الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الفنان ... هذا الكائن العجيب !

Share

لقد تحدثت فى بحثى السابق ( 1 ) " بين الفن والجمال " عن التناغم فى العمل الفنى ، وما يتطلبه هذا التنغيم من ايحاءات جمالية من اللازم توفرها فى العمل الفنى ، حتى يكون له بذلك صلة متينة بذات الفنان ، باعتباره يحاول التعبير عن احساساته بواسطة ما ينتجه ، وحتى يكون ذلك الأثر ، يحمل فى أطوائه بذرة الوعى الاجتماعى للآخرين .

وفى هذا البحث ، سأتناول مسائل أخرى لها علاقة قد تمس المسائل السابقة من بعيد ، ولكنها تتصل اتصالا مباشرا بالفنان . هذا الكائن العجيب .

وأول ما أبدأ به هو طرح السؤال التالي : هل يمكن لعمل الفنان ان يكون عقليا ؟ وهل يتناقض هذا مع قولهم من أن الفن لغة العاطفة ؟

ان الجواب على السؤال الاول لا يعنى أن عمل العقل فى ميدان الفن هو كعمله فى ميدان الحسابيات مثلا . معنى ذلك ان العقل لا يعاني الصور التى اثارت انتباه الفنان مجردة عن احساساته وميوله ، وعن العوامل الخارجية التى اثرت فيه ، لانه بذلك لا يمكن أن تتوفر ما أسميه " بالروعة الفنية " التى يكون لها الفعل السحرى على الجمهور .

انما عمل العقل فى ميدان الفن هو التحكم فى دفق الاحساسات التى تثيرها العوامل الخارجية ، وتنظيمها بصورة متسلسلة ، يبدو فيها التتابع المنطقى ، الذي من شأنه أن يوفر التلاحم بين أجزاء العمل الفنى .

وهذا التلاحم كثيرا ما يحقق التكامل الجمالى بين اجزاء الأثر ، الا أن هذا لا يحدث عادة الا اذا وعى الفنان وجوده وعيا كاملا . والوعى عندى مرادف للاحساس . فهو يقظة مستمرة ، وتفاعل دائم يصاحبه عمل .

وهذا كثيرا ما يضمن للعمل الفنى " معرفة غيبية مدهشة ببعض القواعد الفنية فى حقلى الايقاع والتأليف بنوع خاص " (1) .

فاذا ضمن الفنان تفاعلاته مع العالم الخارجي " بصدق " فى أثره ، فاننا كثيرا ما نشعر بأن وراء ذلك الأثر فكرا ثاقبا يتلمس قضية من القضايا وروحا متيقظة تهفو الى حلم من الأحلام .

فالعاطفة توفر فيه الايحاء الجمالى ، والعقل يوفر فيه التنظيم والمنطق ، اللذين يسايران منطق الحياة .

لذلك فهو لا يكفي الخيال الخصب ، والشعور النافذ الرقيق لكى ينال الأثر الفني الرضا والاستحسان ، بل لا بد أن تخالط هذا دقة فى التفكير ، تزدهر معها الحياة الفنية ، التى تنمو وتتسع " بالاشراق المفاجئ " الشبيه باشراق المتصوفة ، والذي يكتشفه الفنان فى ذاته بفعل التفكير المستمر فى موضوعه ، قبل الشروع فى تنفيذه .

وصفة الاشراق هذه تخضع لعواما عديدة تتصل بنفسهة الفنان أولا ، وبالمحيط الذي يعيش فيه ثانيا .

فقد يستطيع الفنان هضم ما فى محيطه من تيارات اجتماعية وسياسية واخضاعها لعملياته الفنية وقد لا يستطيع ، وهذا يرجع الى عدة عوامل تتصل اتصالا مباشرا بدراسات علم النفس ، وسيتضح هذا فيما بعد ، عند الكلام على مشكلة " التقمص " لدى الفنان ، وسيطرة الأنا الأعلى على بقية الغرائز الأخرى .

