الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الفكر والحضارة، ثلاثة اطارات ثقافية وحسب

Share

- 2 -

فى مقالة لنا سابقة طرحنا السؤال التالى :

هل هناك اطارات حضارية ذات افكار نابعة من تجارب اصيلة مستقلة ؟

واين هى هذه الاطارات ؟

ما هو عددها ؟

وما هى مقومات كل منها ؟

ووعدنا بالاجابة عن هذا السؤال ذى الاطراف المتعددة فى مقالة ثانية .

نعم هناك اطارات حضارية متعددة . ولكل اطار تجاريه الاصيلة المستقلة وشخصيته المتميزة .

ومهما تكن رغبة اصحابه خالصة صادقة فى اعطائه امتدادات كلية الشمول ، فان الوقائع قد اثبتت أن لهذا الاطار ابعاده الموصولة يشعب أو بعدد معين من الشعوب تنتسب الى منهجية خصة فى التفكير والسلوك والعقيدة والاذواق .

والحقيقة هذه ليست بدعا فى أوساط المفكرين والمؤرخين منهم بصورة خاصة . انهم متفقون على أن هناك عددا من الاطارات الحضارية . وان لكل اطار طابعه الخاص وتجاربه الذاتية وأصالته التى يتميز بها عن سواه .

هناك من يقول بظهور ثمانى حضارات حتى اليوم - شبنغلر - .

وهناك من يرفع هذا العدد الى 28 حضارة 18 منها ذهبت وبادئت . أما الباقية فمنها اثنتان متجمدتان هما الحضارتان البولينزية والبدوية والثمانية حية

متحركة وهى الحضارات : الغربية - العثمانية - السوفياتية - الاسلامية - الهندية - الصينية - اليابانية - الفارسية - ارنولد تويني - .

وهناك من يتجاوز مرحلة التعداد ، ليعين عمر الحضارة القائدة وظاهرة الدور فى تعاقب الحضارات ويؤكد أن عمر كل حضارة لا يتجاوز القرون الثمانية ثم يتنبأ سلفا بزوال الحضارة الغربية عند نهاية القرن العشرين . وقد سجل رأيه هذا فى القرن الثامن عشر . انه جيبون - الانكليزى . بينما يميل ارنولد توينبى الى رفض نظرية التعاقب بين الحضارات ويعرب عن رأيه فى أن مصير الحضارات كلها الى زوال غير الحضارة الغربية وهي فى نظره حضارة المستقبل .

أما فيما يتعلق بتعين الاطارات الحضارية وتعددها وتمثل كل منها فى خصائص وصفات وتجارب ذاتية فنحن من أصحاب هذا الرأى والمنادين به . ولكن ما هى هذه الخصائص والصفات ؟ وما هى طبيعة التجارب الذاتية التى تتميز بمثل تلك الصفات والخصائص ؟ .

قبل الانتشار على هذا الموضوع المهم ، تفرض علينا منهجية المناقشة أن نسجل ملاحظة أولية أساسية .

الشئ الذي يلفت النظر ان الامم التى لعبت وتلعب دورا خطيرا فى تقرير مصير العالم تتمتع برؤية كونية واضحة المعالم . ان افكارها ووعواطفها وأحلامها موصولة على نحو من الانحاء بالمجهول القائم فى أعماق الكون . وبهذه الاحلام والعواطف والافكار تتشكل تصرفات الافراد والجماعات فيها وتتحقق شخصيتها العامه وتنطلق عبر حدودها الاساسية لاعادة صنع الانسان على الصورة التى حققتها لنفسها .

والأمة ، صاحبة هذه الرؤية ، تفعل ذلك بدافع قوى من اعماقها لا تستطيع ان ترده وتقاومه بل تخضع له كأنما هو قدرها الذي كتب عليها أن تتصرف فى ضوئه . وهى اذ تندفع فى الطريق المرسوم تشعر بتكامل شخصيتها كلما سجلت خطوة جديدة فوقه .

