لما اجتمعت ثلة من الاساتذة والكتاب في يوم من أيام سنة 1955 بمكتب صغير ومتواضع فى (( نادى قدماء الصادقية )) بنهج دار الجلد بأعلى المدينة وقررت اصدار مجلة كانت تحدو تلك الجماعة آمال عريضة وثقة فى مستقبل ذلك المشروع .
لم نكن كتابا متفرغين بل كنا جميعا هواة نكتب الشعر أو القصة أو المحاولة الادبية أو الخاطرة أو المقالة النقدية او الدراسة العلمية والفلسفية فى أوقات الفراغ أو بالمناسبة أو عندما يفيض الوحى فيغلب ولا يغالب .
صدر العدد الاول لمجلة الفكر فى أول يوم من أكتوبر 1955 عندما ظفرت تونس باستقلالها الداخلى ولاحت فى الافق القريب بشبائر الاستقلال التام . فكان تحرير البلاد الذى كان ينبئ بتفجير الطاقات المبدعة فى كل مجال أهم حافز لنا فيما أقدمنا على تحقيقه .
وكنا أيضا معتمدين على أنفسنا وقد سبق لنا أن عبرنا عن آراءنا وخلجات أنفسنا فيما كان يتاح لنا فى عهد الاستعمار من وسائل تبليغ متواضعة كالملحق الثقافي لجريدة الصباح مثلا الذى لعب دورا خطيرا لمساعدة الكتاب فى فترة عصيبة وموحية للقرائح كان يبحث فيها بعضنا عن طريقة ما لابلاغ أفكاره وآرائه وما يختل فى مكنونه . فها قد أفسح لنا المجال لنكتب كمجموعة أولى فى مجلة أسسناها وسهرنا على انطلاقتها الاولى فى ظروف ممتازة أصبحنا نرى فيها النور ونقترح المسالك والحلول للمصير .
وكنا شاعرين بأنا لا ننطلق من فراغ . فقد سبقتنا فى الميدان مجلة المباحث التى صدرت تباعا طوال اربع سنوات من أفريل 1944 الى أوت 1947 . وكانت ملتقى مرموقا عالى المنزلة للمثقفين التونسيين وخيرة كتابهم . لم يكتب لهذه المجلة الراقية الدوام بسبب ظروف الحرب الطاحنة ومؤامرات الاستعمار المستكلبة التى أرغمت المفكرين والكتاب الى الانقطاع الى المشاركة فى المقاومة الوطنية والكفاح النقابى ، وسبقتنا ايضا مجلة الندوة . فهذه وتلك تركتا لنا تقاليد كانت لنا مرجعا .
وكنا على يقين من أننا قادرون على بث الحماس للمشروع واستقطاب من كان دوننا سنا من الكتاب والمثقفين فى عهد كان فيه أكثر الناس يدينون بالقيم السامية وبنقطعون للعمل الصالح وهم يحسون بأنهم يبنون وطنا .
وكان الكتاب الكبار والمثقفون والمفكرون قلة متعارفة متضامنة . وكانت العلاقات بين الاجيال طبيعية متنها الكفاح الوطنى والطموحات المشتركة .
وكان همنا الاساسى وشغلنا الشاغل المحافظة على الدوام والانتظام فى اصدار المجلة . ورأينا آنذاك أن قوة عزيمة ادارتها وقدرتها على المداومة لابد أن ترتكزا على اتجاه سليم يتمثل فى تفتح المجلة على جميع التيارات الفكرية والأدبية والفنية ورفض الانطواء أو التحزب لتيار فكرى معين أو مدرسة أدبية بعينها . بذلك نضمن لها التجدد المستمر ومواكبة النهضة الفكرية والأدبية والفنية بمختلف اتجاهاتها .
وقد أراد مؤسسو المجلة أن تكون ملتقى لجميع المثقفين يدور فيها حوار طليق متسامح بين جميع النزعات الفكرية والأدبية . وهذا ما عبر عنه مدير المجلة فى الفقرة الاخيرة من افتتاحية العدد الاول (( للفكر )) قائلا :
(( فاذا أمكن لهذه المجلة أن تكون ملتقى المثقفين فى هذه البلاد حتى يعالجوا مشاكلهم على ضوء الفكر فانها تكون قد قامت بنصيب متواضع من عمل انشائى أكيد )) (1) .
وبينت الايام أن مجلة الفكر كانت وفية للهدف الذى رسمته لها منذ نشأتها حيث بقيت ملتقى لتيارات فكرية وأدبية مختلفة ومتصارعة أحيانا وفتحت صفحاتها لكثير من الشعراء والقصاصين الشبان وعرفت بالعديد
منهم واحتضنتهم حتى صلب عودهم وألفوا الدواوين والروايات والمجموعات القصصية واحتلوا مكانهم فى الساحة الادبية . لا تؤاخذ أحدا لاجل أفكاره السياسية أو غرابة اختياراته الادبية والفنية تاركة جمهور القراء يصدر أحكامه فيقبل أو يرفض . دورها تمكين الكلمة من البلوغ الى جمهورها ومنحتها الفرصة لمغالبة الزمن . اما أن يكون لها أو عليها والزمن هو أصدق الحاكمين .
الحديث عن القصة صعب متشعب لاننا كنا وما زلنا لم نتفق على مفهومها وعلى أنماطها . وما زلنا نطلق هذا المصطلح على ألوان مختلفة من القص .
تتقاذفنا المفاهيم القديمة المقتبسة من التراث العربى المكتوب الفصيح والشفوى الشعبى على حد سواء والمفاهيم الحديثة المتداولة فى الآداب العالمية التى تفرق بشئ من الدقة بين الحكاية (conte) والقصة (nouvelle) والرواية (roman)
سيتناول مقالى القصة فى مجلة الفكر بمفهومها العام الذى لا يخلو من غموض أى بعبارة أدق فن القص بأنماطه القديمة كالحديث والحكاية والخبر والخرافة وأنماطه الحديثة كالقصة والرواية .
كنا فى الخمسينات نكتب القصة ولا نعرف أنها قصة . بعضنا بدأ بكتابة الشعر المنظوم أو المرسل مثل العروسى المطوى ومصطفى الفارسى ثم تحول الى كتابة القصة ثم الرواية لما ضاقت الاساليب الشعرية عن التعبير عما يريد ابلاغه . ولكن تحول هؤلاء من التعبير الشعرى الى التعبير القصصى لم يكن مصدره اعراضا على الشعر وقطيعة بل تسخيرا للقريحة الشعرية لخدمة أغراض أخرى . فاحتوت قصصهم ورواياتهم على عناصر هى من وحى قريحتهم الشعرية التى لم تخب .
كتبت فى سنتى 1955 و 1950 مجموعة من النصوص القصيرة كنت أعدها تعبيرا عن خواطر مستوحاة من الواقع المحيط . ومن غريب الامر أن المسؤولين عن مجلة الفكر أدرجوا أحد النصوص وعنوانه ((وصية)) فى باب ((البحث والمقالة)) فى العدد الممتاز الصادر فى شهر أكتوبر 1965 بعنوان : ((عشر سنوات من حياة الفكر)) والذى اشتمل على مختارات من نصوص صدرت فى العشرية الاولى من حياة المجلة . فشاركونى شعورى الاول عندما لم يعتبروا أحد النصوص من انتاجى فى الفترة الاولى قصة . ولكن بعد التأمل والاطلاع على ما ينشر حديثا فى مختلف الاقطار فى العالم يبدو لى أن ما كتبته فى مجلة الفكر فى ذلك العهد قد يكون لونا من القص أو بالاحرى قصصا بالمفهوم
الحديث للكلمة . ولا يمكن بأية حال أن يلحق بفن المقالة . وهى كلمة يحسن أن تلغى من المصطلح النقدى لانها لا تعنى شيئا ما عدا معناها الصحافى الذى احتل مكانه من بين المصطلحات الصحافية .
كانت القصة تحتل في المجلة مكانا متواضعا بحانب الشعر والدراسات .