وقبل المضى فى البحث علينا أن نبين أكثر فأكثر كيفية " الاشراق المفاجئ " وهو الذى يعبرون عنه بالالهام . فما هى العوامل يا ترى التى تساعد على انمائه ؟ ؟

لا أكون مشطا عندما أقول أن أهم عامل هو ما سماه علماء النفس : بالنشاط النفسي ، وأفسره تفسيرا خاصا : بأنه ذلك التفاؤل المستمر ، وذلك التشبث بجدية الحياة وجدواها ، وشعور الفنان برسالته كفرد له دوره فى الحياة

الاجتماعية ، كل هذه من العوامل التى تحدث توترات فى نفسية الفنان ، وبالتالى توسع من نطاق تفكيره ليلم بقضايا عصره ، ويتفهم اساليبه الحياتية ، ونظمه الاجتماعية ، وهذه عناصر اولية ينطلق بواسطتها من الواقع الاجتماعى الى واقعه الخاص ، ومما هو معلوم فى عالمه المعاش الى ما هو مجهول فى عالمه المعقد . فيحدث عندئذ ما أسميه بعملية " الاستبطان " وهي التى تؤدى بالفنان الى ادماج هذه القضايا فى آثاره ، وعملية الاستبطان هى عبارة عن استحضار الخبرات والتجارب السابقة من مخزون اللاشعور ، وانتقاء ما يفيد منها فى تلك العملية الفنية بالذات .

وهذا يكون بصفة خاصة في عملية الخلق الادبي ، لأن الاديب يحتاج الى مراجعة معلوماته السابقة أثناء الكتابة ، سواء كانت متعلقة به أو بالآخرين .

ولا يمكن ان نتحدث عن عملية الاستبطان هذه الا مع الذين لهم حظ من الموهبة والاطلاع الواسع ، لأنها ترتكز على خصوبة الذات الفنانة ، وأعنى بذلك كثرة التجارب التى يكتسبها الفنان ، هى التى ترسم فى ذهنه نماذج بشرية معينة يستطيع تخيلها اثناء الكتابة بصفاتها التى تميزها . فيصف المجرم بانحرافاته النفسية اذا كان هذا بطلا لقصة ادبية ، ويرسمه بملامحه القوية العنيفة اذا كان هذا انموذجا اجتماعيا فى لوحة فنية .

وهذه نقطة من نقط الالتقاء بين الفنان والاديب ، فالاول اثناء رسمه لشخصية المجرم مثلا ، يصوره ككل ، ولكنه يلح على تقاسيم وجهه ليدلل بذلك على اجرامه ، وانت عندما تتأمل اللوحة تستطيع التعمق فى أغوار نفسيته ابتداء من المامك بهيأته الخارجية .

اما الثاني اى الاديب ، فهو يلح على وصف المجرم وبيان نظرته للحياة من خلال أعماله ، وبامكانك أن تتصور هيأته الخارجية ابتداء من معرفتك لنفسيته . فالفنان يبين لنا ظواهر الموجودات لنتسلل نحن الى اعماقها من خلال الابعاد الفنية .

اما الاديب فيرسم لنا بواطنها لنكتشف بأنفسنا حالتها الظاهرية . ولعل هذا سيزداد وضوحا فيما بعد ، عندما أقارن بين الفنان والاديب من ناحية استعمالهما لمادة الفن (1) .

الاستبطان والفن للفن :

ارجع الى عملية الاستيطان التى يمكن أن أقول على اساسها ، أنه ليس هناك فن للفن ، بل هناك فن للمجتمع ، مهما كان نوع الانتاج ، ومهما قال النقاد فى شأن هذه القضية . لأن استحضار الكاتب او الفنان لمعلوماته السابقة ، وتجاربه السالفة ، اثناء استبطانه لنفسه ، تدخل بصورة مباشرة او غير مباشرة العادات والاساليب الاجتماعية التى تأثر بها الاديب او الفنان فى العملية الفنية . فلو درسنا أثرا من الآثار التى يقول اصحابها انها من قبل الفن للفن دراسة نفسية ، اى تعتمد على علم النفس ، فلا شك أننا سنجد فيها أثارا اجتماعية يختلف مقدار بيانها او خفائها باختلاف درجة تعقيد المؤثرات التى عملت في نفسية الفنان . ولازدياد الوضوح نأخذ مثلا أحد الفنانين الذى صور على لوحة ارضيتها بيضاء دائرة سوداء ، ولما سئل عن مغزى اللوحة قال : انها تدل على فناء العالم ، او العدم ( le neant ) . تساءلنا عن الاسباب التى دفعته الى تصويرها ، وعن العوامل التى احضرت امام ذهنه - فى فترة رسمه لهذه اللوحة - صورة فناء العالم لاستطعنا أن نصل الى المؤثرات الاجتماعية ، او الصدمات النفسية التى تعرض لها هذا الرسام ، فتركت في لا شعوره صورة سوداء ، طفت أثناء عملية " الاستبطان " التى هى المرحلة الاولى لعملية الخلق الفنى .

