الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الف لام ميم

Share

مسرحية في خمس لوحات

(( ان الذى يقتل رجلا واحدا نسميه قائلا والذى يقتل الملايين نسميه فاتحا والذى يقتلهم كلهم نسميه الآها ))                       جون روستون (( اللغة هى سلاح يدافع به الانسان عن كيانه .. نحن ننطق لنحيا ))                          المؤلف

الاشخاص

المسافر ....................................................................... انسان الصبية .............................................................. وجه نقي الملامح قمر    .................................................................... امرأة شابة الحاكم  ............................................................. رجل يمثل القانون الشيخ  ................................................................... رجل شيخ المهرج  ........................................................ ذو وجه أكلته الاصباغ عباس  ........................................................... رجل البحث العلمى أناس مقنعون .................................................. رجال وجوههم مطموسة

اللوحة الاولى

ديكور : قاعة مضاءة فيها عرش تجلس عليه صبية ذات ملامح نقية عذراء          يجلس على كراسي أناس ذوو وجوه مقنعة مطموسة المعالم يقف          المسافر بمعطفه في شبه صلاة . نريد اشعار المتفرج بأن هذه          القاعة تقع بين الخيال والواقع )

المسافر : وجهك أيتها الاميرة ماء زلال انبثق من قرار الارض ... طفولة            دائمة لا يشوبها الزمن لا يعتريها القحط والنسيان ... أنا الان            أمامك طاهر الروح ... غسلت أدران السفر القديم ... وجهك            فجر ينبلج من وراء الدهر حالما ... مقدسا خاشعا بضا كالينبوع            لا يعرف الجمود ولا الصقيع ..

الصبية : هو عالم الخرافة أيها الرجل ... محض خيال ... اننا ننتصب           هنا منذ ميلاد الانسان ... نحدق من بعيد في غربته وتشرده           وضياعه ... نراه يقوم بنفس الحركات الالية كل صباح .           أنت مثلا ... قبل أن نستقبلك في هذه المدينة ... كنت صفرا           من الاصفار القائمة فى ملف قديم ...

المسافر : نفس الحركات ... كل صباح ... أرى تجويف وجهي           وفراغ عيني في المرآة ... كل صباح أرى التاكل          الرهيب يتسلق ملامحي فى اصرار وعناد ... كل صباح          ... البس قناعي ... أحلق ذقني أرسم آبتسامة بلهاء على          شفتي ... أرسم شبح ابتسامة ... أشرب قهوتي ... وأطالع          الجرائد اليومية ... نفس الاحداث ... الاسماء فقط تتغير          ...كل صباح أهتك صقيع الشارع الميت بأقدامي ...          صوت أقدامي كان دائما الاحتجاج الوحيد على صمت          المدينة ... كان نبضا ملهوفا لقلبها الموهن المريض هكذا          أطرق جمود الشارع كل صباح ... وأحدق في الأشياء          من حولي ... نفس الاشياء ... أغضب أحيانا ... أصرخ

من أعماقي : يتوقف الزمن وتتكسر عقارب الساعات ... لاشي سوى الارقام ... واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة ثم من جديد واحد اثنان ... تكرار لكل الحركات : أعيد صراخي من جديد : أقول : أعد لي وجهي القديم أيها العالم ... امنحني عطاءك أيها البحر ... امنحيني رفضك أيتها الارض ... ثم أهوى على الرصيف ... لاحركة ... لاحركة ... عيناى تتعلقان بالاشباح والاشكال المارة فى سرعة ... ومن بينها تمتد لي يد بالاقراص ... ... أتناولها مع جرعة ماء ... نفس الطعم ... والعالم حولي يدور رأسي يدور ... والحرب تدور ... الكلمات تدور أمامي لا تستقر على صفحات الجرائد ... نفس الكلمات : أقول في نفسي : هل تكفر المدينة عن ذنوبها ... أية تعادلية حمقاء تقضي بشيخوخة الكون من حولي ... الهرم أصاب العالم في كيانه ... كالسرطان ... الاشياء والاشباح تسعي للاندثار ... ويبقى الخير والجمال من شان الخيال المريض ... ثم فجأة أفقت من نومي البليد ، أردت أن أهرب من شيخوخة الحياة .... وسافرت ... أكلتني المحطات منذ الزمن البعيد ... وها أنا أمامك أيتها الصبية العذراء ... يا طفولة العالم ... أنت هنا صبا خالد يقهر الزمن ويتحداه ... جئت اليك ... من وباء المدينة العاقر ... جئت أبحث ...فيك عن التجدد والطهارة ... جئت أنبش التراب بحثا عن جذوري ... بأظافري الدامية ... أنا شجرة ملعونة اجتثتها العاصفة الهوجاء ... حرمت حتى من الموت واقفا كما تموت الاشجار عادة ... ما أروع الصباح يشرق من خلال تحديقك في العالم ... لم أكن أتصور أن أقف أمامك بعد أن صلبتني الايام وعرتني كل ثانية عشتها ... كنت يا حبيبتي ظلا من ظلال السماء يغمرني في ساعات فراري ... خدرا يسري في أوصالي ينتشلني من ألم الغربة والانهيار .

