الشريط السينمائى ) * ( نتيجة عمل جماعي واسع النطاق ووليد جهود متظافرة متعددة وهو فى آن واحد يقوم على مبدأ توزيع المجهود والاختصاص فى العمل لان صناعة السينما فى الحقيقة مجموعة من الصناعات تعمل كل واحدة منها على حدة ولا يربطها الا الهدف الذى ترمى اليه جميعها وهو انتاج شريط من الصور المتحركة طوله الف ومائتان من الامتار ومدة عرضه ساعة ونصف ساعة .
والشريط فى نظر جل الناس فى بلادنا مجموعة صور متحركة تربطها قصة وتقوم القصة على حوار ويجرى الحوار بين ممثلين منهم المشهور ومنهم المغمور . والشريط السينمائى فى نظر جل الناس ايضا وسيلة لنسيان " هموم الدنيا " ومشاكل الحياة اليومية اى هو بمثابة الحصن المنيع الذى يلوذ به الانسان من نفسه ومن غيره طلبا للراحة والاستجمام .
فبعض رواد قاعات السينما يكتفى بهذه النظرة السطحية ويشاهد شريطا او شريطين او اكثر فى الاسبوع مدفوعا فى ذلك بدافع طلب النسيان او دافع الالتهاء او غيرها من الاسباب الطبيعية التى تقود الانسان الى بهو قاعة السينما لاقتناء تذكرة تخول له فى مقابل مائتين او ثلاثمائة مليم ان " ينسى نفسه فى قاعة مظلمة ويتلهى عن مشاكله بتلك الصور المتحركة الناطقة التى تحيا امام عينيه فوق الشاشة .
فهل يعرف الذين يتوافدون على قاعات السينما ويتزاحمون امام ابوابها ان الشريط الذى سيقدم اليهم هو نتيجة عمل شاق يومي قام به اكثر من مائة رجل سته اشهر متواليه ؟ كثيرا ما يجهل الناس قصة الشريط السينمائى واطواره وحكاية خلقه .
فما هى قصة الشريط السينمائى وما بداية هذه القصة ؟
يمر الشريط قبل ان يعرض فى قاعات السينما على مراحل ثلاث . المرحلة
الاولى هي مرحلة الانتاج ثم تتبعها مرحلة " التوزيع " واخيرا مرحله الاستهلاك او الاستغلال ويقتصر موضوعنا فى هذا البحث على قسم من مرحله " الانتاج " وهو الخاص بالموضوع او القصة او بما جرت العادة فى كل اللغات ان تسميه " السيناريو " .
الشريط السينمائى عبارة عن قصة يستعان فى روايتها بالصور المتحركة الناطقة " هذا هو التعريف البسيط للشريط السينمائى . والسيناريو هو موضوع القصة وشبكتها وكل ما يطرأ عليها من حقيقة وخيال فى نطاق محدود هو نطاق جهاز التقاط الصور المعروف " بالكامرا "
والسيناريو يعد خصيصا لاخراج شريط سيمنائى او يقتبس من انتاج ادبى معروف ليصبح شريطا سينمائيا ، فمن الصنف الاول كل الافلام المبتكرة وهي كثيرة لا مجال هنا لتعدادها ، اما الصنف الثاني فقليلا ما تبرز فيه الافلام وينجح فيه المخرجون لكن يمكن ان نعتبر من بين الاشرطة الناجحة من هذا الصنف " البؤساء " للشاعر الفرنسي الكبير " فيكتور هيقو " وكل الافلام المقتبسة من كتب " كولات " مثل " شيري " وخاصة " القمح الناشئ وغيرهما " الوسادة الخالية " لاحسان عبد القدوس و " زينب " للدكتور محمد حسين هيكل و " ظهور الاسلام " عن كتاب " الوعد الحق " لطه حسين وغيرها من الافلام المعروفة المشهورة
وقد يقضى كاتب السيناريو سنة كاملة فى اعداد قصته وتحديد موضوعها وكثيرا ما يستعين فى هذا العمل الطويل بخبرة اصحاب مهنة السينما وخاصة بالمخرج الذي تروق له الفكرة فيعتزم المشاركة فى انتاجها للسينما .