فالفنان مهما أراد أن يبعد فنه عن قضايا المجتمع يجد نفسه بالضرورة فى خضمها ، باعتباره كائنا يتأثر بمؤثرات الآخرين ، وباعتبار ان كل أثر له هدف وله منحى ، والا كان من قبيل العبث لا غير .

وهم كثيرا ما يطلقون قضية الفن للفن على ذلك النوع من الفنون الذي لا صلة له بالاخلاق ، فهذه قضية تستحق النظر من جديد ، واعتبر أن لا أساس لها من الصحة ، فالفن فى صميم الاخلاق حتى ولو صور التفسخ الاجتماعى (1).

وعلى هذا الاساس يظهر مبدأ الفن للفن أسطورة يتقى بها الفنانون هجمات النقاد .

اللاواقعية والفن :

إن عملية الاستبطان تجعل الفنان يتمثل كل معلوماته السابقة . معنى ذلك أنه يصبغها حسب اتجاهه الخاص ، وحسب نظرته لعالم الاشياء والناس ..

ومن ثم يكون الواقع الفنى يختلف اختلافا ولو جزئيا عن الواقع المعاش . فالفكرة التى ترسب فى أعماق الفنان بالرغم عن كونها تستمد من عالم الواقع ، الا انها تتأثر باتجاهه كما قلت ، فتكون مشذبة ، او بالاحرى مهذبة فى عالم الفن . فلا يمكن أن يكون واقع مسرحية عهد البراق على المسرح ، هو نفس الواقع فى الحياة الاجتماعية فنحن نتأثر بها عندما نشاهده على المسرح . فنلمس فيها نفوسنا وأوضاعنا ، ولا يمكن أن يحدث لنا نفس التأثير لو عشنا أوضاع تلك العائلة فى حياتنا اليومية . وسبب ذلك ان الأثر عندما يستلهمه الفنان من واقع المجتمع يكيفه ، ويحوله عما هو كائن الى ما يبغى أن يكون ، وتتدخل فى هذا التحويل مثل الفنان ونزعاته ، وبالتالى فهو يلبس ذلك الاثر ثوب عالمه الذاتى ، ويدخل عليه شيئا من التقنية والتصفية ، حتى يشعر الجمهور بلذة وراحة تتأتيان من مشاركته ( الجمهور ) للفنان ومشاطرته رأيه فيما ينبغي أن تكون عليه تلك الاوضاع الاجتماعية .

وهذا يؤدينا الى نفى ما يسمى بالفن الواقعي اذ ليس هناك فن يتقمص لواقع كما هو ، فيسررد ما فى ذلك الواقع سردا دقيقا ، ويقلده كما هو كائن (1) بل لا بد ان تتدخل فى عملية النقل أو التقليد شخصية الفنان ، فيخرج الاثر من ثم من نطاق الواقعية المعاشة ، الى ما اسميه بالواقعية المثالية فى الفن وهى تختلف عن الاولى اختلافا جوهريا ، فالاولى تتصف بالجمود وبعدم الحركية بخلاف الثانية التى توحى للناظر بكنه ذلك الشئ والاشياء التى من نوعه . كما تحمل لنا فى أطوائها المؤثرات الخارجية التى أثارت انتباه الفنان ، ودفعته للقيام بذلك الاثر بالذات .

- هل الخلق الفني خلق ؟

على أساس ما تقدم يحق لنا أن نتساءل : ما هي عملية الخلق الفنى ؟ وما هى العناصر التى تكونها ؟ وهل الاثر العبقرى خلق جديد كما يقول البعض ؟ هذه اسئلة تتبادر لذهن ، ولكنها فى الواقع عويصة العلاج مستعصية الجوانب ، وسأحاول معالجتها على أسس علم النفس .

