الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الفن بين الواقعية والحقيقة

Share

قال صاحبى وقد جاء يهنئنى على اثر صدور كتاب لى لم يلفت نظر النقاد ولكنه لفت نظره هو وهو صديق الطفولة وما زال صديق العائلة يمر بالبيت انا وآونة على غير موعد ودون استئذان

- كتابك يا أخى قصيد فريد سيكون له شأن فى تاريخ الادب

فقلت دونما اكتراث : " هون عليك ولا تتعب نفسك فقد صدر الكتاب ولتاريخ الادب أن يحكم له أو عليه "  

فأطرق لحظة ثم بادر بسؤال : - أى شكر يحرجك اكثر من سواه ؟ قلت : - شكرى على القيام بواجب ما . . قال : - لا تهزأ منى . . واجب بالله على سؤالى قلت : - شكرى على الامانة والتواضع والداب . . شكرى على كل هذه الألقاب التى اصبحت فى عصرنا كعود السواك فى افواه السفهاء كالألف لا شئ عليه . . هراء فى هراء . . كل هذه معان مبهمة ولغموضها آنفا من  استعمالها وارغب عنها ما استطعت . الفنان يا أخي مسافر على دابة عصره وعبرنا يا أخي عصر الاختيار عصر الضبط والدقة والتخطيط . الفنان فى عصرنا مسجلة من لحم ودم والمسجلة لا تنتظر جزاء ولا شكورا فهى تسجل للتاريخ وللتاريخ وحده أن يحكم

فقال مستغربا كلامي : - لا يعدو دورك بهذه الصورة أن يكون دور الآلة المسجلة ؟ وما تفعل بحرية الاختيار .

قلت : - هذا بالضبط ما يميزني انا المسجلة الآدمية عن تلك الآلة المسجلة . فانا مبصر شاعر حر احكم العقل واستنجد العاطفة والحدس ولكنى رغم كل هذا مقيد مفعول فاعله البيئة والعصر . الفنان فى نظرى مقيد بهذا العصر اكثر من اى وقت مضى . عصر احتدمت فيه الاهواء والنزعات وتعالت الاصوات والصرخات وعم الشر واستفحل البلاء فلا مناص . نعم . . لا مناص للفنان في عصرنا من الالتزام والتجند والجهر والافصاح . الفظاعات تكتنفنا وتضيق انفاسنا . فليس الوقت للهزل وطلب الاستجمام والمتعة . . ليس الوقت للزخرف اللفظى والتنميق والطلاوة

والبديع . . الصرخة لها لون واحد وزمن واحد ورجة واحدة . فهي الصرخة تنبعث من الحناجر عفوا مستعجلة لا تلوى على شىء والفنان امامها انسان شاعر متكدر لا متشاعر يبحث عن وزن وقافية أو متفلسف أضاع السبيل في مجاهل الخيال ومنعرجاته ومتاهاته . . الفن الخفيف قضى مع النخبة السعيدة التى كانت تبيع الايام مقابل ساعة حلم وتسترخص الوقت ولا تستحي الفنان المعاصر يرفض هذا البدخ الكاذب ويستحى . فهو يعلم يقينا أو هو يشعر على الاقل انه يهذى وان كلامه لا يجدى ولا يعنى اذا لم يقرأ حسابا بل ألف حساب لمآسي التاريخ

فقال صاحبى وقد رقنع كلتا يديه مستنكرا وقد علت وجهه كل سمات التهكم والاستخفاف

- انت لا تعتقد هذا ولا تؤمن به قطعا .  فقد قرأت كتابك واستطبت اسلوبك واستعذبت اللفظ الطلى والكلمة السلسلة المناسبة . دعواك هذه لا تقوم على حجة  بل ان فى تاريخ الادب ما يفندها ويدحضها فى غير ما موضع قديما ومستحدثا . او تعتقد أن فنان القرون الماضية ) كان يكتفى بمشاهدة صراع الانسان الاعزل والحيوان الضارى من اعلى شرفة المسرح الروماني لقد نزل إلى حومة الموت كثير من ارباب الفن ودخلوا المعمعة ومنهم من ضحى واستشهد ثم انك تقسو فى حكمك على الزخرف اللفظي واستكمال الشكل وارتياد البديع . فليس الاسلوب الجميل لهوا ولا شططا وليس كل خيال ضائعا حتما فى مجاهل العواطف والاهواء ومتاهات الحياة الرومانسية ومنعرجاتها . فالجمال المطلق يخلف في الفكر صورة حية للنظام والتوحيد  كما يبقى فى الصدر لهفة عفوية صريحة تحفز الرحال وتزودهم في كفاحهم الحق فى ساحة الفعل وميدان العمل . فلم يكن فلان وفلان ممن تعرف من ادبائنا وادباء البشرية جفاء لا فائدة فيه ولا طائل من ورائه

قلت : حقك على كالعادة فعيبى فى التعميم لكني اتمسك برأيى  هذه المرة زعم كل ما جاء فى دفاعك المستميت عن فلان وفلان من فطاحل الادب الذين أعرف والذين لا أعرف . اتمسك برأيى وألخصه لك فى نقاط ثلاث :

ولا : اعتبر ان الفنان المعاصر ثائر يصور الواقع المعاش اللاذع المحزن الثقيل .