ويمر السيناريو نفسه بمراحل اولها مرحلة " السينوبسيس " وهو ملخص الفكرة فى خمسة عشر صفحة على الاقل وعشرين صفحة على اكثر تقدير ، وهذا الملخص هو الذي يعرض على المنتج الممول لينظر فيه ويقدر قيمته فى وقت قصير ثم يرفض او يلبى دعوة المؤلف لانتاج شريطه حول تلك الفكرة ، فاذا قبل المنتج مبدأ تمويل اخراج الشريط يرجع الملخص الى صاحبه ويطلب منه التوسع فى الفكرة وتحرير الموضوع فى خمسين صفحة وعلى المؤلف في هذا الطور ان يعتنى بابراز العقدة فى قصته ، ثم ياتي طور آخر هو طور التقسيم اى تقسيم الرواية الى فصول ومشاهد كما نلاحظ ذلك فى الروايات التمثيلية ، وبنكب المؤلف على موضوعه ينحته نحتا فيبرز العقدة ويبين شخصية كل ممثل ويخلق الجو الملائم لكل فصل وكل مشهد ويشير الى المناظر التى تجرى حوادث القصة بين ارجائها كل ذلك فى وضوح تام وبكل تدقيق وتحديد وتصبح الفكرة بعد هذا الطور رواية متسلسلة لا ينقصها الا التعبير التصويري السينمائى الذى سيجعل من
تلك الرواية شريطا سينمائيا يتميز عن الرواية التمثيلية المسرحية وعن التاليف القصصى وعن القصة الروائية الاذاعية . . . لان التعبير السينمائى فن قائم بذاته لا يشبه التعبير المسرحي او الاذاعي او القصصى الا فى بعض المظاهر الثانوية التى لا مجال للتعرض اليها فى هذا البحث .
وفى هذا الطور الاخير الذى يمر به السيناريو يهتم المؤلف اهتماما كبيرا بطبع قصته بطابع الخيال التصويرى فيتحتم عليه فى هذه المرحلة ان يتخيل قصته كما لو كانت تعرض امام عينيه على شاشة قاعة السينما . ثم يقدم القصة فى صورتها النهائية الى المخرج الذي يضبط مشاهدها وفصولها ويقطع تسلسلها الاول ليخرج من خياله تسلسلا آخر يعتمد على لغة الصور الخاصة وعلى الاضواء وعلى المناظر وعلى حركات الكامرا وعلى شخصية الممثلين الذين سيختارهم للقيام بادوار الرواية السينمائية . هذه هى المراحل التى يمر بها السيناريو او موضوع قصة الشريط السينمائى مراحل تقوده حتما للخضوع الى الخيال التصويرى والى القواعد الفنية التى تهيمن على المهنة هيمنة مطلقة لا مفر منها لا للمؤلف و لا للمخرج
فمؤلف السيناريو لا يحرر موضوع قصته بل " يشاهد " ذلك الموضوع ، فهو ينظر الى قصته بعين خياله من خلال الصور التى ستتحرك على الشاشة عندما يقدم الشريط الى قاعات السينما للاستغلال . وهذا امر طبيعي لان كل شريط سينمائى يهدف الى الهاء جمهور كامل والى الاستيلاء على مشاعر ذلك الجمهور واختطاف انتباههه مدة ساعة ونصف وليس هذا بالامر اليسير بل هى مشكلة تحتم على كل مؤلف للسينما ان يعتبر كل الاعتبار العوامل النفسية التى يجب ان تحدثها القصة فى صدر كل فرد من ذلك الجمهور ، وليس تأثر الفرد بقصة يقرأها فى كتاب مفتوح كتأثره امام نفس القصة وهو فى رفقة وفي قاعة مظلمة والقصة حية على الشاشة تمر حوادثها امام عينيه .
فالتاليف السينمائى يتطلب من صاحبه الى جانب خياله القصصى ومهارته فى التعبير خيالا من نوع آخر وهو الخيال التصويري ومهارة اخرى هى التى تمكنه من التقرب الى الجمهور بالمامه بنفسيته الخاصة ، شانه فى ذلك شان الخطيب الذى يستطيع ان يرغم الجماهير على الانصات اليه ولو طالت خطبته لان الهدف الوحيد للشريط السينمائى فى الحقيقة هو الاستهواء واستمالة قلوب الجمهور . ومؤلف القصة السينمائية ومخرجها وواضع موسيقاها ومصور مناظرها ومهندس الاضواء التى تخلق الجو الملائم لحوادثها . . . كل هؤلاء يجمعون جهودهم ويوحدونها لخلق الشريط السينمائى فى مرحلة انتاجه . * * *
لكن ما دور صاحب الحوار فى كل هذا ؟ وهل يتحتم ان يكون مؤلف القصة السينمائية هو نفسه واضع حوارها ؛
الحوار في القصة السنيمائية لا يلعب دورا هاما ولا يحتل المكانة التى يحتلها الحوار المسرحي ، وهذا امر طبيعي لا غرابة فيه لان الحوار وسيلة للتعبير ووسيلة التعبير في الشريط السينمائى هى الصورة قبل كل شىء سواها ، ولقد نجحت الكثير من الاشرطة السينمائية نجاحا شاملا فى جميع اقطار الدنيا رغم قلة الحوار فيها وعدم الحوار تماما فى بعضها واذكر من هذه الافلام شريط " سكون البحر شريط " عطلة مسيو هيلو " ففي الاول ضابط المانى يقيم فى بيت ريفى يسكنه عجوز فرنسى وابنته ، ويحاول الضابط ان يتجاذب اطراف الحديث مع صاحب الست او مع ابنته فلا يلاقي منهما الا الجفاء والنفرة والصمت ، فيتكلم وحده طويلا يخاطبهما فلا يجيبان ويقص عليهما كل ما يجول بخاطره فى كل ليلة ثم ينهى حديثه بجملة معينة يقولها قبل ان يلتحق بغرفته " اقضيا ليلة سعيدة وفى الشريط الثاني يعتمد " جاك تاتى " الممثل المشهور لا على الكلام بل على لحركة فيأتي الحوار عرضا فى اغلب الاوقات . ويجب الا ننسى من بين افلام هذا الصنف كل الاشرطة الصامتة التى انتجت قبل اكتشاف السينما الناطقة وخاصة افلام " شارلو " الشخصية التى طغت على الجماهير فى جميع انحاء العالم والتى يخبرها الكثير من النقاد السينمائيين على افلام " شارلي الناطقة
فالحوار اذن فى القصة السينمائية قشر لا لباب والنظارة لا يهمهم ما يفوه به الممثل اكثر مما يهمهم دوره فى القصة وحركاته على الشاشة فهم يشاهدون القصة التى ترويها الصور امامهم ولا يستمعون الى راو او مذيع من خلال جهاز راديو ، فالكلام يحدد طبعا شخصية كل ممثل على الشاشة ولكنه لا يخلق جو القصة ولا يمت الى العقدة السينمائية فى شئ فما يقوله الممثل ياتي في الحقيقة تكملة لما يقوم به من الحركات وما يبدو على وجهه من ملامح تنطق بحاله قبل ان تفتر شفتاه عن الكلام .
لذلك يجب على واضع الحوار ان يتقيد بجو الشريط وان يخضع للمخرج خاصة الخضوع التام ، لان المخرج هو فى الحقيقة خالق ذلك الجو . وعلى واضع الحوار ايضا ان يقرأ حسابا لنفسية كل ممثل اذا عين ادوارهم مؤلف القصة فى السيناريو فشخصية " جان قابان " مثلا شخصية فريدة لا في حركاتها فحسب بل فى اللغة التى يستعملها " جان قابان " فى كل افلامه وهى لغة خاصة به إذا فقدها فقد كل ما يميزه عن غيره من الممثلين
فواضع الحوار اذن شخص مقيد بالكثير من الاعتبارات فهو لا يخلق القصة بحواره ولكنه يساير هوى مؤلف القصة ومخرجها ويخضع للجو الذي يريد المخرج ان يصبغه على تلك القصة فى انتاج شريطه فهو كغيره من اعضاد المخرج يقوم بمجهود فردى لكنه لا ينسى الغاية وهي انتاج عمل جماعي تحت اشراف مخرج الشريط
تحدثنا عن السيناريو وعن الحوار اى عن مادة الكلام فى الشريط الطويل لكن يجب قبل ان نختم هذا البحث ان نعرج على صنف آخر من الافلام وهو الشريط القصير او " الدوكيمانتار " ) باللغة الفرنسية ( فهذا الشريط ايضا مزيج من صور وكلام والكلام فيه اما مسترسل واما حوار ، لكن الفرق بين الشريط الطويل والشريط القصير يقوم غالبا على كيفية تقديم القصة ، فكثيرا ما يقرأ القصة على مسامع النظارة مذيع او اكثر كما هو الحال فى اجهزة الراديو بدون ان يقوم الممثل او الممثلون بادوارهم على الشاشة ، وتستعمل هذه الافلام غالبا لاهداف معينة منها الوصف ومنها الدعاية ومنها التثقيف ، فهى افلام علمية وتاريخية وسياسية وفنية ، يحتل فيها الكلام مكانة مرموقة لان الفائدة هنا في المام الجماهير بالمواضيع المطروقة امامهم وما الصور الا وسيلة لارساخ تلك المواضيع فى اذهان النظارة ، لكن يتحتم هنا ايضا ان لا تفقد الصورة قيمتها ومكانتها وان كان محرر الموضوع مبدعا وصاحب الصوت مذيعا ماهرا !
هذا ما اردنا ان نشير اليه فى هذا البحث الذى خصصناه للقصة ومكانتها فى الشريط السينمائى وهى كما لاحظنا تعتمد على الخيال التصويري اكثر من اى عمل ادبى يقدم للنشر او للاذاعة او للمسرح ورجاؤنا ان نلتقى بالقراء فى فرصة اخرى فنتعمق فى الفروق التى تميز القصة السينمائية عن غيرها وتطبعها بطابع خاص وبشخصية معينة
