنت عندما تسمع كلبا ينبح تعرف أن هناك غريبا قادما ، وعندما تسمعه يعوى تعرف أنه قد ضربه طفل أو مار فى الطريق ، وقد استعان الانسان مع الصوت بالاشارة ، وقد انتقل فى فترة ما من فترات التاريخ من طور التعبير الانفعالى الى طور الانطباعات الهادئة والعواطف المعتدلة التى هى أساس التعبير بالملفوظ .
فاللغة علامات لها دلالات معينة ومصطلح عليها وتختلف هذه العلامات من شعب الى آخر مما أدى الى أن تكون لكل شعب لغته ، وبالتالى فقد كثرت اللغات وتعددت مما جعل التلاقح الفكرى عسيرا فى كثير من الاحيان بين الشعوب . . . وذلك لان هذا التلاقح يتطلب الوعى الحضارى وسيادة العلم على الامية والنظرة الى العالم بفكر اوسع من البيئة الضيقة ، وهذه العوامل لا تتاح للانسانية دائما ، لانها تنعدم فى فترات الانحطاط والتقهقر حيث تسود العصبية والمحلية وتزدهر الانانية .
فالتشتت اللغوى مع عدم السعى الى معرفة ما عند الشعوب الاخرى من نير الفكر ، يسبب تأخرا فى التطور البشرى ، فباعتبار ان الفكر هو القائد لمركبة الانسانية فانه متى انحط وهزل فان التطور يتوقف ، والحضارة تشل وتصبح البدع معجزات ويسود الوهم ، وتنتصر الخرافة .
والحقيقة أن عقبة تعدد اللغات وتشتتها على صعوبتها يمكن تجاوزها ، الا ان هناك عقبة اخرى اكثر تعقيدا على بساطتها وهى عدم التثبت والتروى من دلالة العلامات اللغوية عند المتكلم وعند السامع مما يسبب الخطأ فى فهم المقصود من الكلام ، مما ينتج عنه تأويل خاطئ وسوء فهم عند رجال الفكر بل يحدث سوء الفهم هذا حتى عند رجال السياسة فيجر ذلك أحيانا الى الحروب وخراب العمران .
فهذه الآلة المعقدة والتى اصطلحنا على تسميتها باللغة لابد من التثبت منها ومن مدلولاتها حتى لا تنقلب سلاحا ضد تطور الفكر البشرى وتكون أداة
للتنقيص من قدرات الانسان .
كذلك الاعتقاد السائد : (( بأن اللغة قد أنزلت على الناس عن طريق معجزة ، أو أنها شىء خلقه خلقا صناعيا )) (11)
هذا الاعتقاد جعل اللغة لا ترتبط بالحياة ، وبالتالى جعلها لا تنمو مع حاجيات الانسان ، لان هذا الاعتقاد جعل اللغة مجموعة من القوانين الحتمية القارة فى كل زمان ومكان . ولم يعرف أصحاب هذا الاعتقاد بأن اللغة قوانين صوتية ونحوية وصرفية تتطور بتطور حاجيات الانسان الحياتية ، وبالتالى تتطور بتطور حضارته فان صارت قارة فانها تجمد ، ولارتباط اللغة بالفكر فان الفكر يجمد مثلها ويحدث العقم وتسود الجهالة ، فـ : (( ـمن الباطل أن تعتبر اللغة كائنا مثاليا يسير فى تطوره مستقلا عن بنى الانسان متجها نحو غاياته الخاصة )) (12) ولا شك أن هذا سبب ومازال يسبب تحجرا فى العقل البشرى ، وسبب خاصة تحجرا فى عقليتنا العربية لتشبث الكثيرين منا بالاعتقاد المذكور ... بل تحجر اللغة خطره يتعدى ما ذكرنا ، فيسبب التحجر النفسى والاجتماعى ، باعتبار أن : (( اللغة فعل فيسيولوجى من حيث أنها تدفع عددا من أعضاء الجسم الانسانى الى العمل ، وهى فعل نفسانى من حيث أنها تستلزم نشاطا اراديا للعقل ، وهى فعل اجتماعى من حيث انها استجابة لحاجة الاتصال بين بنى الانسان )) : (13)
فلاتصال اللغة بالعقل وجب تطوير اللغة مع الانسان لانها كائن حى يستمد قوته ودوامه من الحياة ذاتها ، واعتبار اللغة فى غير المفهوم الاصطلاحى يشل الفكر البشرى ويخل بالتطور .
- الفكر بين الطوبائية واللغة الانفعالية : وبالاضافة الى ما سبق فان الحياة الاجتماعية بما تهيؤه للفرد من ظروف خاصة توجه تفكير الفرد وجهة معينة ، من شأنها أن تستعمل اللغة استعمالا
ضيقا يتصل اتصالا متينا بالحياة الانفعالية للفرد مما لا يساعد على التطور وبالتالى لا يساعد العقل على التدرج للكمال .
