الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

القصة والرواية عند العروسى المطوي

Share

الادب الروائى عند الاستاذ المطوى هو أدب تنتفى منه الشروط الادبية التى يلتزمها الادباء الآخرون فى رواياتهم .

فالمطوى لا يحيط نفسه بما تعارف عليه اهل الادب من التزامات فنية ، ولا بقيود مسطورة ، لانه يرى فى الشروط الادبية المتعارفة حدا من الحرية - لا حرية الابتكار ، بل الحرية التى تمكنه من نقل قصة الانسان كما هى مكتوبة فى الحياة ، لانها قصة كتبها الناس جميعا .

يقول فى مقدمة روايته (( ومن الضحايا )) : (( وقد تبحث انت - أيها القارئ - عن تلك الاصول الفنية وتحاول تطبيقها على ما ستقرأ من صفحات . أما انا فما يعنينى شئ من ذلك ، الذى يعنينى فقط هو أن أنقل اليك هذا الحديث كما هو مسطور فى قصة الحياة ، هذه القصة التى نقرأ منها جميعا ، ونساهم فى تاليفها جميعا )) . (1) -

فها هنا يلتزم الكاتب الواقعية التزاما . لا لأنه يتعشقها لذاتها ، بل لانها نمكنه من تصوير الانسان التونسى عامة ومجتمع الريف بصفة خاصة فى فترة من فترات الاحتلال الفرنسى ...

فالواقعية الروائية عند المطوى هى وليدة الظروف الاجتماعية السيئة التى عايشها الكاتب ابان الخمسينات وما قبلها . والتى يرى أنها الطريقة المثلى لاعطاء صورة واضحة عن فترة من فترات الحياة التونسية للقارئ وللتاريخ على السواء . (2) أضف الى ذلك ان القصة والرواية التونسية فى الفترة التى

كتب فيها المطوى لم تعرفا بعد تماما التقنية الفنية التى عرفتها القصة أو الرواية الغربية .. ومما يؤكد هذا تغير المنحى الفنى عند العروسى المطوى فيما كتب من أقاصيص فيما بعد . ولاجل التزامه بالواقعية فى الرواية كانت المواضيع ممتازة بالوضوح ، وموضوعة فى اطار الريف الذى وصفه الكاتب وصفا خارجيا اشعرنا بثقل الجو الذى يخيم على الريفيين أو القرويين فى الجنوب .

فالمواضيع فى رواياته تصف التفاوت الطبقى بين ابناء الشعب انفسهم ، وبينهم وبين الاستعمار .

ففي رواية حليمة (3) نلاحظ نقمة الام على شيخ التراب لانه حرم ابنتها حليمة من الاكل مجانا فى المدرسة ، وتتعدى نقمتها هذه الى الاغنياء الذين يملكون كل شىء فتقول ناقمة : (( زوج خديجة يبذر قفيزين من القمح ، وقفيزا كاملا من الشعير . نعم قفيز كامل من الشعير يدسه فى التراب ، قد يأتى وقد لا يأتى بشئ ، آه لو كان عندى قفيز شعير فى بيتى )) (4) .

وكما تنقم أم حليمة على سوء الطالع والفقر ، تنقم مبروكة ابنة الشيخ مفتاح فى التوت المر (5) على عدم وجود العدالة الاجتماعية فهى ترى أن الذين يعملون ويكدحون لا ينالون نصيبهم ، أما القاعدون المستكينون يعيشون فى البذخ والريش (6) . ومثل هذا الموضوع الثورى نجده فى (( ومن الضحايا )) فالشاب الذى يخاصم صاحب مستعمرة الهكتار هو شاب ثار على الظلم والحيف الاستعمارى ، لذلك انطلق يقاوم هذا المعمر الذى سلب أهل الجهة أرضهم ، وهو يندفع لاجل تحقيق الغلبة عليه الى تحدى كل القوى المعارضة حتى من أهله

ثم نجد موضوع الصراع بين الآباء والبنين فى رواية التوت المر . فابراهيم يقف عرضة لابيه فيحرق متجره لا لشئ الا لانه لا يتفق معه فى المبدأ والمعتقد والمطامح .. وفى الروايات الثلاث : ومن الضحايا - وحليمة والتوت المر . نجد الموضوع الاساسى هو موضوع الاستعمار .

فحليمة قد قتل أبوها ظلما من أجل زهرة اقتطفها من الارض التى افتكها أحد المعمرين .. فيدفعها ذلك الى ان تنخرط فى المقاومة ، وكان ذلك فى المرحلة الثانية من حياتها فى تونس .. فتأتى بالاعاجيب على حد تعبير الكاتب.

وفى (( ومن الضحايا )) يقاوم الشاب بمقاومة صاحب مستعمرة الهكتار بروح الشباب الحارة وبوطنية وقادة .

وفى التوت المر يكون عبد الله الفتى الامى جمعية اصلاحية هى جمعية (( انقاذ الشباب )) وذلك لمقاومة التكرورى ، الذى تفشى خطره في الجهة مدفوعا بمعرفته العميقة لنوايا الاستعمار الذى يريد ابعاد الناس والشباب على الخصوص عن واقع الحياة الاجتماعية المؤلم ..

ونجد الكاتب يحاول اشعارنا فى هذه الروايات الثلاث بأن الاستعمار هو سبب الحياة الضنكة التى يحياها الناس ، وهو سبب ماران عليهم من عادات وتقاليد وتضرع للأولياء (7) وتعلق بالاوهام الباطلة ، حتى كان الحياة كهف مظلم ، يقضى الناس فيه أعمارهم فى صراع مع ما يخلقونه من وهم ، وما ببتدعونه من زيف ، فتضيع بذلك فرصة الحياة الثمينة فى متاهات الغيبوبة والاسطورة .

والمطوى يقوم بهذا النمط من الكتابة الروائية الوطنية مدفوعا بغايتين .

الغاية الاولى اصلاحية - اصلاح المجتمع الفاسد ، واشعاره بوجوده ودوره فى الحياة ، فيكون من ثمة هدف الكاتب من كتابته : التبليغ دون نظر الى التقنيات الفنية ، ولعل هذا ما يفسر لنا انتهاجة المذهب الواقعى باعتباره أقرب المذاهب الى مفاهيم الناس وعقولهم .

والواقع ان معاصرة الكاتب لفترة الاستعمار جعلته يسرد لنا الاحداث بطريقة ليست هى طريقة الخالق المبتكر ، الذى يقدم على عمل فنى لا يعرف منه شيئا ، فيضطره ذلك الى النظر فى الطريقة الفنية وفى كيفية تخير الاحداث ، بل هو يقوم بدور الحاكى خاصة فى رواية (( ومن الضحايا )) - الذى يحفظ الاحداث مسبقا ، فيقوم فقط بتنظيمها وتنظيرها وسبكها ، واكسابها منطقية الحدث والزمن .. والكاتب بهذا مدفوع بماض اليم عاشه مع الشعب مما جعله فى رواياته يهتم بالناحية الاصلاحية اكثر من الناحية الفنية .. يقول الراوى

فى رواية (( ومن الضحايا )) : (( كان السواد يمثل له أنى سار . ففى الطريق اعوجاج البشر ، وظلم الاحكام ، وقساوة الطغاة ... وفى المعهد جمود الفكر ، وتبلد الاذهان ، وتحجر العقول . وفى مسقط الرأس البلية الكبرى : أوهام وخرافات ومشاحنات خضوع وتقرب لمن يدس لهم السم فى الدسم ، ويعمل ليله ونهاره على أن يخرجهم من أرض الجدود حفاة عراة )) . (8)فالواقع الاجتماعى الذى تناوله المطوى فى رواياته هو الذى جعل من الرواية عنده نفسا من أنفاس الواقعية الغاضبة (9) وهو الذى دفعه الى التشهير بالاستعمار والاستغلال اينما كان .. وهذا الشعور الوطنى الصادق جر الكاتب الى الخروج فى كتاباته من البيئة التونسية الضيقة الى وطنه العربى الواسع فذكر من ثمة لمحة فى مستهل (( التوت المر )) من مأساة الشيخ مفتاح مع الطليان فى ليبيا . واهدى مجموعته الشعرية (( فرحة الشعب )) الى ابنته احسان بلهجة مليئة بالصدق ،

