الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

"الفكر" والرسالة

Share

مجلة ( الفكر ) منارة ثقافية ، وما أقل المنائر التى يهتدى الناس بنورها .

وما أنبل الرسالات التى يؤديها رجال الفكر والأدب ، ليثروا الانسانية بمعانى الخير والحق والجمال .

ان عمر المجلات الادبية قصير . أغلب هذه المجلات تحتجب بعد صدرها بفترة قصيرة . وكل من يقدم على اصدار مجلة أدبية ، يعد فارسا من طراز قريد . لهذا نذكر جهاد الاستاذ أحمد حسن الزيات فى اصدار مجلة ( الرساله ) ، التى تمثل علامة بارزة فى الصحافة الادبية ، لا فى مصر وحدها ، وانما فى العالم العربى من مشرقه الى مغربه . كما نذكر الاستاذ ألبير أديب ، واصراره العنيد على اصدار مجلة ( الأديب ) ، برغم ظروف الحرب الاهليه فى لبنان ، وبرغم اعتلال صحته وضعف بصره . لقد عاشت ( الأديب ) أربعين عاما ونيفا . وسهر صاحبها على رعايتها حتى آخر رمق فى حياته . ولو شئنا الحديث عن المجلات الادبية التى شاء حظها العاثر أن تتوقف عن الصدور ولم تحقق رسالتها بعد ، لضاق نطاق المقال . وما أحب أن أذكره هنا ، يتعلق بالصعوبة والمعاناة حين يتولى شخص اصدار مجلة أدبية ، ما لم يتسلح صاحب المجلة الادبية بالعزيمة والاصرار والايمان برسالة الادب والفكر . كما أصبح اصدار مجلة أدبية عملا شائكا فى ظل ظروف عصرنا الموار الذى يتسم بالايقاع السريع ، وانصراف الناس الى المادة وجمع الثروات . اننا نعيش عصر التقدم العلمى السريع ، ولابد للصحافة الادبيه أن توائم بين رسالتها وبين حاجة الناس ، بحيث لا ينعزل الاديب عن قضايا المجتمع وهموم الانسان . فعصرنا هو عصر الاليكترونات وبنوك

المعلومات وعلوم الفضاء . وينبغى للادب أن يؤدى رسالته كاملة ، فى ظل متغيرات العصر . وما دام الادب يهتم بقضايا الانسان ، فانه سيظل دائما ضرورة من ضرورات الانسان ، مهما تغيرت الاعصر والدهور ، أو اشتدت الازمات واختلت الموازين . فالاددب لغة الوجدان والاحاسيس والمشاعر .

ولقد واصلت مجلة ( الفكر ) طريقها الصعب بثقة واعتداد . متجددة فى كل عدد . وعلى صفحاتها تثار القضايا الحيوية . كافحت الظروف المناوئة ، وعانت الكثير من أجل رسالتها السامية . يحدوها أمل كبير فى تحقيق الرسالة وأداء الأمانة . وكان اصرار الاستاذ محمد مزالى على اصدار المجلة فى موعدها دون انقطاع ، اصرارا على القيمة والمعنى ، اصرارا على الفكرة والكلمة ، اصرارا على قبول التحدى . حتى أصبحت مجلة ( الفكر ) منارة ثقافية تهدى شداة الادب وتنير لهم الطريق .

سعت ( الفكر ) الى التواصل الثقافى بين أقطار المشرق والمغرب .

وأدركت أهمية هذا التواصل ، كى تحمى نفسها من العزلة الفكرية والثقافية، ففتحت صفحاتها للادباء العرب فى المشرق والمغرب . وسعت جاهدة لفتح منافذ التوزيع في البلاد العربية ، حتى صارت ( الفكر ) مجلة الادباء والمثقفين العرب ، يحرص عليها كل أديب ومثقف ، بنفس حرص المجلة على قرائها .

وفى اعداد السنوات الاخيرة ، حرصت ( الفكر ) على نشر الكتابات المصرية بأقلام الدكاترة محمد عبد المنعم خفاجى ومختار الوكيل وعبد العزيز شرف وصلاح عدس والادباء ملك عبد العزيز وعامر محمد بحيرى ووديع فلسطين ورابح لطفى جمعة وفوزى عبد القادر الميلادى ومفرح كريم وأحمد فضل شبلول وصاحب هذه السطور .

الفكر ، المنارة الثقافية ، مجلة الادباء والمفكرين العرب ، وغاية منشودة لكل صاحب قلم صادق وأمين . ترحب ( الفكر ) بكل الآراء البناءة وتعتبر الحرية ديدنها ، بما يثرى الفكر ويعمق التجربة الابداعية . ان صاحب ( الفكر ) الاستاذ محمد مزالى ، قد اختار الفكر الحر المستنير اتجاها ومنهاجا، فالحرية هى القادرة على مواجهة متغيرات الحياة وتقلبات الزمن ، وهى الضمان لأداء الرسالة على خير وجه .

الفكر ، المنارة الثقافية ، تؤمن بالحرية . فثراء الفكر فى تنوعه وتجديده ، وليس فى تقييده وجعله أسير فكرة تستبد بالعقول وتخدع البصيرة .

الفكر ، المنارة الثقافية التونسية ، يستقطب ضوؤها الاقلام العربية .

ولدت مثلما يولد النبت الاخضر فى الارض التونسية ،فيجد من يرعاه حتى ينمو ويكبر . ولقد تزامن صدور المجلة مع حصول تونس على استقلالها ، فأملت مرحلة ما بعد الاستقلال على المجلة سياستها ، والوقوف الى جانب قضايا الشعب الملحة . ومن يقرأ افتتاحيات الاستاذ محمد مزالى ومقالاته ، يجده غير منبهر بحضارة الغرب ، معتزا كل الاعتزاز بأصالة المقومات الحضارية فى بلده . فكتب ينذر بانهيار حضارة الغرب المادية ، ويشيد بالحضارة العربية الاسلامية . فالحضارة المرتكزة على القيم الروحية هى الأبقى والأخلد . انه راهن على مستقبل الوطن الذى يبتغيه حرا مستقلا ، وآثر العظمة على السعادة . خاض معركة التعريب وشاركه مفكرون وأدباء ، منهم : محمد الفاضل بن عاشور والبشير بن سلامه وأبو القاسم محمد كرو ومحمد العروسى المطوى وغيرهم .

كانت المهمة شاقة ، اذ من الصعب التخلص من رواسب الاستعمار الذى فرض التجنس وحاول طمس الهوية التونسية . ولم يكن المقصود بالدعوة الى التعريب ، تعريب اللسان فقط ، وانما تعريب التفكير . فقد اتجه الفكر الى الثقافة الفرنسية فى الأغلب الأعم ، أو هكذا صارت أحوال البلاد . وكان لابد لهذه الدعوة من ارادة صلبة ، فضمن مقالاته تلك الصرخة الشابية المدوية ، بأن القدر يستجيب لارادة الشعوب المؤمنة بعداله قضيتها

لهم المغامرة الابداعية ، فنقرأ تجارب قصصية وشعريه ، ونتوقف عند الجديد الجدير بالقراءة . انها خطوة موفقة من الاستاذين محمد مزالى والبشير بن سلامه فى نشر الادب التجريبى ، نابذين التعصب لاتجاه أدبى دون سواه .

وأصبحت المجلة نافذة مفتوحة لكل ذى موهبة أصيلة أمثال : نعيمة الصيد وبنت البحر والصادق شرف ويوسف رزقه وعبد الله مالك القاسمى وفتحى لواتى وغيرهم .

الفكر ، المناوة الثقافية ، تواصل (( النضال المقدس من أجل محو آثار الاحقاد الدفينة والتنبيه الى وحدة المصير وروعة العمل من أجل كرامة

الانسان فى كل مكان )) (I) . وليس أدل من هذه الكلمات البليغة للاستاذ محمد مزالى ، تصويرا لرسالة الفكر .

