الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

"الفكر" والقضية

Share

ان المتتبع لمسيرة مجلة " الفكر" على مدى عقودها الثلاثة التى قطعتها يلاحظ أنها قد بلورت جملة من الثوابت وتعاملت فى نفس الوقت مع جملة من المتغيرات ، وبتعاقب السنين ترسخت الاصول المبدئية التى رسمت معالم المجلة ، وتفاعلت الفروع المتغيرات متلائمة مع ما يجد من تيارات واجتهادات حتى استقامت المجلة كالمدرسة الفكرية تحتضن وتهذب ثم تترك المنافسة لمنازع الرواج فى الخلق والابداع حتى يحسم الامر قانون الاستصغاء الطبيعى فلا يكون البقاء الا للاصلح .

ولئن كان العزم على اصدار المجلة هو نفسه اختيارا وكان اصدارها فعلا . فى الفترة التى صدرت فيها - أى أكتوبر 1955 - والبلاد فى منعرج بين عتبتين تاريخيتين هو نفسه اختيارا آخر فان الذى مثل اختيارا متميزا ندركه اليوم بفعل المسافة الزمنية الفاصلة أنما هو الاسم الذى اختير لهذه المجلة فأطلق عليها . فما من شئ فى تلك الحقبة بكل مفاعلاتها التاريخية والثقافية والنفسية يهيئ هذا المصطلح ليفوز بالاختيار ، بل كل شئ عندئذ يحض على الاتجاه صوب ألفاظ مشحونة بالعواطف الشعورية أو الاحاسيس الوجدانية فان لم يكن ذلك فصوب سجل الالفاظ الحالمة بالقيم الروحية والمعايير الاخلاقية ، أما أن يلقب المولود عندئذ بلقب "الفكر"فى حد ذاته ابتداع كالنشاز وسط نفوس تتقد حماسا ومهج تتوثب انفعالا .

ثم ان مجلة تعرف أن حظها الاوفر من مادة الاقلام سيكون ابداعا من الادب وفنونه ثم تتسمى بتسمية الفكر فذلك موقف من الادب وموقف من الفكر

بل هو موقف من علاقة هذا بذاك : فلكأن المجلة قد اختطت لنفسها ميثاقا آلت فيه على نفسها أن تخدم كل شئ من خلال منظار العقل بما فى ذلك الادب ذاته مما يجعل الفن عامة - وفن القول على الخصوص - مادة للبحث بواسطة الفكر وفى ذلك تعلق بمقاييس العقل اذ كان ممكنا أن يقلب سلم العلاقة فتعطى الغلبة للوجدان على العقل ويكون المرام أن ينظر فى قضايا الفكر بمنظار الفن ويغدو الادب عندئذ قيما على شؤون الانسان وقضاياه ، وما كان ذلك ليكون بدعة لو حصل ولكن نهج الاختيار هو الذى جعل الفكر فى جوهره وصيا على الانسان ليتحرر هو ذاته ثم يحرر الانسان من كل وصاية .

هكذا مثلت المواقف الفكرية جملة الثوابت التى أشرنا اليها آنفا بينما مثلت المواقف الادبية جملة المتغيرات ، وفى مطلع قيم الفكر حرية رجل الفكر بل الحرية مطلقا واذا كانت الحرية قيمة مطلقة فاجراؤها على نسيج الواقع يحولها بلا منازع الى الديمقراطية .

ألم يكتب صاحب " الفكر " منذ عددها الثالث : " نحن فى هذه المجلة من انصار الحرية . ولسنا نريد حصرها فى ميدان دون آخر أو قصرها على طائفة دون طائفة . الحرية كل متماسك الاطراف ، إذا أصابها الضيم فى ميدان أو شخص أو فريق فانها تكون حينذاك مهددة فى وجودها وجوهرها وأسسها .

لذلك واجب علينا فى هذه البلاد أن نخرج بالحرية من حيز الكلام الى طور الفعل ، ولا بد أن نضمن لجميع المواطنين حق التمتع بالحرية وحقوق الانسان ( ٠٠٠ )

وليس يحفظ الحرية ويقيم النظام غير الديمقراطية ( ٠٠٠ )

فان الديمقراطية تعلم "وتلقين ، ومن حق هذه الامة - بعد طول الحرمان - أن تباشر امكانياتها ومقومات سيادتها فى ميدان التمثيل الديمقراطي " .

ثم ثنى فى العدد الموالى بالقول : " لا نزال فى هذه المجلة ننادى بحرية الافراد والجماعات لانها - فى رأينا - من أهم مقومات " الانسان" الذى نحترمه فوق كل شئ .

وللحرية جانبان هما كصفحتى ورقة بيضاء لا سبيل الى الفصل بينهما ، وما من شعب او فرد حاول ذلك الا طمس معالم الحرية وشوه صورتها ومسخ معناها .

الحرية حق مقدس وواحب أكيد : مظهران لماهية واحدة وجوهر واحد إذا فقد أحدهما أو اختل التوازن بينهما انقلبت الحرية فوضى أو آلت الى استبداد وفى كلتا الحالتين هزيمة "الانسان"...

فاذا كان الايمان بالفكر وحرمته قد كرس قدسيته فى الحرية فان مظهر الانعتاق الاول هو أن تتحرر أداة الفكر ذاتها وهى اللغة ، وهنا تكمن القضية التى كانت فى مجلة " الفكر " من الثوابت الاول بل كانت أم الثوابت جميعا ألا وهى قضية اللغة العربية .

والناظر اليوم في ما احتضنته المجلة من أبحاث ودراسات حول اللغة ليدرك بحق أن اتخاذ أداة التفكير قضية فى ذاتها قد جسم اختيارا مبدئيا مداره أن الفكر مشلول بغير أداته وأن تأصيله يجب أن يمر بتأصيل أداته . وهذا ما يفسر التزام مجلة الفكر بابتعاث كل القيم - الادبية والاخلاقية والروحية - من صميم اللغة العربية سواء بالرجوع الى تاريخها أو بتأكيد ارتباطها الجدلى مع الواقع الحضارى .

فمن المعلوم أن الاستعمار السياسى قد كان حافزا دفع الشعوب العربية الى ان يعوا واقعهم التاريخى وينتبهوا الى وضعهم الحضارى بالمقارنة بينه وبين ماضيهم من جهة ، وبينه وبين واقع الشعوب الغربية من جهة أخرى . فظهرت بذلك نهضة انبنت أساسا على حركة تجديد الوعى الحضارى الذى تلاه وعى لغوى فكان بين الظاهرتين اقتراب فى الغايات وأحيانا تطابق فى المنهج ، ويدل على ذلك اتخاذ اللغة معينا يستقى منه الدارسون من القيم الايجابية ما يدعم وعيهم الحضاري عموما .

والذى يقرب بين الظاهرتين- الدينية واللغوية - هو أن الذين اعتنوا بمشكل العربية فى مجلة " الفكر " كثيرا ما رجعوا الى معطياتها التاريخية بمجرد التنبيه الى ما تصطدم به اليوم من أزمات التطور ، معتبرين أن الرجوع الى طبيعة اللغة وخصائص تطورها التاريخى امر يكاد يكون حتميا قبل التفكير فى بسط وسائل الاصلاح اللغوى . لذلك نرى أن معالجة قضية اللغة - فيما

نحن بصدده - انما تقوم على نزعة " سلفية " ولعل قيمتها تكمن فى أنها استقصاء للدوافع العميقة التى أدت الى قصور اللغة العربية فى العصر الحديث .

ولقد انبنت هذه النزعة السلفية على استجلاء بعض ما امتازت به اللغة العربية فى تطورها التاريخى ثم على تحليل ما أتى به الحدث القرآنى من تغيير جوهرى فى صلب اللغة العربية ، وهو ما سيحدد لنا موقف العرب من لغتهم وقيمة اللفظ فى حضارتهم .

ولكننا اذا ما ذكرنا ما للازمة اللغوية فى العصر الحديث من ارتباط وثيق بالواقع الحضارى ، أفلا يجدر اذن أن نتساءل عن مدى أهمية اللغة فى الكشف عن خصائص الحضارة العربية ؟

ان اللغة أحد العناصر الثلاثة التى كونت المثل الاعلى فى تاريخ العرب المسلمين وأول هذه العناصر هو الرسالة المحمدية وهى رسالة انسانية ، وثانيها اعتماد الحضارة الاسلامية على جوهر الانسان الخالص وهو الفكر ، وثالثها "ان اللغة العربية هى لغة القرآن ، وان هذه اللغة قد سمت من مستواها الانسانى الابتدائى الى مستوى العالم الربانى " ( 1 ) فلا مناص - لمن رام استجلاء تاريخ الحضارة العربية - من تتبع خصائص اللغة فى تطورها التاريخى ، ويؤكد بعضهم ان أهمية اللغة فى فهم العبقرية الاسلامية كأهمية الفقه اذ هما " البابان الرئيسيان لتفهم العبقرية العربية فى كيانها الذاتى وفى تكوينها التاريخي " ( 2 ) .

واذا بحث الدارس عن الدوافع التى تعلل هذه الظاهرة فى تاريخ العرب انتهى الى أنها ثلاثة :

أولها أن اللغة العربية عنصر اجتماعى يكاد يكون شاملا ، تتجاوز فى رسالتها التعبير والابلاغ وكل ما هو رمز اصطلاحى تواضعت عليه مجموعة بشرية ما الى التأثير الفعلى كالتوجيه والفرض وتقديم الانماط التى يذعن اليها الافراد والجماعات .

وثانيها أن اللغة هى عنصر الثقافة العربية ، فبينما تتخذ الامم وسائل كثرة تعبر بها عن ثقافتها تكون اللغة احداها ، نرى العرب قد كادوا يقتصرون على اللغة فى تعبيرهم عن ثقافتهم ويشهد بعض المستشرقين أن الثقافة العربية قد خاضت " معركة العصور وخرجت منها ظافرة بفضل اللغة العربية الفصحى ، ركنها الركين وحصنها الحصين " ( 3 ) .

وثالثها أن اللغة رمز الذاتية العربية وهو ما يفسر قيام النهضة الحديثة فى العالم العربى على العنصر اللغوى مما جعلها نهضة لغوية قبل كل شئ ، بل لقد تغلب عنصر اللغة فى العصر الحديث على بقية عناصر الشخصية العربية .

وقيمة اللغة فى ذلك كله أنها "الاداة التى نعبر بها عن قصتنا فى التحسس ومشاريعنا فى مصارعة الحاضر العنيف واستشراف مستقبل أمثل . . والتى هى فضلا عن ذلك وبسببه الاداة الرابطة بين كيانات وجودنا الواحد واطاره المتبادل التأثير مع محتواه " (4).

فميزة التاريخ العربى أن عناصر التاريخ والثقافة واللغة قد انصهرت فيه انصهارا تاما جعل أهمية كل عنصر متوقفة على معطيات تفاعله مع العنصرين الباقيين ، وهكذا اكتسبت اللغة قيمة جعلتها " محور الصراع التاريخى للامة العربية فى نضالها عن وجودها القومى " ( 5 ) فكانت قوة تاريخية محركة .

وأهمية اللغة فى الكشف عن معطيات الحضارة العربية بعيدة الخطر فماضى العرب يكتسح حاضرهم اكتساحا نفسيا اجتماعيا ، ولهذه الظاهرة يعزو بعض علماء الاجتماع عجز الانماط الاوربية عن استنفاده " فلزام علينا اذن أن ندرس هذا الماضى لا فى حقيقته الاثرية بل فى استعداده وقبوله للنضال الحديث كعنصر من عناصر الحاضر " ( 6 ) .

لقد جاءت النهضة العربية المعاصرة بعد عصر الركود عندما انتبه العرب الى مشكل الملاءمة والتوفيق بين اللغة العربية والمادة العربية العصرية

واثرائها بفضل مدد المصطلحات الجديدة ، ويؤكد بعضهم أن أهم ما اتسمت به هذه المرحلة أن اللغة العربية قد ظلت محافظة فيها على شكلها وروحها ، فلم يمس هذا الحدث جوهر اللغة من حيث المادة التفكيرية ولا قالبها من حيث الجملة والتركيب ( 7 ) .

ولئن عجز الباحث عن استخلاص بعض الاحكام اللغوية التى تخص تاريخ اللغة العربية فى حقبة ما قبل التدوين فان فترة ما بعد التدوين تبدو ثرية مما يسمح باستخلاص بعض النتائج التاريخية تفيد المؤرخ وعالم الاجتماع كما تفيد كل لغوى تصدى الى قضية اللغة العربية فى العصر الحديث .

وأولى تلك النتائج أن تراث العربية قد جمع بين ظاهرتين تميزانه عن عديد من الحضارات فهو تراث قد أغرق فى أعماق الماضى ولكنه وصلنا مع ذلك صافيا ، وهو ما أكده بعض المستشرقين ممن حاولوا سبر أغوار الحضارة العربية فانتهوا الى أنه تراث "لا يعود الينا خاما قذرا ولا معدنا يحمل الادران كالذى تعود به أبحاث الغربى من زوايا تاريخية " ( 8 ) .

لما يستنتجه الناظر أن أبرز ميزات العبقرية العربية يكمن فى عنصرين أساسيين هما الفقه واللغة ، وان سر بقاء هذه العبقرية لا يفسره الا نضجهما منذ حداثتهما وتكاملهما منذ نضجهما وهو ما يجسم الجانب العلمي الوضعي لما يقره الفقهاء ويسمونه الاعجاز ( 9 ) .

وآخر ما يمدنا به البحث اللغوى التاريخي هو تعليل بقاء اللغة العربية عبر العصور ولا شك أن هذه الظاهرة تعزى الى أن العربية قد ازدوجت رسالتها التاريخية فكانت وظيفتها اجتماعية ودينية فى آن واحد ومرد هذا الازدواج أنها قبل كل شئ لغة النص الذى جاء به الدين الاسلامى.

ان أول ما يتبادر الى الدارس هو أن يتساءل عما يربط مشكل اللغة فى العصر الحديث بكتاب الدين الاسلامى وهو القرآن ، ونوعية القضية أن مدار

المشكل فيها يقوم على مادتين تختلفان فى الجوهر ، اذ اللغة ظاهرة اجتماعية نفسية وهى لذلك بشرية ، أما القرآن فحدث يرتبط بظاهرة دينية سماوية فهو يمثل اذن ظاهرة روحانية . فما عسى أن يكون مدى ارتباط اللغة العربية منذ أن دونت بالنص القرآنى وحدود تفاعل هاتين الظاهرتين ؟

لا شك أن أسرار العقلية العربية - لمن رام استكشافها - تكمن فى بابين أساسيين هما الفقه الاسلامى : منبع جل العلوم الاسلامية ، واللغة : مفتاح كل المعارف العربية اطلاقا . ولما كان القرآن دستور الشريعة الاسلامية الاول فلا سبيل الى الاستغناء عنه فى فك أسرار العقلية العربية منذ ظهور الاسلام ، فارتباط الظاهرتين جلى منذ الآن .

على أن هذا الارتباط يزداد توثقا اذا ما علمنا أن القرآن فى جوهره يتجاوز حدود المادة الدينية كما يتجاوز فى غايته حدود الضبط التشريعى ، وانما هو نص معجز ، والنص يعنى بادئ ذى بدء التعبير اللغوى ، وقد تحدى العرب فأعجز فصاحتهم وهى فى عز مجدها ، وندرك لذلك ما لهذا النص من خطر جليل من حيث هو النموذج الاعلى للعربية وأدركنا معه أن الاتصال بهذا القرآن ضرورة لا مفر منها لكل من يمارس فن القول فى العربية " ( 10 )

وكما اننا لا نفهم العقلية الاسلامية الا بالرجوع الى القرآن - معينها الاول - فكذلك " لن نفهم جوهر اللغة العربية وكيانها ان نحن أهملنا أهمية هذا الحدث القرآنى " ( 11 ) .

وخلاصة القول : إن القرآن ذو أهمية مزدوجة فى التاريخ الاسلامى فهو مفتاح العقلية العربية وهو مفتاح اللغة العربية أيضا ، ولهذه الاهمية المضعفة دعا بعض الدارسين الى وصل الناشئة به على اختلاف مستوياتهم الدراسية واعطائه المكانة الاولى فى المرحلة الجامعية لمن يتخصصون فى دراسة العربية وأدبها معتبرين انه يحسم عديدا من القضايا اللغوية القائمة ويعين بذلك على حل المشكل اللغوي عامة ( 12 ) .

ولقد كان للقرآن فى اللغة العربية تأثير بالغ الخطر جوهره انه طبعها بطابع البيان فقضى على آثار اللهجات الاقليمية وثبت أصول القواعد اللغوية ، وأهمها التزام الاعراب الذي أصبح سمة اللغة الفصيحة بعد أن كانت اللهجات نتفاوت فى التزامه وأحيانا تتحرر منه .

ومن مظاهر تأثير القرآن فى اللغة العربية أنه اتخذ لغة خاصة تميزت عن لغة العرب عند نزوله وهى لغة استجابت لغاية القران التى تتمثل فى قلب اوضاع اجتماعية سائدة ، مما يقتضى تغيير المفاهيم ، وتغيير مدلول ما يجر حتما تغير اللفظ الدال عليه ، لذلك فسر بعض المستشرقين غياب كثير من الالفاظ فى النص القرآنى - كالمدح والرثاء والندب - بالانقلاب الاخلاقى الذى حاول الوعظ القرآنى أن يحدثه فى نفوس السامعين ، وينطبق ذلك على كل ما يمس أنماط الحياة الاجتماعية مما حكم عليه القرآن بالاعدام حكما ظاهرا أو ضمنيا ( 13 ) .

ونتج عن هذه الظاهرة أن بعض الكلمات فى القرآن تكتسب معانى لا نعرفها فى اللغة العربية وان لغة القرآن انما هى صورة لتطور العقلية العربية عبر التاريخ أى أن النص القرآنى - بنوعية ألفاظه - يدل على تطور التراكيب الذهنية تطورا ملائما للغاية التى قصد اليها .

ومن مظاهر تأثير القرآن فى اللغة العربية ما أدخله فى أدبها من روح جديدة ، وقد زخر الادب الكلاسيكى بالآيات المنقولة والاشارات فكأنما انصهرت لغة القرآن فى هذا الادب . بل ان بعض الكتاب يعتبر القرآن حدثا أدبيا قائما بذاته أمكنه أن يفتح آفاقا فى سبيل اللغة والادب ( 14 ) .

تلك ظواهر أبانت لنا تأثير القرأن فى اللغة تأثيرا بنيويا يمس هيكلها اللغوى وانماطها التعبيرية ، الا أن له فيها تأثيرا آخر ذا قيمة تاريخية يتمثل فى ما أسداه لها عبر العصور من فضل جليل . ويكاد الكتاب الذين عنوا بقضية اللغة فى مجلة الفكر يجمعون على ارجاع بقاء العربية الى أنها لغة القرآن ، وهو ما أضفى عليها سمة دينية . وقد كان الحفاظ على القرآن هدفا

أسمى لدى المسلمين فكانوا يقبلون عليه بالحفظ والتبرك ، فسلمت اللغة بفضله من تقلبات الالسن وتباعد البلدان فنجت مما وقعت فيه اللغات الاخرى . ويشهد بعض المستشرقين بان "لغة القرآن بسحر جمالها وعظمتها نهز المشاعر وتنفذ الى الافئدة وتهذب الارواح وتنقل الفصحى مصونة بجميع قيمها وتحمل الرسالة طيلة القرون المظلمة والمراحل التاريخية الشاقة " ( 15 ) .

واذا ذكرنا ما للعنصر اللغوى من تأثير فى بناء العقلية العربية ، وما له من ارتباط بكيانهم الذاتى وشخصيتهم التاريخية علمنا أن فضل القرآن يتجاوز اللغة ذاتها الى الناطقين بها عموما . ولقد صان وحدة العرب بصيانته لغتهم ، ووحدة اللسان أقرب سبل الوحدة السياسية - خاصة عند العرب - ولا منازع أن القرآن قد احتفظ بهذه القيمة فى عصرنا الحاضر رغم تعدد اللهجات واختلاف البيئات الاقليمية لانه بقى مناط الواحدة الذوقية والفكرية والوجدانية كما بقى فى نقاء أصالته وعمق نفوذه وبالغ تأثيره وتفرد مكانته الكتاب المشترك الاكبر الذى تلتقى عنده كل الاقطار التى اتخذت العربية لسانا لها .

ذاك هو اثر القرآن فى اللغة وفضله عليها : تحول بها تحولا تاريخيا من لغة شعرية جمالية الى لغة الوحى المقدس فلم تعد وسيلة تعبير أو ابلاغ فحسب وانما أصبحت طاقة تحمل فى كيانها عناصر التأثير الروحانى ، وما كان ليتسنى لها ذلك لولا موقف العرب منها اذ لا يكاد شأن العرب مع لغتهم يختلف فى شئ عن شأن من سبقهم من الامم : كل قد نظر الى لغته معجبا بها ، مقدسا اياها . مفاخرا غيره بجلالها . كذا فعل العبرانيون والآراميون والأغريق غير أن عوامل متعددة جعلت العرب يقدسون لغتهم نقديسا فريدا فالهوها أو كادوا يفعلون ، وقد اكتسبت هذه النزعة التقديسية مظاهر متعددة .

فأبرز تلك المظاهر تفضيل العربية اطلاقا على غيرها من اللغات البشرية قديمها وحديثها وقد اعتبر العرب أنها فاقت سائر اللغات فى رشاقة الفاظها ، وحسن بنائها بحيث لا يوجد فيها من الثقل والاعوجاج ما يوجد فى غيرها من اللغات ( 16 ) كما اعتبر ابن خلدون أن اللغة العربية أسمى من البربرية " من

حيث تأدية المعنى . وحجة فى ذلك ما اتسمت به العربية من فصاحة وايجاز " ( 17 ) .

ولم تخل الدراسات الحديثة من هذه النظرة ، فقد أكد بعض الكتاب " ان العربية هى قمة الاداء فى هذه الحزيرة العربية وبالتالى هى مستودع الدلاله الاصيلة لشجرة التعبير اللغوى فى منطقة الشرق الاوسط والشمال الافريقى وكل أرض ينطق أهلها بالعربية " ( 18 ) .

ونتج عن هذا التفضيل المطلق قول عديد من أيمة اللغة بأن العربيه توقيف من الله بل لقد ذهب أحمد بن فارس الى اعتبار الخط العربى توقيفا من الله رضا وجرهم كل ذلك الى عدة اعتبارات منها أن آدم كان يعرف العربية وأن لسان أهل الجنة عربى مبين وليس من سبب لما قدمنا سوى ارتباط العنصر اللغوى بالعنصر الدينى .. فالعربية هى قبل كل شىء لغه التنزيل ، والتنزيل مقترن بالاعجاز فكان اللحن فيها بمثابة الضلال ، بل ان التنكب عن مبادئ الشريعة قد يعزى عند بعضهم الى ضعف الانسان فى اللغة العربية ( 19 ) .

ولعل فيما سبق ما يعلل اعتبار دراسة اللغة عند العرب علما فى ذاته وهو ما أدى الى طغيان الدراسات النحوية والصرفية تتوجها سمة الاهية هى الرغبة من فهم لغة التنزيل وتبوؤ منزلة التفسير .

وآخر ما تبلورت فيه نزعة التقديس اللغوى ظاهرة اعتزاز المجتمع العربى بلغته عبر التاريخ وهو اعتزاز موروث بلغ أحيانا من القوة ما يقارب ظاهرة المركب النفسى . ويتجلى من خلال المقالات التى احتضنتها مجلة الفكر ان لهذا الاعتزاز جانبين :

جانبا عاطفيا وجانبا موضوعيا . فأما الجانب العاطفى فيتمثل فى أن العربية منذ نشأنها قد اصطبغت بطابع العزة لانها كانت اللغة المشتركة بين القبائل

توحدت بفضلها اللهجات حتى أصبح استعمالها شرفا ونبلا ، لانها - على حد شهادة بعض المستشرقين " لغة جميلة نبيلة يستعملها الشعراء للتعبير العاطفى جميلة وباعثة فى النفس احساسا بالجمال " ( 20 ) ومما يدل على أن عوامل تطور اللغة العربية وازدهارها هى عوامل عاطفية أن ظاهرة الافتخار بدراستها قد بلغت قصاها فى القرن العشرين - حسب ما انتهى اليه نفس المستشرق اذ يقول : " وفى اصل نهضة العرب الآن تجد العواطف الدائمة الحية التى تربط الاجيال بالاجيال " ( 21 ) .

واما الجانب الموضوعى فيتمثل فى المضمون الثقافى الضخم الذى تجمع عبر العصور الماضية بهذه اللغة ووصلنا صافيا كما يتمثل فى شهادة التاريخ بأن هذه اللغة قد تزعمت الثقافة العالمية ولم يكن من اللغات اذ ذاك ما يضارعها ، وهكذا تطورت عوامل الافتخار فأصحبت موضوعية عقلية تمكن العربى " من ابراز شخصيته أمام لغات الامم الكبرى وتشعره انه يملك لغة حضارية ممتازة " ( 22 ) فاستحالت وظيفة اللغة من مجرد البيان الى تدعيم شخصية الفرد فغدت هكذا ظاهرة اجتماعية نفسية .

تلك اذن بعض مظاهر تقديس اللغة فى تاريخ العرب - كما توحى به المقالات التى عالج فيها أصحابها قضية اللغة ضمن مجلة " الفكر " - وهى مظاهر حددت لنا موقفهم من لغتهم كما جلت لنا موقفهم من لغات الامم الاخرى . وبموقفهم هذا جعلوا للفظ قيمة لم يعرفها عند غيرهم حتى اصبح للفظ سلطان عليهم ما زالوا يذعنون اليه حتى يومنا هذا . ويفسر بعض الدارسين هذه الظاهرة تفسيرا اجتماعيا نفسيا معتبرا ان العرب فطروا منذ أقدم العصور على الاحساس بالحدث اللغوى فأصبح ذلك عنصرا حيا من عناصر حضارتهم ينطوى عليه تركيب بنيتهم العقلية ( 23 ) .

ولقد أبان لنا التاريخ أن علاقة العربى باللفظ علاقة جدلية تعتمد التفاعل الباطنى ، فهو يضفى على اللفظ سمة سحرية وللفظ فيه تأثير فعلى يكاد يكون

حسيا ، وهكذا يمتزج ما يصبغه العربى على اللفظ وما يعود به اللفظ عليه فتصبح للكلمة طاقة سحرية يقوى مفعولها كلما اصابت من الانسان مواطن الوقع الشعورى ومواضع التأثير الايجابى ، وما يكسبها هذه الطاقة انما هو كيانها الباطنى من وقع أو موسيقى أو درجة تنغيم فاذا تمثلنا هذه الظواهر علمنا " أن دور الكلمة فى العربية هو أقدم دور ، كما أنها تعبير عن أقدم وعى مجتمعى ، وهذا هو السر فى أن الانسان العربى قد وجد فى سحر الكلمة من القوة بحيث انه اعتبر هذا السحر قمة الاعجار فى الاداء والتأثير والتوجيه المجتمعى وفى تاريخ النبوءات ما يكشف عن أهمية وعى العربى لهذا الاعجاز اللغوى وسعيه اليه " (24 ) .

ان الدارسين بانتباههم الى الازمة اللغوية ومظهرها قد حددوا الوجوه السلبى فى معطيات القضية وانهم برجوعهم الى تاريخ اللغة العربية وخصائصها النوعية قد حددوا وجهها الايجابى على أن الانصهار بين كل المعطيات وما تمخض عنها يمكن الباحث من ضبط تصور الدارسين للمشكل اللغوى ، ولا يتسنى له ذلك الا بعد أن يتجاوز حدود اللغة ، اذ أن جوهر القضية ، كما تؤكده معظم المقالات ، غير كامن فيها باعتبارها ظاهرة مستقلة وانما يكمن المشكل فى علاقة اللغة بالواقع الحضارى الذى عليه أهلها .

ولقد انتهى البحث فى ما نحن بصدده من كتابات الى بيان اتباط اللغة بالواقع الحضارى ارتباطا جدليا ثم الى تحديد اللغة ووظيفتها تحديدا قائما على معطيات العلوم الحديثة وهو ما سيؤدى بجل الكتاب الى تأكيد طاقة اللغة العربية واعادة الثقة بها لاثبات فضلها على العرب فى العصر الحديث لا سيما وان الازمة اللغوية تقوم على شعور العربى بقطيعة حضارية بينه وبين ماضيه من جهة وبينه وبين العالم الحديث من جهة أخرى ، فكان الشعور بتلك القطيعة حادا لهذا الازدواج الذى تنبنى عليه . وهذا الارتباط بين ظاهرتين انسانيتين ظاهرة لغوية وظاهرة حضارية هو الذى سيبلور أكثر فأكثر فى عديد من المقالات حتى يشمل كل الظواهر الانسانية فى المجتمع العربى فيبرز تفاعلها الباطنى وتنصهر أزمة اللغة ضمن بقية المعطيات الحضارية مما يجعل الحديث عنها دون ادراجها ضمن الظواهر الاخرى متعذرا .

ان أول مبدإ يتحتم اعتماده هو أن للغة العربية كما وصلتنا هى صورة لبيئتى العرب الطبيعية والاجتماعية ، شأنها فى ذلك شأن أدبهم ، والدليل

عليه أن ألفاظها فى منتهى السعة والدقة اذا كان الموضوع له اللفظ من ضروريات الحياة فى المعيشة البدوية ، بينما ألفاظها قليلة تنحو منحى الشمول فيما لبس كذلك (25) . وهذه النظرة تؤيدها البحوث اللغوية المعاصرة ، وقد أكد الدارسون ارتباط اللغة بالمجتمع والتاريخ مما ينتج عنه ظهور بعض الكلمات فى صلب اللغة أو تطور فى معانى بعضها الآخر فتدل اذن على «شكل اجتماعى واقتصادى وذوقى جديد» (26) .

فللغة اذن وثيق الارتباط بمضمون الحضارة وقد اتفق الذين عنوا بقضية اللغة فى مجلة «الفكر» على تفاعل ظاهرة اللغة بالواقع الحضارى ، وينتهى البحث بالدارس الى أن هذا الواقع يقوم على أمرين أساسيين هما ما يفرزه الفكر من ثقافة ثم ما يعيشه الناس من ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية وهو ما يحدد حالة الاجتماع الانسانى فى صلب الجماعات البشرية وقد تأكدت ضرورة ضبط الظواهر اللغوية بالظواهر النفسية والاجتماعية (27) .

وهكذا يرتبط مشكل اللغة بوضع المجتمع أولا ووضع ثقافته ثانيا . ويؤكد بعضهم أن الدراسة اللغوية التى تغفل شأن هذا التخاصر بين اللغة والفكر والمجتمع دراسة أقرب الى اللغو منها الى اللغة (28) على أن بعض المستشرقين يرى أن اللغة والثقافة ظاهرتان يكاد انصهارهما يكون تاما لان «الثقافة لا تقوم بدون لغة ولكن لا وجود كذلك لثقافة دون محتوى» (29) .

كما يؤكد كتاب كثيرون أهمية اعتبار هذه العلاقة الجدلية بين واقع اللغة وواقع أهلها بل منهم من يرى أن اهمالها يزيد اللغة جمودا وتحجرا وهو ما وقع فيه رواد النهضة العربية فانتهوا الى ظاهرة شاذة منشؤها التناقض بين الحياة والسلوك «وكل فصل بين ميدان انسانى وآخر بله الفصل بين الثقافة وأداتها ليس فقط اصطناعيا بل ومعوقا دون الوصول الى نهضة حقيقية أيا كانت» (30) .

ولئن أجمع الدارسون على ارتباط اللغة بالواقع الحضارى ارتباطا يقوم على التفاعل الباطنى فانهم قد اختلفوا فى تحديد اتجاه هذا الارتباط . فاللغة عند بعضهم سبب تنتج عنه معطيات الواقع الحضارى من ثقافة وغيرها . أما عند البعض الآخر فالثقافة وواقع الاجتماع الانسانى هما «السبب» وعنهما تنتج معطيات القضية اللغوية . وهكذا ظهرت نزعتان فيما نحن بصدد تحليله نزعة اعتبار اللغة أساس انحطاط حضارة العرب فى العصر الحاضر ونزعة اعتبار الحضارة العربية أساس انحطاط اللغة العربية فى العصر اخحديث ، فبعضهم قد اعتبر أن أزمة الخلق الفكرى عند العرب انما هى أزمة تفاوت بين هيكل الثقافة وبنية اللغة ، وان حل القضية الثقافية يكمن فى تفجير اللغة «بالهدم الصارخ» ، واعادة بنائها ببعث طاقاتها الكامنة . وهذه النظرة أدت الى اعتبار أن «النهضة الثقافية بتونس - مثلا - ترتكز ، أحببنا أم كرهنا على اللغة العربية» (31) .

وهكذا تعتمد هذه النظرية على اعتبار اللغة سببا والثقافة نتيجة . فهى نزعة ترضخ الثقافة وهى مادة الى اللغة وهى صورة (32) . فحركة هذه النزعة تنازلية ، على أن تفسير هذه النزعة نجده عند بعض من يعتبر أن «الازمة ليست أزمة لغة ولكنها أزمة عقول» وذلك لان «نهضة الثقافة العربية وانتفاضة الفكر العربى لا تتحققان حتما انتشار نتائج الفكر العربى وذلك راجع الى مصاعب عملية تعوق العربية عن الانتشار انتشارا كافيا وتعوقنا عن استعمال العربية استعمالا لا يشوبه الجهد الكبير والتكلف أحيانا» (33) .

وتقابل هذه النزعة . كما أسلفنا ، نزعة اعتبار انحطاط الحضارة أساس انحطاط اللغة ، وهى فى ذلك تعكس معايير تحديد نوعية الارتباط الجدلى بين اللغة والحضارة ، فمنطلقها الواقع التاريخى بمعطياته المادية والثقافية فيكون بذلك سببا من نتائجه الواقع اللغوى وبموجب هذه النظرة ترضخ اللغة وهي صورة الى ما يفرزه الفكر من ثقافة وهو مادة ، فهى اذن نزعة ذات حركة متعالية «فما تجمد اللغة العربية اليوم الا مظهر من مظاهر تخلف أبنائها بل نتيجة لتأخرهم الذهنى وكلما ارتقوا فى سلم الحضارة واقتربوا

من مستوى الامم المتقدمة راضوا لغتهم وذللوها لتعبر عن أفكارهم بعد ان كانت مقيدة لتفكيرهم» (34) على حد ما يؤكده صاحب المجلة نفسه .

ويؤكد أصحاب هذه النظرة رأيهم أحيانا بالاعتماد على تتبع المعطيات التاريخية . والبحث فى تاريخ ارتباط اللغة العربية بواقع أهلها الحضارى يؤكد أن رفعتها وانحطاطها كانا دوما نتيجتين حتميتين لعزة الحضارة العربية أو انكسارها . «فاللسان العربى قد انهزم أهله فانهزم . لقد جمد أهله فتجمدت أوصاله ، انتصر حينما انتصروا وتغلب على المصاعب حينما تغلبوا على نفوسهم وعلى الاعداء ثم توقفت خطواته حينما توقفت خطواتهم وأمسى قطعة أثرية حينما أمسوا مسخا من بقايا العصور الخوالى » (35) .

فاذا اعتبرنا حسب معطيات العلم الحديث أن لكل أمة فى لغتها الخاصة وسيلة تعبر بها عن واقعها ونواميسها أدركنا كيف انتهى القائلون بهذه النظرية الى تبرير اللغة العربية واتهام أهلها . حتى أصبح حصر المشكل فى اللغة العربية اعراضا عن الجوهر واعتناء بالعرض . فهى اذن «بريئة من كل التهم التى ألصقت بها لان الذنب كل الذنب انما هو ذنب الساهرين على شؤونها الفكرية اذ هم تهاونوا بمستقبل الفكر العربى وأغفلوا وسائل علاجه الحقيقى» (36) .

تلكما نزعتان متقابلتان فى اعتبار تفاعل اللغة بالواقع التاريخى وما اختلاف بعض الدارسين فى مدى قدرة الانسان على خلق اللغة التى يريد أو عجزه عن ذلك الا صورة تجسم هاتين النزعتين المتقابلتين . فبعضهم يتخذ من تركز لغة الصحافة والاذاعة دليلا (على أن اللغة «تعمل» إذا ما استعملت و «توجه» اذا ما «وجهت» وتحدث اذا ما وجد «الصانع» (37) بينما يرى البعض الآخر (انه لا «تخلق» لغة بمجرد ارادة أفراد لامر فى أنفسهم . فاللغات تنشأ مع الحياة لا تصنع فى المخابر ، فاللغة التى مهدها المخبر ، المخبر لحدها ومن وضعها فقد وأدها بمجرد وضعه اياها) (38) .

غير ان السؤال الذى يتحتم على الباحث هو التالى : ما عسى أن يفيدنا الكشف عن ماهية ارتباط الواقع اللغوى بالواقع الحضارى فى تشخيص واقع اللغة العربية فى العصر الحديث ؟

ان أولى تلك النتائج تخص علاقة الظاهرة اللغوية بمعطيات الاجتماع البشرى وتتمثل فى أن مستقبل العربية رهين اصلاح جذرى فى صلب اللغة وتطوير أحوال المجتمع عموما لان تطور اللغة ليس رهين طبيعتها الداخلية ومطاطيتها فقط ، بل انه متوقف على تطوير أحوال البلاد الاقتصادية وبالتالى الاجتماعية السائدة الآن وتغييرها تغييرا يخرج البلاد من التخلف الاقتصادى والاجتماعي وبالتالى من التخلف الثقافى المستفحل (39) .

أما النتيجة الثانية فتخص علاقة اللغة بالثقافة أى علاقتها بما يفرزه الفكر عموما ، وهو ما أدى الى تحديد الثقافة تحديدا يقوم على ربطها باللغة . لذلك اعتبر بعض الكتاب أن «اللغة هى اطار الثقافة والثقافة هى الشاشة العاكسة لنشاط أمتها ... وقصتها عبر الوجود» (40) وما تفيده القضية اللغوية من ذلك هو أن العربية لن تستطيع حل مشاكلها ما لم يخرج العرب من مرحلة الاستعمال الى مرحلة الابتكار أى ما لم يخرجوا بمجتمعهم من حالة الاستهلاك الى حالة الانتاج وذلك فى جميع ميادين الفكر البشرى وحسبما تسمح به ظروف البلاد الموضوعية طبعا . (41) وتعليل ذلك يكمن فى اعتبار ان «العربية قابلة للتطور ، قابلة للتيسير ، قابلة للتعصير . قابلة للاستعمال فى جميع الميادين ... لكن يجب ان يوجد العالم العربى فيكشف عن لغة العلم ، والفيلسوف العربى فيكشف عن لغة الفلسفة الاصلية والروائى العربى !.. والمفكر العربى» (42) فلعلهم بذلك يجبرون الامم الاخرى على أن تترجم مؤلفاتهم الى لغاتها أو لعلها تضطر الى تلقين أبنائها اللغة العربية .

فاذا كان انتباه الدارسين الى هذه المعطيات الاجتماعية النفسية ناتجا عن نأملهم فى واقعهم التاريخى ومقارنته بواقع الامم المتقدمة ، فان اقبالهم على

معالجة قضية لغتهم لا بد أن يتأثر بمعطيات العلوم المستحدثة ، وأشد تلك العلوم اتصالا بالقضية هو علم اللغة الحديث كما ساد الاصطلاح عليه ردحا من الزمن .

لقد تبينا موقف العرب من لغتهم عبر التاريخ ، كما انتهينا الى ضبط قيمة اللفظ عندهم مبينين كيف اعتبر الكتاب فى معظمهم أن تقديس العرب لغتهم وانبناء حضارتهم على أثر اللفظ فى حياتهم هما اللذان عقدا مشكلة اللغة فى العصر الحديث بل هما اللذان يمثلان جوهر الازمة اللغوية عموما .

ونتيجة ما أسلفنا أن الذين عنوا بالقضية - بعد أن اقتنعوا بضرورة الاقبال على انتشال العربية من وضعها الراهن - قد أكدوا أن أول عمل يتحتم على المصلحين انما هو اعادة النظر فى تعريف اللغة ومفهومها عند العرب بتحديد وظيفتها قبل التفكير فى اثارة مشاكلها الذاتية . ولا سبيل الى ذلك الا بالنظر فى تعريف ماهية اللغة عند الامم الاخرى . وهكذا أقبل بعض الكتاب يبحثون عن موقف المفكرين الغربيين من هذه الظاهرة عبر التاريخ فانتهوا الى موقفين متميزين هما اعتبار اللغة أداة تعبير أو اعتبارها أداة اتصال ، أما النظرية الاولى فيختص بها المثاليون ، وفى اعتبارهم اللغة وسيلة افصاح تمجيد للفرد وتقديس لكيانه الباطنى . وأما النظرية الثانية فيختص بها الواقعيون لان أساس الاجتماع الانسانى هو الاتصال «فمحوا بذلك الفرد وانكروا العبقريات» وكان نتيجة تقابل النظريتين أن قال الاولون : «لا لغة بدون فكر» وقال الآخرون : « لا لغة بدون اجتماع » (43) .

فوظيفة اللغة حسب النظرية التعبيرية تتجلى فى تمكين الانسان من الافصاح عن عالمه الباطنى ، فهى بذلك آلة يسخرها الفرد لذاته فتبلغ عنه ما يفهمه الفكر من معان ، وتعبر عما يحس به من خلجات النفس فهى منفذ عالم العقل وعالم الوجدان ، وتعرف بأنها «تعبير عن وجدانيات وأفكار بواسطة أصوات ودوال أقرها المجتمع وأخذ بها ، فعناصرها وجدان وعاطفة ، فكر ورأي ، بيئة ومجتمع أو ان شئت مدلولات ودوال » (44) .

ومن الدارسين من سعى الى اثبات هذه النظرية الخاصة بمفهوم اللغة عن طريق البحث التاريخى فوجد فى مقدمة ابن خلدون ما يجنح الى هذه النزعة

فى الرأى . اذ أن هذا المؤرخ قد اعتبر اللغة ملكة يكتسبها الانسان كاكتساب الصناعة ولكنها «ملكة فى اللسان للعبارة عن المعانى» وقد انتهى البحث به إلى تحديد معنى البلاغة اعتمادا على مبدا اعتبار اللغة تعبيرا عن المعانى المقصودة مع «مراعاة التأليف الذى يطبق الكلام على مقتضى الحال ( ... ) وهذا هو معنى البلاغة» فلم تعد البلاغة - كما اعتبرها القدامى من قبله - نمطا جماليا ترتديه اللغة فى احدى مظاهرها وانما أصبحت هى مناط اللغة ويصبح التعبير بهذا المعيار ابلاغا (45) .

أما رواد النظرية الثانية فيوكلون للغة وظيفة مختلفة اذ تصبح أداة تفاعل بين عناصر بشرية ينتمون الى مجموعة لغوية واحدة ، فليست اذن وسيلة تخدم الفرد فى ذاته وانما هى مطية الافراد فى اتصال بعضهم بالبعض الآخر فجوهر تقابل النظريتين أن الاولى تعتبر غاية الفرد من الكلام هى الافصاح عن عالم الباطنى وما يفصح عنه قد يتجاوزه فيدركه الآخرون ، وأما النظرية الثانية فلا ترى فى الافصاح غاية فى ذاتها لان غاية الكلام هى افهام مشترك: أى تفاهم وهو معنى الاتصال ، فهؤلاء يذيبون الفرد فى الجماعة اذ قيمة الفرد لا تتحدد لديهم الا بارتباطه العضوى بالمجموعة البشرية التى حوله بينما يسخر أولئك اللغة للفرد لان الاجتماع الانسانى انما تحصل قيمه بالتئام قيم الافراد كل على حده .

ويحلل بعضهم جوهر هذه النظرية تحليلا اجتماعيا نفسيا فيقول : «ان الكلمة أسلوب تفاهم يشترك فيه الناس . فكلماتك وكلماتى وكلامك وكلامى يبحث هذا العالم الذى أريد أن أعبر عنه وأريد أن أتجاوزه وأنفلت منه.وفى الحقيقة إنى ألقي وأرمي بالكلام لأتجاوز الحاجز وأتجاوز الصورة ولأصل بينى وبين العالم وهذا ما سماه العلماء اللغويون بالميدان أو الحقل المعنوى اللغوي (46) .

ومن الكتاب من سعى الى التأليف بين النظريتين فعرف اللغة بأنها «تستند الى روح جماعية من حيث الاتصال وتستند الى روح فردية من حيث التعبير» (47) وينتج عن هذا الاعتبار ان اللغة تتجاوز مجرد التعبير ومجرد

الاتصال الى تفاعل مشترك أكثر منهما عمقا يؤدى الى «امتداد فكرين» يجسمهما الاقناع والاقتناع .

وتنصهر بذلك النظريتان انصهارا يجعل «اللغة هدف الجماعة لكى تنتمى الى الانسانية وهى هدف الفرد لكى ينتسب لقوم فينتمى الى الانسانية» (48)

ان هذه النظرة الى اللغة تكاد تمتزج بمفهوم اللغة عند العرب القدامى لولا أن سلم القيم ينقلب فيصبح الانسان بمقتضاها متحكما فى اللغة يسخرها اليه فيفجرها تفجيرا يحولها الى طاقة محركة بعد أن كان - بموجب نظرة الاقدمين - عبدا لسحرها . فاللغة للفكر بهذا الاعتبار ليست وسيلة ابلاغ فقط بل هى فاعل ومحرك ومؤثر (49) .

ولعل ما يعلل هذه النظرة الى اللغة هو اعتبار بعض الكتاب أن تفاعل الانسان ضمن مجتمعه مقام أساسا على الدوافع اللغوية الكامنة فيه «فاللغة شرط واجب من شروط الامتزاج الاجتماعى ( ... ) ولما كان لهذا الامتزاج دافع تاريخى فاللغة الاصلية هى القادرة وحدها على استمراره والمحافظة على توازنه وانسجامه لان ما نسميه عالم الواقع مقام لا شعوريا على نسيج لغوى خاص بنا» (50) .

تلك اذن ضروب أربعة من تحديد مفهوم اللغة عند أصحاب المقالات اللغوية في مجلة «الفكر « وهى آراء تخص تعريف اللغة تعريفا باطنيا بغية تحديد ماهيتها . ولعلها تصورات تتنوع وفى تنوعها تتكامل رغم تقابلها الجزئى . على أن آراء جل الكتاب تلتقى فى بعض النقط التعريفية التى تخص مباشرة معالجة الازمة اللغوية . ونقط الاتفاق هذه تمثل نتائج تحديد اللغة ووظيفتها فى ضوء معطيات العلم الحديث وأبرزها اعتبار اللغة ظاهرة انسانية متكاملة مع بقية الظواهر الانسانية الاخرى . واعتبار المواقف اللغوية أحد العوامل التى تحدد الانسان المثالى الذى تفترضه الثقافة مهما كانت . فاللغة والدين والوطنية معطيات عضوية طبيعية من عناصر التعريف المبدئى والنهائى وهى عامل انسانى مشترك أساس روح الجماعة المنسقة الموحدة (51) . واعتبارها

أيضا مؤسسة اجتماعية ذات وظيفة حضارية تاريخية . ونتيجة ذلك أن فض أزمة اللغة العربية رهين اعتبار طبيعة اللغة الداخلية المتمثلة فى بنيتها وتعامل أعضائها واعتبار ما بين علم الاجتماع ومعطياته وحلوله وبين مشكل اللغة من نفاعا اذ للاحوال الاجتماعية والسياسية أثر فى نشأة اللغات وترعرعها (52) . وأخيرا اعتبار اللغة كائنا حيا ينمو أبدا وفى نموه يتطور حسب مقتضيات الاجتماع الانسانى وتغيرها ، لذلك اعتبر وقف قضية العربية على مشاكلها الخارجية دون اعتبار تطورها البنائى سببا يزيد القضية تعقيدا ، بل ان القصور الذي آلت اليه اللغة انما يرجع الى غفلة العرب عن هذه الحقيقة الاساسية وهى أن اللغة « كائن حي ينمو حتما ويتطور ضرورة وظاهرة اجتماعية تخضع للبيئة الاجتماعية والمعطيات الاجتماعية ، وبنية المجتمع» (53)

على هذا الاساس يذهب من عنوا بموضوع اللغة فى مجلة الفكر الى أن ما يسند الى العربية من قصور هو أمر مبالغ فيه وانما أعان عليه الاستعمار محاولا القضاء على حيوية العربية بترويج دعاوى ضدها ترميها بالعجز «عن التوغل فى أعماق الوجود الانسانى» (54) بينما تتمتع هذه اللغة بمؤهلات إيجابية عديدة أهمها خصب ذخيرتها اللغوية ، والقيمة الايجابية فى هذه الظاهرة أن كثيرا من المشاكل اللغوية العصرية لا يعزب حله اذا ما رجعنا الى كلمات المعجم العربى القديم لبعثها بعثا يعتمد الاستعمال (55) .

ومن أبرز مؤهلات اللغة العربية ما تمتاز به طبيعتها من مرونة أكدها تاريخها ولا سيما عندما اضطلعت فى الماضى بريادة الحركة العلمية وما كانت تؤدى ما أدته لولا طواعيتها للفكر فلم تقصر عن أداء مختلف التصورات الذهنية (56) .

ان نهضة اللغة العربية اليوم رهينة ثقة أهلها بها ، وتأكيد مثل هذا المبدإ يعيد صهر موضوع اللغة من جديد فى صلب معطيات الحضارة وهى هنا موقف

مجموعة بشرية ما من لغتها واللغة أخص المجتمعات . ونزعة اعادة الثقة باللغة العربية قد انبنت على معطيات تدعمها ، بعضها تاريخى وبعضها حضارى وبعضها الآخر نفسى اجتماعى .

فأما التاريخى منها فيتمثل فى معجزة اللغة العربية التى استطاعت أن تخرج من معركة العصور ظافرة رغم ما نهشها من عوامل الانحطاط ، وأما العامل الحضارى المعاصر فهو ما اضطلعت به اللغة العربية فعلا من رسالة فى العصر الحديث مكنها من المحافظة على ذاتيتها بتأكيد استقلالها عن اللغات الاخرى وقد اتسعت فعلا الى التفكير الحديث على صعوبته وتشعب مناهجه ، كما وفقت فى نقل المفاهيم العلمية بما خلقته من مصطلحات ملائمة ، ومما لا شك فيه أن اللغة العربية قد حييت بعد انبثاق فجر النهضة الحديثة فأصبحت من جديد لغة العلم والثقافة وأداة التفكير المتجدد .

ويتجسم العامل النفسى الاجتماعى فى محافظة اللغة العربية على سمة الاعتزاز بها فكل لسان مهما كان نوعه ومهما كان أهله لا بد ان يستوعب الواقع الحضارى المعيش لان الفكر البشرى لا يستقيم نسقه إلا وهو مفجر لنفسه من اللغة منافذه ، ولذلك كان تحديا أن يعتنى بالفكر من خلال أداته، وهذه هي الرسالة التى أدتها للفكر مجلة «الفكر» وهى الرسالة التى أدتها له عبر احتضانها لقضية أداته ، وما قضية أداته الا قضيته ، وما قضيته الا القضية الكبرى لمجتمع جذوره فى التاريخ وأطرافه اليوم تنتظر التاريخ .

اشترك في نشرتنا البريدية