دور العمل الفكرى بالنسبة للشغل اليدوى والرياضة واللعب والراحة المطلقة فى تربية الطفل وتدعيم شخصية الشبان والكهول
ان الحركة هى آلة الوصل بين التفكير والعمل - ولكل واحد منا شخصية جسدية تقابلها شخصية عقلية معينة . وهاتان الشخصيتان اللتان كانتا زوتين سابقا منفصلتين عن بعضهما بعض هما فى حقيقة الامر مرتبطتان الارتباط - اذ أن الوظائف العقلية والوظائف الحركية هما الركنان الاسياسيان لسلوك البشر ولنشاطه الاجتماعى . هذا وان الكائنات الحية نجتا عادة إلى الحركة وان الحياة نفسها تظهر فى الحركة التى يعبر بها الانسان عن حاجاته الاولية والضرورية ويسددها فنذكر منها :
الحاجات الاقتصادية : وبها يتمكن الانسان من وسائل عيشه بفضل العمل المستمد من النشاط
البدنية : وهو النشاط الضرورى لسير الجسم سيرا عاديا - العضلات - المفاصل - التنفس - الدوران الدموى الخ . .
وأخيرا الحاجات الانفعالية : وهو النشاط الذى يسعى لتحقيق ما تطمح اليه الشخصية . فلنفكر في اللذة التى تحصل للانسان عند زرع بستانه او قيامه بجولة طيبة او النجاح فى عمل بسيط . وباختصار فان شخصية الانسان ذاتها تتجلى فى نشاطه . وبعمله تعرف مكانته فى المجتمع حيث يصبح متضمنا مع الاشخاص الاخرين . وفى العهد القريب كانت تعتقد بعض الطبقات الاجتماعية ان قيامها بعمل خصوصا العمل اليدوى كان بمثابة خرق للقواعد الصحيحة والتقاليد القيمة السائدة فى المجتمع وفى ذلك خطأ كبير في حقيقة الامر اذ لا يوجد فاصل قطعى بين القطبين الاصليين للنشاط البشرى الحركى منهما والعقلى
وهتان الوظيفتان البدائيتان عند الولادة تتطوران فى سن الطفولة وسن الكهولة متصلتان اتصالا متينا فى بادىء الامر ثم تطرأ عليهما عليهما شيئا فشيئا
تأثيرات مرتبة ومختلفة . وتبقى هذه وتلك خاضعتين لتفاعلات متبادلة تقر بين هذه الوظائف تضامنا عميقا وذلك بالرغم من تخصص كل منهما تخصصا نسبيا - ولنذكر ما كتبه فى هذا الغرض الاستاذ هنرى فالون HENRI WALLON : الحركة لهم تكن مجرد عمل تنفيذي بين الظروف التى تحيط بالعمل وبين ظروفه النفسية - وكل مرحلة من مراحل هذا العمل أو درجة من درجات تنظيمه هى بمثابة تعبير حينى للصلات التى تكونت بين الشخص والوسط . وتتبع الحركة نفس جهاز الحياة العقلية
وتندمج حياة المولود الجديد فى حركته - واستهلال المولود بالبكاء بفتح الرئتين للهواء - وبالامتصاص يسكن المولود جوعه ويبدأ فى استطلاع العالم الخارجى ويلتمسه بمجرد ما تتمكن يداه من الاشياء . وفيما بين الثانية والسادسة من العمر يكون الطفل مدفوعا فى نشاط مستمر يتمثل فى الجرى والتسلق والصعود والقفز وغير ذلك
وبالتجربة تعرف خصائص الاشياء : ويتبع الطفل شكل الاشياء باصابعه ويرفعها ويمارسها قائما من تلقاء نفسه بنشاط حركى وحسى مختلف ، قامت مدارس الاطفال الصغار بتنظيمه فى شكل العاب وتمارين مختلفة . ويقدر م يكون المولود صغيرا بقدر ما يبقى خاضعا الى وظائف التحرك واخيرا أو بصفة أخص يتغلب اللعب على النشاط الحركى بالنسبة للطفل . فبفضله يكشف الطفل عن جميع العناصر المكونة لشخصه ويستخدمها عاطفية كانت أو حركية أو عقلية . ولا ننسى أن الطفل الذى لا يلعب هو طفل غير طبيعى مثل الطفل الفاقد للكلام او للمشى
