الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الف لام ميم، مسرحية فى خمس لوحات

Share

     -2- اللوحة الثانية (*)

مسرحية

الديكور: قاعة جدرانها رمادية تميل الى السواد، توجد فى صدرها بضعه كراس جلس على أحدها المسافر فى صمت وتفكير ... على كرسى وضع معطفه ... وعل كرسي ثان وضع حقيبته .. امرأة شابه شعرها مسدل نقف ووجهها للنافذة ... تجرى وتشده من ثيابه.

قمر: ظننت أنك مت ... لماذا تأخرت ... كيف أكلتك رحلة الصمت ؟ ..

المسافر: أنت أنتظرتني أيتها المرأة ... تنتظرين منذ قرون عودة المسافر الجوال ، تتعرين كل خريف كشجرة اللوز ، وترتدين فى الشتاء أحلام الشتاء ، وغربته الباردة وتطوفين كل ربيع حدائق الشكل والزخرف ، تنتشين بنكهة الثمار المحرمة ... وعند قدوم الصيف ، تزهرين وتمنحين العالم أسرار نفسك وألغاز وجودك .

قمر: والمدينة ... هل تعلم أن المدينة قفر خراب ، أمتداد أعمى للموت ، تجاوز لحدود الموت ... أنا أنتظرتك يا قدرتى على المستحيل ، ويا سلاحى ضد الفوضى ... وأمس سمعت عجلات القطار العائد بك من الاغتراب ولاح شبحك الشريد .

(تنحنى على ركبتيها وتحتضنه).

قمر: نحن على ضفتى نهر عظيم ، يفصلنا الصمت والألم ... فشيد جسرا من محبة أعبره اليك ... ان الحوار ينقطع فى المدينة المريضة الموبوءة ... يتخذ الحوار شكل حديث الذات، شكل الثرثرة . ولهذا أنا أنتظرتك يا نسيانى ...

(يأخذها من يدها الى النافذة).

المسافر: الخراب يضم الأشياء، يهتك الشوارع كجواد رهيب. لا شكل للمدينة كأنها مقبرة موحشة الظلال. لا شكل لها كجسد جندى قتيل. لن يعود فعبثا تنتظرين هو والشمس غائبان الى الأبد عن خرس الموت فى الشوارع المشوهة. موصدة ابواب المدينة العجوز، هي معبد مهجور فر منه الله ، انطفأت شموعه وذوت . وغار الزيت فى قنادله فتشربه التراب . عبثا تنتظرين فأصبرى على القحط .

قمر: أنا لا أقوى على الصبر ، فالصبر صخرة صماء تحملها الأجساد القوية ...  أنا انثى فى العاصفة ... أضعف من ذبابة وأحقر من صرصار.

المسافر: الكلمات، الألفاظ ... كفى عن الكلمات والألفاظ .. هي زيف وآفتراء ... هي الشكل والزخرف ... وأنا أتوق للأغوار الساحقة ...

قمر: اننى تعلمت أن أنطق .

المسافر: جئت أعلمك كيف تتألمين .. النطق ينفى الألم ، وأنت تعلمين أن الألم أرض تمنح عطاءها المقدس ... الألم هو الكمال ..

قمر: لألم . . . . ثلاثة حروف . . ألف لام ميم .

المسافر : بل ثلاثة عناصر ... الميلاد والموت والحرية.

قمر: نعرف من الألم عنصرين ... بل كلمتين ... أما الكلمة الثالثة ، فنقرأها ونتلوها ونرددها ونريد أن نحياها . . آه لو عدت الى أيها الغائب ...

المسافر: الغائب لفظ أيضا .. تعمقى فى المعنى. خلاصك رهين العمق.

قمر: السطح مريح وأنا ضعيفة لا أقوى على الغوص.

المسافر: حاولى ....

قمر: ليس الخطأ خطئى ، بل خطأ الأيام .

المسافر : (بضع الكراسى وضعا آخر فى شكل صف عسكرى) . تأملى مثلا هذه الكراسى ... لقد أرادت لها الايام وضعا ، وأردت لها أنا وضعا آخر ... نحن نستطيع أن نصنع ولكننا نخلق عقباتنا بأنفسنا . نحن نهر جارف صامد عنيف بما نختزنه من أنفجار الميلاد لكننا نشيد سدا اعمى لنتراجع ونقف وننهار ...