فعملية الخلق فى نظري تتدخل فيها عدة عوامل اولا عملية الاستبطان السابقة الذكر ، وهي التى تسمح للفنان بتحفيز خبراته واستجماع انفعالاته ، واثارة تصوراته ، حسب ما يقتضيه الاثر ، حتى يحدث فى نفس الفنان ما سماه فرويد " بالكبت " وهو فى نظري تلك النوازع المختلفة التى تسبب للفنان ذلك الدفق الداخلى من الالفاظ المتتابعة والافكار المتتالية اذا كان شاعرا ، او تلك الصور والابعاد المتناسبة التى تتوافق مع الشئ فى واقعه ، إذا كان الفنان مصورا . ثم تتدخل فى تصريف هذه العملية شخصية الفنان ، فتسيطر على مجموعة العوامل التى يحس بها فى نفسه ، ثم تصرفها حسب مقتضيات الترتيب المنطقي ، التى من شانها أن تكسب الاثر وضوحا يؤهل الجمهور لفهم ذلك الاثر .. ويولد الكبت نفسه ، فى أعماق الفنان شعورا بالتفوق على الآخرين ، وهذا الشعور يولد بدوره نشاطا نفسيا فى ذات الفنان ، او يولد فيه ما سماه عز الدين اسماعيل بالزهو (1) ، وهذا المنزع يدفع الفنان الاصيل الى نشدان منهج جديد في آثاره وابتكار صيغ تختلف عن صيغ الآثار الاخرى التى من نوعه، وهذه الجدة من شأنها أن تثير اندهاش الجمهور وتصدمه لانه لم يتعود مثل ذلك النوع من الآثار الذي يخالف ما تعارف عليه الناس ، وعادة ما يكون لمثل هذا لاثر ابعاد مختلفة يكثر فيها التأويل والتحليل ، ويذهب فى شأنه النقاد مذاهب شتى . فهذا الاختلاف فى التأويل ، وتلك الدهشة التى تولدت فى الجمهور ، بدفعان الناس وخاصة أهل الفكر الى وصف ذلك الاثر بالتفوق .

ويدخل هنا الرمز الفنى كعامل أساسى من العوامل التى تزيد فى اشكال الاثر وتكثر من الاقوال حوله . والرمز هو مظهر من مظاهر العداء النفسى الذي يكنه الفنان للآخرين . فهو انسان أنانى ، يريد اعجاز غيره ، وبالتالى يريد منهم التسليم بعبقريته .

وأصل هنا الى الاجابة عن السؤال السابق : هل الخلق الفنى خلق ؟ فأقول مع بيرك : " ليس هناك مكتشفات كبيرة فى الطبيعة الانسانية . والحقائق التى ترتكز عليها حياتنا تكاد تكون معروفة للناس جميعا ، فلسنا فى حاجة الى تعلمها ، وقد تعلمناها من قبل ، لانها ليست الا تطبيقا لادراكاتنا الغريزية على تجاربنا فى الحياة العادية "

اذا ليس الاثر العبقري بجدة مادته ، انما بالمنهج الذي ينتهجه ، وبصدق نفاعله مع الحياة . فباعتبار الفنان او الاديب كائنا شاذا عن المجتمع بحكم

مزاجه وطبيعته ، فقد يأتى فنان من الفنانين ويوغل فى الشذوذ ، فيبنى لنفسه عالما خاصا مستمدا من واقع الناس ، فيستمد منه آثاره التى تكون بالضرورة شاذة تمثل شخصية صاحبها . وأعني بكلمة الشذوذ هنا مخالفة ما تعارف عليه الناس . فتكون عبقرية الاثر .

وليست هذه الصفة كما قلت آتية من كون الاثر يحتوى على مادة جديدة لم تعرف فى حيز الوجود الفنى . بل المادة موجودة فى غرائز الفنان ذاته ، وفى تجاربه الشخصية ، انما هذه الصفة آتية من الصبغة المبتكرة التى أخرج فيها الفنان أثره . فالائر الفني اذا هو اكتشاف وليس بخلق ، وهو بحث وتفكير متواصل ، لا وحي ينزل تنزيلا .