على أنه لا يوجد فاصل جلى بين اللعب والشغل : وفى كل لعب يوجد عنصر من عناصر الشغل . وفى كل شغل يوجد عنصر من عناصر اللعب يجعله رائقا للنفس واكثر احتمالا واوفر جاذبية . وبالنسبة للكهول تصير اللعب والملاهى والرياضة البدنية وبالتبعية الحركات البدوية المعتبرة كوسائل للراحة أقل تلقائية واكثر انتظاما مما هى عليه بالنسبة للطفل . وتخضع لقواعد تزداد دقة شيئا فشيئا وفى هذا الصدد يقوم اللعب مقام المنفس للتوترات الداخلية المتعددة والميول العميقة التى لو لم تجد منفذا لتبرز على هذا الشكل لخشينا أن تدخل اضطرابا فى سلوكنا اليومى وتجعلنا فى خلاف مع من يعيش حولنا فاللعب يسد حاجة الانسان الى التغلب والتسيطر وغريزة التهجم وحب الاطلاع ولذة المخاطرة والمغامرة .
لكن كل ذلك بين واضح أثناء نمو الطفل والكهل . أو ليس الضرر من
التثقيف المدرسي البحث هو تعطيل سير التطور الاجتماعى لفائدة التطور الفكرى المعنوى ؟ فكم من شبان منهمكين فى دراسة الكتب لتحضير دروسهم وامتحاناتهم ينقصهم ما تكفيهم من الاتصالات بالحياة الحقة فلا ينضجون كما ينبغى ولا يصبحون منسجمين ويبقون فى سن الكهولة أطفالا ؟ ولنلاحظ فى سباق الحديث بعكس ذلك أن العامل المتدرب كثيرا ما يوضع فى وسط غير منظم من حيث التربية الامر الذى يعرضه الى اختلاط تسوده الفوضاء والى ملازمة رفقاء مسترابين وتجارب سابقة عن أوانها . ومن أجل ذلك يجرى التطور الاجتماعي والنسلى بسرعة على كاهل النضوج الفكرى . ويخشى أن يتكهل الشباب المتدرب قبل الاوان اى قبل أن يقضى المدة الكافية ليصير كهلا اي قيل أن يدرك تدريجيا شخصيته والعالم الذى يحيط به والذى سيعيش فيه :
لكن توجد بصفة عامة وبالنسبة لسائر الشبان وفى جميع مراحل النمو - مراجع ثابتة تسمح بان تخصص لكل طفل طاقة بدنية للنمو ترافقه وتلازمه طيلة حياته العملية مثل دفتره المدرسى أو دفتره الصحى .
ولا أطيل الكلام على القيمة الاصلية للتربية البدنية التى يجب أن تستكمل بالتربية الرياضية بمجرد اقتراب سن الرشد . ويشتمل علم التدريب الرياضى - كما هو الأمر بالنسبة للتربية المدرسية - على مبادىء تتعلق بنسبة التمرين الرياضى والاختيارات فى الكفاءة وفى التعب لا تختلف عن المبادىء المتبعة فى علم النفس التجريبى Psychologie experimentale الا ببعض جزيئات فنية . ولذا يحب الا يمنع أبدا الاطفال من بذل مجهودات بدنية ما لم يوص بذلك طبيب بصفة باتة . بل ينبغى بعكس ذلك حملهم على القيام باشغال يدوية ومنزلية مثل تلك الاشغال التى تكون لها صبغة تربوية أساسية . حتى أن العالم التربوى الروسى مكارنكو MAKARENKO عرض قائمة فى أنواع معينة وغير مضنية من النشاط المفيد يكون من الواجب على الاولياء اسنادها الى اطفالهم كالسهر على النباتات بالمنزل وترتيب النشريات القديمة والعناية الملابس وتجهيز المغسل بالمعدات اللازمة والعناية به الخ . . اذ ان لجميع أنواع هذا النشاط مفعولا طيبا على تكوين طبيعة الطفل ونموه الفكرى ذاته وبالتالى يمكن أن نضرب مثل الاطفال المتأخرين عقليا Debiles mentuax الذين لا يحذقون استعمال الفاظ تتطلب منهم مجهودا جبارا لادراك المعنويات Abstractions ومع عجزهم على متابعة استاذهم فى تفسير ابسط درس فى الهندسة مثلا فانهم يدركون مبادىء وضع الاشياء والخطوط والاتجاه والزوايا يقومون بحركات رقص على الموسيقى . فبالنسبة لهم فان الحركة ادت الى الادراك .
