الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

الفكر ..!

Share

خير الكلام ما قل ودل . . ولقد طلبتم أن تكون الكلمات التى ستلقى بمناسبة الاحتفال بمولد مجلة الفكر الثلاثين موجزة ، بدون تطويل ولا زخرفه ، وهذا طلب في حده معقول وجميل ، ولهذا فسأسعى للايجاز ولن اطيل ، إذ كم من الكلمات الطويلة لا تتضمن الا الحشو والتنميق ، وكم من كلمات قصيرة تمتلك اردية حريرية شفافة من الحقائق والجمال والتبحر العميق !.

ولدت - مجلة الفكر - مثل كثير من المجلات الادبية ، ولكن هناك مجلات كالمواليد - تموت بعد فينة قصيرة او طويلة ، واخرى أقل عددا ووفرة تنمو رويدا رويدا وتزدهر ، ويتضخم جذعها ، وتتفرع اغصانها الخضراء المورقة وتتكاثف ، وبمرور الاعوام يكبر حجمها ، ويتسع ظلها ، واذ بها تصبح موئلا للمتعبين ، ومحطة للمسافرين ، وملجأ للمرهقين ، ومتعة للمتنزهين التواقين الى الفئ والظل المريح !..

والفكر ، ما هو الفكر ؟ والانسان من هو لو لم يكن متصفا بالعقل والتفكير ؟. ولكن ليس كل الناس يفكرون بتعقل ورصانة ، وليسوا كلهم بحق مفكرين!.. وهكذا المجلات التى يعيش بعضها ، والاكثرية منها لا تكاد تتنفس حتى تلفظها الحياة !.. كتب علينا الفناء ، على البشر جميعهم ، بما فيهم من سام وحقير ، ورفيع ووضيع ، وكذلك على الحيوان والنبات ، وحتى على البناء والحجر ، ولو بعد قرون ... شئ واحد يبقى خالدا لا يفنى ، وهو الفكر !. الانسان يموت ، أما الفكر فقد كتب له الخلود ، وخاصة عندما يرتفع عن كل سطحى وزهيد في الوجود ، ويكون دأبه السعى الى الارتقاء والسمو !..

عصرنا هذا رأيت محلتين نالتا اعجابى واعجاب الكثيرين بدون شك ، وجازتا على تقديرى واحترامى وهما : المفكر ، والاديب . . فلا صور ملونه ،

ولا صفحات مزوقة ، ولا اعلانات مغرية تغرى البصر ، وتستحثه على الشراء للاطلاع ، بعد ان يتملكه الفضول والاغراء !.. لا شئ فى هاتين المجلتين ، الا ما يدور فى نطاق الفكر من شتى الآراء والنظر ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، فيما يهم هذا الآدمى الساعى على قدميه فتارة ينظر الى ما امامه ، وتارة اخرى يرنو بنظره الى السماء يستشف ما تصوره هذه الحياة فى شؤون وشجون ، بقى ابن آدم حائرا أمامها ، عاجزا عن أن يستطلع ما غمض عليه من اسرارها ؟ ! . .

المجلة التى لا تعتمد الا على القلم المبدع الرصين لا تعيش الا بتضحيات جلى قل من يقدم عليها ، رأينا - صاحب مجلة الفكر - الاستاذ الاخ محمد مزالى يتحدث عن تضحياته فى سبيلها ، وهو يهتز تأثرا وفخرا لما قاساه فى سبيلها ، بدون ندم ولا حسرة ، من أجل ان تعيش ، واحاديثه تشبه مجلته برضيع جاء الى الوجود بقوى ضعيفة ، ومادة ضئيلة .

وكان لابد من تثبت صاحبها ، بكل ما عنده من عزم وجرأة وتفان لانقاذ الرضيع العزيز من الموت !.. سمعت أمثال هذه الاحاديث مرات عديدة ، وتأثرت لها أعظم تأثر ، وفى كل مرة أذكر كذلك مجلة الاديب التى بقيت كأختها - الفكر - تحمل افكارا وافكارا بدون اى اعتماد على الزركشة والتزويق . وقد باع صاحبها مكتبته الضخمة وكتبه الثمينة لتعيش !..

الفناء قدر محتم على الجميع ، الا على الفكر ، فالفكر باق حتى بعد ذهاب صاحبه ، وهو كالنور يفيض بهجة وسناء ، النور القدسى الذى يحث الانسان على فعل الخير والعمل الصالح والبناء والتشييد لا من أجله فقط ، بل كذلك من أجل الآخرين !. .

مجلة الفكر ، هذه المولودة الغالية ، التى نمت وترعرعت واصبحت فتية رائعة ، بفضل الرعاية الدائمة والتضحيات المستمرة ، هذه المجموعة من الصفحات التى تصدر كل شهر بلونيها الاثنين - الابيض والاسود - وكأنها يعبران عن دوام الحياة ، النور والظلام ، الزهو والترح ، المرح والانقباض ، الابتسام والعبوس ، الشروق والغروب ، وبعبارة أوجز ، عن الليل والنهار !.. هذه المجلة نحتفل اليوم بعيد ميلادها الثلاثين ، ونحن نفكر : سنرحل عن هذه الدنيا ، أما هى فلها المجد والخلود !!...

اشترك في نشرتنا البريدية