الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

الفن المسرحي بين النص والتمثيل،

Share

يجب ان نعترف اولا بحقيقة لاجدال فيها وهى اننا دخلاء على الفن المسرحى لا على الفن المسرحى فى حالته البدائية البسيطة ، لانها موجودة عند جميع الامم والشعوب منذ نشأتها . ولكن على الفن المسرحى بالمعنى الذى تعرفنا به اليه فى عصرنا هذا . فالأدب العربى لم يعرف المسرحية بصورة عامة والمسرحية المستكملة الاركان بصورة اخص . والحوارات الاخلاقية التى كتبها محمد بن دانيال فى قالب شعرى فى القرن التاسع للهجرة ليست الا صورة بدائية صبيانية لهذا الفن . والقطع المسرحية التى كتبها الفرس بلغتهم اولا ونقلت فيما بعد للغة العربية بعنوان (( التعزيات الشيعية )) بقيت محدودة فى زمانها ، ومكانها ، ومواضيعها ، واغراضها ، ومراميها ، ولم تتقدم ، ولم تتطور ولم يؤلف على منوالها غيرهم من ادباء العرب وشعرائهم . والجهود المشكورة التى بذلها وما زال يبذلها بعض الادباء والمؤرخين للبحث عن هذا الفن فى تراثنا القديم لم تأت ولن تاتى بننتيجة غير التى ذكرنا لانهم لا يجدون في هذا التراث الا بذورا للفن المسرحى او المادة الخام التى كانت سببا فى نشأة التمثيل بغيرنا من بلاد العالم وهى الحفلات التى تقيمها الطرق الدينية فى مواسم معلومة من كل سنة .

فقد تعرفنا الى هذا الفن عن طريق الامم الاروبية بعدما مرت عليه بها قرون وقرون ، وبعد ما استكمل بها نصابه . ودخل فى عاداتها وتقاليدها واصبح بالنسبة اليها شيئا ضروريا يقرأ له كل حساب ولا يمكن الاستغناء عنه

وحيث ان التمثيل دخل غيرنا من البلاد العربية منذ اكثر من قرن ، ومنذ أكثر من نصف قرن بالنسبة لبلادنا التونسية ، وحيث اننا احببناه ، وتبنيناه ، وأنشأنا من اجله المدارس والفرق فقد وجب علينا ، اذا ما أردنا ان نعلم كيف أستخدمته الامم لتحقيق نهضتها ، وكيف كان عنصرا فعالا من عناصر رقيها وتثقيف جماهيرها ، وتوجيهها اخلاقيا واجتماعيا ، وتكوين وحدتها القومية قلت ، وجب علينا ان نتناوله بالدرس الجدى المستفيض ، والبحث المدققق العميق ، كى يمكن لنا ان نتعرف الى مختلف اطواره ، والى اركانه ووسائله وأساليبه تأليفا واخراجا ، وان نترك جانبا تلك الطرق الرخيصة لاستجلاب الجماهير بطرق مواضيع سخيفة لايرمى اصحابها من ورائها الا الى اثارة الضحك بابخس الوسائل . هذا من جهة وان نستمر من جهة اخرى فى الترجمة والاقتباس ، على شرط ان نباشر التأليف فى نفس الوقت كى نوجد لانفسنا مسرحا قوميا حريا بهذا الاسم ، يشرفنا ويمكن لنا ان نباهى به الامم ، مسرحا

عربيا تونسيا صحيحا ، ليستوحى مواضيعه من تاريخنا ومن واقعنا فى لغة حية عصرية لاتحاكى المعلقات والمقامات ولا تنزل الى تعاببير السوقة والرعاع

والجدير بالملاحظة هو اننا لانعرف ليومنا هذا اديبا من ادباء العرب ابدى اهتماما كاملا بالموضوع من حيث الدرس والتحليل والنقد ، وان ما نطالعة احيانا فى كتب ادباء الشرق مثل محمد تيمور ، وتوفيق الحكيم ، وبطرس البستانى ، واحمد حسن الزيات ، ومحمد يوسف نجم وغيرهم لا يتجاوز ذكر الظروف التى عرف فيها التمثيل بالبلاد العربية او البحث عن الاسباب التى لم يوجد من اجلها التمثيل بالبلاد الاسلامية ، او تطور المسرحية العربية من الترجمة والاقتباس الى محاولة التأليف ، ومشكلة اللغة ، الى غير ذلك من المسائل الثانوية ، بحيث انها لا تشفى غليل الباحث الاخصائى لان هذه الدراسات ، وان كانت كثيرة الفوائد ، فانها يقيت سطحية ولم تدخل الا قليلا فى صميم الموضوع .

فالمسرح ، - هذه الظاهرة الاجتماعية الكبرى ، هذا المعبد الذى قد تطور الى ان اصبح ناديا ادبيا راقيا يجد فيه الانسان ما يفيده ويسليه - قد اصبح منذ عهد الانبعاث الاروبى ، مخبرا لتحليل الانفعالات النفسانية ، ومنبرا لمناقشة النظريات الفلسفية ، وبسط الآراء الاجتماعية والمبادىء الاخلاقية فى قوالب حية ، جذابة ، واقعية ، تستهوى النفوس ، قلت : كان هذا المسرح ولم يزل ، محل دراسات الفلاسفة ، وعلماء الاجتماع ، فرضا عن النقاد والفنيين الاخصائيين الذين ما أنفكوا يبحثون عن طرق تطويره وترقيته بابتكار نظريات جديدة وباستخدام جميع العناصر الحديثة ليظهر فى اروع مظاهره واجملها .