ثانيا : ولربما جره ذلك الى فخ منصوب إذا لم يتفطن الى وجوده فاذا هو يقع فى نوع من العقم يقعده ويرغبه عن الفعل تلك هى الثورة الهدامة التي تلقى بالفنان فى احضان الدنس والاستهتار فاذا هو كالشعراء المنبوذين الدين سخطت عليهم البيئة والعائلة والشعب فهم ملعونون كالشيطان قبل الفاتحة وبعد الصلاة . فهذا الصنف من الفنانين يهتك ستر تقاليد الفن ولا يستميل قلوب الناس . فاذا اراد الفنان ان يخاطب كل الناس : في المتعة

والرفاه والشمس والحاجة والشهوة وفى المعركة ضد التخلف والفقر والمرض . . فى المعركة التى يشنها الانسان ضد الموت . ويجب ان يتحدث عن كل ذلك فى صدق . . فى واقعية طبقا للحقيقة المعاشة . " الواقعية الشيوعية " مثلا لا تطابق الحقيقة فى شىء . ولا تسلنى عن " الواقعية العربيه " فى ادب المشرق المعاصر فهى كالشجر المنصوب على الركح تشبه الحقيقة لكن تنقصها الحياة ، فهى ذلك الميت الذى قال عنه اللغماني انه " لم يكرم بدفن " والرأى عندى ان المجمع اليسارى كصنوه المجمع اليميني كلاهما يجهل مأساة الانسان أو هو يتغافل عنها لحاجة فى النفس والنفس امارة بالسوء كما قيل والعياذ بالله من السوء -

اما النقطة الثالثة فتتلخص بدورها فى كلمتين " الفن اذا لم يعتمد الحقيقة كلام اجوف كخرافة امك سيسي لا تستميل الا قلوب الصبية والسفهاء والحقيقة دون فن يبرزها ويحركها ويفعل فعله فيها ، لا شئ أو تكاد . فالفن ثورة ضد الكون همه ان يضفى على الكون شكلا جديدا وروحا جديدة . لكن اذا أردنا أن نبدل ما بالكون . . اذا اردنا تحوير هياكله واستنباطه من جديد . . علينا ان نشرع فى عملنا ذاك في الكون كما هو وعلى حاله فلا نرفض منه ولا نقبل اى شىء بصورة مطلقة جازمة قاطعة فاللوحة التى اعتدنا  ان نطلق عليها اسم " طبيعة ميتة " ) وكم احيا الفن العظام وهي رميم يتطلب رسمها قطبين اثنين أو قل هى تتركب من عنصرين اساسيين رسام وطبق من الفاكهة أو غيرها من منتوجات الطبيعة الخصبة الكريمة . . رسام وتفاحة ثم تعرض اللوحة فى متحف الفنون الجميلة متعة للناظرين . فلو اقتصرنا على تصوير الطبيعة على حالها لما كان الفن ومع ذلك فان بداية الفن فى الطبيعة كما تتراءى للفنان فالفن اذن نقطة الاتصال بين الفنان ومصدر وحيه والهامه . ففى هذا المفترق تكمن العبقرية والابداع . فاذا نحن امام عالم جديد أو هو يتجدد رويدا رويدا فيتضاءل عندها الشبه بين يومه وامسه وغده ويومه وهو العالم مع ذلك لا يتبدل فى وحدانيته وجموده . واذا نحن لا نفرق بين ما هو خاص وما هو عام بين العربية وبين الاسبيرانتو فى لغة الفن . . والفن كالحب كالظلم كالضغينة كالقهر لا لغة له وهو رغم ذلك افصح الفصحاء وابلغ البلغاء . فالفن لا يهدف قطعا الى اصدار حكم ما على الكون ولكنه يهدف إلى فهم المحيط واستيعاب دقائقه واكتنافه كله

فهذا هو يا أخي ما قصدته من الالتزام ومن الواقعية وهذا موقفى من الرومانسية المتنكرة الجحود البرجوازية منها والمتشدقة بالثورية . فانا أؤمن  بوجوب النظام في كل عمل فنى اقوم به ، بوجوب القواعد الثابتة المركزة وليست كل القواعد - طبعا - ثابتة ومركزة . . لذلك لى حق الاختيار فانا اختار ولا أقيد حريتي في الفن الا بما ارتضيه فى حرية مطلقة ولو لم اكن حرا فى الاختيار لكنت تلك الآلة المسجلة لا حول لها ولا قوة تنقل ما سجلته فى امانة لا محالة وفي دأب وتواضع . . . الى غير ذلك من الالقاب التى

اكره . . لكن لا كما انقل ما اسجله انا الفنان الحر فى امانة ودأب وتواضع سامح الله اللغة على قصر باعها فى التعبير عن الاشياء واكرم بالفن ما افصحه وما ابلغه

وودعنى صاحبى ولم يقتنع فسهرت الليل كله اسجل ما دار بيننا من حوار كالآلة تماما . . ولعله يقتنع بعد مطالعة هذا المقال أو لعله يتولى نقده ، والرد عليه فيفتح بذلك بابا موصدا فى تونسنا الحبيبة وهو باب النقد الادبي  الذي لا أدب الا وراءه . . ليت صاحبى يعثر على المفتاح والا فيا خيبة المسعى . سيعتقد انى متزمت واني محافظ على الاخلاق والفضيلة ثائر على هذا الكون الذي بدأت تتلاشى فيه  القيم وتتضاءل الانسانية . سأخسر قارئا آخر  وهو الذى لم تفته مقالة أو قصة أو شعر مما اكتب . . أمرى على الله على  كل حال . . وقد يمر صاحبى بالبيت ليهنئنى على اثر صدور كتاب آخر لم  يلفت نظر النقاد وقد يكون ذلك كالعادة على غير موعد  ودون استئذان

اشترك في نشرتنا البريدية