قمر: حجارته من معدن غريب ....

المسافر: حجارته من يأسنا وخوفنا وعارن ا.

قمر : ترى كيف أميز بين اللفظ والمعنى، بين الروح والجسد ، بين النهر الجبار الرائع والسد القائم كالقدر الأعمى .

المسافر: قضية معاناة. وقضية بحث ... قضية سفر دائم ...

قمر : والمدينة . لمن أتركها ؟

المسافر: ملعونة هي هذه المدينة العاقر ... عشش فيها الوباء منذ آلاف السنين. منذ تأسيسها والخراب ينمو على أسوارها .. وأهلها يتناسلون يتناسلون بدون أنقطاع أو حكمة أو تحديق .. تتلاحق أجيالهم جيلا بعد جيل في ظل القناعة بالخراب والرضى بالقحط .. (يأخذ المرأة إلى النافدة) تأمل الجدران المهدمة والبيوت المنسوفة ، تأملى أنقاض الشوارع وأطلال الساحات ...

قمر: مدينتنا تحتاج إلى هندسة جديدة .

المسافر: الهندسية هى الزخرف، هي اللفظ .. ان مدينتنا تطالب بالهواء النقى والماء الصافى والحدائق الضاحكة ، مدينتنا تطالب بتاريخ يكون كالقلب النابض ، فتنغرس في التاريخ كالزيتونة القديمة وتطعم من ثمارها الجياع . مدينتنا تطالب بالأطفال ...

قمر: ... آه الأطفال .. ليتهم يملؤون شوارعنا الخرساء بأجراس ضحكاتهم المعبودة ، ويعدون .. يعدون كالعصافير فى الساحات وتحتضنهم بيوتنا فى عناق مقدس .

المسافر: مدينتنا بلا تاريخ ، بلا ماء ، بلا هواء ، بلا قلب وبلا أطفال .

قمر: حدثني عن تأسيسها ، حدثني عن الفارس الغائب...

( يسحبها المسافر من يدها ويجلسان على كرسيين ... موسيقى ثم ينبعث صوت) .

الصوت: مدينة أحجارها من جوع ، يحكمها ملك يحب الحرب ، يحب الوقوف فى برد المعابد . المهجورة ... يأكل من لحم أطفالها ... شيدها ورفع فيها تمثاله وقال: بنيتها لله ونذرتها للسماء ... كان يحب اللفظ ويعيش على الوهم والضلال ... هكذا تأسست المدينة عارية من الفضيلة والاهتداء ... قلبها من رماد السنوات العجاف ... باردة شوارعها وهندستها مستوردة من الصقيع والفراغ ...

قمر : (تقف وتصرخ) . انها لعبة قديمة ... أنا لا أحب المدينة الميتة .

المسافر: انها معجزة الرفض .

قمر: أنا أرفض الخراب القائم فى المدينة ... انا أرفض الخضوع للجوع والعراء أرفض الصمت ...

المسافر: الرفض هو أن نقول لا ... هو أن نقول نعم .

قمر: لا للموت ... للمدينة المشوهة .

المسافر: ونعم للحياة، لهندسة الميلاد . (أصوات عديدة عالية لرجال ونساء ينادون) .

الأصوات: النار للمدينة الميتة . النار لهيكلها القديم .

نحن سنحرق أطلال الهندسة الفاجرة .

الرفض سلاح ضد الموت .

نحن نرفض الخراب .

(يبدو ضوء أحمر، كضوء الحرائق من النافذة) .

المسافر : ماذا نرى .. أنها النار انه الميلاد .

قمر: الشعب يرفض .

المسافر: الشعب هو النهر الغاضب.

الأصوات : (يتكاثف النور الأحمر ، يميل نحو الزرقة - موسيقى عنيفة) . نحن سنشد مدينة الانسان على أنقاض مدينة التاريخ الكاسد ... نحن نقف ضد الموت المقنع .

قمر: غدا نراك عالية الأسوار منيعة الأبواب .

المسافر: ونرى الأطفال ... يعوضون سأم الوجوه البالية المعروقه يزرعون أقدامهم النبيلة فى ثراك يا مدينتنا .

قمر: غدا نعانق أنقى أشعة بعثتها الشمس ونتنفس الهواء النقى القادم من أعماق البحر ...

