في معركة ( نهاريا ) البحرية ... استشهد الفدائي الملازم (خالد رحّال ) فكان أن أعطت قيادة وحدة المقاومة البحرية ، تعليماتِها إلى دورية بحرية أخرى ، لضرب أهداف مُعادية على ساحل يافا .. . فكانت هذه القصة .
يده مشدودة إلى الصارى . . واليد الأخرى مضغوطة على السلاح .. الأمواج تتكسر أمامه . . تنسحق على جسم القارب . . ينتشي . . يشعر بظفر خاص . . تعبر عيناه الموجات المتكسرة التي استحالت خلفه إلى هدير صامت وزبَد مُنطفئ . . يتذكر (خالد) رفيقه في السلاح . . يتخيله أمامه حيًّا يمتلئ حرارةً وصدقًا . . يقول له : " إنها هناك خلف هذه الغيمة الكبيرة ويتابع حديثه وأسنانه تشدّ على شفتيه : " والدي يقول إنها تشبه هذه المدينة ولكنها أجمل وأكبر " . . . كان والدي لا يذرف الدموع أبدًا ولكنك كنت تحسُّ وهو يتكلم أنه يبكي . . يبكي بجلال وغَضَب محبوس بقول : أشواقنا أغانينا . . تراب الأرض . . البحر الكبير . . حقولنا التي غرسنا فيها أشجار البرتقال . . .
. . ويسترسل بحديث طويل . . يختتمه بجملته المعهودة التي كان يُردّدها دائمًا " يافا . . عروس البحر . . ليس هناك شيءٌ أجملَ منها "
- ولكننا سنعود يومًا يا خالد . . . - لن نعود بلا ثمن . . السلاح يحسم الأمور . . كل ذرة من تراب الوطن يجب أن تُعجن بقطرة دم!! . ......... ٠٠٠٠
القارب يطوي الأمواج بصمت . . شلال ذكرياته يتوقف فجأة وكأنما ليسترد أنفاسه . . تكبر الأمواج وتتعالى . . ينظر خلفه . . يراها تتحطم على أعتاب المدينة . . تصطدم بشوارع " صور " وأشجارها . . . . يحلم:
" يرتفع جسم هائل لرجل . . يرتدي ملابس الفرسان يشق الغيم والأرض والبحار. . يعجن بيديه الجبال . . يبحث عن التنين المتوحش في زوايا الكون . . يعلكه بأسنانه " . . بسمع ضحكات الأطفال وحفيف أغصان السرو والزيتون.. ترتاح نفسه . . يتخيّل أنه يضم باقة زهور . . أو يربت على كتف طفل.. يهمس لنفسه :
- كان بطلاً . . . عَبَرَ بقاربه إلى ساحل يافا . . وتربَّعَ على أكتافِ أحلامها الحلوة . .
. . . تذكّر فجأة . . تورَّدَ وجهه . . غابت عيناه إلى زوايا بعيدة تَمْتَم: - يافا . . . الأحلام الحلوة ٠٠
تطلَّعَ إلى رفاقه . . إلى الأمواج . . إلى أصابعه المشدودة على السلاح. هدر :
- إلى يافا . . . . يا خالد . . . سمع أصواتًا عالية مختلطة . . ميَّزَ بينها صوتَ خالد . . كان أمامه في يوم من أيام " الدورة " كان يقول :
- بحرنا الكبير الأخضر . . أغنيات البحّارة الرائعة . . أنا . . أرضى.. جهود . . وذئاب . . ودماء . . و . .
يرنو بنظره إلى قعر القارب . . يسمع هدير المحرّك . . يمسح بعنف دمعة ساخنة :
- يستحم بمياه يافا الدافئة الآن ! . .
يُمسك بندقيته . . يحتضنها بحنان . . يُعانقها . . يحس بدفء : "هذا القارب يريد لو يحمله اللحظة إلى أعتاب شاطئ خاص " .. يتطلع إلى موجة زرقاء عالية . . يتصوَّرها " هي " حبيبته قادمة إليه . . يفتح ذراعيه بلهفة .. يغمره فرح داخلي واسع . . والدته ترقص عيناها . . تفتح ذراعيها بشوق وتضمُّهُ بحنان آسر :
- مين حبيبي ...
هكذا كانت تفعل . . يبحر إلى شاطئ بعيد . . يحلم بها : " فى دجنة عينيها تلوح طيور غريبة . . تبحث عن جزر خضراء نائية "
يندفع القارب في سيره . . موجة عالية تتقدم نحوه . . يلطمها . . فتفور . . يمر القارب من فوقها " تلوح من البحر أضواء يافا " تذوب الموجة شيئًا فشيئًا فيه . . تذوب في قلبه . . فى خلاياه . . فى دماغه . . يضم يديه. . يُغمض عينيه :
- يا حبيبتي !!
يده على السلاح . . موجة أخرى تتوالد . . أذناه مرهفتان . . تَثقب عيناه جدار الليل السميك . . يطل وجه " قائد المجموعة " على وجهه إصرار . . أسنانه قابضة على شفتيه :
- سنفاجئهم . . هم لا يتصورون أننا قادرون على الرد . . بهذه السرعة . . يأتي صوت من طرف القارب كخيوط ذكرى مسنة: - من عادتنا ألا نرد ! . .
صوت جنود في جيش نظامي يؤدون التحية . . . . قائد المجموعة ينتفض: - الأمر مختلف الآن . . والمبادرة في يدنا . . يزحف ألم دفين إلى نفسه . . ألمه يحتضن المدينة . . يافا امرأة مهتوكة حزينة دموعها ساخنة . . لاهبة . . تلسع خلاياه كلها ، يصرخ :
كان زمن الهروب . . كُنا صِغارًا لا نفهم لُعبة الكبار . . . أمواج تتدافع بسخط . . " كورس من جنيات البحر يهزجن بسخرية أو بصدق :
- أما الآن . . فالحقد أتون . . الحقد أتون . . . " قائد المجموعة وكأنه يخطب :
- كرامتنا أيها الرفاق . . تستدعي الموت الشجاع . . بحب أن نضرب بعنف قبل أن تخلو الحلبة لغيرنا . . .
انكفأ على نفسه . . تكوّم على بعضه . . بدأ يفسر كلمات قائد المجموعة . . تصوَّر أنه تكلم ببلاغة عجيبة ٠٠ هز رأسه وتمتم :
- ترجمة مشروعة لغضبنا ... أحس أنه قال كل شئ . . . وإنه ورفاقه في القارب يفهمون المطلوب الآن . . وهذا هو المهم . . .
بدأت تلوح من بعيد القوارب المعادية تتبختر في البحر حول غواصة كبيرة الحجم نظر إليها مَليًّا تخيلها تتفرج بشماتة عجيبة على جثث الأطفال الوديعة. . غمره حزن مشوب بغضب متفجر . . تذكر معركة الأمس . . همس:
- " صور " لا تمسح دموعها بمنديل ٠٠ القوارب تسبح في " بؤبؤ " عينيه . . يأتي صوته كالحفيف . . كحفيف الموج وفورانه :
- مياهنا غالية كترابنا . . " يحاربوننا في كل مكان " . . صدرت ضجة من طرف القارب وامتد صوت جهير:
- أيها الرجال . . . الآن ونحن في عرض البحر . . لا يسعني إلا أن اذكركم بأن العدو من أمامكم . . والعدو من خلفكم . . وحولكم البحر . . أنتم وحدكم . . الحصار محكم . . فهل ستتحالفون مع الأسماك . .
تمنى لو يخرس هذا الصوت . . . ولكن ألمًا حزينًا يائسًا استبدَّ به . . شاهد حقيقة مفجعة تمثّلت أمامه . . احتقن وجهه وهتف :
- كانوا أبطالا . . نفذوا عملية جريئة داخل الأرض . . وعادوا ظافرين . . كانوا يأملون أن نستقبلهم باعتزاز وفرح . . .
- ولكنهم (طُعِنوا من الخلف) كما هى العادة . .. - استقبلهم رصاص كان يجب أن يحمي انسحابهم... ٠٠ تخيل نهر " الشريعة " يبكي بحزن على وجوه الشباب الذين غيبتهم الأغوار . . ولكنه رفض الحزن . . . واليأس . . تذكر الجماهير الساخطة التى أقامت نصب " الفدائى المجهول " في (جبل الأشرفية) . . برغم دبابات السلطة ومدافعها . . . ومجازرها . . هدر :
الجماهير معَنا . . قائد المجموعة يصرخ : - نحن نقترب من الهدف . . ليأخذ كل منكم مهمته .. تدور عيناه بنزق . . تبحث عن شيء ما . . يهتف لنفسه . - سألوك قواربهم همسات بين الرفاق . . تصل اليه متقطعة . . يسمع حوار غريب خافت - الثأر ليست كلمة صغيرة يا طفلى الشجاع . . . . - سأننزل إلى الماء . . الغواصة أين اختفت ؟ - احذروا ان لى ثارا خاصا . . . - العرقوب . . . أيلول . . الاحراش . . . أميركا . . . - كنا لا نعرف . . . لا - وكبار لا يعرفون . . . - هل كنا نلعب . . اللعبة . . - زمن الحساب يأتى ضحكات مرة . . ساخرة . . حارقة . . وصوت يبتر الحوار : - نحن عنوان اللعبة ٠٠٠٠ .
الليل مدلهم . . صوت الموج يتكسّر على أعتاب القارب . . الأفق بعيد . قوارب العدو ما زالت تتبختر على شاطئ يافا . . . " لو يطير . . يلتقط القوارب . . يمزقها يعبر الأرض . . قدماه تدوسان الكآبة والسخط والضياع" يداه ممدودتان . . حُبٌّ جارفٌ يقذفه . . يحتضن يافا . . والدته تلهج :
٠٠ حسب ه ٠٠٠
يركض . . يدق الأرض " يسرع . . يسرع إلى الحفل الروحى المزخرف . . . الليل سادر . . صفير خافت للقارب . . سوى ذلك حرارة منطفئة للأشياء . . صمت عجيب أحمق . . يولد حقد مشوب . . يأتي من حوفة الكابية صوت مألوف :
- فى الليل تتكلم الأحجار . . .
تتكلم الأشياء يقول لنفسه " أطفال بسطاء يخرجون من الخيام الممزقة الى قلب التاريخ . . يهزجون للحب والمدن الجديدة " . .
يتوقف القارب فجأة يصحح اتجاهه . . يندفع من جديد إلى الأمام قائد المجموعة يزار :
- يافا أخت صور . . . هدموا بيوت صور كما ضربوا أهدافنا " رفيقكم خالد " صوت مألوف :
- لا ٠٠٠٠ موتًا رخيصًا أبدًا . .
البحر شاسع . . ممتد . . تخيله يتوعد . . يهدر . . تخيله مصفودًا . مقيدًا . . يئن . . يضج . . عيناه تمزقان كثافة الليل . . يظهر بصيص - ضوء . . تمر من خلاله وجوه رفاقه واحدا . . واحدا . . " يقفز إلى صفحة البحر . . يسير على الأمواج . . يفكر " يشد بندقيته اليه . . يعدها بغناء جديد . . طويل . . لا ينتهى
الأمواج تزحف إلى مدينة نائية . . يسمع صراخا هائلا وأغاني ناقمة بشاهد تظاهرات ومجالس نيابية . . قاربه يشق الطريق ظفر . . البحر بلبس حلة قمرية فيبدو جديدا عليه . . أصابعه على الرشاش تصطاد الموت . . تعدم جلادي الاطفال والامنيات البيضاء . . يدوى انفجار هائل . يشتعل حريق . . يهتف صوت :
- إنه يوم الغسيل يلتوى القارب . . يقفل في طريق العودة . . . يهدر في مسامعه صوت البحر الخالد واغانيه الجريئة . . . أنفاسه تتردد . . صدره يتسع " تبرق فى ذاكرته أماكن دافئة أليفة " . . .
يمشى إلى الشاطئ . . أناس يلوحون بفرح العرس القادم . . لمح الناس كلمة يافا مخطوطة بالدم القاني على شراع القارب . . تناهى إلى سمعه هتاف الناس صامدا . . جديدا . . يحمل ألف معنى :
- أهلاً يافا . . أهلاً يافا . . فتح ذراعيه بنشوة عجيبة . . بدأ يستقبل هتاف الناس . . ويطوي بديه على قلبه بحنو :
- يا حبيبي ... ٠٠٠ تحرك طفل صغير . . تطلع إلى البحر بدهشة . . عيناه لؤلؤنان خضر او ان - بابا . . مين يافا ؟ والده يهتز . . يحك ذقنه ويقول : - هل ترى هذا القارب ؟ - نعم بابا . . - كان هناك في يافا . .
الطفل يتململ . . عيناه جامدتان في شفتي والده . . . يسرح الرجل بنظره إلى الأفق البعيد . . تندفع عينا الطفل إلى هذا الأفق...
تخيّل نفسه يحمل القارب على كتفيه ويردد بصمت : - الثأر ليست كلمة صغيرة .. .
يشد بندقيته إليه . . يتطلع إليها بوفاء . . يعدها بغناء جديد . . يرنو إلى البحر . . صدره يمتلئ بهواء مُنعش . . قاربه بتسع بشق الموح بثقة .. . الأفق بعيد . . والسماء مُلبدة بالغيوم . . ولكنه يندفع في سيره متألق الشراع .