وهناك شىء آخر وهو تقيدنا فى حياتنا الاجتماعية وحياتنا العقلية بحياة الآخرين ومقاييسهم ، ان هذا التقيد يقوم مقام الرقابة علينا فى ميدان الفكر والمجتمع ، ويحدد أهدافنا ، ويوجه مشاريعنا ، فمن أسباب انعدام التطور الفكرى : أن (( السلطة الاجتماعية التى تقوم مقام رقابة الواقع الخارج الخارجى بتأسيسها للتفكير تمثل العقل ان قليلا وان كثيرا ، وبعد أن يتحرر العقل ويشتد فى وقت ما يظل زمنا يحتفظ بدرجة مسرفة من الثقة فى بعض الاسس الخداعة وفى سراب الالفاظ )) (14)
ان هذا الالتصاق بالمحلية يجعل الفكر يلتصق بالاوهام ويبتعد عن الحقائق الواقعة فى الحياة ، وبالتالى يجعل العقل لا يستعمل اللغة استعمالا مجديا ، ذلك أن : (( المثل الاعلى فى كل صورة يتولد من اللغة ، ولكن هناك من المثل العليا ما هو فارغ أجوف )) (15) فتوهم المثل الجوفاء الانسان بحقائق يخالها ممكنة الوقوع ، وأهداف يحسبها ممكنة التحقيق ، ولكنها كثيرا ما تكون طوبائية لا يمكن تحقيقها ولا يمكن ايجادها فيسبب عدم الوصول اليها الفشل والانهيار ، وبالتالى يولد الخيبة فى مسيرة الفرد ومسيرة الجماعة ... ان الابتعاد عن المحلية والاوهام التى يخلقها محيطنا الاجتماعى يجعل المرء ملتزما بالحقيقة الواقعة ، ويجعله مسيطرا على هذه الاداة الفعالة والتى نسميها (( لغة )) . واذا سلمنا مع الاستاذ ڤندريس (( بأنه يوجد من اللغات بقدر ما يوجد من الافراد )) فاننا نستنتج بان لكل فرد لغته ، ونستنتج كذلك بان للجماعة لغتها التى لا تشبه اللغة الفردية ، والالتزام بالحقائق والابتعاد عن الاوهام يجعلان الفرد امام حقيقة لا مفر له من الوقوف امامها وهى التخلى عن لغته الفردية والالتزام بلغة الجماعة التى هى عبارة عن اللغة التأليفية الانتقائية لما هو صالح من لغات الافراد ، ومفهوم لغة الجماعة هنا عندى ليس ما ننطق به من ملفوظ انما هو مجموعة القرارات التى تتخذ لبناء مصير ما لامة ما فى عصر ما . ان هذه اللغة هى الاساس الاول لبناء مصير المجتمع كما أن اللغة الملفوظة هى الاساس الاول فى التعامل بين الناس ، وكثيرا ما يتخلى الناس عن لغة الجماعة للرجوع الى
لغاتهم الفردية الملفوظة منها وغير الملفوظة والتى تتصف بالانفعالية لالتصاقها بالبدائية والمحلية ... فهذه اللغة لا تحل مشاكل المجتمع ، ولا تساعد الفكر على التطور ، لانها ليست موضوعية ... ولانها كثيرا ما يعبر عنها الفعل العنيف ، وليس ادل على ذلك من الحروب التى قامت وتقوم خلال التاريخ البعيد والقريب والتى كان كثير منها نتيجة لقرارات فردية يقوم بها دكتاتور مطلق السلطة ، له لغة بدائية تتمثل سلوكا فى العنف . فلا يمكن ان نقول أن قرارات ( هتلر ) او ( موسلينى ) فى الحرب العالمية الثانية هى القرارات الشعب الالمانى او الشعب الايطالى ، فلغة الجماعة اللفظية او السلوكية تختلف أساسا عن لغة الافراد من حيث المنهج والمسلك والنتائج .
- دور الفكر فى العالم الحديث : ان ما طرأ على العالم إبان الحربين العالميتين من خوف وشفققة على المصير وتهيب من العلم الحديث ، قد ولد فواجع فى اعماق الانسانية الحديثة ، وأنتج مشاكل جمة ما زالت آثارها تتعاظم كل يوم (16) ونتيجة للآلام التى سببتها الحربان العالميتان فقد الانسان الثقة فى العلم بعد أن كان ابان المكتشفات والمخترعات الاولى يرى فيه المنفذ الوحيد للخلاص ولبناء الحضارة ، ولعل انعدام الثقة عند البعض فى قدرات العلم يعود الى الازمة النفسية التى يعانيها الانسان ذاته من جراء نتائج هذه العلم ... فلقد هددت أسمى القيم الانسانية بالانحدار ... وصرخت القيم الروحية تطلب النجدة من رجال الدين ورجال الاصلاح وعلماء الاجتماع ، وأوجد هذا العلم الآلة التى تحكمت فى الانسان وتتحكم ، فبدلت حياته من الانسياب فى الاحلام الهادئة اللذيذة ، بحياة كلها اصطدام بواقع متحجر يتمثل فى الروتين الكريه ، والجرى بلا هوادة لتوفير حاجيات يتطلبها العيش المتحضر فى قرن متحضر ، ولكن الانسان غالبا ما لا يصل الى توفير تلك الحاجيات لارتفاع التكاليف وغلاء العيش وكثرة الولايات وتعدد الازمات الاقتصادية ، فيضاعف الفرد من الجريان واللهاث وراء رغائب كثيرا ما يخيب أو يحترق قبل تحقيقها . فيصطدم بذلك الطموح على حجر الواقع وينهار الفرد ، ويضيع عن الاسرة ، والاسرة تنحل وتضيع عن المجتمع وتشتد من
ثم أزمة الفكر الحديث ، وتتضخم مشكلاته ... ان الفكر الحديث الخادم لمصالح الانسانية هو الكفيل باخراج مجتمعنا المعاصر من هذا المزق الذى يتخبط فيه . ان رسالة الفكر اليوم تتمثل فى بث الثقة بالنفس والطمأنينة على المصير بين أولئك الذين لا ينظرون الى الحياة الا من جانبها الاسود . فيقيمون الدنيا ويقعدونها وينعقون ويبكون اذا ما هبت على الدنيا رياح عاتية عابرة . فهم يريدون أن يسير مركب الانسانية فى خضم الحياة دون أن تزعزعه العواصف الهوج ، ودون أن تهدده الحيتان الكبيرة بالابتلاع وهم بموقفهم هذا يبدون - الى جانب تشاؤمهم - مثاليين لانهم يحسبون التطور فى الاستقرار ، ولا يدرون ان الاستقرار أحيانا يؤول الى جمود وتحجر ، ويحسبون أن الشر كل الشر فى هذه الزعازع الهوجاء التى تهب على العالم من حين إلى حين والواقع ان الدفع الحضارى الكبير هو نتيجة صفعات عنيفة يتلقاها العالم على خديه من وقت الى وقت فيستفيق بذلك الفكر من كمونه ويتحقق التطور وتزدهر الحضارة ، وليس أدل على ذلك من صدمة نابليون لاروبا ، وصفعة الحربين العالميتين لعالمنا المعاصر ، فاستفاق بفضلهما الناس ، ونفضوا عنهم غبار التقاليد وأضغاث القرون الوسطى ، وحققوا أشواطا فى التقدم ... وليس معنى هذا أن الحروب محبذة عندى انما فى رأيى كل شىء فيه جانب الخير وجانب الشر ، وأن الجانب المشرق والمضىء متلازمان فى الحياة .
فعلى الفكر اليوم أن يقنع الطوبائيين بالابتعاد عن المثالية الجوفاء ، وان يلتزم المرء بالواقع - واقع الحياة النابض ... ان الفكر بهذا يكون قد قام بثورة رصينة تكون هى الطريق الاوحد لارجاع كرامة الانسان المفقودة . تلك الكرامة التى داستها العبودية ومازالت تدوسها .
فالفكر الحديث الثأثر بصدق على العنصرية ، الزاحف بدون توقف على أوكار الرجعية وجحور الانهزامية ، المتخذ من الحقيقة شرعة ، ومن سعادة الانسان غاية - ان هذا الفكر هو الكفيل باخراج المجتمع الحديث من القلق والضياع والحيرة ، هذه العناصر التى من شأنها أن تزج بالفكر نفسه فى اللامبالاة وانعدام الجدوى .
- الفكر الرائد والفكر الصدى : ان الفرق بين الفكر الرائد والفكر الصدى شاسع وكبير . فالفكر الصدى
هو الذى يعلق على ما يقع من احداث عى المجتمع الانسانى فيصفها ويحاول أن يتعرف أسبابها ومراميها لا غير ، اما الفكر الرائد فهو الذى يخلق الاحداث ويثيرها ويقودها ويوصلها الى النتائج التى يبتغيها لانه يرغب فى ايجاد حركية فى المجتمع ، اذ بدونها لا يتحقق تقدم الانسانية .
فالفكر الصدى هو الذي يتبع الاحداث من خلق لمعرفة طبيعتها لا غير .
أما الفكر الرائد هو الذى يوجد هذه الاحداث من المجتمع ولاحل المجتمع فيؤ قلمها مع مناخه ولفائدته .
الفكر الصدى يعلق على زحف الشعوب للتقدم . أما الفكر الرائد فهو الذى يقود مسيرات الشعوب فى المسالك الوعرة ليفضى بها فى النهاية الى هذا التقدم ...
فلكى تسعد الانسانية لا بد ان يكون الفكر رائدا للحياة لا صدى لها . وأستاذها الذى يؤثر فيها لا حيوانها المدجن الاليف .
وبذلك يستطيع الفكر أن يجنب الانسانية المزالق الخطيرة ، ويجنبها السير فى المسالك المجهولة . فلا بد من الحرص على الفكر الرائد ، لخلق انسانية رائدة ، ولن تكون الانسانية رائدة الا بالقضاء على هذا التناقض الكبير الذى تعيشه فى العصر الحديث . ذلك أنه فى يوم الناس هذا قد بلغ جانب من الانسانية حضارة راقية تصل الى حد التبذير والبذخ ، وجانب منها يعيش الحرمان ويمر بتجربة الجوع المضنية ، فتنهشه الامراض وتؤرقه الحاجة وتتنازعه الآفات والكوارث .
القسم الاول من الانسانية انقطعت صلته أو كادت بعاداته وتقاليده ، واكتسب عادات اجتماعية وفكرية جديدة زادت فى توسيع الشقة بينه وبين القسم الثانى الذى مازال غارقا فى عادات بالية لا نسبة بينها وبين الحضارة العصرية ، كما أن الفقر ما زال يتحكم فيه ، والخصاصة تسوده . وهذا البون الشاسع بين القسمين جعل الجمع الاول فى أعلى سلم الانسانية حضارة وفكرا ، وجعل الجمع الثانى فى أسفله . اذ مازالت الجهالة تشده الى أرضية بدائية ، والعادات تبعده عن مناخ حضارة القرن العشرين .
ولكن ينزاح هذا البون الشاسع بين شطرى الانسانية لابد للفكر الرصين أن يتدخل لفض أزمات الاقتصاد فى بقاع كثيرة من أرضنا ، حتى تنتهى المجاعات وتخف الامراض ويقضى على التطاحن وتتوقف المهزلة الانسانية .
ولا بد للفكر الرصين كذلك أن يتدخل لتقوم الشعوب بحملة ضد العقد والرواسب التى مازالت تنخر المجتمع الانسانى وتحد من اندفاعا للتقدم . ولا بد للتربية الحرة - التى لا تخضع للتدجين - أن تقوم بدورها فى هذا المجال . فليس أحد أقدر على تحرير الشعوب من مخلفاتها مثل رجال الفكر الصادقين ، وليس لاحد فاعلية فى تغيير عقليات الشعوب مثل علماء الاجتماع وعلماء النفس وعلماء الانثروبولوجيا ، الذين يستطيعون بواسطة دراسات مركزة الكشف عن الاسباب التى تركت الانسان فى كثير من بقاع العالم يشكو التخلف الفادح المشين ، ويستطيعون عندئذ ايجاد العلاج النافع على ضوء تلك الدراسات .
ان دور الفكر الحديث فى عالم الانسانية الحديثة هو تصفية الحساب مع شؤونها الروحية والفنية والادبية والتربوية والسياسية حتى يميز الانسان الحديث بين الصالح والطالح فيما هو قديم ، ليحافظ على الاول وينميه ، ويقبر الثانى بلا رجعة اليه (17) .
ان الانسانية اليوم تعيش بلبلة فكرية واجتماعية ، لانها وجدت نفسها فجأة - بعد عصور طويلة من الانحطاط - على أبواب حضارة راقية تخالف فى مضمونها كل الحضارات السابقة لها . وتعيش أزمة روحية لان هذه الحضارة العظيمة الراقية قد أوجدت أخلاقا ومفاهيم مستحدثة زعزعت كل القيم البالية والاخلاق الموروثة التى مازال جزء من المجتمع المثالى يشد عليها بالنواجذ ... فنشات من ثم الازمة النفسية فى هذا المجتمع الحديث - هذه الازمة التى تركت العالم يتأرجح بين قديم مورث لا يمكن ان ينفع فى التقدم ، وبين جديد مشط فى جدته مما جعل أصحاب المجتمع المثالى يرفضونه ويقفون ضده . فلا شك أن دور الفكر يتضح جليا فى هذا المجال - دوره هو حل أزمة المجتمع الحديث ، وبالتالى الاخذ بيد الانسانية كى تستقيم حياتها ، وتتحرر من عقدها وعللها ، وتأخذ الحياة بروح وثابة وفكر لا تسيطر عليه الخرافات ، ولا أوهام الاباطيل .