... كنت واحة صمت عبر صحراء الكلمات الجوفاء ... واحة صمت ظليلة ....

الصبية : صلاتك نقية التعبير والافصاح ... لكأن هذه القاعة فتحت           لك بابها في نهاية رواق مظلم ... ظللت تمشي فيه سنين           طويلة عجفاء ، تتسرب الى رئتيك رطوبته ، ويرهق           عينيك ليله الابدي الممتد ...

المسافر : هو ذاك أيتها القديسة ... رواق أعمى أصم ... الا صراخي           في المجهول أقول : هل من خلاص . يصاب جسدى بما يضارع           التلاشي ... أقول : كيف أنتصر على النسيان ... كيف أقوى           على التعبير والقول .. كنت في ذلك الرواق لا أقدر على           الكلام الواضح الصادر عن منطق ...

الصبية : حدثنى عن هذيانك ...

المسافر : أضغاث كلام ... أشلاء حروف أطلال لغة ... كنت أقول           في سأم الرواق :           ( موسيقى )           أنا ولدت في قرطاج أمام البحر ... كانت قرطاج مدينتي           يدا تمتد للعالم في كبرياء ... وفجأة لاشي لاشيء ...           اندثرت قلاعي وبقيت أنقاضا تشبه صمت البحر وموت           البحر ... وفي صمت قرطاج ... بعد أن خرست المسارح           وتهدمت فيها روعة الحوار ، قامت حضارة اللفظ ...           وآشتقت أنا الى رحلة أطول من القرون ... وأبحرت بلا           تاريخ ... لا تعلم كيف أقف صامتا لاحدق في الغاز           الكون وأشيد جسرا أعبره للحياة ...

الصبية : ... غريب أمرك أيها الرجل ... كيف تهرب من الكلمات ؟

المسافر : انها أصبحت أشباحا مشوهة الوجوه ، تطاردني ، تكاد            تنهشني أظافرها ... ولكنها وقفت أمام الباب عاجزة            مخذولة ، ودخلت وحدي منتصرا فاستقبلني الصمت ...

الصبية : الصمت هو الحقيقة

المسافر : مثلما اللفظ هو الزيف أيتها الاميرة ... ها أنذا أنعم بالفجر           المتفجر من أعماق الليل ... ها أنذا أشرب الينبوع المنبثق           من الارض البوار .

الصبية : راحة عميقة مطمئنة ... فترة من فترات البناء القصصي حتى           تحكم العقدة وتصاغ الاحداث .

المسافر : يالها من حقيقة مريعة ... أحاول نسيانها لكنها تصر على            الانتصاب أمامى كالقدر الساخر ... في كل خطوة            أخطوها في كل حرف يصدر عني ... في            في كل حركة أمثلها على ركح التاريخ ... نحن نشيد مصيرنا            هرما من الكذب والتدليس ... ثم نكتشف فجأة أننا            مجرد شخوص وهمية لقصة تخيلها الكون . فأتقن رصف أحداثها وأرادني أنا بطلا لها . يحركني معصوب العينين الى حيث يشاء .

الصبية : ان وجودك في القصة لا يهم كثيرا ... بل فكر في المدينة           التى وقع عليها الاختيار لتكون مسرحا للاحداث .

المسافر : مدينة جائعة موبوءة تحمل أحجارها عري القرون .

الصبية : لكنها راسخة البناء ... تذكر أنها صمدت في وجه البلى           ورفعت سورها وأوقدت مناراتها هديا في التاريخ .

