الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الفكر والحضارة *، الاسطورة والأيمان

Share

-3-

كما أن الفكر تراث بشرى فالاسطورة تراث بشرى ايضا .

والحقيقة ان الفرق بين الاسطورة والفكر هو فرق فى الدرجة لا فى الطبيعة والجوهر .

الاسطورة فكر بدائى نابع من الخيال المحض المتأثر بالانفعالات الفطرية العنيفة .

فاذا ارتفع الانسان فى مناقشته للأشياء والمجاهيل من حوله بدأ يصنع الفكر المتقدم فى ضوء منهجية معينة وخطة خاصة فى المقارنة والتمييز والوصف .

ولما كانت الاسطورة هى احد موضوعى هذه المقالة فاننا سنقتصر على لتعرض لها والتعرف الى دورها فى تاريخ الحضارات البشرية .

والواقع ان الاسطورة كانت ولا تزال نصيبا مشتركا بين الشعوب ولكن هذا النصيب يتباين تباينا شديدا بين شعب وآخر . بينما هى عند شعب أو مجموعة من الشعوب تراث يسير مع اصحابه على امتداد القرون ويتفرد فى تشكيل البناء النحتى ( infrastructure ) لثقافتهم وتنطلق منه مواكبهم الثقافى فكرا وفلسفة ومواقف اخلاقية ونفسية ؛ إذا بها عند شعب او مجموعة من الشعوب الاخرى تبدو فقيرة المحتوى باهتة الالوان قليلة التنوع فلا تلبث بعد عدد من القرون تقل او تكثر حتى تصبح شيئا فى حاشية الوعى الثقافى وظاهرة ثانوية فى المواكب الفكرية لهذه الشعوب .

ومن هنا عرفنا مثلا أن للشعب اليونانى بخاصة ثروة اسطورية تكاد لا تشبهها ثروة عند الشعوب الاخرى . فقد صنع هذا الشعبأدبه الملحمى من مادة الاسطورة . وكانت له بفضلها ملحمة الألياذة التى لا تحتاج الى تعريف . وفى استطاعت هذه القصيدة الطويلة المنسوبة الى هوميروس ان تلعب دورا خطيرا فى تاريخ الاداب اليونانية اولا ثم فى تاريخ الاداب الرومانية اللاتينية ومن ثم في تاريخ الادب الاوروبى بعد عصر النهضة . وطبعت كل هذه الاداب وطابعها الخاص وتركت فيها اثارا تفرض على الناقد والمؤرخ أن يجدا فيها ايه على وحدة المسيرة التى بدأت في القرن الثانى عشر قبل الميلاد حتى القرن العشرين بعده .

يحدث هذا رغم التيارات الفكرية والروحية والادبية التى تأثر بها اصحاب هذه المسيرة بسبب المفاعلات التى تمت وتتم بينهم وبين موجات الحصاره الاجنبة .

وقد عرف أدب الاسطورة اليونانية اللاتينية غير الالياذه فهناك الاوديسة والانيادة . ولكن هاتين الملحمتين تهبطان عن مستوى الملحمة الاولى من حيث القوة والعفوية والحرارة .

ومن هنا أيضا عرفنا الملحمة الاسطورية عند الهنود . وتبدو ملحمه "الهابهارتا " فى مقدمة النتاج الشعرى الذى تفردت الاسطورة الهندية الفنية فى تغذيته وتحقيق ابعاده .

كما ظهرت الاسطورة بكامل قوتها وفاعليتها فى مختلف البلدان الشرقية الاسوية ولا سيما فى الصين واليابان . وقد ساعدت التقاليد والطقوس ذات المحتوى الاخلاقى القوى على منح هذه الاسطورة قدرة فائقة على النمو والاستمرار والقوة .

أما في منطقة الشرق الاوسط ولا سيما فى حوض الجزيرة العربية فان الاسطورة لم تستطع أن تحتفظ بقوتها ويغنى المحتوى فيها بمثل ما احتفظت به فى غيرها من بلدان العالم .

