الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

القبلة الثالثة،

Share

- " ايه . . ايه ، صباح جميل يا صاح . . . لقد غمر ضوء الشمس كل العالم . . الهضاب والبطاح . . ونحن الى الآن نيام

- " ادخلى يا هذه ؛ فالصباح لم يبدا بعد ؛ والنهار طويل ؛ وما زالت لاحلامنا بقية "

سمعت انثى الحرذون صوت زوجها ينطلق من داخل مغارتهما وفيه من الخشونة ما يحببه دائما الى قلبها من جديد وفية من الشدة ما يغويها وما يجعلها تنساق اليه بالرغم منها ؛ تثاءبت طويلا وحركت يديها بتثاقل وحاولت فتح عينيها فما استطاعت الا قليلا ؛ وهذا ضوء الشمس ذو الاشعة الافقية ينطلق بسهام نافذة الى الاعين ؛ وقفت لحظات تتمتع بالنور والصباح والدفء ولم تلبث أن شربت جرعات من الماء المنساب امامها ثم دخلت الجحر فى خطى ساحرة تنبئ عن نشوة فى جسمها واحلام فى رأسها ؛

ومضى الوقت . . وتقدم النهار ولم يبارح حرذوننا وصاحبته خدريهما . . بدات حرارة هذا النهار من أوت تنتشر على الكون وبدأ الذباب رقصه المحموم فوق سواقى الماء الدقيقة التى تنساب فوق هذه الهضبة آتية من العين العلوية .

وأخذت الضفادع أماكنها فى أسفل الهضبة عند مجرى الماء تنتظر رزقها من ذباب وحشرات . . وانتصبت الحراذين الاخرى امام مغاراتها ، وبدأت بعضهن تهمس لازواجهن فى سخرية ظاهرة :

- " لم يخرج العروسان بعد ! آه . . كسل الزواج ! كان الليل وطوله ما كفياهما ! ولا تلبث العروس أن تخرج من جديد ؛ وكان تغامز جاراتها قد وصلها فحثها على النهوض ، وتحيى كل من وقع عليه نظرها ؛ واذا ببعض الاناث تسرع اليها واذا  بهن يعجبن بثوبها الاخضر الناصع . . وتنطلق السنتهن فى مدحه والتفنن فى وصفه ووصف اثره على العين ؛ تصدق بعضهن وتتكلم بعضهن من باب المجاملة والتملق . . .

هو ثوب عروس بحق ؛ بلألائه . . ونصاعته

- ان لونه يدل على اخضرار أيامكما المقبلة لا محالة

انك تستطيعين بفضله الاختفاء والتستر والصيد بسهولة . . . "

وتشعبت الاحاديث ؛ ووصفت لهن سعادتها وحلاوة ليلتها الماضية

- " أهلا " بكن يا زائرات . .

والتفتن واذا بالزوج يخرج بخطى وئيدة هادئة ؛ يحاول أن يتبين طريقه فتأبى عيناه المنتفختان الانفتاح بسهولة .

ويرددن التحية باحسن منها ، ويتفرقن رويدا رويدا ويتركن الزوجين فى خلوة . .

- " هب " . . " لقد بدأت يومى بخير ان شاء الله . . ها " انذا بفضل لونى الاخضر الذي لا يكاد يختلف عن لون هذه الحشائش التى تحيط ببيتنا قد استطعت أن أمسك هذه الحشرة المتطفلة . لقد ناديتني لأول هذا الصباح الى التبكير فى طلب الرزق ؛ وليس هذا هو المهم ؛ المهم حقا هو أن نعرف كيف نغتنم الفرص ؛ وأنا كما تعرفيننى مشهور باغتنامى الفرص وحسن التصرف . "

حقا . . انك لمن البارعين فى هذا الميدان ، وكيف أنسى انك من السباقين فيه ؛ فقد بذذت أترابك وجيلك كله ، واسرعت عند الاوان تخطب ودى

نعم - نعم ، نعم . . أخطب ودك ، وأخطب سحرك وخلوده . . قل لى يا ذات الجمال ، أو لا تشتهين شيئا ! انظرى . أما تعجبك هذه الحشرة التى أمسكتها . . ما قولك فيها ؟ انها شهية ؛ خذيها حلالا . . هدية منى . . ريثما أبل ريقى وأغسل أطرافى كى أنشط قليلا .

وتقدمت الانثى منه فى دلال بنات الحراذين وقدمت فما  كله اغراء تريد أخذ الحشرة . وزقها اياها مغتصبا فى الان نفسه من شفتيها المزقزقتين قبلة طويلة ؛ حاولت الانثى التخلص منه .

- أما تستحيى . . تأخذ فمى غصبا عنى وأمام الجيران ويوم زفافك

وكأنه ما سمعها . . تقدم نحو الساقية وانحنى يشرب بملء فمه . . ورفع رأسه متباهيا منتفخ الاوداج . ويلمح جاره " قور "

- ايه يا هذا . . ما . . .

- صباح هنئ ان شاء الله . . ومتعك بشبابك .

- شبابى . . بخير ؛ كيف حالك أنت وعجوزك ! هل بدات صيدك اليوم ؛ آثار الخيبة تظهر فى عينيك ؛ كأنى بك دائما كما عهدتك : تنهض والشمس لم تبزغ بعد ؛ وتؤم اماكن كثيرة تطارد الحشرات ؛ ويتقدم النهار ولا تتحصل على شئ . . وهل أنت ممن يحصل الرزق وانت بهذا الجلد الاصفر المجعد . انك كالشمس زمن الاصيل . . ها ها . . ها . .

ولم يستطع الجار صبرا على هذه السخرية وواصل طريقه وكلمات العريس تلاحقه : " حشرة من الف ، حشرة من أول خطوة يا حبيبى "

ورجع يتبختر الى صاحبته ؛ وقد استلقت فى استرخاء أمام الجحر

- ايه يا هذه كانك ذقت حلاوة الهدايا واطمأننت . أتنوين حقا ياعزيزتى تقضية يومك في هذا الوضع تحت أشعة الشمس ؛ حسنا . . ستزيدك أشعة الشمس جمالا على جمال . نعم أنا أرضى أن أقوم عوضا عنك بمهمة الصيد ومن أجلك أكون على استعداد للمقامرة بحياتى والخروج من مصيدنا المعتاد الى غيره . . . أتدرين : ان رجولتى لا ترهب شيئا فى هذه الحياة الا ذلك الشرير الانسان ، الذى يهدم سلم الكون اينما حل ؛ يدخل كل مامن وكل حريم وتعبث يده بكل شئ ، حقيرا كان ام مقدسا . .

- يا حبيبى . ان الشجاع لا يخاف من شىء ولا حتى من الانسان . قلت انه يهدم السلم . . أنا أرى انه يبتدع فى ذلك شيئا ؛ انما ذلك سر الطبيعة . فانت مثلا . الست فى حالة حرب ، حرب الذباب والحشرات ؟ الست تهدم السلم ايضا ؟

- لا أنا لا ابحث الا عن طعامى . . ولكنى كنت أحدثك عن البشر وعبثهم بكل شئ . . قولى أرجوك . . لماذا يطاردنا الانسان كلما وجد لذلك سبيلا ، فهل نصلح له طعاما . . آه . . . ولكن فى سبيلك يهون كل . .

- هب . .

وبحركة خفيفة انقلب على عقبيه وبسرعة مذهلة اعتمد على رجليه الخلفيتين وقبض على بعوضة كانت مارة من هناك .

- ان الزرق كثير يا صاحبتى هذا الصباح - اليس هذا يا عزيزى من حظى

- بلى ولكنى لن اهديك البعوضة هذه المرة الا مقابل قبلة . . نعم . لى فكرة ، لن تنالى أى شىء بدون مقابل ، لنتفاهم من الآن ، ستكون نصيبى من كل هدية قبلة من فمك العطر . . مفهوم ؟

- موافقة !

- خذيها اذن وألحقيها بصاحبتها الاولى . . ايه ما احلى شفاهك القبلة الثانية أحلى من الاولى

- والحشرة الثانية الذ  كذلك من الحشرة الاولى

- اتفاق فى الاذواق يا حبيبتى . . سنحصل على الثالثة . . وكم هى حلاوة الثالثة ! اما تعرفين كلام شيوخنا وحكمهم ؟ اما يقولون " باللقمة الثالثة يبدأ الطعام  الطعام الحق . وستبدا سعادتنا هذا اليوم مع الثالثة . . سيكون الصيد الثالث اليوم دليلا على حظى وأن اراهنك أن حظى عظيم . . ولهذا سيكون الصيد كثيرا . .

لا يا عزيزى . . أما أنا فلا اؤمن مثلك بعدد ثلاثة ، انى لاتشاؤم من شئ كما أتشاءم منه . لقد جربت منذ مدة طويلة . . أن امر طعم هو طعم الثالث من كل شئ

- لا يا هذه لا اوافقك . اتريدين رهانا . سأكل أنا نصف الصيد الثاني وساعطيك نصفه . ونحكم ذوقينا . . ان فزت فى هذا الرهان تكون القبلة  الثالثة جزائى وان فزت انت يكون حرمانى من حلاوة القبلة الثالثة

- موافقة " على رهانك "

وينشغل عنها قليلا يبحث بعينيه فى الفضاء الواسع عن الصيد المنتظر واسرع نحو اتجاه معين بخطى ذئب داهية ؛ ولكنه رجع بعد لحظة يتحسر . . لقد رأى ذبابة تقع فوق تلك الحجرة ولكنها شعرت بخطاه فطارت

- لا تقلقى ولا تفزعى ولا تتذمرى . . الرهان سأكسبه ما فى ذلك شك . . ولا داعى للتشاؤم من العدد الثالث ؛ انك بايمانك هذا تنغصين هذه الحياة والفرحة التى يجب ان تتحلى بها ؛ فاننا حسب ايمانك يجب أن لا نفعل أى شىء

ثلاث مرات أبدا . ولكن اه . . تذكرت . أنسيت بعد حلاوة اتصالنا الثالث الليلة الثالثة . . قبيل ظهور الفجر . . آه . . وكأنك نسيت أيضا . . آه . . أخرسى . . ها هى ذبابة تقترب . وتراقصت عيناه في كل اتجاه تتبع  طيران الذبابة المحموم . . لم تره لا محالة ولونه الاخضر . . لا تكاد تفرق العين بينه وبين لون الحشائش التى يحتمى بها .

وازدادت الذبابة اقترابا منه ، وشعر بثقل فى حركاته . . وشعر بظل ثقيل أسود يقترب منه . . أهو ظل سحابة ؟ واذا به يلتهم الذبابة بفمه ولكن شيئا ما دخل بدنه ، مزقه . وأحس بالداء والموت . . واحس لاول مرة بمرارة الأكلة الثالثة . . . اللقمة الثالثة . .

" ولكن . . هذه هى الاكلة الاولى بالنسبة لى ! هل ستكسب رفيقتى الرهان ؟ صدقت رفيقتى

وبجهد جهيد التفت نحو جحره ، وبحث عن صاحبته ، فما وجد لها من  أثر . . . ولكنه وجد ظلا كبيرا أزرق يحجب عنه زرقة الافق . .

" آه . . الانسان . . دائما هو . . " وأحس بألم قاتل فى رئتيه وأحشائه وشعر بضعف شديد وحقد على الانسان كبير ؛ واذا بعينيه تغمضان بالرغم منه ، واذا به يتمتم " القبلة الثالثة . . . الانسان . . الثالثة " .

اشترك في نشرتنا البريدية