وفى الولايات المتحدة أعد بجميع روضات الاطفال واقسام تعليم صغار الأطفال فرع لتعليم الفنون المنزلية او معمل خاص حيث يعهد للذكور والاناث القيام
بعدة اشغال ( من ميكانيك ونسج وصنع أدوات لعب او تماثيل متحركة او اشياء من الطين المطلى أو تسمير أو تمليس الخ . . ) كما تمنح المدارس الانقلوسكسونية والروسية مكانة ممتازة للفنون ) من رقص وتصوير زيتى والعاب مسرحية الخ . . ( حيث تكون الحركة متماشية مع العقل . وفعلا لقد تبين انه من المفيد ان نكتفى بحضور التلامذة البالغين من العمر تسعة أو عشرة أعوام مدة ست ساعات فى اليوم باقسام التعليم ولربما فى طول هذه المدة شطط فيجب اذن ان تعوض الاشغال اليدوية صفحة الحساب او الخط التى يطالب الطفل بكتابتها بالمنزل مساء فى جو يكون احيانا غير ملائم . ( من حيث اختلاط الاشخاص والغوغاء وصراخ الاخوة والاخوات الخ . . )
وكثيرا ما وقع التغافل عن حاجيات النمو العضلى للشبان بجبرهم على ملازمة السكون والهدوء والاحتشام و . . . السلبية Passivite مدة طويلة لا تتلاءم مع ما يتطلبه جسمهم من الحركة والنشاط . فالحركات البدنية هى عبارة عن تسلية مفيدة لما يبذل من مجهود عقلى مستمر : وان تحريك العضلات الخشنة الواقع القيام به هكذا يسلى الطفل الذى استخدم سابقا عضلاته الرقيقة مدة طويلة ) كعضلات العينين والفم ( في عمل عقلى بحت كالحفظ والكتابة والقراءة مثلا ( كما ان اللعب بكل حرية وقت الراحة امر مفسد وضرورى للطفل الذى كان منهمكا من قبل فى عمل عقلي دقيق غير أنه يجب ان نعرف ان الدروس الرياضية المرتبة حسب تنظيم ادارى مضبوط وقوانين فنية قاهرة تزيد الطفل تعبا على التعب الحاصل من العمل العقلي . لان الجهد وحصر قاهرة تزيد الطفل تعبا على العتب الحاصل من العمل العقلي . لان الجهد وحصر الفكر فى النشاط البدنى يستدعيان دائما فى حقيقة الامر تشغيل المخ مثلما يستدعيه العمل الفكرى وينبغى ان نبين انه لا توجد موازنة حقيقية بين شكلى النشاط الفكرى والبدنى . ولا فائدة فى الاستراحة من تعب فكرى ناشىء عن عمل فكرى بحت بواسطة العاب رياضية منسقة مرتبة متشعبة تتطلب مجهودا جبارا فى حصر الفكر وانتباه العقل . ولذا يميل المربون الى الحركات البدنية الاتوماتكية لانها لا تستدعى الا اعمالا ميكانكية انعكاسية كما يقال
وهكذا يلزم ان يكون كل عمل فكرى منقطعا اذا اردنا مواصلته مدة طويلة اذ ان الرياضة البدنية والحركات الجسدية والعمل اليدوى اذا ما وقع القيام بها كما ينبغى وبصفة متزنة سرعان ما تخفف من وطأة انهاك الاعصاب الناجم عن الاجهاد البدنى والتعب الفكرى واشتغال البال . غير أنه يجب مع ذلك فى جميع الحالات تخصيص أوقات للراحة المطلقة تحقق وتنظم نسبة المجهود الفكرى أو البدنى والراحة فى آن واحد وتقوم جميع انواع النشاط المبينة اعلاه بدور حاسم فى ميدان التربية فبقوة الملاحظة ومقدرة الابتكار وابداء الرأى الشخصى نتمكن من اجتناب الاضرار الناجمة عن الترديد الفكرى وتكاثر المعانى النظرية والاعتماد على الحافظة البحتة .
وهكذا تزول شيئا فشيئا الفوارق الوهمية القائمة بين الشغل اليدوى والشغل الفكرى ولم نبق نفضل العمل الفكرى على هذه الاداة العجيبة الا وهى يد الانسان
والحياة العصرية نفسها تتطلب نشاطا عظيما من الفرد والتغلب على البخل له الركود في حين ان الاستماع الى المذياع والتليفيزيون ومشاهدة الاشرطة السنمائية والسهرات الجماعية الليلية المتكررة والمتعبة كل ذلك يبعث على ان بعض السلسة والاستسلام الفكرى لسبب ترديد المناظر والاحاديث فى غاية من السرعة والاضطراب
وعليه يتحتم مقاومة هذه العوامل الخطيرة بالتشجيع على العمل اليدوى والنشاط البدنى . ويمكن ايضا الاستراحة من عمل فكرى بواسطه نشاط فكرى آخر من نوع مخالف اقرب منه للنشاط الآلى يتطلب أيضا استخدام خلايا دماغية اخرى ) كالقصص البوليسية ولعب الشطرنج وغير ذلك ( لكن الاحسن المجهود البشرى الذى هو أكثر انشائية وانتظام وعلى كل ( يجب ابعاد الشبان عن كل ما يسمح بالخمود فى الحياة المدرسية كالتمارين التى يعتمد فيها على الحافظة فقط والمحفوظات الجماعية والركود السائد عند التلامذة الذين يسبحون فى عالم الخيال وتلك الدروس التى يقوم فيها الاستاذ بالعمل كل بدون أن يترك مجالا لنشاط الطفل الانشائى ولما له من فكرة البحث والاستكشاف الشخصى
فالميدان البدنى والميدان العقلى اللذان يستمد منهما تطور الشخص ازدهاره متضامنان مع بعضهما بعض تضامنا متينا . وتمثل شخصية الطفل وشخصية اليافع مجموعا لا يمكن لاحدهما أن ينفصل عن الاخر بدون أن يتسبب فى سوء نظام تتمثل عواقبه فى جميع مظاهر سلوك الطفل وفى حياته المدرسية والاجتماعية والمهنية . على أن الغاية النهائية تكون فى كلتا الحالتين انسجام الشخص على احسن وجه من ظروف الوسط المحيط به والذى سيعيش فيه وبامعان النظر فى جميع الحقائق يمكن ان نستخلص مقررات متعددة فى الميدان العلمى
ان التربية وبصفة أدق المدرسة يلزم الا يساهما فى تكوين اشخاص شبيهين بالالات بل رجال احرار قادرين على الخروج من الثنايا المطروقة والسبل المخطوطة اذا اقتضت الحاجة .
ونجد اقوى مثال عندنا لوصف خطر ذلك الانقياد الذهنى الاعمى نجده عند الشاب المزاول للتعليم الزيتونى سابقا .
وبعكس ذلك يجب ان نعمل حتى يرتقى شبابنا من طور الطاعة الذهنية العمياء الى القيام بنشاط شخصى متلائم ومنسجم مع حاجات الوسط والمجتمع الصاعد فى آن واحد .
فالملاعب وساحات الرياضة ومعامل التدريب ومؤسسات التعليم الميكانيكى والفنون المنزلية والمخابر العلمية للتحليل وقاعات الموسيقى والتمثيل كل هذه الوسائل والمؤسسات المتزايدة انتشارا اليوم بعد الاخر فى بلادنا تصبح الركن الاساسى لكل مجتمع حر ذلك لان كل جيل صاعد منتج ومبتكر يأبى دوما التماثل الاوتوماتيكى الاعمى بصفته اكبر داع للركود والتقهقر والانحلال