ونحن لا نعنى بذلك أن الجزيرة العربية لم تعرف الاسطورة فى تاريخها لكننا نعنى ان ثقافة الجزيرة الاسطورية لم تلبث حتى ضعفت وتبددت وأصبحت

ظاهرة جانبية فى حياة الشعب العربى الاخلاقية والروحية والفكرية ولا سيما حينما ظهرت الدعوة الاسلامية التى شجبت العقل الاسطورى شجبا تاما ووجهت عقول المسلمين توجيها منهجيا واقعيا وجنبته خيالات الاسطورة ومواقف الانفعالية الغيبية .

والملاحظ ان هناك قرابة وثيقة بين الاسطورة والوثنية . فالاسطورة شبح يصنعه الخيال ثم لا يلبث ان يسقطه هذا الخيال نفسه فى انصاب الوثنية وشخوصها ويجسمه فى طقوسها المسرحية .

والمسرح اليونانى كما نعرف هو فى حقيقته منذ بداية ظهوره حتى وقت متاخر جدا نوع من الطقوس تجرى ارضاء للآلهة - مادة الاسطورة - ومن التقاليد التى وضعت للاحتفال بأيام هذه الالهة بالذات .

هذه ظاهرات نشهدها فى تاريخ الوثنية اليونانية واللاتينية كما نشهدها بكامل ابعادها الانفعالية والطقسية فى بلدان الشرق الاسيوى الوثنى ايضا .

ولا شك ان الطقوس المعقدة التى لحقت عبادة الاوروبيين وأصبحت منها شيئا فى صميم التراث الدينى بعد دخول المسيحية الى القارة الغربية وتغلغلها فى العالم العربى كله ، هى أثر قوى جدا من أثار العقلية الاسطورية الوثنية التى ظهرت فى تاريخ اليونان الاولية .

* * *  ويقابل هذه الحقيقة الثابتة ظاهرة خاصة تستتقل بها الجزيرة العربية فالثابت أن جاهلية الجزيرة لم تعرف الاسطورة كتراث ثقافى لها ولم تكن معلاقتها بالاوثان وبما ترمز اليه من الابعاد الفنية والفكرية والاخلاقية علاقة وثيقة قوية .

ومما يؤكد ظاهرة الانفصام بين الوثنية - الاسطورية وبين جاهلية الجزيرة العربيه ما تقوله الرواية التاريخية من أن عبادة الاوثان قد نقلت عن طريق قصى أحد الاجداد الاقربين لمحمد بن عبد الله عليه السلام . فقد ذكرت الرواية أنه خرج فى تجارة له الى بلاد الشام فوجد الناس فيها يعبدون شخوصا من الاحجار وانصابا مختلفة فاعجب بهذه العبادة وحمل معه بعض شخوصها الى وادى مكة .

ومهما يكن نصيب هذه الرواية من الصحة فان فقر الجاهليين الاسطورى

وفى أدبهم و فى بنائهم اللغوى نفسه دليل واضح لا يرد على حداثه عهدهم بهذه العبادة وعلى ان طقوسها ومعانيها أشياء مستوردة لم تلعب أى دور فى تشغيل تراثهم الادبى .

وهذا منهم السر في افتقاد الجاهليين للمسرح وفى رفض احفادهم بعد ظهور الاسلامية لتراث اليونان الادبى وفى عدم تذوقهم لقيم اليونان الجمالية والفنية .

لقد احتفظ الادب الجاهلى بعموده الشعرى وواقعية صوره وطرائق مواجهته لاشياء الطبيعة ومشكلات الانسان لانه أصر على الاحتفاظ بأصالته الحضارية .

وكل ما يقال اليوم بصدد فقدان الادب العربى لتراث الملاحم والمسرح وقدان العمارة العربية للتماثيل والجماليات اليونانية ، على طريقة من يحاول لن يحد العذر للعرب ويحض الناس على اتخاذ الخطة الغربية فى التعبير عن القيم الفنية والأدبية والمعمارية ، هو فى الحقيقة آية وعلامة على ضياع الشخصية العربية وأصالتها عند الدعاة من أبنائها لمثل هذه الاداب والفنون .

هكذا تتعين أمامنا حقيقة ثابتة . حقيقة أن الاسطورة هى الينبوع الذى نشأ عنه المسرح اليونانى ثم العربى ومثله السرح الدينى فى الشرق الاسيوى ثم المهرجانات ذات الطابع الوثنى عند الغرب والشرق . كما أن الاسطوره هى بنبوع الملاحم ذات الطابع الاسطورى المعروف .

أن نتحدث عن ظاهرة هامة نشأت عن الاسطورة . فالثابت أن الخيال الاسطورى لم يستطع أن يعى اللانهاية وأن يتصور الخلود الابدى حتى للآلهة التى ابتدعها ذلك ان هذه الآلهة كانت فى محتواها الحقيقى ناسا متفوقين يتمتعون بقدرات استثنائية . فهم بشر فوق البشر . ولكن اخلاقهم وصفانهم وخصائصهم النفسية والعلاقات بين بعضهم والبعض كلها ظاهرات بشرية . يضاف الى ذلك ان نظام هذه الكائنات المتفوقة نظام هرمى تماما كنظام البشر . ففيهم رب الارباب الذى يقابل الملك أو رئيس الدولة فى حياة الناس . وفيهم بعد ذلك طبقات تتفاوت نفوذا وسلطانا وأهمية كما يتفاوت الناس فى طبقاتهم .

ومهما عظمت أهمية هؤلاء الألهة فانهم بقوا فى خيال من صنعهم وابتدعهم

كائنات خاضعة فى آخر المطاف لحتمية الكون والفساد . ولما كان الكون والفساد دلالة على وجود قوة خارقة تفرض الحياة والموت والوجود والعدم فان من الطبيعى أن تكون هذه القوة من وراء كل الموجودات وان تكون الغالبة على كل شئ .

هذه القوة أطلق عليها اليونان اسم " القدر " . وتصوروها عالما غامضا رهيبا خالدا عابثا يلهو بالكائنات كلها من جماد وحيوان وانسان وارباب أيضا . إنها ظاهرة مرعبة . وتزيد الرهبة منها كلما تزايد تعلق الانسان بالحياة . أما العلاقة بين الكائنات كلها وبين القدر فهى علاقة صراع ينتهى دائما بمأساة يذهب ضحيتها الانسان فالقدر هو مأساة الجميع . . والجميع الى زوال . . والجميع يكافحون من أجل البقاء فى يأس وصلابة واستمرار . وهم يفعلون هذا فى الوقت الذى يدركون فيه مصيرهم المأوى مسبقا ويوقنون بأن يد القدر يد لا ترحم ولا تلين كما لا تتردد فى تحقيق رغباتها الثابته التى تتلخص فى القضاء على الجميع عابثة لاهية فى غير جد ولغير غاية غير اثبات الذات .

وكان من النتائج المترتبة عن ضياع الثقة بين الانسان اليونانى وأحفاده من اللاتين والغربيين المحدثين وبين القدر الغاشم العابث انهم قد وجدو انفسهم فى موقف لا عون لهم فيه غير تجاربهم المادية والوقائع التى تحيط بهم من كل جانب ولا ملجأ لهم غير الخيال الذى يستمدون مادته من هذه الوقائع والتجارب بالذات .

من هنا راحوا يبحثون عن الحقيقة فى هذه وتلك من المظاهرات المادية . وكانت أول خطوة ايجابية منهجية فى تفسير الوجود من حولهم ، خطوة عقلية مادية كما أن خطواتهم الاخيرة التى سجوها بعد خمسة وعشرين قرنا من السنين هى خطوة عقلية مادية ايضا .

الفرق بين جدلية هيراقليطس اليونانى وهيجل الالمانى ثم كارل ماركس النمساوى هو فرق فى الدرجة لا فى الطبيعة والجوهر . . لقد وجد الثلاثة نفسه امام طبيعة تنساب فى الزمان والمكان متغيرة متبدلة دون انقطاع . ووجدوا ظاهرة الانسياب التى يرافقها التغير والتبدل حقيقة واضحه فى حياة الفرد وهى أكثر وضوحا فى حياة المجتمع . كل ما فى الامر ان حصيلة كل منهم مختلفة عن حصيلة الآخر فى مادتهم الثقافية والتجارب التى عاينوها او تأثروا بها .

ويبدو لنا هذا التماثل بين أرسطو وفرنسيس بيكون . الاول يونانى عاش فى القرن الرابع قبل الميلاد والثانى انكليزى عاش فى القرن السادس عشر بعد الميلاد . وما سجله أرسطو من المهارة العقلية والتنظيم المنطقى لم يجاوز به أبعاد المادة أبدا . فاعظم ما حققه العقل اليونانى هو شئ من أشياء المهارة العقلية تماما كما فعل العقل الغربى الحديث عند مفكر كفرنسيس بيكون حتى الاله الواحد الذى وصل اليه المفكر ان بقى فى حقيقته مخلوقا عقليا فيه برود المنطق وجهامته ومحاولاته الرياضية ، فهو كائن خاضع للعبة العقل وأثر من آثاره لا حقيقة متفوقة عليه .

من هنا جاء ما قرره ويل ديورارنت من ان الفلسفة اليونانية الغربية قد نبعث من الاسطورة أى من تلك القوى الغيبية التى اعتمدها العقل واستعان بها لتفسير المجاهيل من حوله .

واذا كانت الاسطورة هى المادة الثقافية التى خرجت منها فلسفة الغربى ابتداء من العصور اليونانية السحيقة ، فان هذه الاسطورة بالذات كانت و لا تزال المادة الثقافية للنظم الاخلاقية المتزمتة التى عرفت فى تراث الحضارة الاسيوية الشرقية . اليونانى حاول القفز من الاسطورة الى المهارة العقلية وأوجد نظرية فى المعرفة تتميز بالنشاط العقلى البحت . والاسيوى الشرقى قفز من الاسطورة الى نظام اخلاقى عملى متزمت حاول ان يجعل منه وسيلته للاتحاد بعالم الاسطورة الذى ابتدعه خياله .

الاول جعل من الفلسفة النظرية وسيلته لاقتحام المجهول الاسطورى والثانى جعل من السلوك الاخلاقى العملى وسيلته للاتحاد بهذا المجهول الاسطورى بالذات ويبقى كلاهما فى بنائهما الثقافى التحتى عيلة على الاسطورة وحسب .

وقد نتج عن ردود الافعال المتباينة عند الفريقين أن الاول ، اى اليونانى - الغربى ، قد تصرف تصرف من لم يجد جوهر المعرفة الا فى المادة حين وضع فلسفاته النظرية ، وان الثانى ، اى الاسيوى الشرقى ، قد تصرف تصرف من لم يجد جوهر المعرفة الا فى التغلب على المادة ومقاومة أثرها فى نفسه بوضع نظام اخلاقى سلوكى . فكان المثل الاعلى عند الاول هو أن يشكل نفسه على صورة المادة وكان المثل الأعلى عند الثانى هو أن يشكل نفسه على صورة الهارب من المادة والباحث عن العالم الاسطورى الذى يعتقد أن الاتحاد به هو طريقه الى

الخلاص . أما الصفة المشتركة بينهما فهى القلق والصراع مع المجهول والاحساس بالالم المأسوى الذى يتميز به مصيرهما فى نهاية المطاف .

اذا كانت الظروف المناخية الجغرافية عند الغربى والاسيوى الشرقى هى مصدر الاسطورة فان هذه الظروف بالذات عند ساكن الجزيرة العربية كانا مصدرا لفقر ثقافته الاسطورية .