المسافر: ... والينبوع الغائر ، سنفجره من قلب الأرض ... (يقفان أمام النافذة فى شبه عناق ، ينبثق صوت حالم) .

الصوت: عيناك أيها الفارس نافذتان تفتحان على الغيب ... أنت سئمت الصحراء وكرهت معابر الموت فى صحارى الناس ... رحلت ذات فجر الى بلاد مجهولة البرارى موحشة القفار وقلت لجوادك : سوف أبنى مدينه الانسان ... وشيدت معبدها فى قلب البيوت البيضاء الحالمة وفجرت ينبوعا زلالا. كانت الهندسية الضاحكة تغرى نفسك الكبيرة ... الهندسة القادرة ... الهندسة المؤمنة بالأرض ... وأحطت مدينتك بأسوار عالية ، وأقمت في كل ساحاتها تماثيل بشرية فى نظراتها ووقفتها كبرياء وشموخ ومغالبة .

- موسيقى - (يواصل الصوت - حديثه فى شكل جمل متتابعة تبدأ خافته تم تعلو على الموسيقى : ) .

الصوت: المدينة ضريبة الموت للانسان . المدينة ضريبة الموت للانسان . المدينة ضريبة الموت للانسان .

ستار

اللوحة الثالثة

الديكور: ساحة من المدينة بعد الحريق أنقاض أعمدة وأبواب عليها آثار السواد والاحتراق . يجلس على كومة من أحجار شيخ ملتح يرتدى ثيابا طويلا ممزقة ، ويقف الى جانبه المهرج بمساحيق كثيرة على وجهه حتى غابت ملامحه تحت زيف الطلاء. ملابسه مجموعة مربعات بيضاء وسوداء وعلى رأسه طرطور . المهرج : لنار النار، ما أقساك أيتها النار ... قال المسافر أن النار هى الطهارة : لقد أطردت الوباء ومسخت هياكل الموت وأحلام الهندسة الملعونة .. النار . . .

الشيخ: كلما اتذكر احتراق المعبد ، وآنهيار المعابر المقدسة ، وآندثار التماثيل التى رفعتها منذ آلاف السنوات .. كلما أتذكر يتزعزع كيانى وأحس بدوار سحيق .. النار .. آه من هذه النار .. لعل الأيام تعيد لنا أفراج الشتاء والصقيع وتنقذنا من ضلال الحرارة والتغير.

المهرج : تماثيلك كاصباغ وجهى ، أتى عليها اللظى فأذابها ...

الشيخ: أصباغك حديثة العهد على وجهك يا رفيقى المهرج ... أما تماثيلى فنحتها الدهر وبعث فيها التاريخ من روحه وأعطاها المؤمنون بها من ضحاياهم وقرابينهم بينهم فثبتت على القدر وغالبت الموت. وجاء هذا الحريق الملعون ... على يد هذا المسافر الأفاق .

المهرج : هذا الحريق ... انها مهزلة كبيرة ... كنت أضحك الناس من أنفسهم فى هذه الساحة ، أعريهم من فضيلتهم وأروى لهم أساطير مختلفة موضوعة ... أوهام مجرد أوهام ... كنت أغشى تعاببير حقدى بالطلاء والزيف وأغذى الواقفين من أهل المدينة بسراب الماضى المزعوم ... أقول لهم :

(يسكت المهرج ويواجة الجدار الخلفى ، وتنبعث ضحكات كثيرة مرتفعة ، ويعلو صوت من أغوار النسيان) .

المهرج : اضحكوا عاليا ... عاليا (قهقهات) اضحكوا للحياة فهي رائعة نقية عذبة . الربا افك وآفتراء ... مدينتكم أطهر من أحلام عذراء ... لقد بنيتموها كالجرذان المطيعة (قهقهات) حجر فوق حجر حجر اثر حجر ، الطاعة ... الطاعة ... كانت الطاعة قانونا يسيرا تحنون له الرقاب، وأما العرش ...

الأصوات : العرش العرش العرش  ...

صوت المهرج: أما العرش فأقمتموه على جوعكم وعريكم، وأسستموه بجماجم

موتاكم . . . (قهقهات بلهاء باهتة) أقمتم العرش درعا ضد الموت ... وأطعمتموه من لحمكم الحي والميت ، وغرستم قوائمه الاربعة فى التراب العاقر كما تغرس الزيتونة (قهقهات) وسقيتموه بالدماء الساخنة ... أبعد هذا الانجاز تقبلون الرفض ؟

الأصوات: لا ٠٠ لا ٠٠ نحن راضون راضون ... والحياة رغدة .

صوت المهرج: ارفعوا أصواتكم بالضحك والرضى ... فان تاريخكم معطاء ... اضحكوا ليدرك العالم أننا راضون ... (تخفت الأصوات وترتفع موسيقى، يتحرك الشيخ فى اتجاه المهرج).

الشيخ : واندثرت أحلامنا أيها المهرج العزيز . . . جاءت النار كالطوفان فجرفت أغلى أمانينا وحطمت صلاتنا الوثقى بقلوب أهل المدينة ...

المهرج : كان عرشنا كالهرم الشامخ ، منغرس الجذور في الأعماق ، يشرب فرعه من الدماء ... كنا اقتسمنا الحضارة إلى نصفين ، لك المستقبل ولى الماضى ...

الشيخ : آه المستقبل ... هو عالمي الممتاز .. لكم صورته للناس من زيفهم ومرضهم ورضاهم .. كان المعبد هو المستقبل الموهوم.

(يقفان في غير حراك ، تنبعث موسيقى أشبه بموسيقى الكنائس ثم نسمع  صوت الشيخ وأصوات عديدة تصاحب الموسيقى ) .

الأصوات : أين نحن يا شيخ المعبد ؟ أين نحن ؟ فنحن فى قتام لا نرى .. صوت الشيخ : قتام دائم خالد .. أنتم في صحراء ممتدة كالعدم ، خالية من الروح والماء والظل .

الأصوات : والى أين نسعى ... فنحن ظامؤون ... من آلاف الأعوام العجاف ونحن نمشى فالى أين نسير ؟

صوت الشيخ: تسيرون إلى الواحة، هنالك الظل والرواء والأمن ...

الأصوات : والتعب والظمأ واليأس والشمس .. هل تنتهي؟.

صوت الشيخ : هي الواحة في انتظاركم ، سوف تنعمون بالهدى على ضفة النهر المقدس .

الأصوات: ... النهر المقدس ... النهر المقدس.

صوت الشيخ: تبارك النهر في سعيه الخالد ، يجرف سدود الغضب ويسقى أزاهر الرضى في أنفسكم ويفجر فيها ايمانها ... تبارك النهر . ينبثق من الأبد وينصب فى الأزل .

( الموسيقى تخفت شيئا فشيئا تصاحبها الأصوات ... يتحرك المهرج والشيخ ) .

المهرج : ... ونضب نهررك غار فى الأرض ... حلم ضاع .

الشيخ: مثلما ذابت الأصباغ على وجهك القديم ... كان الوباء كالظل المنشور أبد على المدينة ... شبحا جوالا فى الطرقات ... وكان أهل المدينة كالفئران القابعة فى الجحور ... لا نور ولا حركة .

المهرج : لا نور ولا حركة الا أنا وانت نقيم ولائمنا من لحمهم البارد البائس .

الشيخ : ثم كانت مأساة النار .

المهرج : احترق التاريخ ... ماضيه وحاضره ومستقبله ... أمسى التاريخ أنقاضا .

الشيخ : على رأسينا ...

المهرج : لا تيأس أكثر مما يجب ... ان الحريق ازمة لا تدوم ... ما دام الانسان انسانا فهو يحتاج للوهم ... وما دام يحمل فى قلبه بذور اللفظ الزائف فهو لا محالة عائد من رحلة الهندسية الفاضلة ...

الشيخ : الهندسة الفاضلة ... نحن ضحايا الهندسة الفاضلة . ( لنور يتكاتف بصورة سريعة ... نور أبيض ساطع كالشمس ... وتسمع أصوات ).

الأصوات : الشمس ... الشمس .

نحن نعانق الشمس .

نحن سنشيد مدينتنا تحت الشمس.

المدينة هي تجسيم لارادة الشمس .

المهرج : (يضع كفيه على عينيه) .

الشيخ : (يقوم بنفس الحركة) ارحمينا أيتها الشمس ... فعيوننا لا تقوى على التحديق في العالم .. الرحمة الرحمة ...

المهرج : (يركع على الأرض وراسه مطأطأ) . النور يغمر الكون ... يسحقنا .. يدمرنا فأمنحينا الظلام أيتها السماء...

الأصوات: الموت لأعداء الشمس . الموت لأعداء الشمس (فترة صمت ... ينزل الستار) .

اللوحة الرابعة

الديكور: مكان أشبه بمكتب في قصر العدالة ، هو أقرب الى قسم الأرشيف نحو خانق مغير - رفوف وأوراق عديدة الى اليسار . الى اليمين شبكة من خيوط العنكبون مصنوعة من حبال . وقد شد اليها المسافر فى شكل الصلب . يجلس على كرسى حاكم كهل بلباس أسود .

الحاكم : ( يقلب الملفات العديدة على طاولة بالية ) . القضية رقم 2011 : الخروج عن صف التاريخ       ( يضع الملف جانبا ) . ملف القضية رقم 771 : الصمت ... تهمة الصمت ( يضع الملف جانبا ) . ملف القضية رقم 4037 : النطق ... تهمة النطق    ( يضع الملف جانبا ) . ملف القضية رقم .... الرقم غير واضح : التهمة : احراق مدينة ... المتهم : مسافر مجهول الهوية . . .

المسافر : ( وهو مشدود الى خيوط العنكبوت ) . أخيرا ... أخيرا عثرت عليه ... وسط هذه الأنقاض الميته .. كل هذه الملفات قديمة جدا ... محنطة من عهد مضى ... منذ قرون عديدة ... وأنا حديث الولادة .. حديث الذنب .. فكيف تحاكموننى من خلال هذه الأقوال الموضوعة الزائفة ...

الحاكم : ( يفتح الملف ويقرأ ) . أفادتنا قمر أن هذا الرجل يحمل في جذوره نسخ التمرد والأمل ... وأنه شديد الصلة بالأحلام ... يسعى فى آتجاه معاكس لاتجاه التاريخ ...

المسافر: وأنت تحاكمنى باسم التاريخ .

الحاكم : باسم التاريخ ... والانسانية التي أحرقتها ...

المسافر : أنا أحرقت مدينة ميتة .. فبعثتها من الخراب واليأس والموت ... أنا مهتم بتشييد مدينة نقية عذراء ... هندستها البقاء والخلود والتجدد .

الحاكم : الذي يهمني ... هو الجزء الاول هو الاحراق ...

المسافر : الاحراق طريق للميلاد ... تساءل بينك وبين نفسك أيها الحاكم الجليل ... كيف يبعث الموات من رقدة الأبد وكيف يستيقظ الانسان من غفوة الوهم ... تساءل ...

الحاكم : تساءلت منذ سنوات لا تحصى وأنا واجد فى الملفات أجوبة القانون ... والقانون لا يقبل التنقيح أو العناد أو التجاوز ...

المسافر: القوانين تنشأ من زواج غريب .. عندما يتناسل نظام العالم مع فوضى الانسان ...

الحاكم : ( يعود لقراءة الملف ) . أفادتنا قمر جاسوسة مصالحنا السرية التابعة لمكتب الجنايات أن هذا الرجل يبحث عن معنى في غموض الأدغال التى أقامتها الطبيعة سرا من أسرارها ...

المسافر : كنت أعتقد أن قمر امرأة في مستوى المدينة الجديدة ...

الحاكم : هي وهم من الأوهام التى نرسلها .. فتنسج خيوط عنكبوتها حول المذنبين ... وتغالطهم ...

المسافر : ... وابتسامتها .

الحاكم : زيف محكم الصناعة والرواج ... تعلمتها فى برد المكاتب ورتابة الملفات .

المسافر : وايمانها بالمدينة .

الحاكم : ايمان بالخيانة ... وقدرة على اصطياد الضالين والأفاكين .

المسافر : كانت تحدونى وتفجر في قلبى ارادة اللظى والتآكل .

الحاكم : والآن ... لقد انتصر العدل ... لقد أمرنا بايصاد الأبواب والابقاء على حالة الحصار .

المسافر : انتصر الوباء والجوع .

الحاكم : هما أضمن لنا من مستقبل لا ندريه ...

المسافر : كانت اذن تتجسس لحساب التاريخ ... لحساب هذه المقابر المكدسة

( يشير الى الملفات ) وأنا الأحمق ... بل أنا الطيب الضمير والطوية ... ظننتها تشد أزرى .. وها أنا مصلوب على هذه الشبكة .

الحاكم : هو قدرك الحاسم ...

المسافر : قصة القدر موضوعة مكذوبة ... فلا تعدها على سمعى ...

الحاكم : تأمل هذا النسيج العنكبوتى مثلا .. تأمل دقة صناعته واستحكام خيوطه ... هو من انتاج أصابع مجهولة ليد القدر ... وأنت موثوق إليه بعد طول انعتاقك ... كلنا رهن هذا القدر .. لا نستطيع الفرار ولا

التطلع . نحن حشرات حقيرة ... أنا عبد أخرس أعمى للقدر .. أحيا كالدودة في غبار الملفات والقضايا ... ولا أتحرك الا بأمر القانون ... لا أنتنفس الا بأمره ... لا آكل ولا أشرب الا بأمره ... به ايمانى وبسواه كفرى وجحودى ... تبارك القانون تبارك القانون ...

المسافر : القانون القدر العنكبوت . . ثلاثية الزيف واللفظ . . . ثمرتها الألم أنا أتألم أيها الحاكم ... هل يمكن أن تفهم الألم كما تفهم الصمت الألم الألم ... هو كل صلاتى بالكون ... علمنى الحيرة فرحت منذ نشأتى أطرق أبواب الغيب .

الحاكم : لا جدوى من تلفيق القصص ووضع القول ... كل المجرمين لديهم دائما ما يبرر جناياتهم ضد العالم والزمن ... ثم ان الألم والحيرة من شؤونك وحدك ... لا يمكن أن نضعهما فى ملفك .

المسافر : ماذا فى ملفى اذن ؟

الحاكم : تهمة ( احراق المدينة ) ... نحن تجاه قضية متعارفة ... لو حدقنا تحديقا في سالف الايام وجدنا عددا من الجناة يغامرون ولكنهم يقعون فى الشبكة العنكبوتية .. بعدما يعبرون رواق قصر العدالة ... ويستنطقهم الحكام استنطاقا عسيرا ثم يدمغونهم بالحجج والوثائق ويتقدم الشهود ورجال الشرطة ويسلط عليهم حاكم التحقيق ضوءا قويا عنيدا يسحق كبرياء عيونهم ... وبعد ذلك يقع تعذيبهم فيفقدون ذاكرتهم وينسون حتى أسماءهم .. ويقتنعون أنهم مجرد أرقام .

المسافر : أو مجرد حروف .

الحاكم : الأرقام والحروف ...

المسافر : أنتم تحاكمون أرقاما وحروفا ... هذه مهزلة العصر .

الحاكم : آن لنا أن ندعو الشهود والضحايا ... العمل مرهق ويجب أن تساعدني .. ساعدني أيها المسافر .. ( ينادى بأعلى صوته ) .

الحاكم : عباس .

عباس : ( يدخل في صمت ويجلس على كرسى ... ) تنطفئ الأنوار ويبقى المسافر مضاءا مع وجه عباس .

عباس : العالم موبوء فارغ خال من الحياة ... وأنا أريد اكتشاف خلية الحياة من الصفر أنا أغالب الموت في صبر البحر ... وقلب لا يعرف السأم لا يعرف

الندم لا يعرف الشك ... أنا اليقين . أنا وقفت وراء المسافر وأحرقت المدينة الملعونة المدينة ضريبة الموت للانسان فسنعيد بناءها لانها الخلية الحديد للحياة .. ( ينصرف ) .

الحاكم : المهرج .

( يدخل ويجلس فى مركز الضوء ) .

المهرج : أنا يطاردني الجوع والعطش ... نزعت عني النار قناع لزيف وأذاب الحريق أصباغ وجهى الكذوب .. وأنا قابع بلا ذكريات فى ظل العراء والخراب أنا وقفت ضد المسافر ... فهو عدو الافتراء والافك وأنا أحيا لاباحة حرمة التاريخ وهتك أعراض الانسان فى شوارع وساحات المدينة المريضة ... أنا ألعن المسافر الذى يحمل النار والمسخ فى جذوره . ولكنى أدعوه لاعادة البناء على الأساس القديم حتى نعود للناس ... ونحيا فى ساحاتهم نسليهم ( ينصرف ) .

الحاكم : قمر .

قمر : ( تدخل وتجلس في مركز الضوء ) .