وامتازت الفترة الاولى فى مجال القصة بظهور قاصين اثنين وهما الطيب التريكى ومحمد فرج الشاذلى عرفت بهما المجلة ونشرت انتاجهما .
أما الطيب التريكى فانه كتب فى سنتى 1955 و 1956 قصتين استوحاهما من بيئة مدينة صفاقس أولاهما قصة (( فرحة الاولاد )) وثانيتهما قصة (( كلاب السوق)) .
أما الاولى فانها مركزة تركيزا قويا على خواطر أم تعانى فى بيت ريفى متواضع من شظف العيش وقلة ما فى اليد وتفكر كيف تدخل الفرح فى قلوب أطفالها بمناسبة قدوم العيد حتى لا يبقوا محرومين مقهورين أمام أطفال الجيران فتلتفت الى ما ادخرته من سميد وزيت بفضل حرصها وأمانتها وتهئ لاطفالها ((المقروض)) و ((الغريبة)) .
أما قصة (( كلاب السوق )) فانها تتناول بالوصف الطفولة المشردة فى مدينة صفاقس التى تبحث دوما عن عمل مهما كان قذرا للحصول على بعض النقود تساعدهم على سد الرمق . ومن جملة الأعمال التى تقترح عليهم دق القرنيط ( الأخطبوط ) يقول الطيب التريكى : (( إن القرنيط لا يؤكل على حاله كما يصاد من البحر اذ هو دقيق الاصابع نحيف البدن بل يهيأ بأن يدق على الارض مرات عديدة فتغلظ أصابعه ويتوافر لحمه ، وبما أنه ذو لعاب مسود مصن يوكل هذا العمل الى أمثال : لبز وعين اللص وبوجرادة والفرطاس)) .
التفاتة الى طبقات الشعب المعذبة والطفولة المشردة ولفتة انتباه الى مشاكل اجتماعية عويصة ورثناها من قرون متوالية من الانحطاط ومن عهد الاستعمار وصف مفرط فى الدقة لا يخلو من التأثر والعطف وحرص على تنخل العبارة وقوة بناء عناصر القصة .
أما قصص محمد فرج الشاذلى التى نشرت فى مجلة الفكر فى نفس الفترة فانها مستوحاة بالخصوص من ذكريات الكفاح الوطنى المسلح القريبة العهد كقصة ((مصرع صالح)) (2) وقصة ((حامل الحقائب)) (3) .
انها قصص تسجل بامانة وباسلوب واقعى أنيق أحداثا عاشها الكاتب فى منطقة الساحل التونسى .
ومن القصص التى نشرت جميعها فى سنتى 1955 و 1956 تتميز قصة ((نخلة المجنون)) (4) لانها تنم عن حساسية جديدة ترفض الدعة والاطمئنان الى الاوضاع ولو كانت هذه منعشة مليئة بالآمال العريضة فى السنوات الاولى من الاستقلال وتتجاوز الواقع المعيش لاستكشاف آفاق المستقبل والتساؤل عن المصير بروح حيرى منبهة الى الاخطار الكامنة المتربصة التى قد تحول المسيرة وتنحرف بها وتدعو الى التمسك بالقيم الثابتة مهما طالت المسيرة حتى لا نصاب بالنكسة فتذهب جهودنا سدى . ويقوم بدور الرائد المرشد لقومه رجل مصاب بمس أو هكذا يريد قومه أن يعتبروه حتى لا ينصتوا اليه لانه يقض مضاجعهم . وهذا المجنون العراف الذى يحمل اسم عبد الحق وهو اسم موح مثير يخاطب قومه بلهجة عنيفة لا التواء فيها ولا مجاملة عله يبعث فيهم ارادة تغيير الاوضاع المتردية . يقول المجنون :
((كذا انتم يا بنى الانسان لا يطفو الا الخفيف الخفيف . أما من ثقلت موازينه ففى الاعماق . تلك سنة الكون يا بنى الانسان . فمتى تقلبون الاوضاع وتعيدون الخلق ؟ .... تمتطون ظهور العباد لغاياتكم وتهوون الزائف من الامور وتقلبون على القشور . وليس منكم الا شاهد زور أو ساذج مغرور أو فاجر كفور أو فاسق فى ثوب راهب)) .
كان كتاب القصة القلائل فى العهد الاول من حياة مجلة الفكر يبحثون - عبر محاولات - عن نمط مميز يختارونه لانفسهم ومضامين تلاقى صدى فى أنفس القراء واشكال التعبير اللغوى تجدد نوعية الصلة مع تراثهم العربى فى فترة كانت الجهود موجهة الى اعادة بناء الشخصية انطلاقا من
أصول الثقافة العربية الاسلامية عندما كانت تلك الحضارة مركز قوة وإشعاع .
كان السعى الى ما كان يسمى ((أصالة)) يعتمد نظرة انتقائية للتراث العربى الاسلامى وتعاملا ألمع منتجاته الادبية فى عصوره الزاهرة وقراءة جديدة غايتها توظيفه فى انتاج أدبى معاصر يكون مرآة لهموم الفرد والجماعة .
فلا غرابة أن نلاحظ لدى هؤلاء الكتاب تبنيهم لبعض أنماط القص القديم مثل الخبر والحديث والوصية والرسالة والمناجاة . وقد سبقهم محمود المسعدى فى هذا الميدان وكان رائدا فذا فتح الآفاق لذلك الجيل من الكتاب حيث أنه اثبت فى ((احاديث)) أبى هريرة التى نشر بعضها فى مجلة ((المباحث)) فى الاربعينات ونشر حديثا واحدا وهو ((حديث الغيبة تطلب فلا تدرك)) فى مجلة الفكر سنة 1955 أن هذا اللون من القص وهو الحديث قادر على استيعات القضايا الانسانية السامية التى لها علاقة بمنزلة الانسان فى الكون .
ولا نعجب عندما نلاحظ أن هؤلاء الكتاب اختاروا الكتابة بلغة عربية فصحى نقية لا تشوبها العجمة ولا العامية وأعرضوا عن زخرف القول والمحسنات اللغوية والاسلوب المتقعر المقفى الذى كان يميل اليه من سبقهم من المثقفين وفضلوا الاسلوب السهل العادى الانيق متاثرين فى ذلك بأسلوب ابى الفرج الاصفهانى وأبى حيان التوحيدى والجاحظ . فهذا الاتجاه الواضح هو ثورة فى حد ذاته فى عهد كان الاسلوب الفنى المصنع الموروث من عصور الانحطاط منتشرا ومحببا فى كثير من الاوساط .
وكانت تلك القصص القصيرة التى نشرت فى ((الفكر)) فى سنواتها الاولى تلفت نظر القراء - بجانب الاشادة ببطولات القوم اثناء الثورة التحريرية - الى وضع الطبقات المحرومة من الشعب التونسى التى عضها الاستعمار أكثر من غيرها طوال السنين وتحملت أكبر قسط من التضحيات اثناء الكفاح الوطنى فكانت تطمح الى مستوى افضل من العيش وترى أن لها الحق بأن تطالب بالمساهمة بقسطها فى تسيير شؤون المجتمع .
ولكن رغم قيمة بعض النصوص فان الانتاج القصصى لم يكن غزيرا ولا واضحا فى اتجاهاته . فكان أقرب الى المحاولات الادبية منه الى القصة .
فالقصة كانت تحتاج إلى وقفة دراسة وتأمل قد تساعدها على النهوض كتعبير ادبى يفرض نفسه فى الساحة بغزارة انتجاه وتنوعه .
ولذلك نرى مجلة الفكر تصدر فى شهر أفريل 1959 عددا خاصا بالقصة التونسية للقيام بكشف وتحليل للانتاج القصصى وللبحث عن الطرق الكفيلة ببعث قصة تونسية صرف : واتجهت الى بعض الباحثين حتى يدلوا برأيهم فى ذلك الموضوع . وهكذا كان دأب المجلة طيلة مسيرتها . فكلما أحست أسرتها بأن قطاعا من قطاعات الثقافة فى حاجة الى توضيح الرؤية حتى ينهض سعت لاصدار عدد خاص يطرح القضايا ويقترح الحلول .
ومما تجدر الاشارة اليه هو أن ذلك العدد صدر بدراسة لعثمان الكعاك تحاول أن تحدد المفاهيم لالوان من القص العربى قديمة وحديثه . وتلته دراسة أخرى مماثلة للدكتور محمد فريد غازى تحاول هى أيضا فى جانب من جوانبها اقتراح تعريفات لالوان القص . ولو أن ما أتى به محمد فريد غازى من تعريفات للاقصوصة والرواية والقصة والحكاية والخبر والحديث اعتمادا على تعريفات محمود تيمور قابل للنقاش فان ذلك الجهد الذى بذل فى ذلك العهد لتوضيح الرؤية كان مفيدا فى عهده ولكن يحسن أن يعاد فيه النظر من جديد لان المفاهيم ما زالت الى يومنا هذا غامضة ومرتبكة .
وأهم ما ورد فى ذلك العدد الخاص بالقصة التونسية تحليل علمى لمحمد فريد غازى عن مجلة المباحث)) طوال السنوات الاربع من حياتها (أفريل 1944 - أوت 1947) .
لقد ذكرنا محمد فريد غازى بأن مجلة المباحث نشرت فى الاربعينات احدى عشرة قصة وثلاث روايات وأربعة أحاديث .
فلفت نظر القاصين والقراء الى ذلك الانتاج القصصى الهام والمتنوع الذى من شأنه أن يشحذ العزائم ويشجع على الابداع لانه يشير الى أن الجيل السابق استطاع أن يبدع انتاجا قصصيا زاخرا ومتنوعا قد يكون من المفيد أن نعود اليه حتى نرى كيف عالج قاصون قريبو العهد بنا القضايا الاجتماعية المطروحة والقضايا الانسانية العامة .
فتلك الفترة الوجيزة من حياة مجلة المباحث التى لم تتجاوز أربع سنوات قد شهدت صعود نجم على الدوعاجي ((أبى القصة التونسية بدون منازع)) كما قال عز الدين المدنى الذى نشرت له قصة ((أمن تذكر جيران بذى سلم)) وقصة ((نزهة رائقة)) وقصة ((رمضان)) وقصة((أتراح ىي الافراح)) . ورواية ((راعى النجوم)) وتلك الرواية العجيبة التى جعل لها هذا العنوان : ((جولة حول
حانات البحر الابيض المتوسط)) والتى صدرت تباعا فى سبعة أعداد من محلة المباحث . وأتاحت لمحمود المسعدى فرصة نشر انتاج قصصى متنوع الاشكال يمتاز بسمو الاغراض وعمق التفكير وسعة الخيال وأناقة الاسلوب .
فلقد صدرت عنه فى مجلة المباحث رواية ((مولد النسيان)) وأربعة أحاديث هى ((حديث القيامة)) و ((حديث البعث الاول)) و ((حديث الكلب)) و ((حديث العدد)) كما عرفت ((المباحث)) بقصاص آخرين من جيل الاربعينات وهم محمد العريبى الذى توفى فى مقتبل العمر وأحمد عبد الوهاب بكير ومحمد بكير اللذين انقطعا عن كتابة القصة .
ان التذكير بهؤلاء الكتاب والاشادة بما كتبوا من شأنه حث المبدعين على الاطلاع على ما كتب زملاؤهم من الجيل الذى سبق جيلهم لتجديد الصلة بهم فتكون النتيجة حفز الهمم وتعزيز حركة الابداع لان الابداع لا ينطلق من الفراغ بل يتغذى بالحوار المباشر أو غير المباشر وبالتفاعل المقصود أو اللاشعورى مع مبدعين آخرين شقوا طريقهم وفرضوا انتاجهم ونفذوا الى أعماق النفوس فغيروا رؤيتها الى الامور وأثاروا فيها - اذا كان معدنها ثمينا - نغمات طريفة فريدة فى نوعها لا أصداء جوفاء لما حركها من نغمات المبدعين الآخرين .
وقد سجل محمد فريد غازى الازمة التى كانت تمر بها القصة التونسية سنة 1959 واقترح توجها معينا بقوله :
(( فلا بد للقصاص أن يواجه المجتمع وأن يصرخ بآفاته ومآسيه ولقد شاهدنا فى السنوات الاخيرة قصصا تقترب من هذه الروح منها قصص الطاهر ڤيڤة والتريكى وغيرهما ولكنها قد اختفت بعد ما أيدت عدم نضوج وعى الطبقات الشعبية فى الحقل الاقتصادى والسياسى . وهذه القصص ذات المغزى والمحتوى الاجتماعى تجمع بين القصة والدراسة ( كقصص الطاهر ڤيڤة) )) .
جيل الستينات
لم يفطن محمد فريد غازى ولم يفطن المثقفون ايضا بالحركة التى كانت تجرى فى الاعماق والتى أبرزت فى نهاية المطاف جيل الستينات لكتاب القصة والرواية أمثال البشير خريف والعروسى المطوى ورشاد الحمزاوى ومصطفى الفارسى وعبد المجيد عطية وعبد القادر بن الشيخ .
ورائدهم وأغزرهم انتاجا البشير خريف .
ان رواية ((افلاس أو حبك دربانى)) للبشير خريف التى نشرت فى ثلاثة اعداد من مجلة الفكر (ديسمبر 58 جانفى 59 مارس 59) تمثل حدثا ثقافيا ضخما كان له تأثيره الواضح فى كامل انتاج البشير خريف حيث انه يبدو أن الكاتب وضع بصورة مركزة فى تلك الرواية المحكمة البناء المفعمة بالاحاسيس الجريئة اللهجة السهلة الاسلوب مجموع ما كان يصبو الى ابلاغه . فهى النواة التى انطلق منها ليوسع الرؤية ويعمقها . كما أثر ذلك الحدث الثقافى وما ولده فيما بعد من انتاج قصصى للبشير خريف على كامل الانتاج القصص ذى الطابع الواقعى الذى ازدهر فى الستينات وذلك بنسب متفاوتة .
ومن فضائل مجلة (( الفكر )) حدسها العجيب الذي يجعلها تكتشف النبرة الطريفة والنغمة الفريدة التى لا بد أن تكون لها اصداء فتقدم على احتضانها ورعايتها وابلاغها الى الجمهور رغم بعدها عن الرتيب المألوف وسبقها للعصر وجرأتها فى مناهضتها للافكار الرائجة وتجاهلها للآداب الاجتماعية العامة التى تحدد ما يليق التصريح به وما لا يليق وتستنكف من طرق بعض الموضوعات . وقد اكتسبت (( الفكر )) هذا الحدس بفضل تفتحها لجميع التيارات الفكرية والأدبية التى تنبع فى الساحة الاجتماعية وتطلعها الى كل انتاج ادبى جديد طريف ، وهى شاعرة بان كل جديد يحدث هزة وكل طريف يبعث فى النفوس حيرة . وهي تتحمل مسؤولية تبعات تشجيعها ورعايتها .
وقد قدمت (( الفكر )) لهذه الرواية موضحة موقفها بقولها :
(( نبدأ فى هذا العدد نشر قصة طويلة لاول مرة منذ بروز هذه المجلة بعنوان : ( افلاس أو حبك دربانى ) هى ثورة على التحفظ والتزمت والمألوف .
فيها انتهاج سبل جديدة وجرأة وحياة نأمل أن تمهد لأدب تونسى أصيل ... دون أن نجهل ما قد يثير أسلوبها من نقد وما قد يبعثه حوارها العامى من قلق وما قد تبقيه واقعيتها العارية من أثر سئ فى بعض النفوس ولكنا سعينا الى خدمة الادب والادب من الحياة النابضة أو لا يكون )) (5) .
