كان بجانبي الصحفى العالمى ممثل جريدة شيكاغو ديلى نيوز جورج ويلر المندمجة فيها ٥٢ صحيفة اخرى فى انحاء امريكا . . عندما لمحت الاستاذ عبدالقدوس الانصارى مارقا بسيارته كالسهم باتجاه مطار جدة . . وما هى الا لحظة حتى عدنا بسيارتينا القهقرى والتقينا وعرفته بجورج . . واتفقنا على موضوع المقال . . وانصرف كل فى سبيله . . وحدثت جورج عن طلب الاستاذ أن اكتب مقالا بعنوان " بين القصة والشعر فى بلادنا " واننى اخترت بيت الشعر الواحد الذي يحمل فى طياته اكثر من معنى . . حتى لكأنه قصة مجد ذاته . . فقال جورج :
أتعرف ماذا عرفت الشاعرة الامريكية الكبيرة " اميلي ديكنسون " الشعر ؟ قلت : لا . . قال : عرفته بما يلى :
" ان الشعر هو الذي عند سماعه يقف له شعر رأسك . . وكانت هذه الشاعرة تقول الكلمات القليلة التى تزخر بالمعاني الجليلة " . وقد اعجبني هذا التعريف إلى اعظم حد . . لأنه واقعي ولأنه الحقيقة بعينها . . فلست أردد قول ابي الطيب :
فلا عبرت بي ساعة لا تعزنى .... ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
الا ويقف شعر رأسى
أو : لا افتخار الا لمن لا يضام .... مدرك او محارب لا ينام
او : واحتمال الأذى ورؤية جانيه .... غذاء تضوى به الأجسام . .
أو : من يهن يسهل الهوان عليه .... ما لجرح بميت ايلام . .
الا ويقف شعر رأسي ايضا . .
واذا كنت أختار بيت الشعر الواحد الذي يعبر في ثناياه عن قصة . فلأن القصائد التى تروى قصة هي كثيرة . . واكثر من ان تحصى . . وبما عندى من مصادر . . اخترت شعراء ثلاثة . . .
أولهم الأمير عبدالله الفيصل . . الذي يقتضينا واجب المجاملة ان نبدأ بشعره :
وسأسرد الابيات سردا . . واعلق عليها تعليقا مجملا . . من وحي الحرمان
صفحة ٢٩ " أراك "
ولولا الحب في الاعناق رق .... ملكتك باليمين وباليماني
صفحة ٨١ في روضة الهوى :
وتعانق الروحان في روض الهوى .... فثملت حتى غبت عن ادراكي
صفحة ٨٩ " نداء " :
لا الصد يشجى ولا لقياك تسعدني .... فما انا مثل ما قد كنت تعهدني
و ٩١ " نداء " :
زودوا الغواة عن الأوطان وانتبذوا .... من فرق الشمل بالغايات والفتن
وصفحة ١٠٨ لوعة :
واغرق في ظلام الليل يأسى .... فاغرق في اصطباحي واغتباقي
وصفحة ١٢١ الى ذات الوشاح
فاني في هواك لقيت سقمي .... كما انى لقيت به ارتياحي
وصفحة ١٣٥ صبر ينفد :
وان لاح على بابكم عاذل .... مررنا به ركعا سجدا
او اهزا كما شئت بالذكريات .... واذهب في الحب كبش الفدا
صفحة ١٣٨ يا ناعس الطرف :
مهما اختصمنا فان الشوق يجمعنا .... او افترقنا فان الحب يدنينا
فما ترى اليوم من صبرى ومن جلدى .... فللكرامة فضل من تأسينا
صفحة ١٤١ عتاب :
ورجعت للمحراب انشد عزلتى .... لكن خيالك كان في محرابي . .
فالأمير عاطفى يصف عواطفه بدقة . . فهو يقول :
لا الصد يشجى ولا لقياك تسعدني
ويقول :
في هواك لقيت سقمي وارتياحي
ويقول :
مهما اختصمنا فان الشوق يجمعنا .... او افترقنا فان الحب يدنينا
انه لجبار في عاطفته . . شديد على نفسه . . تراه في هذه الأبيات ولوعا بالمتناقضات . . قادرا على جمعها . . لا يعرف الملل الى نفسه سبيلا . .
وفي يقيني ان الأمير لو قدر له أن يتحلل من واجباته كأمير وكرجل ذى مسئوليات واعباء جسام ) وهذا غير ممكن ( . . فانه لا شك ينطلق بشعره الى اجواء رفيعة جدا . ولا شك انه رجل موهوب . . حمل هذه الاعباء جميعها صغيرا . . وما ناء
بها . . بل سار بالعجلة سيرا حثيثا وتراه مع هذا كله يحن للادب والشعر ويجد من الوقت ما يتسع لممارسته . وهذا داء لا يستطيع المرء قهره أو تجنبه . . ومعنى ذلك انه سيجئ اليوم الذي نرى فيه بدل الحرمان فيضا في الانطلاق . . الى اعلى الاجواء . . برغم كل ما يحيط من مؤثرات أو يعتمل فى تفاعلات . .
. ثم نأتي الى الاستاذ أحمد قنديل ، فى :
اغاريد ، من الحب والى الحب . .
ص ٢٢ وصال
اغلي الوصال وصال من لم يغرهم .... شره الوصال إلى التهتك والحرام
ص ٤٦ براءة :
ومن ارتضى طبع الفتور اثارة .... للحب يرجو منه في القلب اتقاد
ص ٥٩ ثورة :
والتقاليد كالقماقم للناس .... سجون وللعواطف جب
ص ٨١ بعد الجفاء :
طويت الدياجي ، لاعدمتك ، بعدما .... طوى العتب من هجراننا كل قرطاس
ص ١١٤ سكر الحب :
دع يراعي وحسنك الفذ ، في الحب .... يصوغا للعاشقين القصيدا
ص ١٢٦ ما وراء الغيوم :
وانت لم تنجبي رجا الآمل .... ولن تنيلى بغية السائل
وفي اصداء ، من الحياة . . واليها .
ص ١٩ الجندى في ميدان القتال :
ويمر من جنبى الرصاص مسددا .... فامرق من خلف الردى وحذاءه
ص ٢١ عزوبة :
ابيت وجنبى كل يوم حليلة .... يصورها وهمى ويخطئها حسى !!
ص ١٣٧ العظيم صلاح الدين الايوبي :
العذارى وقيتهن من العار .... سلاحا مشرعا مرهوبا
وتغني الزمان في يوم حطين .... الى اليوم بالعظيم طروبا
وهذا شاعر لا شك انه قادر على التصوير قدرة فائقة . . ويتجاوب مع الحياة والواقع . . وفي الاصداء والاغاريد من الاشعار ما لا شك انه سيذهب مذهب الامثال . . ففي كل بيت من الابيات التى ذكرت تمثيل حسى واقعي حتى لكأنه يستفزك بحيث
يفف شعر رأسك . . أو تضحك مل شدقيك ، وعلى الأخص عند تمثيل العزوبة . . انه يشعر حتى مع غير عصره . . انه يصور معركة حطين . . فأول ما يخطر بباله العذارى وكيف وقاهن من العار . . انه يتمثل معركة فلسطين اليوم . . وكأني به
يقارنها بالامس . . وكيف تمرغ الشرف العربى الى اليوم . . وكيف لن يسترده الا صلاح دين آخر ! . . ان ما يطوف بذهنك عند قراءة كل بيت اكثر من فكرة . . اكثر من معنى يطوف بذهنك قصة طويلة عريضة . تستطيع ان تكتبها بصفحات ويستطيع ان يقدمها لك بكلمات !!
وأخيرا ،
أريد أن أستميح صديقي الاستاذ حسن عبدالله القرشي العذر . . أحب شعره القصصى . . وشعره الوطني . وأذكر مرة عندما قرأت في " البلاد السعودية " قصيدته المغربية التى تفيض وطنية وحماسا . . لم انتظر لأراه عصر ذلك اليوم بل هنأته " تليفونيا " حالا على تلك العصماء . وانه لمن السباقين في المناسبات الوطنية الرائعة . . ويعجبني هذا الطراز من الشعر . . لأنه يتجاوب دائما مع آمال وآلام الامة . .
ولا بد في هذه المناسبة من أن أعطف على بيتين ، وسترى يا قارئي العزيز كم يزخران بالمعاني . . ويصوران من احاسيس . . البيت الاول مشهد من مشاهد يوم " الثلاثاء الحمراء " يقارنه الشاعر بأيام المظالم التى مرت بتاريخ الانسانية ، يوم
قتل الانجليز - وفي كل يوم يقتلون - الثلاثة الاحرار الذين ثاروا بمجموع الامة على الظلم وعلى سياسة تهويد فلسطين وهجرة اليهود اليها ، قال :
فسمعت من منع الرقيق وبيعه .... نادي على الاحرار ، يا من يشترى !
وفي البيت التالي ، يصف " الفدائى " الذي ترصد لقتل القاضي البريطاني اليهودى ) نبتويش ( الذي كان يشرع اقسى تشريعات على عرب فلسطين ، قال يصف الفدائى :
هو بالباب واقف ، والردى منه خائف
فاهدئي يا عواصف ، خجلا من جراءته
صامت لو تكلما ، لفظ النار والدما
واخو الحزم لم تزل ، يده تسبق الفما
هذا الشاعر هو المرحوم ابراهيم طوقان . . في بعض أبيات أشعاره قصص كاملة . . تصور واقع الحياة . وواقع الامة . . بآلامها وآمالها . . وعنتها ارهاقها وقسوتها . .
ومع هذا او ذاك . . بتغلب الأمة عليها بالكفاح والنضال وصراع كل العوامل التى تعترض سبيل عزتها وكرامتها واستقلالها . .
ولا بد من أن نعترف - على ضيق المجال - من انه يوجد هنا شعراء يأتون في المقدمة . . وكم اود لو احصل على دواوينهم . . التى لا نجد لها اثرا في جدة . . ولو على طريق " المعاملة بالمثل " فاننى مستعد لاهدائهم بعض ما عندي من كتب وقصص - على تفاهتها - مقابل الحصول على دواوينهم . . وقد تكون قسمة ضيزى . . ولكنى احب أن أرى مكتبتي عامرة بدواوين وكتب
اخوانى واصدقائي - ولو عن طريق المراسلة - ولست اشك أيضا ان الشعر النبطى هنا له باع وذراع فانني احتفظ في مجموع ما احتفظ بنبطيات من أروع الشعر . . ان فى كل بيت منها قصة او حكمة أو فلسفة عميقة وبنفس الوقت هينة لينة . . ذات اثر كبير . .
وجميل حين أبدأ بتعريف امريكي للشعر . ان انتهى ) بناطحة سحاب ( عربية هي :
فلو اننى هانت على عشيرتى .... لسبت عروض واستحلت محارم
الم تر للبنيان تبلى بيوته .... وتبقى من الشعر البيوت الصوارم
وبعد ،
يقتضيني الواجب في مثل هذا المقام ان اقول انه ربما كان هنالك أبيات كثيرة من الشعر قصصية . . لشعرائنا الاكارم . . ولكن مبعثرة هنا وهناك . . ويقتضى جمعها زمنا طويلا . . ومحاولة جمعها تتطلب وقتا طويلا كذلك ولا شك . . ومع أن الزمن يمشى سريعا . . ولكن لا بد ان ييسر الله بعض العاملين المشجعين
للادب من ان يستحثوا الادباء والشعراء للعناية بجمع نتاجهم وحفظه للمكتبة العربية . . فالاديب مهما بلغت مكانته فى عالم الفن والادب والانتاج . . بل إذا أراد أن يكرس ) معظم ( وقته لفنه . . فانه دائما او كثيرا ما يعيش فى ) حاجة ( للعون ليستمر فى هذا التكريس ليبلغ بفنه الدرجة المطلوبة بعد طول الممارسة والاصرار . .