نشأت أمام المطلق أبحث بعينى الزائغتين عن لغز الطبيعة . وأتساءل هل يمكن أن أجد الأبد والأزل مجتمعين فى السماء . أجابني البحر بالصمت ... فررت من الصمت ... لاحقني الصمت عذبني صلبنى على صليب السؤال الأخرس .. ( تنهض قمر وتسرع فتتعلق بالملفات ) .

الحاكم : وعندما واجهك المطلق بالصمت والنسيان ... أجابك القانون احتضنك القانون وضمك الى صدره ضالة شقية ... فأهتديت الى راحة الحروف والأرقام ... القانون ... القانون ... انه الواحة الخالدة للأفاقين والأشقياء والمسافر ... ماذا عن المسافر ؟

قمر : هو من أمر المهنة فقط . وجه من وجوه العمل اليومى الرتيب لكنه يختزن منطق التحطيم والبناء ... هو الرفض والقبول ... ( تنصرف ) .

الحاكم : الشيخ .

( يدخل الشيخ ويجلس ) .

الشيخ : كل ما يهمني في القضية هو المعبد ... احترقت أيامه وأكل اللظى تاريخه الطويل وانتهى ملكوت اللفظة المقدسة ... كل ما يهمني هو أن يعاد تشييد المدينة على أساس المعبد ... اننى منذ ميلادى أحلم بمعبد ضخم كالهرم ، يسحق هيكل الانسان بفخامة عمرانه ... ويفرض نظام الكون على فوضى المسافر ... ( ينصرف ) .

الحاكم : ( للمسافر ) .

كلامهم يساير القصة التى يكتبها التاريخ ، لا يناقضها .. أليس كذلك ؟

المسافر : القصة .. نعم .. هم يشتركون فى وضع سطورها ورصف كلماتها .. وأنا المأساة التى يجب أن تضاف فى سياقها لاشعار الانسانية بجمال هذه القصة ...

الحاكم : انه شرف أن تكون بطلا للعمل المشترك ... نحن فى قمة البناء القصصى وأنت تعاني هذا النسيج العنكبوتى الأصم ... انه النظام فى قداسة حكمته ... النظام الذى يدمر في جذورك فوضاها ...

المسافر : ما عنوان القصة ؟ ...

الحاكم : عنوانها " القانون " أو " النظام " أو " العدالة " أو " المنطق " .

المسافر : بل عنوانها ( الفوضى ) لأن الفوضى هى البحث الدائم عن النظام .

الحاكم : العنوان لا يهم ... بل يجب أن نفكر فى خاتمة القصة .

المسافر : مشكلة عسيرة حقا أن نحدد خاتمة معينة لقصة حزينة الفصول .

الحاكم : لم أكن أعلم حتى الآن اننا مجرد شخوص أدبية تخيلنا التاريخ فى فترة من فترات صمته وميلاده ...

المسافر : أما أنا فأعلم ... ومن علمى نشأت حيرتى ... وارادتى ... حقا نحن نقف عاجزين أمام الخاتمة ... لنتخيل أن المدينة بعد احراقها أصبحت بيداء قفرا وآرتادتها الريح ...

الحاكم : أو أنك أعدت بناءها بهندسية فاضلة لا تعرف القحط والوباء .

المسافر : أو أنني كنت أخدر أهل المدينة وأدلس في وجوههم حقائق الكون ... فاكتشفو أن الاحراق وهم وخديعة وقتلونى صلبا أو حرقا .

الحاكم : بل لنتخيل انك أصبت بالطاعون ومت مثل الآخرين فى ليل المدينة العجوز .

المسافر: عقيمة هذه التصورات ... ليست من شأن القصص فى شئ ... أجدر بنا أن نستسلم للتاريخ ونضع الشخوص في معزل أمين عن الخيال ... سوف نختار لهم قاعة انتظار لمحطة مجهولة .

الحاكم: نلمس جيدا أنك مسافر في أعماقك لا تحلم بسوى المحطات ...

المسافر : أو إذا شئت نضع الأشخاص في مصحة لنقيهم وباء المدينة .

الحاكم : أو في محتشد ... حسبما يشاء القانون .

المسافر : المهم أن نعزلهم ... فالعزلة عنصر هام من عناصر بناء القصة ( يخفت الضوء ) العزلة عنصر هام من عناصر بناء القصة ....

ستار

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية