الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الفن والسلام

Share

- الفن والقومية :

إن ربط الفن بالقومية ينبني على نظرة الفنان الى ماضى أمته وحاضرها وآتيها . واستلهامه آثاره من ضميرها الحي النابض وتطلعاتها المستقبلية. ان هذا النوع من الفن المستلهم من حياة الأمة ونضالها ضد كل قوى التقهقر والارتداد هو الفن الذى يكون أكثر انتشارا ، لأنه يكون أكثر شعبة باعتباره معبرا عن تلك الأمة وعن صراعاتها المختلفة . بحيث يرسم هذا الفن بوضوح حركية الأمة بين نزوعها الى الحرية وانكفائها عن الذات .

اننا نصف الفن بالقومية اذا صور ما تمتحن به الأمة فى فترات حياتها من أنواع الامتحانات القاسية . ومدى ما قدمه المخلصون من رجالها من جهدهم وفكرهم فى الفترات الحاسمة من حياتها .

والواقع ان الفن لا يعبر عن حياة الأمة وروحها الا متى كان الفنان نفسه مؤمنا بقدرات أمته ودورها فى تطور العالم.

وهذا الايمان لا يحس به الفنان الا متى انبثق فى نفسه ووجدانه شعور الاستعلاء الذاتى ، الذى يمكنه من أن ينظر الى المجتمع نظرة الطبيب الفاحص، دون ترد فى هوة المذهبية السياسية والنزعات الحزبية والطائفية . هذه النعرات التى تمسخ الفن وتجعله غير متصف بالشمول .

ومن صفات الفنان الاساسية هى انه اكثر تقدمية من غيره ورؤياه عادة نكون نزاعة نحو المستقبل ، باعتباره بصيرة الأمة المخترقة على الدوام لحواجز الزمن ، وهذه الميزة الاساسية عنده تجعله يتصادم - فى أكثر الاحيان - مع القوى الرجعية فى المجتمع ، وكثيرا ما يثور عليها لأنه عدوها الألد ، ولأن ابتعادها عن الحركية يتنافى ونظرته المستقبلية . وهذه القوى السلبية فى

الأمة غالبا ما تنهزم أمامه ، لأنه يسكتها بما فى انتاجه من روح التقدم وروح التحدى الهادف .

ان الفن فى مثل هذه الحالة باكتشافه لغياهب المستقبل ، وبمعاداته لقوى الرجعية يكون بمثابة التعبير الجماعى عن ارادة الأمة ، ويكون بمثابة الصدى لصوت ضميرها الحى . ولتوافق النزعة التقدمية بين الفنان والأمة فان كليهما مكمل للآخر ، باعتبارهما ينظران الى الواقع الموجود نظرة مستقبلية تخالف نظرة السلطة القائمة .

ولعل هذا الارتباط المتين بين الفنان والأمة هو الذي جعل الفن تعبيرا عن طبائعها الذاتية ومنازعها فى الحياة . فلقد كان الفن عند الرومان تعبيرا عن شغفهم بالحياة الحربية . وكان الفن فى مصر القديمة تعبيرا أيضا عن الحياة الدينية والرغبة فى الخلود . وكان الفن كذلك عبر مختلف العصور.

فالفن فى شتى مظاهره هو التعبير الصحيح عن طبيعة الأمة وخصائصها. وهو الذى يحفزها الى الغد ، ويجدد فى صلبها المطامح.

فكان الفنان - من هنا - أكثر وطنية وأكثر قومية من رجل السياسة . .. لأنه يجابه الواقع الموجود ويحلله بصدق دون نفاق ودون مواربة .

- الفن الحديث:

قلت أن الفنان نزاع الى المستقبل ، ولأجل هذا فانه يرفض الروتينية فى الحياة الفنية ، وهي المتمثلة فى الاساليب المعادة ، والافكار الجاهزة . ولذلك فهو يحاول أن يزعزع المفاهيم القديمة ، ليعبر عن ذات نفسه وقضايا مجتمعه بطرق فنية غريبة قد لا يفهمها الجمهور ولكنها تزيح الستار عن تعقد ذاتية الفنان وتعقد الحضارة المعاصرة .

وتبعا لرفض الفنان للاساليب القديمة المعادة فان القيم الجمالية القديمة قد تزعزعت . وانطلق الفنان من ثمة يبحث عن قيم جمالية جديدة تتناسب والذوق المعاصر . وأصبحت طرق التعبير فى الفن الحديث عرضة للنقد نتيجة اتصافه بالتعقيد الذى هو صورة من تعقد نظام الاجتماع والاقتصاد اليوم . فعصرنا اليوم هو على غاية من التشابك فكان أن تأثرت من ثمة

مجالات الحياة الفكرية والفنية بذلك ، من قصة ورسم ونحت ، وكاد بعضها يكون مغلقا تماما .

- الفن الحديث بين الشرق والغرب :

المتأمل من الانتاج الفنى الحديث يجد فرقا واضحا بين انتاج الشرق وانتاج الغرب . وهذا الفرق يرجع أساسا الى طبيعة الشرقى التى تتعلق بالاحلام والتصورات . فطبيعة الشرقى طبيعة حالمة ، لأن بيئته منذ أقدم العصور بيئة ترتكز على الأدب لا على العلم . فهي من هذه الناحية مهيأة لتضخيم احلام الفنان وفصله عن الواقع الموجود . ان هذا يجعل الفن الشرقي يخاطب بصدق وحدة وجدان الانسان أكثر مما يخاطب عقله . بخلاف الفن الغربي الذي وجد مند القرن التاسع عشر تربة علمية ممتازة ازدادت خصوبة فى القرن العشرين . وفى جو العلم نما الفن الغربى وخاطب عقل الانسان الواعى فزاد فى تربية الذوق والحس للانسان المعاصر . خذ مثلا لذلك النحت اليوغسلافى الحديث أو النحت الايطالى وقارن أحدهما بالنحت او الرسم الشرقى فانك لواجد فى الاول عاطفة موجهة بالعلم ، وفي الثانى عاطفة منطلقة ، تقل فيها سيطرة العقل ، ولعل هذا هو السبب الذي يكثر فى النحت الشرقى تماثيل الأمومة ويوفر فى الرسم اللوحات التى تصور مواقف الغرام.

ولربما هذه هى النقطة الاساسية التى تستحق النقد في الفن الشرقى اليوم . إذ لا بد من توجيه هذه العاطفة وجهة عقلية ينتفع منها العلم والتكنولوجيا ، وتزدهر بفضلها الحياة الاقتصادية.

- الفن والسلام :

لا شك أن مشاغل الانسان اليوم تزداد بازدياد انغماسه فى الميدان الاقتصادى والاجتماعى ، وبتهالكه على الوفرة والربح ، وكلما ازدادت هذه المشاغل كلما شعر بحاجته لفن أكثر سموا من عالمه الضحل الجاف ، وكلما خطت حضارة التقنية والصناعة خطوة فى سبيل التطور الا وتأكدت ضرورة الفن للمجتمع باعتباره ينشط الحياة الروحية فى الانسان ، وبهذب ذوقه ، وينمى احساسه بمحبة الآخرين.

إن تنمية الحب في قلب الانسان المعاصر ، وتخفيف قلقه وتوتره هو الرصيد العظيم الذي يقدمه الفن الاصيل لأجل السلام فى العالم . إذ لا شئ يستطيع أن يقوم بهذه الرسالة لانسان اليوم مثل الفن . فهو الذى يبعد عنه التذبذب الوجدانى والزيغ العقلي ، ويغرس فى نفسه المعنى والهدفية. ان تبلد الذهن وموت الاحساس ، والانغماس فى المادية من شأنه ان يقوى شعور العداء في انسان اليوم ، وبالتالي يضع حياته فى كفة الزوال ، والفن هو الذي يقوى فيه الشعور بالانتماء للعالم وللآخرين ، ويعمق فى نفسه معنى الوجود ، ويمتن صلته بأمه الأرض.

وها هنا لا بد من التمييز بين الفن الأصيل والفن المفتعل ، وهذا التفريق تصبح ضرورة من الضرورات التى يجب على النقاد مراعاتها ، حتى لا يفسد الفن الزائف أذواق الجماهير ، وبالتالى يدفعهم الى سوء التفكير ، وسوء التمييز بين القضايا والمشاكل المختلفة فى المجتمع والحياة.

- الفن الحق :

الفن الأصيل هو الذى يخرج الانسان من ظلام الغيبوبة الى حيز الحلم الشعرى الموسع لآفاق الفكر ، والمساهم فى الاحساس بالوجود ، بحيث يساهم هذا الفن على مختلف أنواعه فى زيادة احساس الانسان بالحياة والعالم. والفن الاصيل هو الذي يقرب الشقة فى نفسك بين المكان والزمان ، والواقع و الاسطورة ، والعادة الفردية ، والظاهرة البشرية العامه . فهو على العموم ذلك الذى يحشو نفوسنا طموحا ، ويملأ بواطننا تصميما على الخروج من وضعياتنا السيئة ، بفضل الرؤى الجديدة التى يولدها فى أذهاننا ، فكلما كان الفن مشتملا على رؤية شفافة تكشف للناس أبعادا جديدة وتوسع آفاق نشوفهم ، وكلما كان الفن محكا يزيد في صفاء الروح ووضاءتها قادرا على أن يحط بالمرء في قلب الحياة النابض ، ويجعله راكبا على جناح الحلم والرقة- كلما كان كذلك كان أكثر عبقرية مهما كان الشكل الذى صب فيه ، والمادة التى شكل منها .

- الفن والحب :

والحقيقة أن الخصائص السابقة لا تتوفر في أى أثر الا اذا ارتكز على الحب . يقول الفنان الفرنسى بورديل فى هذا الشأن : " إن سر الفن فى الحب " ولا

شك انه لا يعنى بالحب ذلك المعنى الضيق المبتذل ، انما يعنى به الحب الذى يشمل العالم والانسانية ، ذلك الحب الذى يقرب بين أبعاد العالم في ذهن الفنان ، وينزع من فكره الحواجز الموهومة التى تقيمها الأجناس واللغات بين الشعوب . فهذا الحب هو الكفيل بتوفير عنصر الشمول فى الفن ، ويجعل المشكلة الاقليمية التى انبثق الأثر بسببها مشكلة عالمية تمس من وضع الانسان فى كل مكان.

إن الفن العظيم لا يخرج الا من قلب مخلص للانسان والحياة ، وتهدمت فى أعماقه الحدود على اختلافها بين الناس والأشياء ، فأحس الحياة بعمق ، واقتنع بضرورة العمل والجهد عن روية . ان فنانا مثل هذا لهو بحق نبى من الانبياء.

- الفن والحياة اليومية :

ولكن مهما كانت عبقرية الآثار الفنية فانها تبقى بلا فائدة اذا لم نربط الفن بالحياة .

فمظاهر حياتنا اليومية لا تخلو من حظ فنى معين ، ذلك أن الانسان ينشد على الدوام التوازن فى حياته فيعمد الى توفيره بواسطة الفن . فالسكينة والصفاء يمكن توفيرهما فى الحياة من خلال ما يضفيه الفرد من تنسيق على أشياء المنزلية . فأنت كثيرا ما ترى مداخل البيوت وشرفات المنازل مزدانة : بأوان زهرية . وكثيرا ما يحقق الشخص العادى السكون فى نفسه عن طريق المرأة التى يختارها شريكة لحياته . لأنه يتخذها أنموذجا يدفعه باستمرار الى تنمية ما يثير في نفسه الشعور بالحياة . ولأجل الرغبة فى اضفاء صبغة جديدة على الحياة المنزلية ، فانك تجد لكل ذوقه فى اختيار أشياء ، وطريقة تنظيمها وألوانها وأحجامها وأشكالها . كذلك تجد لكل ذوقه فى اختيار نمط معين من أنماط الفن المعمارى لسكناه . إن كل هذه الأشياء فى الواقع تحقق للرجل العادى - كما قلت - نسبة من السكون فى نفسه .

ولست أدعى أن ما ذكرته هو فن أصيل متصف بالشمول ، ولكن المظاهر الفنية البسيطة في حياتنا اليومية لا يمكن بحال أن تصعد الى مستوى الف الرفيع لأنها أشبه شئ بالأدب الشعبى ، تعجبك نغمته ، لكنك تحس بقشرته الوحشية . فالخرافة والحكاية والاشعار الملحونة هى من الاسباب التى يروح بها عامة الناس على أنفسهم ، وذلك يكون عن طريق استعادة ذكريات

الشباب أو تحفيز المطامح عن طريق سرد القصص البطولية ، التى يتمكن بواسطتها الحاكى والسامع من تحقيق قدر من الهدوء النفسي

كذلك هذا الفن الهجين فى حياتنا اليومية هو سلاح لمحاربة القلق ، الذى قد يزداد نماء فى حياتنا بازدياد الفوضى فيها . ولكى يساهم الفن فى تطوير الشعب لا بد من أن نحاول السمو بهذا الجانب الفنى فى حياتنا اليومية ، كى يزداد ذوق الناس سموا ، بالعمل على صقل احساسهم . . . وربط الالفة بينهم وبين القيم الجمالية الرفيعة .

إن ربط الفن بالحياة لا يكون إلا عن طريق الاشياء الصغيرة فى المنازل والادارات والأماكن العمومية . فكثيرا ما نستخف بآنية الأزهار أو التماثيل الصغيرة ، أو بطريقة تنظيم منازلنا وترتيبها فلا نعير هذه الأشياء اهتماما فنيا فيحدث من ثمة انفصال الفن عن الحياة الذي يتسبب في انحطاط القيم أو على الأقل فى ضحالتها . وتوفير القيم الجمالية فى الأشياء التى تتصل بحياتنا اتصالا مباشرا من شأنه ان يخفف من قلق الانسان المعاصر ، ويرجع الى نفسه الهدفية والجدوى.