- الصراع الفكرى والفن فى الرمز :

اختلاف وجهات النظر حول الاثر الواحد ، وخاصة ف الفنون التشكيلية يوضح الصورة الكاملة للحياة الاجتماعية ، ويستوفى البحث فى الجوانب المتعددة للحياة الفكرية . ويكثر الاختلاف فى الفن التشكيلى لاعتماده على الرمز وسأحاول هنا ايجاد جواب للسؤال التالي : لماذا يوجد الرمز فى الفن وكيف نفسر وجوده ؟

عندما نبحث فى هذا المجال لا ينبغي أن نفصل الرمز عن الموضوع ، لانه نكملة له ، يؤدى دلالة خاصة من دلالاته ، الا انه يمتاز بتعقيد ناتج عن الصراع فى الحياة العقلية والباطنية للفنان ، صراع ينشأ بين الشعور واللاشعور أو بين " الانا " الاعلى الذى يتمسك بالقيم الاجتماعية ، وبين الــ " هو " الذى بريد التمرد على المعايير الاجتماعية . والاخلاقية بأعتباره جامعا حيوانيا ، لا يقبل العقل والمنطق الاجتماعى . فينشأ من هنا تحرج الفنان من مضمون أثره الذي قد يكون منافيا للمقاييس الاجتماعية الموجودة ، وتحرجه هذا له علاقة " بالانا " الذي يسير حسب المقضيات المنطقية للعالم الخارجي ، فتنشأ من ثم الحماسة في اعماق الفنان ، التى عرفها علماء النفس : بانها العاطفة المشبوبة من الارادة (1) معنى ذلك أن قوة الشخصية الفنانة تتدخل للسيطرة على هذه النوازع . ولارضاء الذات العليا والــ " هو " يلجأ الفنان الى الرمز الذى بضمنه أهدافه الفكرية والاجتماعية وميوله الغريزية . فيكون من ثم الرمز فى الفن والشعر محببا الى النفس ، ولكنه مكسو بغيمة ضبابية ، تترك المجال الواسع لتسريح الفكر واعمال الرأى بالنسبة للنقاد . ويكون من ثم كذلك

استحسان الجمهور لتلك الرموز ، لانها تنظم الايقاعات الذاتية للمتفرج مع ايقاع العالم الخارجي ...

وهذا التنظيم الداخلى فى نفس المتأمل يقع حسب فكرة مسبقة عن التنظيم الخارجى للايقاع الجمالى الذى يناسب ذوقه ، وبين الايقاع الوجودى الذى يحسه احساسا قبليا .

وأهم سبب فى نشوئه هو الاختصار ، كذلك يدخل فى تكوينه عامل آخر هو الاستقلال الذاتى الذى يشعر به الفنان . ومشكلة الاستقلال الذاتى لها دخل فى عملية التطوير الفنى التى سنتكلم عنها فيما بعد . ولنتحدث الآن عن مشكلة :

- التقمص :

واعنى به تقمص الفنان لنفسيات شخصياته فهل كاتب القصة مثلا عندما يصور مجرما ، يكون فى تلك اللحظة يشعر بالاجرام ؟ وما هى العوامل التى لا تجعله هو مجرما بدوره ؟ ان الفنان ككائن بشرى تكمن فى ذاته جميع الغرائز التى شرحها علم النفس ، كغريزة المقاتلة ، وغريزة الاستطلاع ، وغريزة السيطرة وغيرها . بامكانه على ضوء هذا التصرف فى غرائزه وتحويرها اذا اقتضى الامر . وكل غريزة من هذه الغرائز هى رهن للاستجابة الشرطية وبالتالى هى رهن حاجة الفنان ، اذ تطفو غريزة الاجرام مثلا ، من مستوى اللاشعور الى مستوى الشعور ، باشراف الانا الاعلى ، فيتمثل الفنان المجرم بهيأته وميوله ونوازعه ونظرته لعالم الناس ، ويضمن ما شاء من هذا فى أثره . فنشعر به فى القصة أو فى اللوحة كائنا مستقلا يتصرف فى أهوائه ومنازعه بحرية . والشخصية المجرمة فى القصة هى فى الواقع نسخة من غريزة الاجرام الكامنة في ذات الفنان ، مع تحويرها حسب متطلبات الاثر .

الا انه قد تتدخل غرائز أخرى ، كغريزة السيطرة لدى الفنان لاستكمال شخصية البطل فى ذلك الاثر ، ولاكساب تصرفاتها منطقية تجارى منطق الحياة .

والذى يمنع الفنان من أن يكون مجرما هو سيطرة الانا الاعلى الذى يكون قويا لدى الفنانين بفعل المزاج الحاد .

وكثيرا ما تسيطر غريزة حب الاستطلاع لدى الفنان على بقية الغرائز

الاخرى ، فلا يشتغل الا بما يقوى خبراته الفنية ، وبذلك لا يكون الفنان فى عالمه الواقعى يسلك نفس سلوك بطله فى القصة .

- عوامل التطور الفني :

ان " الاستقلال الذاتى " للفنان ينفى الجمود من المجتمع ويولد الحركية التى هى عنوان التطور ، وهذا الاستقلال يقصد به الباحثون هروب الفنان من متاحف الماضى ونزوعه الدائم الى استكناه غياهب المستقبل ، كما يستلزم الاستقلال بالذات " الثقة بالنفس على أن لا تكون هذه الثقة ليست استبدادا ، بل خاضعة لحكم المنطق والعلم والبرهان " (1)

حتى يمكن للفنان أن يقنع جمهوره بانتاجه وحتى يستطيع بقوة حجته التى تكمن فى الابداع نفسه أن يكتسب رضا الآخرين ، الذى من شأنه ان يزيد فى ثقته بنفسه ، وبالتالى يمكنه ذلك من الابتعاد عما هو روتينى خال من روح الحياة المتطورة ، لان الاساليب القديمة المعادة " تغلق أعيننا عن وضعنا المحسوس فى عالم اليوم ، وتعوقنا على بناء عالم انسان الغد " (2) .

ولو حاولنا تعليل هذه النزعة التقدمية لدى رجل الفن ، فطبيعة الحال ، سنجد جذور نزوعه الى التطور فى مظاهر الكون حولنا ، والفنان بحكم طبيعته اكثر الناس التصاقا بروح الوجود ، فهو يتطور بتطوره حسا ومعنى .

- الذاتية في الفن

قبل الايغال فى البحث ، بودى ان ابين حسب مقتضى ما وضحته سابقا مشكلة الذاتية . اذ يتضح مما سبق أن الاثر نتيجة انفعالات مختلفة ، تدفع الشاعر او الفنان الى خلق أثر معين دون آخر ، والى سلوك مذهب فنى دون مذهب ثان .. نستنتج من كل هذا أن الاثر ذاتى لا موضوعى . ونستطيع أن نعمم هذا الحكم على كل الآثار ، عدا الآثار العلمية التى تعتمد على حقائق مقررة لا تقبل الجدل . والذاتية فى الفن تختلف معاييرها باختلاف الآثار الفنية ، فهي تكون حادة وموغلة فى الحساسية فى الفنون التعبيرية وخاصة الشعر ، وتكون ضعيفة خاصة فى الفن التكعيبى الذى يتحول من العمل الفنى الى العمل العلمي ، لانه يعتمد فى مجموعه على الاشكال الهندسية . ولكن مع

وجود الذاتية فاننا كذلك نلمس الموضوعية فى الاثر ، ولا يتناقض هذا مع ما قلته سابقا ، لان الذاتية الفنية تحمل في اطوائها بذور الموضوعية ، التى تختلف اختلافا كليا عن موضوعية العلم ، وهي نتيجة نشدان الفنان للحقيقة . والحقيقة هى كل شئ يدوم كما عرفها البير كامو .

وفي الاثر الفنى الاصيل ، نلمس محاولة الفنان تقريب ابعاد الحياة الى مفاهيمنا الضيقة حتى نكون بها أكثر اتصالا . كما يحرك فى نفوسنا الاهتمام بوجودنا . وذلك يخلق ضمائرنا الميتة من جديد . " وخلق الضمائر الميتة هو تحطيم للمسافة التى تفصل بيننا وبين العالم " (1)

اشترك في نشرتنا البريدية