قد تفسر لنا سبب مهاجمته للاستعمار فى رواياته وسبب مقته له ، بأعتباره يستغل الانسان ويستذله . يقول الكاتب مخاطبا ابنته : عندما بدأت تدبين على الارض ، كانت أقدام الاستعمار تدعى التمكن من وطننا الحبيب . لكن سرعان ما شاهدت عيناك تزلزل تلك الاقدام ، بعدما سمعت أذناك لعلعة الرصاص ، وصيحة الشعب .. وتساءلت مرة عن جبال الاطلس وثورة الجزائر ثم كنت بقاهرة المعز لما قام العدوان الثلاثى على مصر ، وسمعت أزيز الطائرات وطلقات المدافع .. وفى بغداد هالتك الجموع الحاشدة والجماهير الهاتفة . فكانت لك تساؤلات واستيضاحات . وعرفت أن الشعب (( ثار )) .. ففهمت كيف تفرح الشعوب عندما تتحقق لها الآمال . )) (10)

فالعاطفة الوطنية الصادقة هى التى جعلت ظل الاستعمار يخيم على الروايات الثلاث ، لا لشئ الا لان الكاتب يمقته لذاته ، علاوة على أنه استذل أمته الكبيرة

والصدق الوطنى عند الكاتب هو الذى جعل الرواية عنده تنزع المنزع الاصلاحى . فكان من ثمة أبطاله أنفسهم ينزعون الى الاصلاح . يقول الراوى عن الشاب الذى كان خصما لصاحب مستعمرة الهكتار : " وبرق للفتى أمل فى الاصلاح . وكان الفتى صريحا وكان عنودا . ولهذا أقدم على الاصلاح بشئ من

العنف ، مع شئ كثير من قوة الحجة ووضوح البرهان )) (11) فالغاية كما يظهر من هذا القول هى اذا اصلاحية .

والغاية الثانية التى يهدف لها الكاتب فى رواياته هى غاية تاريخية . فهو يؤرخ الاحداث ، مما جعله فى كثير من المواقف يضع حتى تواريخ الاحداث (12) ويعين أماكنها ، أو يذكر بعض أسماء من الذين ماتوا أثناء المظاهرات . وهذا الذى جعل الكاتب يسرد فى كثير من المواقف كذلك الاحداث على لسان الابطال سردا تقريريا . فيحمل بذلك الابطال من المسؤوليات ما لا يتناسب مع وضعهم الاجتماعى ومستواهم الذهنى . فتسرد أم حليمة - وهى المرأة الجاهلة - فوق العين لنساء القرية أخبار أهالى سوسة ، وشأنهم مع الاستعمار عندما قطعوا الاسلاك الهاتفية ..

كما يجعل الكاتب من حليمة الفتاة القروية البسيطة امرأة كاملة النضج الفكرى والسياسى ، فتندفع فى سلسلة من المغامرات مع الاستعمار ، متناسية طفليها ...

والواقع أن الكاتب أراد أن يجعل منها أنموذج المرأة التونسية الواعية بمشاكلها السياسية والوطنية ، القادرة على أداء واجبها كاملا نحو بلادها .. ويظهر تدخل الكاتب فى اعطاء حليمة من ورح الوطنية ما لا يمكن أن يؤتى لمثلها من نساء الريف البسيطات ، الحديثات عهد بالحياة المدنية والسياسية .. حتى أنها تكاد تخرج عن جنسها فترفض حديث النساء الذى لايتصل بشؤون البلاد وحالتها السياسية . (13) وقد جعل الكاتب دخول حليمة الى المستشفى تعلة ليبين أن لكل واحد من المرضى قصة مع الاستعمار . كما أن عبد الله الشاب الريفى البسيط جعله تدخل الكاتب من المصلحين الذين يقاومون الاستعمار والأوضاع الاجتماعية الفاسدة .

ففى ص 150 من التوت المر نجد عبد الله نفسه ، الذى لا يعرف شيئا خارجا محيط قريته بدليل أنه طالما سأل محمودا عن مشاهداته فى تونس التى يراها عجيبة . فاذا به ينقلب فجأة فى الرواية الى شخص يعرف كنه الاستعمار

ونواياه فيقول ناقما عليه : (( فرنسا تمنع التكرورى فى بلادها ، لكنه هنا مباح )) : (14) . فشخص كهذا عرف البواطن كان عليه أن يدخل فى المقاومة الجدية - مقاومة السلاح . ثم نجد عبد الله يجاهر أمه وأباه بحبه لعائشة مما لا يتماشى وعادات البيئة القروية خاصة فى زمن ما قبل الاستقلال ، الذى ما زالت فيه العادات تسير أغلب البيئات وكذلك عبد الله فانه لم يكن من المثقفين مثل محمود الذى وصل الى السنة الثانية ثانوى ، مما يهون الامر عندما يقوم هذا بثورة ما ، على التقاليد اذا ما أتيح له ذلك .

وتذكرنا الصورة الجمالية التى أظهر الكاتب لنا فيها عائشة وهى تحت التوتة - تذكرنا بنفس من أنفاس الرومانيين (15) من حيث اختلاط جمال المرأة بجمال الطبيعة .

والحقيقة أن الفن الروائى فى التوت المر هو متطور بالقياس الى رواية (( ومن الضحايا )) ورواية (( حليمة )) فألادوات الفنية فى التوت المر مكتملة أكثر .

فأبطال الروايات هم من الطبقة السفلى المحرومة من ضروريات الحياة ، رغم ما تقوم به هذه الطبقة من عمل كثير لا يكفيها ذل الحاجة . ولعل هذا ما أثار النقمة فى صدورهم ، وجعلهم يوافقون فى منزعهم ذوى النزعة الاشتراكية اذ أنهم ثائرون على الظلم والحيف الاجتماعى مهما كان نوعه .

والاطار الروائى الذى يتخبط فيه ابطال المطوى هو اطار الريف او اطار القرية . ولظروف الحياة الريفية الخاصة فهم كثيرا ما يلتزمون بنظام سلوكى وحياتى يمتاز بالقساوة على النفس وعلى الغير .

ومن خصائص هؤلاء الابطال أنهم محبون للمثل العليا ، ويمتازون بالطموح والتمرد ، لا يرضون بما هو موجود ، بل يعملون على اخصاب الواقع وتغييره. كما انهم يمتازون بالتضحية فى سبيل هدف سام يسعون اليه بلا أناة ... وهم يمتازون كذلك بالرجولة وبالتضحية فى سبيل الغير ... فعبد الله فى رواية التوت المر يتزوج بعائشة الكسيحة رأفة بها وحبا فى اسعادها ، لانها فى اعتباره لن تجد زوجا اذا لم يضح هو لاجلها .

وعبد الحميد فى رواية حليمة يدفع بنفسه وبزوجه للتضحية فى سبيل الوطن دون اعتبار لطفليهما ... ودون اعتبار لتضرعات ابيه وأمه . اما نفسياتهم فهى تمتاز ببساطة ريفية ويعاطفة سامية ، تدفعهم مباشرة الى الهدف الذى يرسمونه ولكن الكاتب لم يتعمق فى هذه النفسيات ، بحيث يبين لنا الرغبات الكثيرة المضطرية فى نفوسهم ، بما فى تلك الرغبات من تشابك وصراع ، ينتج عنهما الموقف المأسوى فى الرواية . (16)

أما خواتم الروايات الثلاث فهى تختلف عن بعضها اختلافا ظاهرا . فرواية حليمة تبقى مقتضبة فى الآخر مما يجعل خاتمتها خالية من التأثير . أما رواية (( ومن الضحايا )) فتختم بخاتمة مأسوية اذ يجن البطل بعد أن يفشل فى مسعاه .

لكن الخاتمة فى التوت المر هى ميلود رامية يختلط فيها الحزن العميق بالفرحة العارمة مما جعلها مؤثرة الى حد معين .

- الاقاصيص :

أما لو نظرنا فى انتاج الاستاذ المطوى القصصى ، فان المفاهيم الفنية التى التزمها فى الرواية تتلاشى تماما من أقاصيصه . فلم يعد الكاتب ملتزما بالمذهب الواقعى ليوضح من خلاله حقيقة المجتمع وأوضاعه ، ولم يعد يتهرب من القيود الفنية التى كان يراها فى الرواية عاملا من العوامل التى تصده عن سرد قصة الانسان كما هى مسطورة فى واقع الحياة .. بل صار يبتعد عن هذه الواقعية عن طريق استعادة الذكرى بواسطة الحديث الباطنى . كما هو الحال فى قصة (( أم البط ))

ولم يعد الاطار القصصى ذلك الاطار الريفى الساذج الذى نجده فى الرواية، والذى يمتاز بالعفوية والبساطة ، بل أصبح اطار الاحداث فى أقاصيصه هو اطار المدينة بما فيه من تعقيد حضارى واجتماعى .. فصور لنا الكاتب فيما صور الحلفاوين وشارع بورقيبة وبعض مقاهيه مثل الروتند ، كما يتجلى هذا

فى قصة (( التجربة الثانية )) . (17) . واختلفت مواضيع الاقاصيص عن مواضيع الروايات تبعا لاختلاف الاطار والظروف الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية .

فعالج الكاتب فى قصة (( التجربة الثانية )) موضوع الاستغلال للنفوذالشخصى ومظاهر التناقض بين المواطن البسيط والشخصيات العليا . . فهى قصة تصور صراع الطبقات .. وفى قصة (( طريق المعصرة )) يبسط الكاتب مشكلة الشاعر والمرأة ، أو مشكلة الفنان الطموح الناظر دوما الى النجوم ، والمرأة الملتصقة بالارض . وفى قصة (( بى خفض )) التى نشرت بمجلة المجلة المصرية عالج قضية الصراع الثقافى أو التزاوج اللغوى ..

أما قصة (( أم البط )) فموضوعها يتناول قضية الذوبان فى الكيان الاجنبى .. فبطلها شاب تونسى يدرس فى باريس ثم يرجع الى تونس بمقومات أجنبية تتنافى مع مقومات شعبه وببيئته .

وكما تغير الاطار والمواضيع فى الاقاصيص تغير كذلك الابطال اذ انتقل الكاتب من تصوير حرمان الفلاحين والقرويين ، الذى لمحناه فى الروايات السابقة ، الى تصوير ابطال مدنيين يخالفون فى مظهرهم واخلاقهم ونظرتهم للحياة ، ابطال روايات القرويين البسطاء .. فلم يعد لذلك ابطال أقاصيصه من المحرومين الذين يعيشون على هامش المجتمع ، بل أضحى أبطاله من ذوى المكانة الاجتماعية المرموقة مثل مدير الشركة فى قصة التجربة الثانية . لكنهم على مكانتهم هذه يشكون عقدا نفسية عميقة ، ويعانون مشاكل اجتماعية تثقل كواهلهم . وتثير فى اعماقهم توترا نفسيا ...

والتعقد النفسى الداخلى للابطال كثيرا ما ينكشف لنا عن طريق الحديث الباطنى أو عن طريق الحوار .. بحيث نستشف ما فى دواخلهم من خلال الوضعية القاسية التى يرمى بهم فيها الكاتب .

ويبلغ الحوار أوج تطوره فى قصة (( طريق المعصرة )) التى تكاد تكون نصا مسرحيا لان الحوار قد ابتلعها ، وهى شبيهة تماما فى اسلوبها وحوارها وموضوعها بقصة راعى النجوم لعلى الدوعاجى . اذ كلتا القصتين تدور بير شقين متقابلين - رجل وامرأة . وكلا الكاتبين يستعمل ضمير الغائب عوض عن الاسم . غير ان الفرق بين القصتين هو ان الحوار فى قصة الدوعاجى يدور فى نفق مظلم ، بينما الحوار فى قصة المطوى يدور فى سيارة تجرى .

فالبطل فى طريق المعصرة غريب الاطوار يتعشق ما لا يعشقه الناس ، بينمما البطلة تتمسك بالدفاع عن حقوقها العاطفية وهى تمقت الطريق الذى اختاره رفيقها :

هى : لا أحب هذا الطريق هو : انه يعجبني ... انه طريق المعصرة هى : معصرة قلبى ؟ هو : لا يا فلانة هى : به هذه الرائحة انها تزكم . هو : لا مر ما أحب هذه الزكمة .

وبطل الاستاذ المطوى فى هذه القصة نفسها يتعلق بالبدر كما يتعلق بطل الدوعاجى بالنجوم ، وبينما المرأة فى كلتا القصتين تبقى ملتصقة بالواقع فان البطل فى كلتيهما يبتعد عن الواقع المادى ليسمو الى عالمه الشعرى .

وتظهر براعة الكاتب فى الحوار خاصة فى سرعة تغير الموقف لكل من المرأة والرجل أثناء المحاورة .

أما من حيث تكثيف الاحداث فالاقاصيص تختلف فى ذلك . فنجد الاحداث على غاية من التكثيف فى قصة (( أم البط )) وقصة (( بى خفض )) . بينما تكون هذه الناحية اخف فى قصة (( التجربة الثانية )) .

والوصف الخارجى لابطال الاقاصيص يكاد يكون وصف ابطال الروايات اذ الكاتب لا يعطينا من صور ابطاله الا ما يعيننا على فهم ما سيسرد لنا من احداث . الا ان ابطال الاقاصيص يختلفون عن ابطال الروايات من حيث الوعى الاجتماعى . اذ لم تعد لهم تلك السطحية التى نجدها فى ابطال الروايات .. وقد صارت الناحية الفنية عميقة حتى تصل أحيانا الى حد الاشكال .

فالاستاذ المطوى يحاول فى رواياته ان يجعل الادب مؤثرا فى الحياةوالمجتمع لذلك قد اتجه فى رواياته اتجاها اصلاحيا او تعليميا حسب تعبير الاستاذ عبد الله القويرى .

أما فى أقاصيصه فهو يحاول أن يقدم لنا المضامين الاجتماعية بمشاكلها مبطنة فى ثوب فنى ممتاز .

واعتقد ان هذا الاختلاف بين القصة والرواية عند الكاتب هو عين الاختلاف بين فترة الاستعمار وفترة ما بعد الاستقلال .

وبسبب اتجاه الكاتب فى رواياته اتجاها اصلاحيا فهو يمثل امتدادا لأدب الرواية والقصة فى تونس فى طورها الاول الذى يمتد من بداية القرن حتى الثلاثينات ، وطورها الثانى الذى يمتد من الثلاثينات الى الخمسينات . اذ كان الادب فى هاتين الفترتين أدبا إصلاحيا يقول الغزو الاجنبى ويشهر بالاستعمار ولنا أمثلة عديدة من الآثار مثل رواية دوار نيار (18) لسليمان الجادوى وأقاصيص (( حديث شاب مسلم مع بارسيات حسان )) (19) و (( من ضحايا الانقلاب )) (20) و (( خبر أكلة البشر )) (21) لزين العابدين السنوسى .

فهذه الروايات والاقاصيص فى الطور الاول والثانى من حياة الأدب التونسى كلها تدافع عن الذاتية التونسية ، والاخلاق القومية ، وهى نفس المواضيع تقريبا التى لمسناها فى روايات الاستاذ العروسى المطوى التى هى ايضا تدافع عن الكيان التونسى ، بالاضافة الى أنها تقاوم الشعوذة (22) وروايات المطوى من حيث المذهب تمثل امتدادا للأدب الواقعى الذى ظهر فى الفترتين المذكورتين والذى تطور بالخصوص مع الدوعاجى والبشير خريف والطيب التريكى ورشاد الحمزاوى . وغيرهم من الكتاب مع اختلاف بين المطوى وهؤلاء فى الفنيات والاسلوب على الخصوص .

فيمكن أن نقول أن الادب الروائى عند المطوى غير متطور تماما وربما كان عذره فى ذلك انه يريد أن يغترف من منهل الواقع الخصب وان يجعل من الادب صورة من صور النضال والكفاح . أما أقاصيصه فهى تمثل تطورا ملحوظا فى الشكل والمضمون وقد اختلفت الروايات فى أسلوبها عن أسلوب الاقاصيص ففى الروايات يستعمل كثيرا من الالفاظ العربية المتداولة عند العامة ، والتى اعتبرت من كثرة ما تداولتها الالسن من اللهجة الدراجة . فيكاد من ثمة أسلوب الروايات يقارب اللهجة العامية بساطة وسهولة .. بعكس أسلوب الاقاصيص الذى يتعقد كثيرا بسبب تداخل الازمنة وأختلاف الامكنة وتنوع اللوحات فى القصة الواحدة (23) .. وتعقد الاسلوب فى الاقاصيص هو نتيجة منطقية لتعقد التفكير عندما تتعدد الابواب وتتشابه فى عملية الخلق الواحدة .

اشترك في نشرتنا البريدية