المسافر : وذات صباح ... يا أميرتي المعبودة ... أقفرت الشوارع           وآنبح النداء العارم... ودكتها سنابك الخيل...وعمرها الدخيل           بمعابد الوهم . وتقنعت وجوه أهلها ...

الصبية : انك تراهم باقنعتهم ... عاجزين كالقصب الفارغ على           ضفاف النهر يموتون في ظلال قلعتي ...

المسافر : من كان يعتقد أنني أنجو من هذا المصير ؟ ... وأحتفظ

بكيانى ، بملامحي وأقف تجاهك تيارا جامحا شحنة كبرياء ... بينما تنطمس التعابير على كل الوجوه وتمحي شيئا فشيئا كأن هذه الوجوه نقود قديمة أتى الدهر على نقوشها ... كيف نجوت من النسيان والمسخ ؟

الصبية : النجاة أيضا من بعض أبواب هذه القصة ... لو فرضنا           أنك رجل مجهول القدر تذرع أدغال العالم في إصرار وكبرياء...           ثم تموت ذات مساء في وحشة وعزلة ... لو فرضنا ذلك           لما تعلقنا بالقصة تعلق الاطفال ... ولما شاقتنا مغامرة           الحياة ... ان نجاتك شرط من شروط البناء الخيالي ...           تماما كارادتك ...

المسافر : ارادتي ... نعم ... اني أحملها في شراييني كدمائي ...           أنظر من خلالها الى الاشياء بل هي التي تحركني ... ارادتي           هي أن أحرق المدينة وأهندسها من جديد

المقنعون : ( في صوت واحد ) النار هي الموت... النار هي الموت .

المسافر : النار هي الميلاد ... هي التشييد على أنقاض الوباء ... إنكم           ستبعثون بعثا قدسيا فيه من طهارة النار ما فيه ....

أحد المقنعين : نحن نطالب بوجوهنا ...

مقنع ثان : لقد فقدناها حينما جعلنا ... حينما عقمت الارض .

الصبية : الجوع ... لقد ظل الجوع مأساتهم يستيقظ في تاريخهم           كالمارد .

المسافر : كأنما الجوع هو الالم البشري الوحيد ... (الى المقنعين)            تأكدوا أيها السادة أننى لم أجع يوما فى حياتي ولكني            تألمت ألف مرة ... تألمت بضراوة وحدة وقسوة            حينما آختنقت كلماتي فى حلقى ، تجمدت ...            تألمت حينما اردت يوما أن أكتب فجف الحبر في قلمي

وراحت الريشة تمزق بياض الورقة ونداءها كالظفر المتوحش . ....تألمت حينما آستحال لحمي الى مأدبة فاخرة أقامها الغرباء وراحوا يأكلون ويضحكون ويمارسون الجنس والقتل في بلاهة . كلنا نتألم ، صدقوني ...

الصبية : وأنت ستشيد مدينتك درعا ضد الالم .

المسافر : نعم.وهي واحة عبر القفر والخراب ...في ظلالها يتعانق العشاق           .... يصنعون الحب ... يحلمون .

أحد المقنعين : الحب خطيئة ... الحب ذنب

الصبية : ما دمتم تقترفون الحب كما تقترف الذنوب ... مادمتم           تحيون كالجرذان ، فسوف لن تدخلوا عالم المحبة الرحب          ....وستبقون في عالم اللفظ والوهم بهذه الأقنعة الكاذبة ...          خاشعين فى صمت هذه القاعة الامينة .

المسافر: هم ينعمون بالموت ... أوبما يشبه الموت تاكلا وطاعة          وقهرا . يخيل لي أن ارادة الترحال والاغتراب تعاودني         ... وأني أجوع من جديد للقطار الذي يأخذني للبعيد         ... انني أهرب من موت هؤلاء وأحس بحنين غامر         للمرأة التى أحبها ...

الصبية : هذه المرأة هي ضوء آخر تراه في منتهى الرواق الموحش ...

المسافر : نعم ... هي الجسر الذى أعبره للنور ... هي فرارى من           الموت لانها تشبه الثورة في انفجارها وقداستها ... اسمها           قمر ... وهى تعيش في المدينة الجائعة الموبوءة ،           تنتظرنى فى صبر الزيتونة .