وما لم تدعم الدولة الصحافة الادبية ، فانها تعتمد على جهود فردية تسير فى طريق وعرة وشاقة فتتعثر وتتوقف . وقليلة هى الحالات التى ينجح فيها أفراد بجهدهم الصادق الخلاق ، وايمانهم برسالة الادب ، وكونه ضمير الامة واللسان المعبر عن آمالها وآلامها . والمثل فى هذا ما حققه الاستاذ أحمد حسن الزيات عندما أصدر مجلة ( الرسالة ) عام 1933 بجهد فردى . وكان )) يعمل فى الرسالة محررا ومصححا ومديرا ومنظما ومديرا للبيع ، وحاسبا ومطلعا ومنقحا لأبوابها ، ومجيبا على رسائل قرائها (( (2) . كذلك نجح الاستاذ محمد مزالى فى اصدار مجلة ( الفكر ) عام 1955 بجهد فردى . يأخذ من وقت فراغه ما يمكنه من )) التحرير والمراسلة والاشراف على الطبع والتوزيع وجمع الاشتراكات بفضل المجهودات التى بذلها (( (3) .

وكما سعت ( الرسالة ) الى مد جسور التواصل والحوار الثقافى بين الادباء العرب ، نجد ( الفكر ) أيضا تتطلع الى الانتشار بين الادباء المثقفين ، وتعمل على استقطاب الاقلام الراسخة للاسهام فى تحريرها . وكما خاضت ( الرسالة ) معارك أدبية فى الثلاثينات والاربعينات ، فان ( الفكر ) فى عقودها الثلاثة ، أحيت مثل هذه المعارك ، لايمانها بالحوار الديمقراطى وحرية الاديب . وتقتضى المقارنة الاشارة إلى اهتمام المجلتين بالشعر والقصة فأفردتا لهما صفحات عديدة ، وتركتا لكل من الشاعر والقاص حرية الابداع . ففى ( الرسالة ) نشر ( الشعر المرسل ) و ( الشعر المنثور ) ، وفى ( الفكر ) نشر ما سمى ( فى غير العمودى والحر ) و ( ابداع ) و ( الادب التجريبى ) .

كما أن المجلتين جاهدتا لربط الثقافة العربية الاسلامية بالثقافة الاوربية مع تأصيل الانتماء الوطنى والقومى . ففى ( رسالة ) الزيات تأكيد على الهوية العربية وأصالة اللغة . وفى ( فكر ) مزالى تأكيد على الهوية التونسية كرد فعل لمحاولات تجنيس البلاد .

ان القضايا الفكريه والاهتمامات الادبية قد تختلف بين المجلتين الرائدتين، نظرا لاختلاف المكان والزمان ، ولكن لو تأملنا الواعز والغاية لوجدنا تشابها وتماثلا ، وقلنا : إن ( الفكر ) استلهمت خط ( الرسالة ) الفكرى . فلقد اهتمت المجلتان بايقاظ الشعور الوطنى والقومى ، والاحتفاء باللغة العربية والحرص عليها ، والاعتزاز بالثقافة العربية الاسلامية . وقد واصلت المجلتان الصدور دون انقطاع ، مما يعكس ايمان الزيات برسالته ، وأصالة الفكر عند مزالى .

صدرت ( الرسالة ) أسبوعية (4) لمدة عشرين عاما ونيف ، لم تتخلف عن موعد الصدور بيوم واحد . والامل المرجو أن تواصل ( الفكر ) الصدور، وتحتفل بعيد ميلادها الذهبى والماسى ان شاء الله . كما يحدونا الامل فى أن تصل ( الفكر ) الى القارىء العربى أينما كان . فالرابطة الفكرية والأدبية هى أقوى الروابط العربية وأمتنها ، وقد أثبتت ( رسالة ) الزيات صدق هذه المقولة . فحماس الزيات للادب وفنونه وللقضايا الفكرية والقومية ، دفعه الى مواصلة اصدار المجلة ، متغلبا على المصاعب والعقبات ، متطلعا الى وطنه العربى الكبير ، طامحا الى استقطاب الاقلام العربية . يقول الزيات : )) فى سبيل الادب كل أذى يحتمل ، وفى حب العربية كل بذل يعوض ، وفى خدمة الوطن كل صعب يهون " (5) . ويقول محمد مزالى " اننا نؤمن بمجهود الاديب ونؤمن بأن تأدية رسالة الكلمة ضرب من الجهاد ، تقتضى العزم والصبر والمثابرة (( (6) .

وقد جمع الزيات كل ما كتبه فى مجلتى ( الرسالة ) و ( الرواية (7) ، وضمنه كتبا مستقله أو نشره ضمن كتابه ( وحي الرسالة ) . وجمع مزالى أيضا ما كتبه فى ( الفكر ) فى كتبه ( من وحي الفكر ) و ( فى دروب الفكر ) و ( وجهات نظر ) .

ويرجع ذيوع ( الرسالة ) وانتشارها الواسع ، الى أنها تخطت حدود مصر وتطلعت الى القارئ العربى فى كل مكان ، واستقطبت الادباء العرب ، واهتمت بالقضايا القومية العربية ، وحاربت الشعوبية والمروجين لها . وهاجمت الدعوة الى العامية ومحاولة القضاء على الفصحى . انها باختصار شديد ، سعت جاهدة الى مد جسور التواصل الثقافى بينها وبين الاقطار العربية ..

وللفكر من أسباب الذيوع والانتشار ، ما جعلها تتبوأ مكانتها اللائقة والجديرة بها فى صدر الصحافة الادبية ، ساعدها على ذلك ما تحظى به من مكانة فى نفوس الادباء العرب ، ومواصلتها الصدور دون انقطاع على مدى ثلاثين عاما من عمرها المديد . ولقد حاربت ( الفكر ) الايديلوجيات والمذاهب والافكار الهدامة ، ودعت الى العربية الفصحى مقابل الدعاوى الرامية الى تقويض أركانها ونشر العامية ، ولرئيس تحريرها الاستاذ البشير بن سلامه كتابات جادة فى مجال اللغة العربية ، اهتم فيها بالتفاوت الكبير بين لغة الكلام ولغة الكتابة ، وبقدرة العربية على استيعاب الالفاظ العامية (8) ، وله دراسات مستفيضة عن مشاكل الكتابة باللغة العربية ، دعوته المستنيرة من أجل الاتفاق على شكل حروف عربية للطباعة تيسر عملية القراءة وتحببها الى القارئ (9) .

واذا كنا ندعو مجلة ( الفكر ) الى أن تولى اهتمامها بالمشرق ، كتابا وقراء، فاننا ندعو المشرق العربى أيضا الى أن يولى اهتمامه بالنتاج الفكرى والادبى فى المغرب العربى . انها دعوة الى كسر العزلة الفكرية التى استحكمت حلقاتها ، وبات النشاط الادبى فى أوربا وأمريكا والشرق الاقصى معروفا جيدا لدينا ومتداولا فى أوساطنا الادبية ، بينما لا نكاد نعرف شيئا من آداب الاقطار العربية ، غير القطر الذى تنتمى اليه ، وهى قاعدة لها استثناء لقلة من الادباء أتاحت لهم المراسلة الادبية والزيارات أن يعرفوا نشاط أقرانهم من الادباء والمفكرين .

فلنكسر العزلة الفكرية والثقافية ، فمن العار الاخلاقى كما يقول الاستاذ محمد مزالى : (( أن تتبدد طاقاتنا فى متاهات الخصومات السياسية والمذهبية

والتقليد الاعمى لغيرنا وحتى لخصومنا بينما يفرض علينا المنطق السليم والنظر البعيد والسديد أن نقاوم عزلتنا الفكرية ونتمسك بعروبتنا الوثقى وندعم وحدتنا الروحية والحضارية الاصيلة المتفتحة )) .

ان الفكر الحر ، الذى لا يخضع للتمذهب أو التقولب ، لهو الفكر المستنير الذى يتجاوب معه القارىء ، ويشعر بصدى ما يقرأ فى حياته وسلوكه .

وانى لارى عظمة ( الفكر ) وشموخها ، فيما أتاحته من حرية الرأى والتفتح والاصرار على بعث الروح القومية الاصيلة . كما قادت ( الفكر ) المسيرة نحو تأصيل الادب التونسى ، وتفجير طاقات الابداع واتاحة الفرصة للتجارب الادبية فى شتى فنون الادب .

ونحن فى مصر ، نطالع ( الفكر ) بفرح غامر ، كمجلة رائدة ، عصمت نفسها من كل وافد دخيل ، مبقية على كل ما هو أصيل .

لقد نجحت مجلة  ( الفكر ) فى أداء رسالتها ، وتعاملت مع قارئها بعقل مفتوح ، وصدر لا يضيق بالنقد ، مؤصلة قيم المجتمع ، معبرة عن آمال المواطن وآلامه ، معتزة بالحضارة العربية الاسلامية .

اشترك في نشرتنا البريدية