وماذا فى مثل صحراء الجزيرة غير الليل الساجى والنهار القائظ والطبيعة الهادئة ؟ الصحراء فاقدة لكل التلاوين التى تحدثها طبيعة حافلة بالجبال والوديان والغابات الكثيفة وفى مناخها الثابت الذى يتصف بالوضوح والصفاء ما يميزها عن المناخات العاصفة الممطرة فى المناطق الجبلية الرهيبة فى الشمال الاوروبى ، المصدر الاساسى للهجرات البشرية النازحة نحو الجنوب الغربى او الجنوب الشرقى من القارة الاوروبية .

فى الطبيعة الاوروبية يبدو الكون المجهول ينبوعا لرعب دائم وأخطار مستمرة وخيالات رهيبة . وفى طبيعة الجزيرة العربية يبدو الكون ينبوعا لنوع من الطمأنينة والثبات والبساطة والوضوح . حتى لتبدو هذه الجزيرة أشبه بالتلسكوب الموجه نحو كون لا نهائى واضح الابعاد هادئ المعالم عميق الغور .

الخيال فى الطبيعة الاولى يعمل بقوة وتمر على شاشته الآف من الصور الغريبة . بينما الخيال فى الطبيعة الثانية يعمل ببطء شديد وتستبين له وحده الكون فى بساطة فائقة .

فى ضوء هذا الواقع الصحراوى تحققت مصالحة عميقة بين الانسان والمجهول وبالتالى بين الانسان ونفسه وهى تقابل التناقض العنيف الذى بدا بين انسان الطبيعية الجبلية العاصفة برياحها وأمطارها وثلوجها والمجهول الذى ترفرف اليه وبالتالى بين الانسان ونفسه .

ومن هنا حقق انسان الجزيرة قفزة عالية نحو مستوى من الوعى وتكونت له رؤية كونية وجد نفسه معها فى غنى عن تلك المهارة العقلية المعقدة التى ألجئ اليها انسان الطبيعة الطبيعة الاوروبية . وكان من نتائج هذه الرؤية أن انسان الجزيرة العربية قد اكتشف وحدانية المجهول وسلطانه فى خطوات متدرجة ونشأت بهذا الاكتشاف ظاهرة الايمان بالآله الواحد الخالق لكل شئ والمنزه عن نناقضات الانسان وتفاهاته ومخاوفه وقلقه وصراعاته . .

فلا عجب بعد ذلك ان يكون الايمان الذى هو حصيلة الرؤية الكونية عند انسان الجزيرة العربية ، مقابل الاسطورة التى هى حصيلة الغموض والمخاوف والمفاجآت في طبيعة جبلية معقدة مغطاة بالغابات متعرضة لعواصف الرياح والثلوج والعناصر المختلفة .

واذا كانت الاسطورة هى المادة الثقافية لفلسفة العقل عند الغربيين ، أو هي المادة الثقافية للنظم الاخلاقية العملية المتزمتة عند الاسيويين ، فان الايمان هو الينبوع الذى خرج منه الدين العربى .

هذا هو التفسير الوحيد والممكن لظهور الانبياء ولنمو الدين الموحد وللار العميق بين الانسان فى الجزيرة وبين الله .

ومن هنا كانت عبقرية الغربى هى عبقرية الفيلسوف وكانت عبقرية الأسيوى الشرقى هى عبقرية الاخلاقى المتطرف فى تزمته ثم كانت عبقرية العربى هى عبقرية النبوة ..

ثلاثة أنواع من الابطال ظهروا على امتداد القرون وتفجرت بهم عبقريات ثلاثة أنواع من الحضارات :

أبطال فلاسفة فى الغرب  . .  أبطال أنبياء فى الجزيرة العربية . . أبطال اخلاقيون اجتماعيون فى آسيا الشرقية . .

وبهذه الارتال الثلاثة من الرجال تكشفت ألوان الفكر البشرى فى مسيرة حضارات ثلاث .

مع الفلاسفة كانت حضارة الثقافة التى اعتبرت المعرفة العقلية النظرية لنابعة من الوقائع المادية طريقة وحيدة للوصول الى الحقيقة .

ومع الانبياء كانت حضارة الانسان التى تكاملت شخصيتها فى الدعوة الدينية الاسلامية وهى دعوة وقفت بالعقل عند حدود التجربة العلمية وجعلت من الايمان صلة بينه وبين الله الواحد الذى ليس كمثله شئ فى السموات والارض وما بينهما .

وبذلك حققت نوعا من التوازن العملى بين العقل الذى يتعلم من الطبيعة

ويقف عندها وبين رؤية الروح الكونية التى تتصل بالوجود الالهى الواحد وتتمثل فى الايمان .

ومع الاخلاقيين الاجتماعيين كانت حضارة الخلاص التى يرفض اصحابها كل نظريات المعرفة عند العقل الفلسفى الغرب والتى يجهلون معها الرؤية الكونية المتصلة بالوجود الآلهى عند العربى ، والتى يتلخص المثل الاعلى بها عندهم فى الهروب من عالم المادة هروبا تتباين صوره وتختلف أساليبه ولكنه ينتهى أخيرا الى تحقيق معنى الخلاص من عالم الاحياء والاتحاد بعالم الاسطورة الذى هو قاعدتهم الثقافية الاساسية .

والملاحظ ان لكل بطولة من هذه البطولات دورها فى صنع مصير العالم ونسج خيوط التاريخ البشرى . وفى اليوم الذى يفتقد فيه العالم واحدة من هذه البطولات تتغير الموازين وتجد البشرية نفسها مرغمة على بناء توازن جديد بين ثقافاتها المختلفة .

حقيقة أساسية نخرج بها من المقالات الثلاث التى ناقشنا فيها موضوع الفكر والحضارة هى أن العرب اليوم وقد اجتاحتهم ثقافة الغرب وكادت تدل معالمهم الفكرية يجدون أنفسهم أمام مسؤولية خطيرة هى الاحتفاظ بسيادتها الحضارية والحفاظ على تراثهم الدينى والعودة الى شق طريقهم الاصيلة فى زحم الطوفان الاعلامى الذى ينقض عليهم من كل أقطارهم .

لقد استطاع هذا الطوفان أن يمحو معالم هذه الطريق ويملأ الرحب من أرض العرب بخليط من الانقاض والسلع والأشياء الغريبة حتى كادوا يفقدون معه القدرة على تميز ما لهم وما ليس منهم فهم فى متاهة ضاعت فيها الشواهد والصور وتداخلت فيها الصور وتشابهت المشاهد .

والمتاهة هنا تعنى ضياع القضية الحضارية الواضحة . . ويوم لا تكون للأمة قضيتها المحددة الابعاد تفقد رجولتها وارادتها فى الكفاح .

الانسان يموت أو يصبح شبيها بالاموات حين لا تكون له قضية تبرر وجوده وتمنحه القدرة على تعيين مواطئ قدميه وتبين له معالم الطريق وتعين له الغرض من كفاحه .

وقد كتب فى لوح القدر أن يكون لنا الايمان بالله مادة لثقافتنا وان يكون

الاسلام حاملا لتراثنا فلا يبقى علينا غير ان نستوعب ما يحمله لنا الغرباء نسقطه فى مكانه من هذا التراث وذلك الايمان بعد ان نتمثله ونجعله شيئا من أشياء تجربنا الحضارية الاصيلة . . .

وبذلك نخالف رأى القائلين برفض الاشياء والمواقف المستوردة كما نرفض رأى القائلين بالاقبال دون تمييز على تبنى هذه المواقف وتلك الاشياء .

المهم هو ان نصنع وجودنا فى ضوء حقيقتنا الحضارية المرتكزة الى تراثنا الاسلامى كخطة عمل وكمواقف اخلاقية وكتجارب انسانية والى رؤيتنا الكونية المتمثلة فى ايماننا بالله . .

ولعل مانعانيه من مأساة التمزق الداخلى ان يكون الآية على بداية الطريق الى الذات . الطريق التى تبحث فيها الأمة عن حجمها الحقيقى وعن أبعادها فى ضوء رؤية تاريخية سوية . . (*)

اشترك في نشرتنا البريدية