أحد المقنعين : كلنا عرفناها ... كلنا أحببناها .

ولم تكن سوى بارقة سراب   انها الخائنة المنتصبة في كل طريق ...

مقنع آخر : ان قمر هي التجريد الحقيقي للشر ، وهي شرك منصوب              للغافلين ... سنراك ذات يوم بلا وجه ... تتعلق بامال              واهية موضوعة وتبحث في أمن هذه القاعة عن              ذكرى أو جذور ... بعد أن يحاكمك التاريخ بتهمة              مختلقة .

المسافر : لا يمكن أن تكون قمر سوى تجسيم الوجود فى عنفوانه            وخصبه ... ولكنكم مخطئون ، أعشت عيونكم ذبذبات            الحياة حولكم فخلطتم بين الوفاء والخيانة ، بين المحبة            والحقد ... آه يا قمر متى أتقدم نحوك وأقف أمام الاسوار            العالية ... ثم أقتحمها كالاعصار ... فأفجر من أعماق            الناس نارا تلظى ... نارا تأتي على الوباء المزمن تجتثه            من جذوره .

مقنع آخر : ينقصكم الايمان ... ايمانكم بالاحراق ... تعلموا كيف              تؤمنون قبل أن تقدموا على الرحيل ... تعلموا               كيف تستمعون لنداء الجياع في العالم ... تعلموا               كيف تصبرون على الالم و .. كيف لا تحلو لكم الموائد              حينما يجوع الفقراء فى السهول .

الصبية : القضية ايمان من أساسها .

المسافر : ان ما يقوله هؤلاء أيتها الحالمة بين العواصف هو محاولة            لتحطيم ارادتي ... أنا ضعيف الآن حتما ... ولكنني            حينما أعانق قمر وأقف أمام نظراتها ، أصبح جبارا            عنيفا عاصفا ... هي قدرتي على التحدي . هي قدرتي            على التجاوز .

مقنع آخر : بل هي المرأة ... المرأة الخالدة ، دعوة فاجرة للذنب              نتساءل الآن ونحن مجهولون ، وجوهنا مطموسة :              كيف أغرتنا هذه المرأة ... وكيف آنطلقنا عميان وراء              سراب خادع ... أردنا أن نغير الارض ... نغير الإنسان ..

أردنا أن نمنح الهدى للضائعين ... قلنا للناس ... جئنا نقدم لكم الحرية والمحبة ... ثم آكتشفنا سرنا المبهم .

مقنع آخر : لسنا سوى مساجين مسلوبي الحرية ... أطلق سراحنا              بأوامر خاصة لوقت قصير ... لسنا سوى كتل من              الحقد والكراهية ...

الصبية : هكذا كانت ارادتهم ضربا من الخسارة ... كذبة           كبيرة أضحكت العالم ... وهاهم أمامك كالاعشاب           البرية ... وأنت فيك صبر الزيتون وايمانه وقدرته           على الحياة والعطاء والتجدد .

المسافر : سوف أرحل ... سوف أرحل ... حينما تشعرين           بالنار تكتسح الاحلام القديمة ... تعبر الغابات وتأتي           حتى على صقيع البحار ... حينما تحترق الوجوه           الشمعية الجامدة وتندثر الكلمات البلهاء وتنهار أسوار           المدن الموبوءة ... ستدركين حينئذ أنني وصلت وان           الناس أفاقوا من رقدة التاريخ الكاسد ...

الصبية : هو ذا الباب أمامك ... يفصل ما بين المعلوم والمجهول           فأعبره كالبطل الخرافى ...

المسافر : ان هذا الباب يفصل بين الواقع والاسطورة ... يعبره            كل الناس في يوم من أيام حياتهم ، يدرون أو لا            يدرون ... حينما يجدون أنفسهم تجاه هذا الباب            الذي يطرح عليهم كالسؤال ... يتعدون عتبته كما            يتعدى اليقظان عتبة الغفوة ثم الحلم ...

مقنع : لكنك تدري ... أنت في قمة وعيك ... انت استوعبت         العالم وأصبحت مرآة لما يدور حولك ... أنت         عرفت نفسك ... وفهمت أغوارها .

مقنع ثان : ثم التفت الى جسدك فشرحته واستجليت خفاياه ...             عضوا عضوا ، وخلية خلية .