والواقع ان الذى يجعل الناس لا يهتمون بالعمل على ايجاد الرفعة الفنية فى الاشياء المنزلية وغيرها هى نظرتهم الى هذه الأشياء على أنها لا تستطيع التعبير عن القيم العليا كما يعبر عنها التمثال أو اللوحة أو أشكال الفسيفساء والواقع يفند هذه النظرة . فلو تأملنا الاشياء الصغيرة التى كان يستعملها الاولون مثل دن الخمر وإبريق الماء ومصباح الاذارة - هذه الأشياء بالاضافة الى أنها تحمل قيمة تاريخية ، فهى فى أغلب الاحيان تحمل قيمة فنية رفيعة قد تفوق قيمة اللوحة أو التمثال " لأن الفن ليس بنوعه بل بقيمته " .

إن الاعتناء بفن الحياة اليومية يمكن الناس من ادراك الفن بيسر ، وبذلك يمكن أن تتطور القيم الجمالية والاجتماعية فى المجتمع بفضل اثراء الرؤية الفنية لدى الأفراد .

- دور الفن في المجتمع الشرقي :

ان المتأمل من الاساليب الفنية على اختلافها يلاحظ بوضوح ان الاسلوب يرتبط بطبيعة الموضوع ، وبالمادة التى يجسم بها الأثر . فليس التمثال الذى يصور رجلا من رجال الحكم كالتمثال الذى يصور رجلا عاديا من عامة الشعب.

إن التمثال الأول يضفى عليه النحات طابع الجدية والأرستقراطية ، بينما تمثال الرجل العادى قد يشكل بأكثر حرية وأكثر تصرف في خصائصه. فيكون تمثال رجل الشعب يمثل الصدق والانطلاق ، أما تمثال رجل الحكم فانه يكون متكلفا فى أغلب الأحيان وذلك بما يحاط به من ابهة ، لأن الفنان فى هذه الحالة يكون مجبرا على نحت تمثال صاحب السلطة كما ينبغى أن يكون ، لا كما هو كائن . أى انه يضفى عليه صبغة التمجيد . والتمجيد داء ورثه فن الشعر والأدب والنحت والرسم عن اليونان والرومان ومصر القديمة ، إذ لم يكن فى هذه الامم للشعب دخل فى الحياة الفنية الا بمقدار. فقد كان الملوك ورجال الدين والاقطاعيون لا يسمحون للفنان بأن يصورهم حسب الحالة التى هم فيها ، بل أكثر من ذلك يرغمونه على أن يصورهم حسب الحالة التى ينبغى أن يكونوا عليها ، وذلك لكى يحيطوا أنفسهم بهالة قدسية ليس لها بهم صلة فى عالم الواقع . وهذا ما نراه اليوم فى جانب هام من الرسم والنحت والشعر بالخصوص فى مجتمعنا الشرقي . إن هذا الجانب الهام يعكف على تمجيد الطبقة الحاكمة ورواية وقائعها - إن كانت لها وقائع - بطريقة فيها الثناء وفيها التقديس ، فى الوقت الذى يجب أن نتوجه فيه بفننا الى الشعب حتى نرفع من ذوقه وندفعه فى سبيل الوعى واليقظة، وذلك بتربية حسه واخراجه من لامبالاته . اننا فى شرقنا اليوم لا بد أن نجعل فننا ذا رسالة . لأن أمتنا اليوم تعيش لحظة انتظار وقلق . فلا بد من أن ننفخ فيها روحا جديدا بواسطة فنوننا على اختلافها .

ولن يكون هذا الفن ذا رسالة عاجلة الا اذا عملنا على تقويض المثل الارستقراطية القديمة ، وذلك بتغيير نظرة الشرقي الى الاشياء والكون ، واخراجه من الاستسلام الى حلبة الفعل بواسطة فن هادف ، فيه ما فى الحضارة الحديثة من عمق ودقة .

بهذا الفن وليس بغيره يمكن أن نتطور مع العصر حسا ومعنى ، ونطور بذلك شرقنا حتى يلائم حضارة العلم والتقنية .

وبهذا الفن يمكن ان ننسف اتجاهات المحافظة والتزمت التى ما زالت نخنق مجتمعنا الشرقى ، والتى ليس لها مع روح الحضارة الحق علاقة واتصال .

اشترك في نشرتنا البريدية