وقد اصطلح بعضنا على اعتبار هذه الأمة ، أمة رسالية ، أو أمة ذات اطماح حضارية ، أو لنقل أمة ملهمة . انها تبذل كل جهد وتضع كل امكاناتها فى خدمة هذا الدافع الخفى . فهى تقتحم المجهول فى الارض والمجهول فى الفضاء إذا

وسعها ذلك ، والمجهول فى الفكر والروح أيضا . بمثل هذه الجهود بنيت الممالك الكبيرة وصنعت الامبراطوريات وانتشرت العقائد التى تضم الملايين من البشر والعديد من الشعوب . وتمت الكشوف الجغرافية والعلمية - وأصبح عالم الافلاك موضوعا للمراقبة والبحث ثم أصبح فى ايامنا هذه هدف لعمليات غزو كبيرة .

والحقيقة ان الدوافع العميقة التى كانت تحرك الاساطيل البحرية الحربية والتجارية عند اليونانيين القدماء ، والتي كانت تحرك الجيوش البرة والاساطيل البحرية عند العرب المسلمين ، والتى حركت وتحرك حتى اليوم اساطيل الغرب فى البحر والجو . ولا سيما فى الفضاء الخارجي ، هي دوافع واحدة من حيث انها التعبير عن الاحساس العميق بالمحتوى الرسالى الذى تحفل به نفوس اصحابه .

* * * ان الثابت أن الذين غزوا العالم واقتحموا الأرض المجهولة بعيدا عن ترابهم الوطني ومساقط رؤوسهم هم الناس الاقوياء الذين يتمتعون بصحة نفسية وبمستوى معنوى رفيع بالاضافة الى قوة جدية فائقة .

ويتساوى فى هذا التقدير كل الموجات البشرية أكانت موجات ذات طابع فكرى ثابت وعقيدة واضحة المعالم أو كانت موجات ذات طابع فكرى قلق وعقيدة غامضة المعالم . أى أن موجات الهجرات البربرية كانت ولا تزال كموجات الهجرات ذات الاغراض الاعمارية والاطماح الفكرية والدينية من حيث انها تعبير عن وجود فائض فى الطاقات البشرية عند هؤلاء الناس .

ولكن هذه الموجات لا تلبث بعد ذلك ان تجد احدى نهايتين اثنتين ، فاما ان تنهار وتضيع طاقاتها حين تبلغ مداها الطبيعي وهي احدى النهايتين .

وإما أن تحتفظ بهذه الطاقات فتنفقها فى ضوء خطة عقلانية وتبذلها في خساب دقيق لتحقيق اغراض اقتصادية اجتماعية وفكرية ونفسية خاصة وهى ثانية النهايتين .

النهاية الاولى هى نهاية موجات البرابرة التى تفتقد الاطار الفكرى والخطة العقلانية والامال والاطماح الروحية وبالتالى تفتقد الرؤية الكونية الواضحة . والنهاية الثانية هي العكس تماما .

هكذا كانت موجات المغول بقيادة اتيلا فى القرن الرابع الميلادى وقد انتهت بها حضارة الامبراطورية الرومانية الغربية . ومثلها كانت موجات الغزاة الذين كان على رأسهم كل من جنكيز خان وهو لاكو ثم تيمور لنك وانتهت بها حضارة المسلمين . بينما تحولت مقدرات العالم وتحققت له نهضة واسعة فى مختلف ميادين النشاط الانسانى حين انطلقت فيالق اليونانيين - المقدونيين ومن راقفهم من العلماء والدعاة والكهنة . وحدث مثل ذلك حين بدأت الموجات العربية الاسلامية تهاجر الى الدنيا حاملة معها رسالتها الدينية ورؤيتها الكونية الخاصة وكذلك الشأن بالنسبة الى الموجة الغريبة الحديثة .

وملاك الامر فى هذه الهجرات أن البربرية منها لا تملك خطة عقلانية واضحة وليست ذات اطار معلوم . بينما تتمتع الثانية بهذا الاطار وبتلك الخطة .

والملاحظ ان الموجات ذات الخطة العقلانية والرؤية الكونية تبقى محتفظة بتفوقها وسلطانها ونفوذها ما دامت محتفظة بالاطار الذى صنعته لنفسها . فاذا فقدت هذا الاطار واستهلكت محتواه وضاعت رؤيتها الكونية فقد فقدت سلطانها وقدرتها على الاستجابة للتحديات الخارجية .

فى ضوء هذه الصورة لا بد هنا أن يقسم شبنغل كل موجة بشرية بناءة الى قسمين : قسم حضارى يتميز بالافكار النظرية الكبيرة وبتكاثر الاطماح العظيمة وتزايد الابطال وتعدد التضحيات وبالانتصارات . وقسم مدنى يتميز بالعقل العمل والاهتمام بالجزئيات والدقائق والتنظيم والجوانب الشكلية .

ويعتبر شبنغلر ان القسم الثاني اى القسم المدنى هو مقدمة لافلاس اصحاب هذه الحضارة .

ومهما يكن حظ الرأى الذى ينادى شبغلر من الصحة فان الثابت ان الافكار الكبيرة ذات الطابع الرسالى العالمى هى التى تميز بداية كل موجة حضارية فتية وان عصر البطولات والكشوف الكبيرة هو عصر هذه الافكار .

وقد يكون من المفيد جدا ان نسجل التلازم الضرورى بين الرؤية الكونية والاطار الذى تتشكل به فكرا وعقيدة وسلوكا واخلاقا . فالرؤية فى واقع الحضارة ليست " هيولى " غامضة المعالم ضائعة الحدود . انها ذات صورة بينة الابعاد والتجربه وحدها هى التى تمنحها هذه الصورة ومن الممكن أن نطلق على هذه التجربة اسم الثقافة .

والتمييز هنا بين الثقافة والرؤية الكونية عند الأمة ذات الحضارة هو فى الحقيقة تمييز نظري . اذ لا ثقافة حقيقية دون رؤية كونية والرؤية الكونية تفقد فاعليتها حين لا يكون لها اطار ثقافى تصنعه التجربة الاصيلة للأمة .

* * * ولما كانت مصادر التجربة ومقوماتها الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية متنوعة فقد وجب ان يكون الاطار الثقافي موصولا بهذه المقومات ومتأثرا بها .

ان من الطبيعى مثلا ان تكون للصحراء وظروفها الاقتصادية ونظمها الاجتماعية وطبيعتها الجغرافية موجاتها التى تختلف اختلافا تاما عن الموجات التى تنجم عن ظروف الاقطار الجبلية الباردة المعتمة ومواردها الاقتصادية وطرائق العيش فيها وتقاليدها الاجتماعية والحيالات النابعة منها . فالتباين فى البداية يعني تباينا فى النهاية . والاطار الثقافي الذي تصنعه هذه البداية يجب ان يتخذ لنفسه ابعادا ومقاييس واخلاقا نابعة من هذه البداية بالذات .

واذن فنحن مع دنيا الانسان وفي حضاراته التاريخية أمام مواطن جغرافية متعددة . ولا سيما تلك المواطن التى تعتبر جماهيرها الينبوع البشرى الاول لمجتمع كل حضارة من الحضارات ونحن بالتالى أمام أساطير وعقائد وتقاليد ونظم خاصة بكل موطن من هذه المواطن .

ومهما يكن رأى الرافضين لفاعلية الموطن الجغرافى فان الثابت أن المهاجرين الذين أتوا من الشمال الاوروبى الى ارض اليونان في القرن الثاني عشر قبل الميلاد وقبله قد حملوا معهم رؤية كونية ذات اطار ثقافى صنعته آلهتهم وأساطيرهم التى تتمثل فيها انفعالاتهم وأطماحهم ومآسيهم المختلفة . يقابل هؤلاء المهاجرين ، الشمال اوروبيين ، مهاجرون آخرون صنعتهم الصحراء العربية على عينها ومنحتهم بيئة مغايرة للبيئة الاوروبية يعانون فيها تجربتهم ويصنعون فى ضوئها اطارهم الثقافى .

واذن فنحن لا نخترع الذرة حين تقرر ظاهرة التباين فى الاطار الثقافى لذى تتخلله رؤية كونية كنتيجة لظاهرة الاطار الجغرافي وبالتالى معطياته المادية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها .

يبقى ان نتساءل عن أبعاد كل اطار ثقافى لكل حضارة ذات رؤية كونية .

ما هو عدد هذه الاطارات ؟ وما هى مقومات كل منها ؟

لو عدنا الى ما سجلناه فى الفقرات السابقة لطالعنا رأيان : رأى يقول بظهور ثمانى اطارات ثقافية لثمانى حضارات وهو رأى شبغلر ورأى آخر يقول ظهور ثمانية وعشرين اطارا ثقافيا بقى منها عشرة اطارات بينها اثنان متجمدان وثمانية متحركة فاعلة ، وهو رأى أرنولد توينبى .

وقد حاول كل من المؤرخين الفيلسوفين أن يعين الخصائص المشتركة لكل اطار من الاطارات الثقافية التى ميزها فى تاريخ الحضارات البشرية .

وقد لاحظنا فى معرض المناقشات التى ادارها كل منهما فى تعيين الخصائص وتميز الحضارات أن فى منهجها ما يتجاهل الابعاد الاساسية التى قد تستوعب اكثر من اطار ثقافى واحد لاكثر من حضارة واحدة .

وقد سبق أن ألحنا الى واحدة من الملاحظات المتعلقة بهذا الموضوع حين تعرضنا لما سماه توينبى الحضارة السوفياتية والحضارة الغريبة . وبينا ان العقلية الماركسية التى تحققت في ضوئها الشخصية السوفياتية المعاصرة هى عقلية نابعة من صميم التجربة الغربية وحصيلة للتراث والاطار الغربيين .

ونضيف الى ما سبق أن التشابه بين العقليتين السوفياتية والاميركية الذي تصنعه المنهجية العلمية المادية هو الآية الدامغة على وحدة البنيوع الثقافي لكل من الفريقين رغم المزاعم التى يرددها كل منهما من خلال اجهزته الاعلامية وأبواقه ، لقد متح كل منهما من البئر نفسها واستمد قيمه من المصدر نفسه .

ان عقلية غاليليو ومنهجية فرنسيس بيكون هما اللتان تقفان وراء المنهجية والعقلية عند الفريقين السوفياتى والاميركى .

لقد أصبح العلم المتحرر من أية وصاية ميتا فيزيائية " ماورائية " أكانت هذه الماورائية متجسمة على صورة فلسفية او دينية ، هو المصدر الوحيد لتقيم الاشياء والمعانى . وهو بالذات الذى يبنى عليه الفريقان كل احلامهما المستقبلية .

ثم أصبح كل من المواطنين العاديين السوفياتي والاميركى بخاصة مرغما ، فى ضوء السيادة العلمية المطلقة ، على الاختيار كما يقول ول ديورانت في ص 35 من كتابه " قصة الفلسفة " فى ترجمته العربية بقلم أحمد الشيبانى ،

" بين كهنوت علمى يلوك متمتما بتشاؤمية مبهمة غامضة ، وبين كهنوت لاهوتى يهمهم بآمال غير معقولة ".

وكما سجلنا هذه الظاهرة المشتركة بين الثقافتين السوفياتية والاميركية وهما قطبا العقلية الغربية المعاصرة فاننا نسجل الظاهرة نفسها بالنسبة للثقافات الهندية والصينية واليابانية .

ان القاسم المشترك بين هذه الثقافات هو انها ثقافة سلوكية عملية . ونظرية المعرفة بالنسبة للمفكرين النموذجيين منهم هي كما يقول شبنلغر بصدد الحديث عن الفلاسفة الصينيين " المعرفة بالعلاقات العامة للحياة الواقعية " ( تدهور الغرب الجزء الاول ص 42 ) مع فارق واحد هو أننا نعمم ما يخصصه شبنغلر ونعتبره صفة مشتركة للامم الثلاث : الصينية واليابانية والهندية .

يكفى ان نذكر ان البوذية المادية العملية هى انتاج هندى فى جذورها الاساسية .

يضاف الى ما سبق ان هذه الامم الثلاث تمثل عالما مستقلا عما سواه من عوالم الكرة الارضية ، وتتباين فى تراثها الفكرى ذى الطابع العملى ، فى الدرجة لا فى الطبيعة والجوهر . وتبدو لنا الأمتان البابانية والصينية اكثر نقاربا وتشابها فى اطاريهما الثقافيين منهما بالأمة الهندية لأسباب نعود الى مناقشتها فى فرصة تالية .

* * * واذن فاننا فى ضوء منظورنا الخاص لتوزع الشخصيات الحضارية نقرر ان الأطارات الثقافية للحضارات الأساسية لا تتتجاوز الثلاثة عدا . فهناك ثلاثة اطارات لثلاث حضارات :

1) الاطار الثقافي للحضارة الغربية . 2) الاطار الثقافي للحضارة العربية الاسلامية . 3) الاطار الثقافي للحضارة الشرقية الاسيوية

ومما يلفت النظر ان الحضارتين الاوليين قد نشأتا فى حوض البحر الابيض

المتوسط . الغربية منها نشأت وراء الشواطئ الغربية للمتوسط . والعربية الاسلامية نشأت وراء الشواطئ الشرقية للبحر نفسه ، أما الحضارة الشرقية الاسيوية فهى فى عزلة عن الحضارتين الاوليين وتكاد لا تكون بينها وبينهما أية علاقة اندماجية .

ولم تجر بينها وبينهما مفاعلة عميقة الجذور .

ما نلاحظ ايضا ان الحضارتين الاوليين قد حاولتا ان تمثلا على التوالى دورا قياديا على مستوى عالمي . فقد تعاقبتا منذ بداية التاريخ البشرى المعروف فى طرح فلسفة او دين وحاولتا ان تجعلا من محتواهما خطة تفكير وطريقة عمل وان تكشفا بهما عن رؤيتيهما الكونيتين وان تحرضا العالم كله على تبنى ما تقدمانه من شؤون الفكر والعقيدة بغض النظر عن النتائج المترتبة على هه المحاولات .

أما الحضارة الشرقية فهى لم تسع الى تحقيق هذا الغرض ولم تدفعها الرغبة فى حمل عقائدها وآلهتها ومناهجها الى العالم الخارجي رغم الغزوات العسكرية الكبيرة التى نظمها بعض دولها لاجتياح هذا العالم الخارجي بالذات .

شئ واحد تؤكده الزحوف العسكرية التى خرجت من الشرق الأسيوى هو أنها لا تلبث بعد أن تبلغ أغراضها من الاجتياح والتخريب كما حدث فى عالم الامبراطورية الرومانية وعالم الحضارة الاسلامية ، حتى تتفتت قواها او تعود من حيث أتت دون القيام بأية محاولة عملية لتقديم البديل عن معطيات الحضارة الذاهبة .

ومهما تكن الاسباب الخفية لهذه الظاهرة التى تكررت بقيادة كل من اتيلا ثم جنكيز خان فهولاكو فتيمورلنك فان النتيجة لا تتغير . المهم أن عالم الشرق الاسيوى قد طوى جناحيه على أفكاره وعقائده والهته وضنه بها على الشعوب الموجودة فى حوض البحر الابيض المتوسط وما وراءها من العوالم التابعة لها والمتأثرة بتياراتها الثقافية .

ويحضرنا فى هذه المناسبة رأى رصين للاستاذ مالك بن نبى فى كتابه " نداء الاسلام " (Lo vocation de I'islam) حصر به دور الشرق الأسيوى

فى توجيه طلق الرحمة لأحدى حضارتى المتوسط التى تكون قد استهلكت ذاتها وأفرغتها من محتواها القيادى .

هذا ما فعله آتيلا بالنسبة لحضارة روما الغربية ، فأتيحت للحضارة الاسلامية من بعد فرصة ذهبية لانتزاع المبادرة . وهذا ما فعله كل من جنكيز خان وهولاكو وتيمورلنك بالنسبة للحضارة الاسلامية فأتيحت للحضارة الاوروبية من بعد فرصة نادرة لانتزاع المبادرة ايضا .

وفي تقديرنا ان دور الصين الشعبية فى مستقبل الايام لن يختلف عن دور الغزاة السابقين بالنسبة للحضارة الغربية المعاصرة وبذلك يتم الدور وتنتقل المبادرة الى الفريق الاسلامى .

الشئ الذى لا يقبل المناقشة ، أن اجراء أية تسوية حاسمة للقضاء على التناقض الصينى الغربى أمر غير وارد ابدا . وأن تأجيل الاصطدام هو فرصة للاستعداد عند الفريقين . وان الاصطدام بينهما هو حتمية تفرضها طبيعة الاوضاع الاستراتيجية لكل من الصين اولا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ثانيا .

فى ضوء الملاحظات السابقة يتقرر لدينا أن فى العالم منذ بداية تاريخه البشرى المعروف ثلاث حضارات . اثنتان منهما ايجابيتان تتبادلان القيادة على مستوى عالمى والثالثة سلبية يقتصر دورها على توجيه طلق الرحمة ثم العودة الى مواطنها الاساسية .

يبقى ان نناقش المقومات الاساسية لكل من الاطارات الثقافية لهذه الحضارات الثلاث وهو موضوع الحلقة القادمة ان شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية