لقد أقر " شيخ علم " من قومك في مطلع دراسة " ملأت تونس وشغلت اهلها " ان شأن العرب مع أدبهم غريب . ورغم تخوفك من الانزلاق فى محنطات القوالب تستطيع ان تقول ان شأن الفلسفة غريب ، ضبابى وأغرب منه شان قومك منها .
تستقرىء التاريخ ، فتجد المعرفة الفلسفية من أعرق أنماط المعرفة ، طالعتنا بعمالقة صبغوا العقول وتتجاوز بعضهم الاشخاص الى تراكيب الدنيا فغيروا مجراها .
فترى - رؤية العين ورؤية القلب - أن التفكير الفلسفي يتجاوز اللهو والمهاترات والتهويمات الى الغوص على منزلة الانسان فى انيته واجتماعه ، فى دينه ودنياه .
ثم تجول بنظرك فيما حواليك ، فتجد قومك تتقاذهم فى شؤون الفلسفة المفارقات والمتناقضات . فمنهم من يتهافت عليها تهافت الفئران على خفي الاشراك ، فيتخم بها ويزور لها عن الحياة وصروفها .
ومنهم من " يعوذ بالله منها " شاحنا فيها الاشرار والآثام ، حامدا لمن نادى " ان كان الكفر أحب الى نفسه من فاء الفلسفة " .
فتهيم بين الامر ونقيضه وتزيد تعمقا فى قومك متمثلا ما نادى به أرسطو من الاعتدال ، علك تجد بينهم ما لا تنزعج له نفسك لما جبلت عليه من التخوف من الثنائيات المزعجة والمانويات المحنطة . تطيل النظر وشعارك الصبر ،
وتجيل الفكر ومعاذك التريث ، فترى فى القوم ألوانا وألوانا . يصادفك المستثقف الذي ما زال يوخزه داء المطالعة ، وتعلم أن هذا الداء من الناس قليل ، تشفيه عادة الشهادة المخولة للتدريس او للادارة - فتجده قرأ بعض لتعاليق الفلسفية وحواشى لقدماء او محدثين . فبقيت له من هذا الشتات المتناثر أفكار قليلة وشعارات كثيرة امتطاها لمصارعة كل من ينازله فى ميدان الفلسفة متصورا ان بيده السيف القاطع والدرع الواقى والحجة المذهلة .
وتنصت لحديث العهد بالبا كالوريا ، فيكاد يسرد عليك - مع أنك تصورت زمان السرد ولى وانقضى - مقاطع " كانطية " وأقانيم " ماركسية " واهازيج إفلاطونية" . فتعجب لنجابته وتنشرح لفيض تطلعاته ، ولكنك لا تربط بين كل ما رواه لك وتتحرج فى ان تطلب منه ان يعينك على هذا الربط لأنك علمت مند القديم " أن فاقد الشئ لا يعطيه . فتزيد توغلا في شؤون قومك ، فيصادفك من يريد الارتماء فى بحر الفلسفة ، ولكنه يجاهرك بضبابية نسالك أمامه ، فلا يعرف مآخذ الامور ويخاف أدغال المجلدات . تريد مواصلة الجولة ، فلا تقوى على ذلك لما تشعر به من دوار بدأ يزعجك وأسئلة ملحة تنقض عليك فتحدث وسواسا قهريا ، فترجع الى نفسك علك تنفض عنها من علق بها من ذهول وتتساءل " هل الداء فى الفلسفة ؟ هل هو فى قومي ؟ أم هل هو فى أرضية تربوية كاملة يتحتم اصلاحها وتعهدها لتنجو الفلسفة من الغبن والالتباسات وليسلم القوم من البلبلة فى " تمشرقها او تمغربها " .
تلح عليك هذه الاسئلة ، فتقوى على نفسك وتستجمع شتات فكرك محاولا الخروج ببعض الخواطر التى قد تعين - ان قريبا وان بعيدا - على تبين الحال . وسلواك فى كل هذا أن " من اجتهد واصاب فله أجران ومن اجتمد واخطأ فله أجر واحد " .
فاقتحم الاجتهاد متحملا تبعاته وادع قارئك الى لقاء قريب . فالقضية شائكة تحتم الحكم ، وقد تستدعى " الاستئناف " وربما تتتجاوز ذلك فلا يسعها " التعقيب " .
ملاحظة : هذا الفصل مدخل لدراسة مطولة نحن الآن بصدد اعدادها تحت عنوان " ه امش فلسفية " .