وقد رايت ان يكون موضوع محاضرتنا اليوم ( 1 ) ((  فى الفن المسرحى بين النص والتمثيل )) لننظر فى اقوال الفلاسفة والفنانين فى تفضيل النص على التمثيل ، او الاقتصار على هذا دون ذاك

ولو اردنا الدخول فى تفاصيل هذا الجدال الكبير بين من يرون تحديد الفن المسرحى على النص ، وبين من يرون عكس ذلك اى الاكتفاء بالناحية الفنية والاستغناء عن النص او استعماله فى نسبة محدودة لتطلب حديثنا هذا ساعات وساعات . ولذا فاننا سنكتفى باستعراض اهم ما قيل فى هذا الموضوع مشيرين لمن يهمهم بصورة خاصة بالرجوع الى ما كتبه اصحاب النظريات المنتصرون للنص ابتداء من الفيلسوف اليونانى ارسطو فى كتابه (( عن الشعر )) الى لوسيان دوباك ، صاحب التأليف الضخم عن (( التاريخ العام المصور للتمثيل فى مختلف العصور والبلدان )) وما بينهما من الفلاسفة والنقاد امثال أوقوست

كونت ، وبارباى دورفيلى ، وباك دو فوكيار . وجان هيتياى وغيرهم او ممن انتصروا للتمثيل وممن ادخلوا اصلاحات كبيرة على طرق الاخراج وعلى راسهم ادوارد قردون قراق الذى جمع آراءه ونتيجة محاولاته فى كتاب سماه (( فى الفن المسرحى )) ، نقل لجميع اللغات بما فيها اللغة العربية . لكن النص العربى الذي نشر فى سلسلة الف كتاب المصرية يدعو الى شىء من الاحتراز . كما يستفيد الباحث ايضا من مطالعة (( حياة الفن المسرحى )) لقاسطون باتى ورونى شافانس ومن الدراسات العديدة التى نشرت اخيرا واهمها كتاب السيد أندرى وانستاين فى (( الاخراج وشروطه الفنية ))

اما حديثنا هذا فانه سيقتصر على استعراض بعض النظريات المتطرفة ، وعلى البحث فيما يحقق جمال الحفلة المسرحية وعلى اقامة الدليل على قوة التضامن بين النص والتمثيل ، ذلكم التضامن الذى يجعل كلا من المؤلف والممثل وذلكم الطاغية المتربص المسمى بمنظم الحفلات او المخرج

وهذا العمل يقتضى منا ان نلوح ، ولو بنظرة خفيفة ، خاطفة ، نحو الاصول وان نبحث فى الفنون التى تتكون من جمعها الحفلة المسرحية .

فأنتم تعلمون ، ولا ريب ان نشأة الفن فى مختلف مظاهره ، تعود الى نزعتين اثنتين ، الى غريزتين متضاربتين ، متأصلتين فى الانسان

فاما الموسيقى ، من عزف ، واناشيد ، وغناء ، والرقص ، فانهما وجدا للعبادة . والعبادة هى المرجع الذى يرجع اليه دائما مؤرخو الفن وفلاسفته فالبدائيون فى الحضارة كانوا - وما زالوا - يرقصون وينشدون لتمجيد آلتهم واستعطافها ، ولجلب عناصر الخير وابعاد عناصر الشر . فالموسيقى تحاكى الطبيعة فى حنانها وقسوتها ، فى جمالها وقبحها ، في رضاها وسخطها ، فى نشيد الطيور فى اوكارها ، وخرير المياه فى مجاريها ومرور النسيم بين الاوراق والاغصان ، او فى زئير الاسود فى عرينها ، وعواء الذآب فى غاباتها ، ونزول المياه صاخبة من اعلى صخورها ، واغاريد الرياح فى اشد عواصفها . والرقص يحاكى الطبيعة فى حركات الحيوانات الجميلة منها والقبيحة وتثنى الاغصان مع النسيم او تدهور الاشجار الشامخة الصلبة تحت نفخ العواصف الجارفة الجرارة

واما النحت والتصوير فقد انشأ لارضاء غريزة متأصلة فى البشر غريزة تبعث الانسان على ان يقاوم بكل ما لديه من قوة وعزيمة سير الزمان الذى لا يقف ، ولا يتوانى ، ومفعوله الذى لا يرحم ، على ان يقاوم تلك التغيرات المستمرة التى لا ينجو منها اى موجود على وجه البسيطة . انسانا كان او حيوانا ، او نباتا او جمادا ، وعلى الاخص كل انسان وكل حيوان وكل نبات اى كل حى . ما دام فى الوجود وحتى بعد موته وبعد ما يصبح جمادا . فالنحت والتصوير فى اصلهما ثورة ضد انعدام الشخص ، ضد الموت ، ضد الفناء

ويظهر حسبما جاء فى قول اندراى بازان فى كتابه الذى عنوانه . (( ما هو السنما )) ان اول صنم صنعه البشر هو المومية المصرية المنغمسة فى الناطرون

فالصلاة والحفلات الدينية من جهة ، ومقاومة الطبيعة باقرار الصورة لانجائها من مفعول الزمن من جهة اخرى . هى الاسباب الاصلية التى تحكمت في انشاء الفن

وهذه النفسية فى الانسان ، وهذا الشعور بضعفه امام الطبيعة ، وبعجزه عن ايقاف سير الزمن ، وعن مقاومة العناصر ، وعن رد القضاء او تحوير سيره ، هي التى بنيت عليها الفاجعة القديمة ، فاجعة الانسان امام مصيره .

غير ان الفاجعة لا تصف الانسان فى تملقه للآلهة واستعطافهم بمحاكاة ما خلقوه من جميل وقبيح ، وقوى وضعيف ، وخير وشر ، وانما تصفه فى صراع مع مصيره ، مع القضاء والقدر ، مع قوة لا قدرة للبشر على تحملها فتكسب صراعه جمالا وجلالا يجعلانة فوق البشر ، اقوى من البشر يجعلانه البطل ، وفي هذه البطولة جمال الفاجعة وروعتها وتاثيرها ، وذكر اساطير هؤلاء الابطال فى ملاحم ساحرة ، خلابة وتقديمها فى اطار مناسب لها ، فهناك التمثيل ، هناك الفن

ويقول الممثل العبقرى المعاصر جان لوى بارو فى الجزء الاول من كتابه (( خواطر عن التمثيل )) : (( الجمال هو محاولة محاكاة الطبيعة باستعمال وسائل صناعية ولكن اى فضل فى الطبيعى ان يكون طبيعيا ؟ فلان الكمنجة علبة خاوية ، شبيهة بجسم الميتة يكون جميلا ان تبعث فيها روح . ففى اعطاء الحياة او اعادة الحياة تحد للموت ))

وهكذا فان الفن . مهما كانت الاسباب التى حملت الانسان على خلقه - عبادة او تحد للموت او الاثنان معا - هو كما تقول المعاجم والقواميس (( جملة الوسائل والاساليب التى ابتكرها الانسان لتادية الطبيعة وتاويلها في مختلف مظاهرها ، حسب مزاجه ومنظاره الخاص ))

ويعتمد اضداد التصوير الشمسى والسنما على هذا التحديد ليدعموا قولهم انهما بعيدان على الفن لان الوسائل الميكانيكية المستعملة فيهما ، وعلى الاخص عدسة التقاط الصور التى يسمونها (( المجرد ))  L' objectif الذي لا شخصية له ، تعيد الطبيعة كما تبدو امامها ، بدون اى تدخل لشخصية الانسان فى ذلك الا فيما يتعلق بالمنظر ، او بالموقف ، او بالحالة المراد اقرارها على الصورة او الشريط

ولكن ليس هذا موضوع حديث اليوم . وانى اخشى ان نبتعد عنه كثيرا اذا خضنا هذه المعركة ايضا . لنرجع اذن الى ما كنا بصدده يرحمكم الله

فوظيفة التمثيل هى اذن ، حسبما ابديناه من القول عن الفن ، وعن الفاجعة ، هي اعادة الحياة او تصور الانسان فى حالة معينة ، وتقديمه للنظارة فى اطار مصطن مكذوب ، وقع الاتفاق فى شانه ضمنيا بين مسير الحفلة ، او المخرج ، والناظر ، او الجمهور

والانسان ، فى الحياة ، يتكلم .والكلام هو اول واجمل اختراع يرجع له فيه الفضل . والانسان يعمل ، ويتحرك ، وينتقل ويبدى حركات تعفيه احيانا من الكلام ولكنها فى غالب الاحيان اما تسبق الكلام ، وتجعله فى هذه الصورة متمما لها ، او ترافقه لتكسبه اكثر قوة ، وتاثيرا ، ودقة ، او تتبعه وتصبح بدورها متممة له . فكيف يمكن ان نتصور ، والحالة ما ذكر ، امكانية فصل الكلام عن الحركة ، فصل هاتين الطريقتين الذاتيتين للتعبير ، عن بعضهما ، والادعاء بانه يمكن الاكتفاء باحداهما والاستغناء عن الاخرى ؟

ومع هذا ، فهذه هى المعركة انقي يقف فيها خصوصا من جهة جماعة من الفلاسفة واصحاب النظريات سوف نسميهم (( مدرسة او قوست كونت )) لان هذا الفيلسوف الكبير هو بعد ارسطو ، اشهر ممثليها ، ومن جهة اخرى جمع من الاخصائيين فى الفن المسرحى . ومن المخرجين ، سوف نطلق عليهم اسم (( مدرسة ادوارد قردون قراق )) لان حامل مشعل الثورة فى الاخراج المسرحي هو اهم انصارها .

فقد افرد اوقست كونت للفن دراسات هامة فى دروسه فى الفلسفة الايجابية وفي طريقته فى السياسة الايجابية . وخلاصة هذه الدراسات هى انه يتحتم القضاء على ما يسميه بغاية الاحتقار (( مؤسسة الفن المسرحى )) لانه لا يمكن فى نظر اوقست كونت ، وضع التمثيل فى صف الفنون المستظرفة وهو صف لا يقف فيه الا الشعر ، والتصوير ، والنحت والموسيقى ، والمعمار ، دون سواها من الفنون ، ولان التمثيل ، كما هو شان الرقص ، ليس هو الا صورة ثانوية ووقتية للشعر ، لان التمثيل لا يبرره الا عمل الممثلين وهو عمل يتركب من حركات والاعيب الملامح ، ولان الحركات ، والاعيب الملامح هى طريقة ثانوية ، بدائية للتعبير ))

ويستمر اوقست كونت قائلا : (( يجب ان تقضى الفلسفة الايجابية قضاء مبرما على التمثيل الذى يستنكفه العقل السليم وتاباه الاخلاق العالية وذلك باعادة تربية البشر وبايجاد طريقة تجعل الناس يحتقرون الوسائل التافهة للتسلية والترفيه عن نفسه . فمن الوقت الذى اصبحت فيه المطالعة منتشرة بحيث يمكن للانسان ان يتذوق بمفرده ، وفي كل مكان ، الى لذة قراءة امهات المسرحيات ، فان حضور الحفلات المسرحية ، والاهتمام بها لا ياتى بفائدة الا للرديئين من البشر )) وكل هذا لان الحفلة المسرحية . فى نظر اوقست كونت قد فقدت صبغتها الدينية ولان (( لغة العمل )) ( LeLangage d'action ) التى كانت مرتبطة بالحفلات الدينية ، لم تعد تجد مبررا من الوقت الذى انفصل فيه المسرح عن الحفلات الدينية

اما جان هيتياى ، فانه يرى فى كتابه عن (( فنون الادب )) ان ابطال التمثيل نتيجة منطقية لنمو الشعوب والجماهير

ويلخص السيد هانرى واينستاين نظرية جان هيتياى فيقول : (( فى نظر هذا الكاتب ، سوف يقع الاستغناء عن الحفلات المسرحية لان التجاوب الاجتماعى ، الراجع للمواضيع الدينية والاجتماعية قد توارى ، وحل محله شيئا فشيئا ، تقدير شخصى للتأثرات . وهذه التاثرات لم تعد في حاجة الى قاعة واجتماع كى تظهر بل صارت تكتفى بمطالعة التاليف . وهكذا سوف يبقى التمثيل العنصر الاساسى للفن المسرحى ، غير ان حوادثه تجرى بمخيلة القارىء وبهذه الصورة فانه يتحصل على ضرب من التمثيل يكون الممثل فيه مجردا من جميع العيوب والاغلاط فانتم ترون ، ولا ريب ، ان هذه الاراء تدعو الى شىء من الاحتراز والمناقشة مهما كانت قيمة مصدرها

ففنون الحركة من تمثيل ، واشارات ، وردود ورقص لا تدرج في قائمة الفنون الجميلة لانها ثانوية ، وقتية . ثانوية . بالنسبة للكلام ، وسنرى ذلك فيما بعد ، ووقتية لانها عابرة ، لا تدوم . واما اذا اقرها الشاعر بقريضه ، والموسيقى بانغامه ، والمصور بريشته والوانه ، والنحات بمقصه ، فانها تصبح فنونا جميلة . وبعبارة اخرى فان الطبيعة ليست جميلة فى ذاتها وحركاتها الوقتية ، ولكنها تصبح جميلة ، تصبح فنا جميلا ، اذا تناولها الشاعر والموسيقى بالوصف او إذا اثبت المصور او النحات صورتها اهذا القول صحيح ؟ لا اظن

ويقول اوقست كونت : لا يبرر التمثيل الا عمل الممثلين الذى هو عبارة عن حركات والاعيب ملامح اى طرق ثانوية ، بدائية للتعبير

ففيلسوفنا يقارن هنا ضمنيا بين لغة الكلام ولغة الاشارة والحركات ، ويفضل لغة الكلام التى تعبر عن مقاصد الانسان باكثر دقة واقوى بلاغة وهى حقيقة لا شك فيها . ولكن التمثيل صورة مصغرة من الحياة ، من الحياة الحقة ، الواقعية ، وفى هذه الحياة الواقعية ، اليومية ، هل قضى الكلام على الحركة والاشارة والردود ؟ وهل اكتفى الانسان ، اذا غضب مثلا ، على ابداء غضبه بالقول بدون ان ينعكس انفعاله على وجهه وتظهر عليه علامات الغضب وهل هذه الظاهرة طبيعية ام استعمالية ؛ وهل يوجد بشر يغضب بدون ان تظهر على وجهه الردود المبينة لغضبه ؟ او بدون ان يبدى حركات تؤكد ذلك الغضب وتبرزه ؟ فالحركة طبيعية ، وجدانية . ووظيفة الفن المسرحى هى التنسيق بين الكلام والحركات والاشارات والردود ، وتقديمها فى قالب جميل ، فنى . وبهذا العمل فان فنون الحركة تزيد الكلام جمالا ودقة ووضوحا . ثم ان هناك فنا ، جميلا ، اخاذا ، يدعى فن السكوت ، فن يتخلى فيه الكلام لفائدة الملامح والحركات

ثم ان لغة (( العمل )) ، حسب تعبير اوقست كونت ، ليست حتما مرتبطة بالحفلات الدينية ، كما يزعم هذا الفيلسوف . فان جميع مشاكل الانسان امام مصيره ، وجميع مشاكل البشر فى اتصالاتهم ببعضهم ، وكل ما يشعر به الانسان فى حياته من خير وشر ومن حب وحقد وطموح وياس وغيره واستسلام ، وحنان وظلم ، وشفقة وقساوة وشجاعة وجبن ، ووفاء وخيانة هى مواضيع حرية بان تقدم للجماهير فى قالب حى مسرحى ، لتكون محل تفكير ، وتمحيص . وجدال ونقد

ومن جهة اخرى فان الفرق كبير بين القصة والمسرحية ، فالقصة تصاغ فى قالب يمكن معه للفرد ان يلتذ بمطالعتها . اما المسرحية فانها تكتب لتقال امام جمهور من الناس لتقرأ فى انزواء

يقول بيار ايمى توششار (  P. A. Touchard ) الكاتب العام السابق للفرقة القومية الفرنسية فى تحديده للقطعة المسرحية :

(( المسرحية هى ان يقدم بواسطة ممثلين ، على ركح مسرح ، عمل يتضارب فيه ابتداء من حاله معينة شخصان او عدة اشخاص معينين يتطورون حسب بنود منطقهم الخاص

فالمسرحية لا تسمى حينئذ مسرحية الا اذا قدمت بواسطة ممثلين وعلى ركح مسرح . والنص الدى كتب لهذه الغايه لا يكون كاملا الا اذا اكسبه المخرج الحياة بواسطة الممثل والركح

ثم ان الانسان لا يؤم المسرح للاستماع الى قطعة شعرية جميلة فحسب ، بل انه يذهب للمسرح ليشاهد عملا منسجما ، يذهب ليرى نفسه كبشر يتخبط فى حالة معينة ، ليرى نفسه فى صراع مع خصم لا قدرة له على مقاومته ، فيكون فى حالة فاجعة تستفز شعوره وحنانه ، او مع خصم يتساوى معه فى القوة ، فيكون فى ماساة تثير غضبه وتجعله ينتصر لشق ضد الآخر ، او ليشاهد عيوبا لا يعرفها او يصر على عدم الاعتراف بانه يحملها فيرى الحالة المضحكة المزرية . وفوق ذلك كله . فهو يذهب للمسرح ليستريح ، ليريح نفسه من اتعاب يومه ، ولكى لا يفكر فى هموم غده . لان المسرح هو اولا وبالذات معبد النسيان ، هو النادى الذى يقصده الانسان ليترك على بابه كل ما يربطه بالحياة الواقعية . وليحاول الانغماس فى عالم الخيال ، ويطلق العنان لروحه لتسبح فى واقع غير الواقع الذى يمارسه صباح مساء . فجان لوى بارو يقول : (( المسرح دار النسيان )) واليابانيون يسمون الممثلين (( صبابى النسيان )) ومن الواجب ان يحس الانسان بهذا الجو من باب المسرح بل من الطريق الموصلة اليه

ومهما كانت اهمية المطالعة وقيمتها ، ومهما تعلق القارىء بالموضوع الذى يعالجه المؤلف ، فانها لا تستطيع ان تقوم مقام معبد النسيان ، لانها لا تحدد مثل الحفلة المسرحية مركز الاهتمام ولا تستهوى مثلها مهجة الناظر

والانسان مدنى بالطبع . فهو لا يميل الى الانزواء الا فى ظروف خاصة او فى فترات محدودة من حياته لانه يحب الاجتماع بامثاله ويقبل على الحفلات لهذا الغرض ولا اظن واحدا منكم يلتذ بتمثيلية اذاعية بقدر ما يلتذ بمشاهدة تمثيلية مسرحية وذلك لانه يوثر ارضاء جميع حواسه من جهة كما قال ابو نواس :

الا فاسقنى خمرا وقل لى هى الخمر

    ولا تسقني سرا اذا امكن الجهر

ومن جهة اخرى لانه يحب الاجتماع بغيره من الناس . وهذه ظاهرة لا يمكن لأوقست كونت ولا لجان هيتياى ابطالها . فكل منا يستطيع مثلا ان يشرب قهوة ببيته ، ولكنه يذهب للمقهى ليشربها وذلك استنكافا للانزواء وكل انسان يقدر على مطالعة قصة وهو ممتد على فراشه او منزو فى سكون مكتبه ولكنه يذهب للسنما ليشاهدها وكذلك يذهب للمسرح ، فالمسرح ليس بالمعبد الذى تطور فحسب فهو ايضا ظاهرة اجتماعية قديمة كقدم البشر فالمطالعة بما فيها من روعة وجمال لم تقتل الحفلة المسرحية ولن تقتلها

وانى لارى الكاتبين اوقست كونت وجان هيتياى قد بالغا فى تفاؤلهما بتقدم البشر ، وبنضج فكر البشر ، حتى ظنوا جميع الناس قادرين على ان يخلقوا بمحض خيالهم هذا التمثيل الكامل المجرد من جميع العيوب والاغلاط التى نشاهدها فى الحفلات المسرحية ، وقلما تخلو منها هذه الحفلات . فامر كهذا يتطلب خبرة ادبية وفنية وتاريخية واسعة قليلا ما تتجمع فى افراد غير المخرجين الافذاذ . وانى لا تصور بدون عناء ان هذين المفكرين العظيمين واتباعهما ، قد تصوروا الجماهير باعتبار انفسهم ونحن نحمد الله على ان كل الناس لم يبلغوا قيمة اوقست كونت لانه لو كان الامر كذلك لتعطل سير الحياة ولمات الناس جوعا وعطشا وعراء .

وقد تبين لنا مما سبق ان الفن المسرحى ليس هو بفن ادب فحسب وان كان الادب يمثل فيه دورا كبيرا هاما ، ذاتيا . واقول فحسب لانى احترز وانا احترز كي لا اقع بين احضان اصحاب النظرية المضادة والتى لا تقل تطرفا عن الاولى حيث ان انصارها يريدون طرد النص من الحفلة المسرحية والاقتصار على تحديد اهتمام النظارة على حركات الممثل وردوده ، وعلى حركات الممثل وردوده وحدها ، او بالاحرى على براعة المخرج وعبقريته ويمثل هؤلاء القوم ما سميته منذ حين بمدرسة ادوارد قردون قراق

ومبعث الخلاف بين هاتين المدرستين هو ان الاولى ، اى مدرسة اوقست كونت ترى نشأة التمثيل فى الملحمة ، او فى الشعر الحماسى ، اوفى الحفلات الشعبية اليونانية وان الثانية - اى مدرسة ادوارد قردون قراق - تجعل نشأة التمثيل فى الحركة التى تتجسم فى الاشارة والردود والرقص بالحفلات المسرحية ، بدون ان تهتم بالبحث في هل ان الكلام افصح من الاشارة

ولكنها تعتقد ان الاشارة هى اقرب للفن المطلق وانها على كل حال هى الاصل فى الفن المسرحى . فيقول قردون قراق (( نشأ فن المسرح من الاشارة ومن الحركة ومن الرقص )) ويستمر قائلا :

(( اما الرسامون ، والموسيقيون ، والادباء فقد اعياهم التصرف فى ثروتهم الطائلة فصوبوا عنايتهم نحو الاستحواذ على المسرح )) ولا يريد قردون قراق ان يبقى المسرح آلة خاضعة مطواعة بين ايدى المؤلفين ، والممثلين والموسيقيين والرسامين

وقد لاحظتم انه حشر الممثلين فى زمرة المتطفلين على فن المسرح ، لان الممثل ، بصفته رجلا حرا ، هو قادر على اتخاذ التدابير وعلى التصرف فى دوره حسب هواه وحسبما تقتضية شخصيته ، فاصبح بهذه الصورة رجلا غير مرغوب فيه فى نظر المخرج لانه لا يرى له حقا فى تلك الحرية ولا فى ذلك التصرف

وقد لخص قردون قراق نظريته فى هذه الجمل التى نستخرجها من كتابه لذى ذكرناه وعنوانه : (( فى فن المسرح ))

فهو يقول : (( يمكن لنا ان نستبقى المؤلف والممثل مؤقتا ، فهما المسؤولان الاصليان عن تدهور التمثيل ، ولكننا نستبقيهما على شرط الا يحيدا قيد انملة على احترام قوانين الركح وقواعده ، وان يمتثلا اليها كل الامتثال . لانه يجب على الكاتب ان يصبح قادرا على انشاء الروح المسرحية ، وعلى الممثل ان يتحكم فى نفسه تحكما كاملا ، صارما حتى يصبح عنصرا متحركا من عناصر المنظر ))

ثم يلح فى القول بانه يجب ان نفرق بين المؤلف المسرحى ، وخالق الروح المسرحية (( لان الاول يكتب للقارئ او للمستمع ، بينما يكتب الثانى لجمهور المسرح ))

ويزيد قائلا : (( سوف ياتى يوم يكون فيه المسرح فى غنى عن تقديم مسرحيات ، لانه يكون انشأ تاليف خاصة بفنه . وفى ذلك اليوم يتوارى الممثل اذ تحل محله شخصية بدون روح نسميها ، اذا شئتم ، دمية راقية ))

ومعنى هذا القول هو ان الغاية التى ترمى اليها نظرية قردون قراق هى تسيطر المخرج على المسرح تسيطرا كاملا ، مطلقا . لانه يقول : (( وعند ما يهتدىء المخرج بدوره الى التنسيق بين الشكل ، واللون ، والحركة ، والوزن فانه يصبح مفنا ، وعندها لا نعود فى حاجة حتى الى خالق الروح المسرحية فيكون فننا مستقلا ))

اما ارتو ، فهو يناصر هذه النظرية بدون جدال ، ولذا فلا فائدة فى ذكر قوله واطالة النظر فيه . فهو يقول : (( انى لا ارى لاحد حق الادعاء بانه مؤلف معناه خالق ، الا لمن ترجع اليه مهمة التصرف فى الركح ))

فهذه النظرية غير مقبولة لما لها من التطرف ايضا . لان انكار اهمية دور المؤلف فى هذا العمل الجماعى العظيم الذي نسميه بالفن المسرحى هو انكار نور الشمس فى طالعة النهار

فالذهاب بالحركة والاشارة الى اقصى درجة من الرفعة بطرق موضوع معين وبفرض منهج على المثل يتحتم اتباعه بغاية الدقة . امام منظر جميل وتحت اشعة انوار انسجمت الوانها هو بدون جدال عمل جميل يلذ النظر اليه . ولكنه لون من الوان الفن المسرحى ، وليس بالفن المسرحى بمعناه الاتم ، فالفن المسرحى كما نتصوره نحن ، وكما حدده لنا بيار ايمى توشار وكما يتصوره العالم باسره حتى فى الشرق الاقصى حيث تطغى الحركة والاشارة على الكلام بدون ان تبطله ابطالا . فالمسرح الذى نحبه هو كما قلنا ذلك المخبر للانفعالات النفسانية ، ذلك المكان الذى نؤمه لنضحك من عيوبنا ولننسى شواغلنا ، ذلك المكان الذى تهذب فيه الاخلاق بالضحك كما يقول اللاطينيون . فالاشارة والحركة شيئان جميلان ، وهذا امر لا نزاع فيه ، ولكن اجمل منهما الكلام الذى خلقه الانسان لاعطاء اقوى معنى واكثر دقة لهذه الحركة ولهذه الاشارة ولان الحركة والاشارة لم تشفيا غليله لاداء مقاصده . فالكلام مقر للفكرة وضابط لها .

والمسرح هو الحياة ، لا الحياة العادية التى نشاهدها كل يوم ولكن الحياة فى جمالها وبؤسها ، فى رجائها وياسها ، فى تصعباتها . ومشاكلها كما يلتقطها يراع الشاعر ويصيغها فى قالب حى طلى . فيعد اهم هذه الاطوار او يتصور مثيلها ويقدمها للمخرج وللممثل ليكسباها حياتا كاملة ويقدماها بدورهما للجمهور . فالنص هو العنصر الاول ، الاساسى للعمل المسرحى فلا يمكن حبنئذ ان نستغنى عنه . واذا رفعنا احتجاجنا على راى اوقست كونت لانه يريد ان يحرمنا من الحفلات المسرحية بدعوى اننا بلغنا درجة من الرقى ومن الذكاء تجعلنا نكتفى بالمطالعة عن مشاهدة الحفلات المسرحية وعن الاستعانة بالحركة والاشارة لفهم مقاصد المؤلف ، ولتصور المسرحية كاملة بدون عيوب ، فاننا نحتج ايضا على قردون قراق فى سعيه وراء حذف النص من الحفلة المسرحية

يقول جان لوى بارو : (( يمكن ان يصل الانسان ، بفضل تركيب مسرحى محكم ، وبفضل العمل المسرحى ، الى تفهيم بعض الشخصيات ، وبعض الحالات الانسانية باكثر حس وامكن تقارب . وهكذا نقترب من المعرفة باكثر سهولة مما نقترب منها بواسطة المطالعة

كانت هذه الجملة تجد مكانها للرد على راى اوقست كونت . لكنى اثرت وضعها بعد ما تعرفنا الى نظرية قردون قراق ، لان جان لوى من ائمة المسرح المعاصر كممثل وهو من ابرع الفنانين الذين عرفتهم اروبا فى هذا القرن فيما يتعلق بالتمثيل الصامت فنراه يترك للنص المكان اللائق به . وهو يقول ان

التركيب المحكم يجعلنا نفهم باكثر حس ، وامكن تقارب بعض الشخصيات وبعض الحالات الانسانية ولكنه يعترف ضمنيا بان النص هو محل الافهام والتقريب ، ولذا نراه يخصص مكانا هاما للالقاء والتنفس فى كتابه (( خواطر عن التمثيل ))

لقد راينا ان احد الاسباب التى وجد من اجلها هذا التضارب بين النظريات هو ان احد الفريقين يرى نشأة التمثيل فى الشعر الحمسي ( Dithyrambe ) والملاحم التى كانت تتلى فى الحفلات الدينية ، بينما يرى الفريق الآخر ان هذا الفن نشأ من الرقص والاناشيد التى كان يستعملها البدائيون للتوسل الى آلهتهم وطلب استعطافها

لكن هناك اسباب اخرى لا باس من استعراضها امام حضراتكم . فلا يخفى على خبرتكم ، ان التمثيل كان فى بدايته عبارة عن حفلات تقام ببطاحى المدن ، وفى الهواء الطلق تقدم خلالها مسرحيات تستوحى مواضيعها من الطقوس والاساطير الدينية وكانت تؤمها جماهير غفيرة تتأثر بمشاهدة احياء تلك الحوادث التى تعرفها معرفة جيدة وتهتز لها اهتزازا . وقد كان هذا سواء قبل المسيح او بعده ، فى الحفلات المصرية ، او الكلدانية ، او اليونانية او الرومانية ، بالنسبة لحوض البحر الابيض المتوسط ، او الصينية او الهندية ، او اليابانية بالنسبة لمسرح الشرق الاقصى ، فالتمثيل فى هذه الصورة ، كان يخاطب العاطفة والاحساس والعقيدة ، والى ذلك يرجع سبب تهافت الشعوب عليه ، وانتشاره بمختلف البلاد ، فالطبقات الشعبية تحب مشاهدة ما يسليها بدون ان يكلفها مشقة التفكير ومحاولة فهم المقاصد الغامضة

وقد استمر المسرح على تلك الحال طيلة قرون عديدة ، لاسيما المسرح المسيحى الذى بلغ فى بعض الاحيان درجة مرموقة ، الى ان جاء عصر الانبعاث الاروبى واصبح المؤلفون يستوحون مواضيعهم من تراث الاقدمين من يونانيين او رومانيين . فتالفت مسرحيات جديدة مستمدة مواضيعها من الميثولوجيا اليونانية على غرار مسرحيات الخيلوس ، وصوفوكليس واوريبيدوس واخذ المؤلفون يحاولون تحليل النفسيات فى تلك المواقف الرهيبة

ومن ذلك الوقت ، صار هذا الضرب الجديد من التمثيل يخاطب الفكر اكثر من مخاطبته العاطفة والاحساس والعقيدة - كما صار يتطلب من النظارة ثقافة واسعة ومعرفة تاريخ الاقدمين لفهم المواضيع المطروقة فى المسرحيات الجديدة ، فلم يستهو بطبيعة الحال الا الطبقة المثقفة من الجمهور

اضف الى ذلك ظاهرة جديدة ايضا ، وهى حصر الحفلات المسرحية بدور بنيت خصيصا من اجلها ، دور مسقفة ومكيفة حسب نظام معمارى خاص . ففقد بذلك المسرح صبغته الشعبية وصار مقصورا على طبقة ممتازة من الجمهور فلا يحضره الا الاثرياء وذوو الجاه والمثقفون

ومن جهة اخرى فقد انتشرت الكتب القديمة والحديثة بفضل اختراع الطباعة وصارت المطالعة فى متناول كثير من الناس ، وكثر عدد المكتبات الشخصية والعمومية . وبها تعددت وسائل التسلية والمعرفة . فلم يعد المسرح المكان الوحيد الذى يؤمه الناس ليجدوا ما يروقهم من وسائل الترفيه عن انفسهم

والجديد يثير الاهتمام ويفجر القرائح ويحدث حركة ويتكون له انصار وخصوم ويبعث الى النقد والى البحث عن اصوله وقواعده فوجدت المدارس وتكاثرت النظريات وجاء المشرعون فى الفن المسرحى واخذ المسرح يتطور فى نزعته الجديدة ويبحث عن طريقة قارة يسلكها . ولم تقض هذه الحركة عن المسرح الشعبى الدينى القديم فاستمر يعمل كعادته حتى اواسط القرن السابع عشر

هذا فيما يتعلق بالفن المسرحى . اما الفن بصفة عامة فانه استمر حتى اواسط القرن الثامن عشر يتابع الجهود لبلوغ هدفه الاسمى وهو الوصول الى محاكاة الطبيعة واعادتها واقرارها باكثر شبه ممكن لها . فنجد هذه النزعة فى الرسم وفى النحت وفى كل ما يتعلق بالاخراج المسرحى

ولما وجدت عدسة المصورة الشمسية والتقطت صورا من الطبيعة كاملة ، بدون اى تغيير ناشئ عن تدخل شخصية الفنان بهت الذى كفر ، وانحلت العزائم وفهم الرسامون والنحاتون انهم عاجزون عن التحصيل على نتيجة مثل التى تحصل عليها التصوير الشمسى من حيث الدقة واعادة الموضوع فى كلياته وجزئياته

وقد تسبب هذا الاختراع الجديد فى تحوير النظريات الفنية التى كانت قائمة الى ذلك الحين وفى قلبها راسا على عقب . فلم تعد الواقعية المثل الاعلى بالنسبة لاهل الفن لان الواقعية اصبحت ميزة التصوير الشمسى ثم السنما وهى ميزة لا يمكن ان ينازعها فيها احد

وبما ان الفن شىء حى ، وقليل من الاحياء يحب الموت ، فقد انصرفت همم الفنانين من تادية الطبيعة ومحاكاتها ، الى تاويلها وتفسيرها . وهكذا بدات تظهر المدارس الانطباعية ، والمكعبية ، والكورية وغيرها . ويقول اندرى بازان فى كتابه : (( ما هو السنما ؟)) : (( لولا عدسة المصور لما وجد بيكاسو ))

ونقول نحن انه لولا اختراع الطباعة وانتشار المطالعة لما جنح اوقست كونت الى ابطال الحفلات المسرحية ، والاقتصار على قراءة المسرحيات فى انزواء وتصور تطوراتها بمحض خياله ولولا اختراع التصوير الشمسى والكامرا لما وجد قردون قراق ولما طلب بالاستغناء عن التاليف المسرحى ليقدم فى حفلاته اخراجه المكيف او الرمزى او الايحائى

بقى لنا بعد هذا العرض السريع لنظريات ابداها بعض الفلاسفة ورجال الفن الاخصائيين فى التمثيل ان ننظر بسرعة ، وفي بعض جمل الى هذا الفن بالنسبة الينا واين نحن منه

فقد قلت فى مستهل هذا الحديث اننا دخلاء على الفن المسرحى . ونحن دخلاء على هذا الفن لانه اتانا من الخارج فلم يستمد قوته ومواضيعه من جذور واقعنا فهو لم يخرج من عقائدنا وعاداتنا وتقاليدنا وتاريخنا . وفلكلورنا كما خرج من عقائد غيرنا من البلاد وعاداتها وتقاليدها وتاريخها وفلكلورها وبهذه الصورة فانه لا يحدث عندنا فى الحفلات المسرحية ذلك التجاوب بين العاملين والنظارة الذى هو سر نجاح المسرح

فيجب علينا اذا ما اردنا ان يكون لنا مسرح قومى ان نرجع الى الاصل وان نتناول المواضيع التى تتصل بواقعنا ، اما الترجمة والاقتباس والتقليد فهو عمل غير كاف لايجاد هذا المسرح القومى الذى سيشارك بقسطه فى بناء المغرب العربى الكبير . والمحاولات التى بذلها ويبذلها ادباؤنا لتاليف مسرحيات عربية تاريخية بقيت محاولات فردية حفظت ولم يقس عليها

واما المسرحيات الشعبية التى يقبل عليها الجمهور اقبالا عظيما فان مؤلفيها لم يزالوا مع الاسف يستعملون ابخس الطرق وارخصها لجلب الجماهير قصد ابتزاز الاموال ولم يفعلوا ما من شانه ان يرفع هذا الشعب المتوثب المتعطش الى المستوى الفنى بالجمع بين ما يفيده ويسليه . وعسانا نرى فى مستقبل قريب اناسا يستمعون الى ندائنا فيستخدموا المسرح للمساهمة فى نهضتنا هذه تحت قيادة رئيسنا الجليل فياتوننا بمسرحيات ترفه وترقى وتشرف

اشترك في نشرتنا البريدية