((افلاس)) هى فى رأيى رواية قصيرة لا قصة طويلة كما نعتتها مجلة الفكر فيها ما فى الرواية بمفهومها المعاصر من سمات وأهمها قوة تركيب الرواية وتعادل عناصرها فهى بناء مرصوص يشد بعضه بعضا وتتبع محكم لتطور نفسيات الاشخاص أثناء علاقة عنيفة يعرض كل واحد منهم بمصيره واحياء مناخ الامكنة التى يتحرك فيها أشخاص الرواية تحرك الممثلين على الركح مع بيان تأثيرها فى سلوكهم وتعامل متواصل مع الازمنة وأولها الزمن الذى ينساب فى النفوس ولا علاقة له مع الزمن خارجها وثانيها الزمن الحاضر المفعم بنبضات القلب وخلجات النفس وازدحام الخواطر والهواجس وثالثها الزمن الماضى المعلب فى قرارة النفوس والذي يستخدم حسب الحاجة اليه لشحن الحاضر بطاقة مضاعفة .
رواية ((افلاس)) وهى باكورة انتاج البشير خريف تدل على أن هذا الكاتب دخل من أول وهلة ميدان القصة والرواية باختيارات واضحة متكاملة تشمل المضمون والشكل معا .
فهى رواية مقتبسة من واقع الطبقات الشعبية فى مدينة تونس التى استوطنها البشير خريف فأحبها حبا جما واصبح من ابنائها الاصيلين ولو أن موطنه الاصلى هو مدينة نفطة فى الجنوب التونسى . وميزة حاضرة تونس أن لها من الفتنة ما يجعل الذين ينزلون بها سرعان ما يعشقونها ويشعرون بالدعة والاطمئنان فى رحابها لان جميع سكانها منذ غابر العصور دخلاء عليها . فاسلوب العيش فيها تعادل متجدد دوما وتناغم مرهف بين أحاسيس فئات مختلفة وافدة عليها تجدد على مدى الدهر كيانها .
تجرى أحداث الرواية فى وسط اجتماعى مهمش موارد أفراده قليلة وغير قارة فيشعر جميعهم بالعزلة والحيرة فيقضون ساعات فراغهم فى الحانات وبيوت الخنا وقد تلاشت فى أنفسهم القيم الاخلاقية التى تردع عن الرذيلة بمفعول الفاقة وعدم الاطمئنان على المصير والضياع .
اسماعيل الصدراتى مدير فتى لفرقة تمثيلية لا تعمل بانتظام حتى تمكنه مواردها من العيش الكريم فنراه يعيش وحيدا فى علو ضيق بحى باب منارة فيروح على نفسه بالتردد على الحانات.فوزية نعيم شابة فقيرة يتيمة طلقها زوجها وترك لها ابنة ترعاها فى بيت تسكن فيها مع أمها . فانساقت الى الخنا وعاشرت الرجال وكانت هى أيضا تتردد على الحانات مع خلانها. وتقع القطيعة
بينها وبين أحد خلانها فى احدى الحانات وتبقى وحدها فى الحانة فى ليلة كان اسماعيل الصدراتى جالسا وحيدا فى الحانة يتناول خمرا . وتنشأ علاقة الشيخ الذى كان يبحث فى وحدته المزمنة عن الانس وعن الانس فقط وبين الشابة التى سئمت حياة الخلاعة فكانت تبحث عن الاستقرار فى ظل رجل يحميها و ((يسترها)) كما تقول .
فالرواية لقاء بين عزلتين وما أحدثته هذه العلاقة الغريبة بين شيخ شديد المراس وبين شابة عاشت طويلا حياة الخلاعة من صراع فى نفس الفتاة بين ما يشدها الى حياتها الماضية وبين ما يبعدها عنها وينفرها منها .
فالموضوع بسيط ولكنه يحوى حركية يكتسبها من الوضع الشاذ الذى انبنت عليه الرواية .
كان كتاب القصة الذين سبقوا البشير خريف وألمعهم على الدوعاجى يقتبسون موضوعاتهم من واقع الحياة الشعبية ولكنهم كانوا يقتصرون على وصف مشاهد موحية من الواقع أو احداث بسيطة تسير حسب خط واحد مستقيم لا تفرع فيه ولا بناء لان النواة القصصية التى ينطلقون منها لا تحتوى على ما يمكن التركيب أو التفريع .
اما البشير خريف فانه يتبع أشخاص روايته فى حياتهم اليومية وهم متنقلون من مكان الى آخر لقضاء مآربهم أو للبحث عن بعضهم أو للفرار من بعضهم للتأمل والسلوى . فيشاهد ما تحدثه فى النفوس تغير المناخات . ويمنح لروايته بعدا زمنيا حتى تصبح مسيرة حياتية فيها مد وجزر وكر فر وألفة ووحشة وحنين الى عهود مضت وتوق الى آمال تلوح فى الافق . هى الرؤية الجديدة التى أتى بها البشير خريف . وهى التى ضمنت له طول النفس الذى امتاز به والقدرة على تفريع الرواية الى عناصر متعددة جاعلة بدافع محركات هى من صلب النواة القصصية التى يركب عناصرها ثم يدفعها لتنمو بصورة تلقائية .
وللبشير خريف اختيار آخر التزم به فى كامل انتاجه وهو اثبات الحوار باللغة العربية الدارجة . وقد أثار هذا الاتجاه نقد فئة من المثقفين والادباء . ومهما يكن من أمر فانها ثورة فى وجه الجيل السابق الذى كان لا يرى أن تطعيم النص بعبارات عامية والتزام استعمال اللغة الدارجة فى الحوار يضفى بالضرورة على النص العفوبة والحياة بل كانوا يميلون الى استعمال اللغة
العربية الفصحى الانيقة ويحاولون اخضاعها الى نبضات قلوبهم وخلجات أحاسيسهم حتى يبعدوها عن التكلف والتصنع ويجعلوا منها أداة طيعة مطبوعة . يسود رواية افلاس جو شعرى يكونه مناخ مدينه تونس . ان نفسية البشير خريف الرقيقة جعلته يحس بالشاعرية التى تنضح من دروب المدينة وأزقتها وحوانيتها وحركات متساكنيها فى أوقات نشاطهم وفى أوقات فراغهم ويسعى لابلاغها الينا مثله مثل على الدوعاجى فى عهده . وقد سبق زمنيا فى الاتصاف بتلك الميزة محمود بلعيد وعز الدين المدنى . وقع حوافر خيل العربة ( الكروسة ) على بلاط الشارع فى ليلة ممطرة فى الساعه التى يعود فيها الممثلون إلى ديارهم بعد التمارين لها رنة خاصة لانها تصحب أول الهمسات بين فتى وفتاة بدأ الحب يسرى بينهما فى ظلمة ((الكروسة)) التى يخرقها من حين لآخر ضوء الفوانيس . حى باب منارة فى عهد مضى عندما كان ينفد اليه من باب عتيق داخله كوة توضع فيها شموع النذور . و كان يوضع فى الكوة فى العهود القديمة قنديل مضاء طول الليل ليرى الحارس القادم الى المدينة ليلا فيأمره بالبقاء خارجها حتى طلوع الفجر : ((قنديل باب منارة يضوى على البرانى)) . الدوحة الوارفة التى ما زالت حية الى يومنا هذا تظل جانبا كبيرا من الساحة الصغيرة وتشنف آذان المارة والجالسين قربها بزقزقة عصافيرها ودكان الحلاق والكتاب الذى كان يصعد اليه بدرجتين قرب ضريح عبد الله الترجمان . وحانوت (( الفطايرى )) الذى يزدحم أمامه الزبائن فى الصباح و كان يؤمه طلاب الكتاب بألواحهم الممحوة المبللة ليجففوها أمام تنوره الذى كان يوقد بالنخالة . ما زال الحانوت كما كان الى اليوم ولكن فقد روحه لانه لم يعد له تنور ولا نخالة . صاحبه يستعمل الغاز .
رواية ((افلاس)) هى الانموذج الاول لصراع شخص رئيسى غريب أو معزول منبوذ مع وسط اجتماعى يحاول أن يحتل فيه مكانه بجهده ومهارته وقدرته الفائقة على تذليل جميع المصاعب بفضل ما أوتى من ارادة صماء لا تلين ولا تنكسر فيفوز او يخفق .
فوزية فى رواية ((افلاس)) فتاة ريفية نزل أبوها المدينة ليحاول العيش فيها وفتعاجله الموت فيترك بنته فريسة للفقر والضياع والام عاجزة عن تربيتها وتوجيهها . فتنساق الفتاة بدافع الحاجة الى الخنا ولكنها تحاول عبر مغامراتها مع الرجال الظفر بالاستقرار والاعتراف بها وما تعلقها باسماعيل الصدراتى الا محاولة جادة للانسجام مع مجتمع كان ينبذها ويعزلها وما مغادرتها تونس إلى الجزائر للعيش مع خليلها الاول الا كسر للعزلة وسعى للاستقرار.
وهذا " خليفة الاقرع " ( 6 ) الشاب المعدم المتشرد المصاب بعاهة القرح يستطيع بفضل زوره وذكائه ونشاطه الفياض أن يلج البيوت جميعها ويزدي بعض الخدمات البسيطة لاهلها ويندمج فى أوساط النسوة فيكسر عزلته ويظفر بما يشبه الطمأنينة .
وهذا " برق الليل" العبد الاسود يكسر ايضا عزلته بالعزف على قوارير سيده الكيميائى فى المخبر العالى المطل على السطوح وبالرقص ثم بالقيام بأدوار بطولية أثناء فتح خير الدين باشا لمدينة تونس ثم أثناء احتلال الاسبان لنفس المدينة . فالعبد المعدم المطرود من بيت سيده لانه كسر بطيشه وحبه للموسيقى والرقص كامل الاجهزة العلمية المتمثلة فى قوارير الزجاج يصبح أحد أبطال المقاومة فى وجه المعتدين .
مجلة الفكر تقوم بدور الناشر للانتاج القصصى الجديد
ينبغى الاشارة الى دور الناشر الذى قامت به مجلة الفكر عندما كانت دور النشر مفقودة وعندما كان الكتاب التونسيون يبحثون دون جدوى عمن يطبع لهم مؤلفاتهم فيحبطون وتشل عزائمهم .
وينبغى ايضا الاشادة بالدور الرائد الذى لعبته بلدية تونس العاصمة فى بداية الستينات باسنادها " جائزة على البلهوان " لعدد من المؤلفات القصصية المخطوطة . فكانت هذه الجائزة التى اسندت فى بداية الستينات فيما أذكر الى روايات " حليمة " للعروسى المطوى و " برف الليل" للبشير خريف و " بودودة مات " لرشاد الحمزاوى و " المنعرج " لمصطفى الفارسى تشجيعا ذا بال لقصاصين شقوا طريقهم فيما بعد واستطاعوا أن ينشروا انتاجهم فى أواخر الستينات عند تأسيس " الدار التونسية للنشر " و " الشركة التونسية للتوزيع " وغيرهما .
ولكن مجلة الفكر بنشرها " برف الليل " للبشير خريف تباعا ابتداء من شهر ديسمبر 1960 و " بودودة مات " لرشاد الحمزاوى ابتداء من جوان 1962 مكنت كاتبين تونسيين من تعريف عامة القراء بانتاجهم القصصى انتظارا لايجاد الوسيلة لطبعه .
"برف الليل" للبشير خريف رواية تاريخية تعود بنا الى فترة عصيبة من تاريخ القوم قاسى فيها شعب تونس العاصمة الفتح العثمانى مع ملابساته فى فترته الاولى وعانى الاحتلال الصليبى الاسبانى وما جره من تقتيل وتخريب فى القرن العاشر الهجرى .
آمال القوم وقدرتهم على الدفاع عمن أنفسهم والبقاء رغم الكوارث والمحن تتجسم فى " برف الليل" العبد الاسود المشرد الآبق الذى يظفر بكرامته ويكتسب حجمه باعماله البطولية . كأن الخلاص فى تلك الفترات المظلمة التى انتفت فيها العزة وديست الكرامة يأتى عندما ينبرى ضعاف القوم ومشردوهم ذودا عن الحلمى .
فى رواية " برق الليل" شاعرية خفية محتشمة هى من وحى المدينة العريقة التى أنشأت حضارة ضاربة فى القدم . شاعرية سطوح المدينة وقد غمرها ضولى القمر فى تلك الليالى التى يصعد فيها " برق الليل " الى الغرفة العالية حيث يرتب قوارير سيده الكيميائى لينقر عليها ويرقص على ايقاعها وهو ينظر من الكوة الى سطوح المدينة . شاعرية ذلك الوجه الصبيح الذى يراه " برق الليل" من حين لآخر ينظر الى رقصاته المجنونة الوجه هو وجه تلك المرأة السجينة التى ذهب زوجها الى الحج " بعد أن بنى عليها الباب وترك لها وصيفة وقطة ودجاجة وسميكات " فتصعد على سطح بيتها وتتجول من سطح الى سطح لتروح على نفسها وهى باحثة عن مصدر النقرات العجيبة فتعثر على سجين مثلها يكسر هو أيضا وحدته ويظفر ولو لحين بحريته بالنقر على زجاجات مخبر سيده ، والرقص على نغماتها . ويصبح تعيد السجينة للسجين غادة وتنشأ بينهما ألفة عبر زجاج الكوة . شاعرية "فنادق" المدينة التى تؤوى الحيوان والبشر معا وتستقبل الوافدين من الريف والغرباء وتتحول فى عهود الازمات الى ملاجئ يقصدها المغامرون والثوريون يخفى فيها من يلاحقه . العدو وتضمد فيها جراح المقاتلين وتدخر فيها الاسلحة ولكن فى أشد خالات التأزم يظفر اللاجئ اليها . بلحظة كهذه : " وصل الى فندق بالتبانين وجلس بحذاء الابل الباركة ينشق العطن وشذاء قرط الحلبة وينظر فى غبش النهار الى الطيور المزقزقة تقفز حول الابل وتركس عليها وتلتقط الحب مطمئنة " .
أما رواية " بودودة مات " لرشاد الحمزاوى فهى أول محاولة قام بها كاتب شاب لوصف حياة الفقر والقهر فى عهد الاستعمار فى قرية نائية من الشمال الغربى التونسى وهى قرية تالة . بطلها شاب مراهق جسور يؤمن بأن التضامن
بين الناس من شأنه أن يخفف وطأة الفقر والضياع ويرفع الظلم المتفشى فى المجتمع الناخر لكيانه . وتتجسم القضية فى سعى الشبان لجمع المال من تعاطى السقاية لاسعاف :بودودة" الذى سرق رغيفا فسجن وطلب بدفع غرامة للخباز الذى سرق جميع خبزه بعد الحادثة . و " بودودة " أعجز الناس عن دفع هذا النصيب الباهظ من المال .
نالت هذه القصة " جائزة على البلهوان " لسنة 1962 فسارعت مجلة الفكر بنشرها حتى يطلع قراؤها على أول انتاج لكاتب شاب أراد أن يعرف بظروف البيئة التى عاش فيها .
وفى نفس السنة 1962 احرزت رواية " حليمة " للعروسى المطوى أيضا على " جائزة على البلهوان " ولم تطبع للمرة الاولى الا سنة 1964 . ورواية " حليمة" للعروسى المطوى هى رواية تجرى أحداثها بين قرية تقع فى الجنوب التونسى وبين تونس العاصمة وتتبنى قضية وطنية حيث أنها تشيد باسهام حليمة وزوجها اللذين نزحا الى تونس العاصمة فى الكفاح الوطنى السلخ .
فروايتا " حليمة " و "بودودة مات" أول ما صدر من مجموعة روايات استوحى كتابها مواضيعهم من واقع مختلف جهات الجمهورية التى كانت لهم موطنا او لا تزال وأرادوا عن طريقها الدفاع عن قضية وطنية أو اجتماعية .
اذكر منها " التوت المر " للعروسى المطوى التى تقص علينا كيف قاوم أهل قرية المطوية من قرى الجنوب التونسى آفة تعاطى تدخين التكرورى ( الحشيش) الذى كان يشجعه الاستعمار باحراق مزارعه " والمنبتى لعبد المجيد عطية التى تجرى أحداثها بمدينة المهدية من الساحل التونسي وتتناول قضية صراع شاب للحصول على منزلة اجتماعية مرموقة بمواصلة تعليمه رغم العراقيل التى اعترضته فذللها ورواية و" نصيبى من الافق " لعبد القادر بن الشيخ التى تقدم لنا ظروف عيش سكان مدينة زغوان وقد حول قسط هام من مياه عيون جبلها الى مدينة تونس العاصمة لتزويدها بالماء الصالح للشراب فاتلفت جل البساتين واستفحل فقر سكانها ورواية "الدقلة فى عراجينها " للبشير خريف التى تقدم للقراء صورة حية لمجتمع مدينة نفطة من مدن الجنوب التونسى وصراع افراده لتغيير العقليات ومقاومة الظلم والقهر لبناء مجتمع جديد .
لا نستطيع أن تقول رغم ذلك : إن الرواية ذات الطابع " الاقليمى الملتزم" قد طغت فى الساحة الادبية وان حقبة الستينات فرضت نمطا واحدا على
القصاص . فجميعهم يكتب القصة والرواية ولم ينقطع أحدهم الى كتابة الرواية . وكل واحد منهم له فى ما يكتب وجهة وطعم وأسلوب .
فمصطفى الفارسي صاحب رواية المنعرج كاتب قصة أساسا . وهو أميل من غيره فى روايته وفى قصصه العديدة الى طرح قضايا الفكر والوجدان كما نعيشها فى الزمن الحاضر . يحن الى الماضى ويتوق الى جنة الشباب بمقدار . فالعصر الذى نعيشه هو همه .
نشر مصطفى الفارسى فى مجلة الفكر قصة عجيبة عنوانها : " من يدرى ... ربما "( 7 ) تتميز بالدقة واللطف . ما يحس به قارئها من وراء السطور أهم من منطوقها . موضوعها انسانى بحث صالح لكل زمان ومكان . السؤال المطروح : كيف يتغلب الحب إذا كان عميقا مخلصا على ما يقف دونه صادا مفرقا ؟
نافذتان متقابلتان فى الطابق الثانى من عمارتين . فتى وفتاة كلاهما خجول . شجيرات وأزهار تسقى من وراء النافذتين ولا خطاب ولا اشارة بل نظرات مختلسة . لم تجمع الفتى والفتاة الصدفة فى الشارع ولو كان يحاول كل منهما مساعدة القدر . عمارة تبنى بين العمارتين لبنة لبنة . يعلو البناء ويكاد يحجب النافذتين . ينزل كلاهما الى الشارع مهرولا ويلتقيان ويسكن توفيق وهند معا فى نفس الشقة فى الطابق الثانى من العمارة الجديده طبعا .
وفى نفس السنة 1962 ينشر البشير بن سلامة فى مجلة الفكر قصة " جنان بنت الرى " ( 8 ) يقص فيها باسلوب واقعى دقيق ومتأثر خيبة أمل شاب عاد الى قريته على دراجة بعد قضاء ثلاث سنوات فى الخدمة العسكرية . كان يتوقع تغير الاوضاع لان بعده عن مسقط رأسه واحتكاكه بمجتمع جديد غيرت نفسيته . فما راعه الا أن رأى أن قريته لم تصح من سبباتها ، فراكب الحمار الذى ربط ساعة فى عنقه ما زال يمر بالشارع تتبعه زوجته ماسكة ذنب الحمار . وما زال أهل القرية ينظمون حضرة " العيساوية " ويقيمون طقوسها العنيفة المزعجة . ويضرب الشاب عندما يجرؤ على تدخين سجارة اثناء " الحضرة " كثيرا ما يتجرع العائدون الى مواطنهم مرارة تلك التجربة .
نادى القصة ومجلة قصص
كان الانتاج القصصى فى بداية الستينات يمتاز بالوفرة والتنوع وكانت مجلة الفكر تحاول جهدها مواكبته . وبفضل ذلك الجو السائد فى الساحة الادبية كانت مجموعة من الكتاب الشبان يقومون بمحاولاتهم الاولى فى كتابة القصة فيرغبون فى التلاقى مع أترابهم ومع من سبقوهم فى الميدان للتعريف بتجاربهم وتبادل الرأى والتكتل لايجاد الطرق لتبليغ انتاجهم الى القراء .
فبعث فى سنة 1965 فى رحاب "النادى الثقافى أبو القاسم الشابى" بالوردية "نادى القصة " الذى استقطب عددا كبيرا من كتاب القصة من مختلف الاجيال . ويرجع الفضل فى تأسيس هذا النادى الى أحد كبار كتاب القصة والرواية وهو العروسى المطوى . وكان الهدف الرئيسى لهذا النادى أن يكون مخبرا يدرس فيه الانتاج القصصى البكر ويناقش وتتلاقح فيه آراء وقرائح مبدعين من مختلف الاعمار ومختلف المشارب الادبية . وكان الهدف الثانى نشر الانتاج القصصى لاعضاء النادى
ولم تقصر اسرة " نادى القصة " جهودها على اصدار مجلة قصص بل كانت حريصة فى زمن وجدت فيه تشجيعا ومؤازرة من " الدار التونسية للنشر" لم يدوما الا سنوات معدودات على اصدار سلسلة امن المجموعات القصصية لاعضاء النادى تحت شعار ناديهم أذكر منها " ليالى المطر " لحسن نصر و " خرافات " لعز الدين المدنى اللتين صدرنا سنة 1968 و " نداء الفجر " ليحيى محمد التى صدرت سنة 69 9 1 و " صخب الصمت " لسمير العيادى و " صلعاء حبيبتى " لعبد القادر بن الحاج نصر اللتين صدرتا سنة 1970 .
ان صدور مجلة قصص لم يمنع أعضاء " نادى القصة " من التعاون مع مجلة الفكر بل نشأ تعاون بين أسرتى المجلتين لان كلتيهما أسرتان متفتحان على جميع التيارات الفكرية .
ولا شك أن نشاط الاسرتين قد كان له أثر عميق فى تشجيع المبدعين فى ميدان القصة .
منعطف سنة 1968
ان عمل " نادى القصة " المنتظم الذى قرب بين كتاب القصة من مختلف الاعمار والنزعات في جو يسوده التفتح على جميع التيارات والعزم على تذليل
الصعوبات التى تعترض الانتاج قد ساعد على بروز جيل جديد من كتاب القصة .
وقد لا نكون مجازفين اذا حددنا انطلاق هذه الموجة الادبية الجديدة بسنة 1968 وبالخصوص عندما أصدر عز الدين المدنى مجموعته القصصية الاولى بعنوان " خرافات " ضمن السلسلة التى كان يصدرها "نادي القصة " عن طريق "الدار التونسية للنشر " .
ربما كان عز الدين المدنى فى تلك الآونة أبرز ممثل لذهنية جديدة وحساسية جديدة وذوق جديد يشاركه فيها مجموعة من القصاص الشبان ارادوا - كل حسب مزاجه وتطلعاته - أن يغوصوا فى أغوار مجهوله ويقوموا بتجارب أدبية جريئة ويكونوا لسواهم "طليعة " .
قدم لنا القصاص والروائيون فى الستينات صورة حافلة مليئة بالحيوية والرقة للمجتمع التونسى فى مختلف أقاليم تونس . كانوا مدفوعين برغبة ملحة الى البحث عن أصالة القوم والى ابراز العناصر المكونة للشخصية الوطنية ونقد العادات الفاسدة المعرقلة للتطور وتمجيد بطولات القوم والتعريف بالصفحات النيرة للكفاح الوطنى والاجتماعى . كان أغلبهم يعود بنا الى الجنة الضائعة جنة الطفولة التى يحنون دائما اليها فتضفى على ما يكتبون مسحة من الدعة والاطمئنان . يتعامل أغلبهم مع الزمن الماضى الذى زينته لهم الذاكرة فازالت نتوءاته وخففت توتراته .
ميزة كتاب القصة فى السبعينات وما قبلها بقليل هى انغماسهم فى الحاضر ونظرتهم الى الماضى من خلال الحاضر لاكتشاف رواسب الماضى فى البيئة وفى نفوس الافراد ومتابعة مفعولها السلبى أو الايجابى فى تطوير الحاضر حتى يتطلع الى المستقبل وينزع اليه . فالحاضر الذى يتعاملون معه متوفر تهزه صراعات داخلية . يقول عز الدين المدنى :
"وزمننا هذا لا يشبه أى زمن مضى فهو عصارة الماضى وتوتر الحاضر واشعاع المستقبل " ( 9 ) .
ويقول فى نفس الدراسة موضحا المسلك الذى سلكه مع عدد من كتاب جيله : " ادب لا يخضع للشرق ولا للغرب تونسى عربى . فكر يتضمن القيم الانسانية القارة كالحرية والعدالة ويلوذ بها . خلاق شاب دوما يتحاور مع التراث ويراجع التاريخ ويحاسب مساره " (10) .
كتاب "خرافات" يضع اللبنات الاولى لنوع مميز من التحاور مع الماضى والتفاعل معه . فالماضى كامن فى أنفسنا وماثل فى بيئتنا التى تكنفنا . والنظرة اليه والى التراث الذى افرزه ينبغى ان تكون نظرة فاحصه وناقذة تنتخب منه العناصر الايجابية فتوظفها فى الحاضر وتبعد العناصر السلبية التى تعرقل مسيرتنا انطلاقا من القيم الثابتة القارة التى يدين بها البشر قاطبة كالحق والعدالة والحرية .
وليس من باب الصدفة أن كان عنوان أول مجموعة قصصية لعز الدين المدنى " خرافات " لان أول ما يعترض الانسان فى تعامله مع التراث قضية الحق والباطل والخرافة حسب تعريف القاموس المحيط هو الحديث الباطل مطلقا .
أساطير القوم ولو كانت باطلا مطلقا هى جزء من كيانهم لا يمكن لهم أن يتخلصوا منه وقد تكون صالحة ودافعة الى النمو بشرط أن تعاد قراءتها وصياغتها وقد غذت شعوبنا وحافظت على قيمنا وكونت فى قرارة أنفسنا عالما خرافيا هو من واقع أنفسنا . وقد أعاد عز الدين المدنى فى خرافات كتابة قصة " رأس الغول" الشعبية وقصة " مدينة النحاس " من قصص " الف ليلة وليلة " .
ويمتزج فى البيئة التى تحتضننا الماضى بالحاضر امتزاجا يحيرنا فلا بد من تحليل الاسباب التى أدت الى التكديس والفوضى حتى نعوض التكديس بالترتيب ونحول الفوضى الى تنظيم وتناغم بين عناصر ماضينا الموروثة فى ما بينها وتناغم بين طرف عيشنا فى حاضرنا وما وظفناه من عناصر ماضينا .
يقول عز الدين المدنى معبرا عن حبه لمدينة تونس القديمة واسفه لما آلت اليه :
"ولشد ما أحببت هذا الحى التقليدى . . برمضانه الصاخب وعيديه الزاهيين بالخضرة والدماء وبمواسمه وحفلاته وبأعراسه ومأتمه وبكتاتيبه ومدرسته القرآنية ويدياره البائسة المنحنية ومنازله المتطاولة وبخمارته المستورة وبعطره ويشمسه وبوحله وبروائح توابله وبايمانه وبكفره وبصومعة مسجده الجامع التى يسمو بروحها المؤذن صباح مساء الى عنان السماء .
لم هذا التحسر ؟ أو لم يمض ذلك العهد الحبيب ؟ وما بقى منه ؟ لقد حطمت وهدمت اركانه وكسرت وخربت اسسه ولم يبق منه الا هذه الاكداس من التراب والحطب والحجارة وبقايا ماعون وشبابيك وسبع آبار مهجورة مكث فى اغوارها ماء عكر وطحلب السنين " ( 11 ) .
ومما ينبغى لفت النظر اليه هو أن عز الدين المدنى ومن لف لفه من كتاب جيله لا بنصاعون للمعايبر الشكلية التى راعاها الجيل السابق من الكتاب . فقصصهم لا تشتمل على عقدة وليست لها خواتم وهى مع ذلك قصص ترمى الى تشريك القارئ فى طرح الاسئلة ودعوته الى قطع مسيرة ما يحدد القاص مسافتها . يقول عز الدين المدنى موضحا ذلك الموقف المتمرد :
"ما دخل الاصالة فى خواتم القصص ؟ الاصالة هى نبوغ الكاتب هى حدسه وذكاؤه هى من الناحية الاخلاقية والفلسفية أو التفكيرية اتخاذ موقف معين . . . انا لا أرغب البتة فى كتابة الخواتم لان قصصى أسئلة . القصة هى عبارة عن سؤال يطرح على القارىء . هي لون من الحوار " .
فالتجديد فى المضامين تصحبه ثورة على الاشكال الموروثة من ماضينا أو المستوردة من الخارج .
هذا هو النفس الجديد الذى هب فى الساحة الادبية .
وقد شعرت مجلة الفكر - على عادتها - بانها تشهد حدثا ثقافيا ذا أهمية يمثل منعرجا فى مسار القصة التونسية معادلا فى خطره المنعرج الذى تبنته ورعته فى سنة 1959 عندما نشرت رواية " افلاس أو حبك دربانى " للبشير خريف .
فنرى مجلة الفكر تنشر فى شهر ماى 1968 قصة " نحن هنا يا أمى " لسمير العيادى وتقدم بالخصوص ابتداء من شهر نوفمبر من نفس السنة على نشر قصة " الانسان الصفر " لعز الدين المدنى .
نحس عندما نقرأ قصة سمير العيادى بحساسية جديدة فيها رقه وجرأة وبخيال عنيد يخترق الواقع ليسبح فى الآفاق المجهولة لان الواقع مرير مرفوض وبطريقة فى التعبير تفضل الايحاء على التصريح :
طفل حرم حنان أمه لان أباه طلقها ودفع الصبى الى جدته ترعاه بدلا من أمه . الاب قوى عنيد يمارس دائما سلطته الابوية مع ابنه فلا يخاطبه الا مانعا أو رافضا . والباطل مر يرفضه الطفل :"جدتى ليست والدتي . أنا أحب أمى " والطفل سجين محاصر لا يسمح له أن يخرج من الزقاق ليرى النور ويحقق الحلم الذى يتوق اليه بكامل وجدانه :" أمى يا أبى من الشمس الناصعة ولا بد أن أجمع الاخشاب لابيعها وأشترى بالمحصول ذلك الحصان الاخضر . هل تعلم يا أبى أنى سأركب ذلك الحصان لاغرق فى أفق أمى ؟ أحبك يا ابنة الشمس " .
أما قصة " الانسان الصفر " لعز الدين المدنى التى نشرت منها مجلة الفكر ثلاثة أجزاء فانه حملها كثيرا من أفكاره واختياراته الادبية بلهجة عنيفة جريئة لا تخلو من الاستفزاز والتحدى وضمنها العديد من اهتماماته الفلسفية التى تنطلق من اقليدس وسقراط لتنتهى الى تأملات حركة التصوف الاسلامى مرورا بنظرية العناصر الأربعة كما طرحها أعلام الفلسفة الاسلامية . وتلاعب فيها باللغة وأحرفها ولو انه شكل النص شكلا تاما وحشر اللغة العامية فى سياق خطابه وأدخل فى النص النقط والسطور والاشكال والصور .
ولا غرابة أن اثارت هذه القصة انتقادات شديدة ولاذعة نجد صداها عند المدنى فى مسرحية الحلاج التى كتبها فى سنة 1973 بعيد الحملة الصحافية التى استهدفته . يخاطب حامد بن الحسن أمين سوق الكتب حلاج الحرية قائلا :
" لن نشترى منك هذا الكتاب ولن ننسخه ولن نوزعه . . . لانك تخطئ فى النحو والصرف ولا تحترم قواعد الرسم ولا تعترف بالبلاغة وتعدو على الشعر وتكسره . احترم تراثنا يا حلاج ... وهذه الرموز التى حشرتها بين
السطر والسطر وتلك الرسوم الملونة التى أضفتها الى الهوامش والفقرات ؟ أهى من طلاسم السحرة أو من حروف العرافين " ( 12 ) .
من الصعب أن نعد " الانسان الصفر " من بين القصص ولو أن صاحب النص جعل له عنوانا اضافيا وهو : قصة تجريبية فانا أميل الى اعتبار النص "بيانا" لنظرية الكاتب واختباراته الادبية . تغلب عليه اللهجة الخطابية .
و " الانسان الصفر " يكتسب أهميته - فى نظرى - من أمرين اثنين :
أولاهما انه أول أثر أدبى لفت النظر بوضوح وقوة الى الدور الاساسى الذي يلعبه التراث الشعبى بمختلف أوجهه - اذا استوعبناه حق الاستيعاب دون استنقاص له ولا استهجان - فى اعادة بناء الشخصية العربية التونسية المتأصلة فى تربتها وفى شحذ قرائح المبدعين وتجديد رؤيتهم الى الامور .
وثانيهما أن النص فى عنفه وتوتره واقتحامه للحدود والحواجز يمثل أقصى نقطة انتهى اليها فى تجربته الادبية الصارخة المتمردة وان تجربته على غرار التجارب السابقة فى العالم بدأت تتحول الى مسيرة أخرى يفرضها ارتطامه بحدود التجربة التى وصل بها الى منتهاها . وان الكاتب يشعرنا بانه يستعد للابتعاد عن القصة والانقطاع الى الكتابة المسرحية . فنجد فى الانسان الصفر اشارات الى موضوعات وقضايا سيتناولها فى مسرحياته فى السبعينات :
" وصلبنا الحلاج . . . أما صاحب الحمار فقد حاصرنا على حماره القصير العجوز الاشهب يوم كنا بحضرة تونس وعليه جبة رثة وحول عنقه مسبحة من ودع ووجهه أغبر وشعره أشعث كأنه الجن . كانت حياته وحياتنا يومئذ مساء غسقا طال ثلاثين سنة من الظلم والظلمات " ( 13) .
جيل السبعينات
هدأت موجة القصة التجريبية التى تعاطى كتابتها فى من تعاطاها عز الدين المدنى وسمير العيادى فالاول انقطع لكتابة المسرحيات مواصلا تحاوره مع
التراث والثانى خصص أكثر جهوده للمسرح مستوحيا موضوعات مسرحياته من التراث الشعبى العامى .
ولكن القصة ذات الطابع الواقعى استمرت مع محمود بلعيد ومحمد صالح الجابرى ومحمود طرشونة وجميعهم نشروا قصصا فى مجلة الفكر فى السبعينات .
نشر محمود بلعيد قصة " قبة وبطحاء "( 14 ) :
يعود بنا محمود بلعيد فى قصته الى أيام صباه فى حى من احياء تونس العتيقة قلبه النابض بطحاء المرجانية التى كانت ترعاها قبة سيدى على المرجانى بطحاء تتدفق فيها الحياة ويلعب فيها الصبيان تظللها من كل جوانبها اشجار الكالاتوسن . ويسكن بالحى أناس من مختلف الاجناس والاديان متعايشين متعاشرين يحترم بعضهم بعضا فالمسلمون يؤمون الجامع والنصارى الكنيسة . صور حية من حياة حى عتيق كما يصورها نظر طفل برئ يحن الى عهد عرف فيه الاطمئنان . ويصدر قرار ازالة الحى القديم وتعويض البيوت الدافئة المطمئنة بالعمارات الفاقدة للروح . ويقلع شجر الكالاتوس وتسوى القبة . بالارض ويطوى السجل . هكذا الايام .
أصدرت " الدار العربية للكتاب " سنة 1984 مجموعة قصصية لمحمود بلعيد بعنوان " اصداء فى المدينة تتضمن قصة " قبة وبطحاء " " . وهذه المجموعة فى نظرى هى من أرق وأجود ما كتب عن مناخ مدينة تونس كما عرفناه فى صبانا وشبابنا .
أما محمد صالح الجابرى فانه نشر فى مجلة الفكر قصة " أحراش الشوك " (15) وقصة " صفحة خاصة باعلانات الموتى" ( 16) .
تميز هذا الكاتب بميله الى كتابة الرواية فقد نشر فى السبعينات اثنتين : " البحر ينشر ألواحه " ( 17 ) و " ليلة السنوات العشر " ( 18 )
أيضا الى كتابة القصة . ويمتاز بالدقة فى الوصف وحلاوة الاسلوب وما يضفية بها قصصه من شاعرية رفيقة وروح مرحة فيها تهكم خفيف يستوحيه من غرابة الاوضاع التى يشاهدها .
يقص علينا فى "أحراش الشوك" ما جرى لصديقين فقيرين أعزبين سكنا معا شقة فى عمارة . احدهما أشقر والاخر أسمر . وتعترضهما فتاة فى درج العمارة . ويقع الاشقر فى حبالها ويتوقع أنها هى أيضا لها اليه ميل . وقرر مراسلتها ولكنه عاجز عن الكتابة فكان الاسمر هو الذى يراسلها وتراسله ظنا منها أنه الاشقر حتى يفتضح الامر .
ويحدثنا فى قصة " صفحة خاصة باعلانات الموتى " عن شيخ كان مغرما بالدفائن يسعى اليها طول دهره ولا يقرأ من الجريدة الا الاعلانات عن الموتى ويعجبه منها ما حرر باسلوب مزخرف متصنع فأوصى ابنه بأن ينشر عندما توافيه المنية اعلاننا تفجعيا منمقا مزخرفا على غرار ما كان يعحب به منها . وتوفى الشيخ ونفذ الابن توصية أبيه بأمانة وأحس بانه موهوب فى هذا الفن فذهب الى مدير الجريدة التى كان يقراها أبوه عارضا خدماته واقنع مدير الجريدة بانه قادر على توفير أرباح طائلة للجريدة وذلك بوضع اعلانات تفجعيه مؤثرة باسلوب أنيق ومزخرف . وانتهى الامر بأن اصبح الفتى مختصا بتحرير اعلانات الموتى وموضوعا من قبل الجريدة على ذمة أهالى الموتى الذين يريدون الاعلان عن موتاهم .
وأما محمود طرشونه فقد نشر قصة " أمومة " ( 19) وهى قصة تمتاز بشعور مرهف واسلوب منخل أنيق وتتطرق الى حالات مختلفة من آلام الام عندما تصاب فى صبيها سواء اكانت الام حيوانا أم بشرا .
ان تتبع الانتاج القصصى فى مجلة أدبية جامعة مثل مجلة الفكر صدرت بانتظام طوال ثلاثين سنة ليس بالعمل الهين ولا يأمن صاحبه الزلل والتقصير .
حاولت أن أقدم المراحل التى قطعتها الرواية والقصة فى تونس وأعرف بأهم الكتاب وأهم النصوص وذلك من وجهة نظرى وعبر ما نشر فى مجلة
الفكر . وأنا أعلم أنى لم اتعرض لقصاص لم ينشروا نصوصا فى المجلة وكان لهم اسهام فى تطوير القصة فى تونس واخصابها . وأنا أعلم أيضا انى لم أستوف حق أولائك الذين تعرضت الى انتاجهم فى المجلة لان ذلك يستدعى دراسات مستقلة ولان الحديث عنهم بصورة أشمل يتجاوز حدود هذه المقالة . ولكنى عبرت بصدق عما أحس به شخصيا فى تحاورى مع ابداع ثلة من كتاب القصة عاشرت كثيرا منهم وتربطنى ببعضهم صداقات غالبت الزمان وطالعت انتاج جلهم بشغف عند صدوره وذلك طول سنين عديدة .
وان هذا العمل غرس فى نفسى الشوق الى توسيع الرؤية وتعميقها . وأتوسل الى الله عز وجل أن يساعدنى على تحقيق ما أصبو اليه خدمة لانتاج أدبى خصب ومتأصل فى واقعنا يفتقر الى التعريف به بصورة أشمل وأعمق .