مقنع ثالث : وبعد ذلك تأملت الكون والفضاء ... وانطلقت من الصفر               الى اللا نهاية ... ورأيت الارض ذرة تسرح في رحب               العوالم ذرة تافهة بائسة .

مقنع رابع : ثم رحت تحدق في الماضي السحيق ، تنبش عن جذورك              فوجدتها تنبع من العدم وتنغرس في الوهم ...

الصبية : ادراك تام ... لا مكان للعجز فيه ...

المسافر : أدركت كل شيء ... حقا أدركت كل شيء ... فعزلت           نفسي عن عرشي القديم

مقنع : تقويض العروش البائسة ... من صنع هذا الزمن ...

الصبية : عبثا تبحث عن عرش آخر ... أنت تعلم الآن كل           شيء ... فاعلم ان هؤلاء أيضا حلوا بهذا المكان يبحثون           عن عروش لاحلامهم وهم مجهولون بلا معالم           تذكر ... وهاهم فى قرارة اليأس ...

المسافر : كنت دائما أحلم بعرش ... منذ طفولتي ... ولكم            تخيلته في المدن الضبابية الباردة ... أو رسمته في أدغال            الاسمنت والحضارة المرقمة ... أو تصورته في المعابد            التي ترتادها الخرافة والخذلان ... والآن ... عندما            وقفت في هذه القاعة تجاه هؤلاء ... وأمام عذريتك            المقدسة المجهولة عرفت أن عرشي لا بد أن يكون            في السفر الدائم ... في تقويض المدينة العجوز ...            وهندسة المدينة العذراء ... عرشي يكمن في احراق            المباني الموبوءة ...

الصبية : رائع ... كل ذلك رائع ...

مقنع : هو رائع لانه أدب في أعماقه ... لفظ مجرد لفظ ،         نحن نشاهد الطبيعة في اعجازها المكين ونرى البحار         والجبال والمحيطات والانهار نلمس كل يوم ميلاد         الطبيعة بأشجارها وأعشابها وصخورها ... ونتوق الى         فرض ذواتنا ... نحن نكتب من أجل ذلك ... من أجل         تقليد الطبيعة فى جوهرها ...

مقنع ثان : ولكننا نفشل ... لسنا سوى دود يزحف على التراب ...

الصبية : القضية توجز فى أنهم لا يحيون بعمق ...

المسافر : لانهم لا يتألمون ...           ( يسحبها من يدها ويقفان معا على عتبة الباب )

المسافر : تأملي يا مولاتي شاسع الارض ... وتصوري ان عبرها            يتألم الناس ... جوعا وخوفا وموتا وعريا وصمتا            ونسيانا ... تصورى ... وتصوري أن القطار الذي            سيأخذني ... سيحملني للذين يتألمون حتى أحثهم على            الايمان بالرفض ... وأحرق معهم شوارع الوباء ،            فيولدون مع أشعة الشمس في الفجر القادم ... أنا أعلم            ان رجالا آخرين مقنعين يطاردونني ... يجلسون الآن            وراء المكاتب في بناءات موحشة موصدة الابواب ...            يصدرون أوامرهم لرجال آخرين ... مقنعين هم            أيضا يبحثون عن آثار أقدامي في الطرقات ...            يستنطقون كل الناس ... ويطلقون ورائي كلابهم ...            أعلم ذلك ... وأنا واصل لا محالة للمدينة الباردة            المريضة ...

الصبية : طالما أعجبت لاحكام البناء في هذه القصة ... هي           تشويق لا ينتهي ...

المسافر : وأنا ارادة لا تنتهي ... (يأخذ حقيبته) أشعر بطوفان            من الحنين للسفر يجتاحني ، رغبة في الالم والبكاء            تعاودني تحرك قدمي الى المحطة ...

الصبية : وداعا أيها الرجل

مقنع : نفس الطريق ونفس القطار ... سوى لذة الإكتشاف ...         تتجدد مع كل المسافرين ... ثم فجأة ... الندم        الساحق ...

مقنع ثان : يخيل لكل المسافرين أنهم يبتكرون ولكنهم يعيدون             نفس الحركات ... برتابة ولا معنى

المسافر : أنا أولد الآن ... أبعث من جديد وما عدا ذلك فصمت           وعدم ... تأملي السماء في مخاضها ... والأرض في           عطائها ... وحركة القطار يعبر السهول ويقف في           المحطات ليمنح للناس طاقة المحبة والرفض والرحيل ...           هى الحرية فى جوهرها ... هى الحرية ...

الصبية : وهذه القاعة ... أين تضعها من هذا العالم ؟

المسافر : كما ينعدم الوزن في الفضاء ... تنعدم الحرية في            هذه القاعة ...

مقنع : الاعشاب وحدها تنبت في حرية ...

مقنع ثان : (في صوت أبله خال من التعبير)             تحيا الحرية... تحيا الحرية .

مقنع ثالث : آه أيتها الحرية ، سوف تنهمرين ذات صباح مع المطر

مقنع رابع : أيتها الحرية المقدسة سوف تنبتين في الحقول ذات              ربيع مع الازاهر البرية والاعشاب ...

مقنع خامس : أو سوف تشرقين مع الشمس .

الصبية : غناء رائع ... صلاة خاشعة ومناجاة بتول .

المسافر : هي لا تتجاوز الثرثرة ... أنا أشتاق للصمت ... فالصمت           ميلاد ... وهؤلاء موتى ينتظرون قبورا ... ينصرف وداعا ..

مقنع : يجب أن نفكر في اعداد مكان لهذا الغريب أيتها        الاميرة ... سيعود ذات يوم فاقد الوجه كأية حشرة        مجهولة ...

الصبية : كنا له بمثابة الواحة ... استراح وواصل ...

مقنع ثان : بل بمثابة حلم مزعج ... كنا نحن شخوصه ...             عرفناه فى فراغ القاعة بما ينتظره فى مستقبل الايام ...

الصبية : المستقبل في سياق الاسطورة وهم ... كالماضي والحاضر ...           لا جدوى للزمن ليس من موجود سوى التاريخ يمتد           كالظل المخيف ... يمتزج الزمان ماضيا وحاضرا ومستقبلا           لإحكام البناء القصصي في الاسطورة ... ثم لا دقائق           تذكر ، لا ثوان ، لا واقع ولا خيال ... تصبح الحدود           لا مرئية تتحول إلى ضباب ... تتبخر ...

مقنع ثالث : نحن اذن نقع خارجح الزمن ... ومن اجل ذلك نحس بصعوبة               الحركة باستحالة النمو ...

الصبية : هو كذلك ... أما المسافر فيقع في قلب الحركة ...           هو المحور الاساسي للزمن ... حوله تدور الاشياء           كالاقمار ...

مقنع : أحس أننا نشترك واياه فى منطلقنا ... لقد نبعنا من         نقطة واحدة ... وها نحن نفترق افتراقا مؤقتا ...                             78

هو يحب الغزو الدائم للمجهول لانه يشعر بالفوضى ونحن نرتاح في أمن قاعتك أيتها الحسناء لاننا متنا وتحجر فينا الإحساس ... نحن ثمرات النظام الدائم ... نكره الفوضى نهرب منها ... نعيش في الظل ...

الصبية : كان عبوره بنا كعبور الريح ... رغم أننا أوصدنا           الابواب والنوافذ ...

مقنع : ان المسافر يدخل من أعماقنا ... يجتاز خلايا الحياة         فينا ... ينبع من ماضينا ليستقر بيننا كالشبح ...        (يطفأ جزء من الاضواء لتسبح القاعة فى نور ازرق شفاف)

الصبية : الانتظار صعب ... هو قادم لا محالة بعد اليأس ، سيلفظه           قطار السنوات العجاف بيننا ... الإنتظار صعب والليل           أقبل بصمته الموحش ... فلنغن للغائب لحن الانتظار ...           علنا ننسى

مقنع : النسيان رهن اللفظ واللحن ... النسيان يولد من خشوع         أغانينا وصلاتنا .

المنشدون : (يقفون ، يرفعون أيديهم)              يا أيها المسافر بدونما وطن              فى قلبك المغامر ينتحر الزمن

المرجعون : ألف لام ميم .             ألف لام ميم .

المنشدون : ينبوعنا الالم احساسنا بالموت              مصبنا العدم ورحلة في الصمت

المرجعون : الف لام ميم             ألف لام ميم             (ينصرفون تطفأ الاضواء ... الضوء مسلط على العرش) .                                  ستار                            (يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية