لقد طلق ( حماد ) حياة العبث واللهو واطرحها ، منذ أن عاد من دراسته فى الخارج وعدل الى حياة الهدوء والجد والدأب ، والكتابة والتأليف . وأخذ نفسه بالقسوة والزهد ، ما يتيح لها أن تفكر فى غير مطلب شريف ، أو قصد نبيل ...!
إنه لا يزال شابا لم يكمل عقده الثالث بعد ، وأمامه زمن طويل يستطيع خلاله - إن عاش - أن يرقى درجات المجد فى عزم وقوة اذا ما واظب على ما أخذ نفسه عليه ؛ وكرس وقته من أجله .
وكان والده قد ترك له - قبل أن يلاقى وجه ربه - صبابة مال قرر أن يعيش منها عيش المتقشف الذى لا يطمع من العيش فى اكثر من سد الرمق ، وشراء ما يتطلبه التحرير من لوازم وأوراق لا بد من شرائها .
وراح يكتب ويكتب ، يدبج القصص ، ويقرض الشعر ، ويحرر الابحاث والمقالات أياما تمر به وتتوالى وهو على حياة واحدة رتيبة . يبدؤها من الصباح المبكر فى التأليف ويختمها إذا جن الليل ونامت الأعين بالمراجعة والاستذكار!!
وكان واسع الاطلاع غزير المعرفة ، متوقد الذكاء . فقد جد فى دراسته واجتهد إلى جانب ما مارسه من اللهو والعبث ، وان كان لهوا بريئا وعبثا لا يعدو السمر العادى ، والنظرة العابرة ؛ والبسمة الطاهرة ؛ والمرور بالصخب والضجيج فى غير اكتراث أو ترتيب !.
ومرت به أعوام ستة وهو لا يزال على حالته تلك - على ان ما كان يعزيه عن صبره وكفاحه ويثلج صدره فى مقابل هذا الشباب الغض الذي يبذله بذلا بلا
هوادة فى السهر والانكباب على المراجعة والكتابة - تلك الأكداس من التواليف والابحاث والقصص والقصائد التى يراها فى صباحه ومسائه مكدسة أمامه تعلن له مجده وتبشره بقرب فوزه ونجاحه ، وبروزه إلى عالم الناس الذى حبس نفسه عنه ما دام لا يرى فيها بعد قوة تساعده على أن يسير مع التيار ، ويندفع مع التطور الحديث ..
بيد أن فكرته وخياله كانا يعملان - فى الواقع - لغير ذلك . يدفعهما اليه عقله الباطن وشعوره الخفى الحساس ؛ انه لم ينظر إلى كل اعماله بعد بعين الكمال وإنه ليود أن يخرج على الناس بقصة خالدة رائعة ، تكون الباكورة الأولى التى تجعله دفعة واحدة فى مقدم الرعيل ؛ وأول الصف . !
وأى قصة احكم وامتع من قصة حياته المليئة بالعبر والذكريات ؛ الحافلة بشتى التجارب ، والاحداث . وقوى فى نفسه هذا الحافز ، واستبد بخياله ذلك الخاطر الذي يلوب بين جوانحه - منذ زمن - فأمسك بالقلم وبدأ يكتب . السطر الأول والثانى ثم توقف . ترى لماذا ؟! انه يسائل نفسه فى دهشة ، ما بالى اكتب القصة بغير عنوان ؟! وما هو العنوان الذي ينبغي أن أضعه لها ؟! فليكن ( حياتى وتجاربى ) لا . لا ! إن هذا عنوان لا يتلاءم مع القصص فى شئ . إذن ( طريق المجد ) وحتى هذا العنوان سخيف فهو يدل على أننى لا أزال فى بدء الطريق فلأجعله ( على قمة المجد ) ... كلا . كلا ! ومن يدرينى أن هذه القصة ستنجح أم سيكون نصيبها الاخفاق ... ويصبح عنوانها بعدئذ مهزلة يتحدث عنها الأجيال فى مجالس نوادرهم وملحهم . آه تذكرت .. لماذا لا أجعل عنوان القصة : ( أحلام ) . وهنا سبح فكره فى ( احلام ) تلك التى كانت عزاءه فى غربته وسلواه حين يكتظ ذهنه بالدروس والابحاث !
لقد زاملها صغيرين فى الكتاب زمنا ليس باليسير، كان يجلس الى جانبها حيث كان ترتيبه فى الفصل وحولهما بقية الطلاب ، وكان فى أول عهده بالكتاب موضع الحديث بين الطلاب ، لأنه كان يقبع وحيدا فى ركن بعيد صامتا لا ينبس ، فاذا ما قام يود الخروج لحاجة ؛ تعثر فى خطوه واضطرب بين
المصاطب والمقاعد ، فيدور من حوله الغمز واللمز ، وتتخطفه الأبصار وتشرئب الرؤس كلما مشى فى فناء ، أو خطا إلى ردهة . وقد يتكالب عليه جمع من الطلبة فى اوقات (( الفسح )) يمطرونه بالأسئلة فيرتج عليه ولا يحير جوابا فينصرفون عنه ضاحكين ... فلما اندمج فى الدراسة وانغمر فى تيار التحصيل ، أخذ يتغلغل فى نفوس اترابه شيئا فشيئا حتى فهمهم وفهموه ؛ وعرفوه على حقيقته وخبرهم على حقيقتهم ؛ فأصبح يحبهم ويحبونه ؛ ويعاطيهم الوفاء ويعاطونه فى غير ما ملق أو رياء
على أنه كان - اكثر الظن - لا يرتاح الى كل ذلك ؛ وانما يرتاح حين يخرج للنزهة مع أحلام . بعد أن اصبحا زميلين ، وبعد أن صدقها الود النزيه ؛ وصدقته الأخاء النبيل . فكانت نبراسه حتى بعد أن ترقى عن الكتاب وآب الى وطنه !!
واضطربت الذكريات فى خياله ؛ واصطرعت الفكر فى نفسه وانسابت تترى متباينة متناقضة ؛ عنيفة هادية ، لينة قاسية ؛ مستقيمة مشوشة . فامسك مرة أخرى بيراعه واطرحها عنه دفعة واحدة واستمر يكتب بقية القصة تاركا وضع عنوانها حتى يفرغ منها ويتمها .
فرغ ( حماد ) من كتابة قصته فى الوقت الذى نفد فيه آخر درهم من ماله ؛ رغم انه أخذ نفسه فى آخر أيام كتابتها على القصد الشديد ، الذى لا يعدو الامساك على احشائه خشية الاقواء
واملق من المادة فى ذلك اليوم الذى انتهى فيه من اعداد باكورته الخالدة التى لم يبق لها سوى العنوان ، الحلم البهيج الذى كان يملا فراغ آماله ، يبرز مصورا مجسدا ، ولكن بلا قيمة ولا جدوى فسيظل حبيس ( الدولاب ) الى مدى لا يعلمه إلا الله !!
ومن جديد تملكته حيرة عنيفة استبدت بافكاره ، وكادت تحطم البقية الباقية من قواه ، وآماله ، وشبابه !!
وفى سبحة من سبحات الفكر خرج من داره على غير وعى ، يسير فى الطرقات بلا هدى أو بصيرة يجتر حيرته وآلامه ، ويتأبط كراسة القصة وهو لا يدرى أين يولى وجهه وقد سدت دونه الابواب .
وفجأه - وهو يتخبط - إنسان لا يعرفه ، ولم يحاول أن يعرفه . لأنه لم يوطن نفسه بعد على التعرف الى الناس . واستوقفه الرجل يسأله مترفقا عن أحواله وأخباره ، وينبؤه بانه كان صديق أبيه وتربه منذ الطفولة ، ويرجوه فى إلحاح ان يعلن له حاجته ان كانت له ثمة حاجة ليقضيها له فهو مدين لأبيه بالكثير من الاحسان ، وبأيام قضياها معا على الوفاء والأخاء !!
وكأن حمادا قد فاء إلى نفسه حين سمع هذا الحديث ؛ فانبسطت أساريره وانطلق يتحدث إلى الرجل واندفع اللسان النبيل يلح عليه فى الذهاب الى داره ليطعم معه من طعامه ، وليتذاكر عهد والده ولينظرا فى موضوع قصته وابرازها الى عالم الوجود لتأخذ مكانها وتعلن للناس أن فيما بينهم أديبا فذا عبقريا يدعى ( حمادا ) وما عليه إلا ينتظر بعد ذلك المجد والشهرة والثراء !!
وتابع ( حماد ) الرجل وهو ممسك بيده ولا يزال غارقا فى احلامه وخيالاته يكاد قلبه يطير من الفرح ، وتكاد احشاؤه تلفظ ذلك القلب الذى يخال ما سمعه أوهاما بعيدة التصديق . كأنه موقن بان هذه الدنيا شأنها أن لا تواتى المرء بسعادة كاملة ، أو حياة رغيدة ؛ أو مجد عظيم ، مهما سعى وجاهد ، ومهما حطم من شبابه وبذل من دمائه على صخورها وجنباتها المليئة بالعثار - ما دامت كما حكم بارؤها - دار فناء وبوار ...
وانقلب الرجل وحماد معه الى داره فطعما ما وجداه من طعام ، ثم أخذ المضيف يقرأ القصة ويرفع بصره بين الفينة والأخرى الى ضيفه يعلنه إعجابه ويؤكد له أن لقصته من الروعة والجودة ماسيجعلها فى مصاف ارقى الروايات الخالدة التى سوف تتحدث عنها الألسن وتقرظها الصحف ، ثم تبقى على الزمن سفرا يستضئ به الأدب ويستنير به الجيل
وما كاد يتم قراءتها - وقد أوشك المساء ان يحل - حتى قام يضم حمادا إلى صدره ثم يتركه ليصفق له ويهتف من أعماقه . ( رائع يا أستاذ حماد ... عظيم يا بطل !! ثق اننى سأنشرها واطبعها على حسابى . هاك هذه النقود مقدما على الحساب ، فاذهب الى دارك ونم الليلة هادىء البال مرتاح النفس وعد إلى فى صباح الغد بعد أن تفكر فى العنوان المناسب لهذه القصة الخالدة ودع باقى الامر لى .. هيا .. هيا ... )
وخرج حماد من لدن مضيفه المحسن يمسح بكمه دموعا غمرت وجهه ، ويحصى بيد ترتعش اول ثمرة جناها من كفاحه ونضاله . وما كاد يبلغ داره حتى دلف الى سريره واستلقى عليه وراح يستجر افكاره ويستعرض ما مر من حوادث يومه الحافل اللذيذ !!
للصدمات العنيفة المفاجئة تأثير على النفوس البشرية لا يخرج منه المرء أكثر الأحيان بغير نتيجتين : اما الموت . أو الجنون . فالرزء لما يحل ، يحطم الامال التى يظل صاحبها يحلم بها سنين وسنين ،ويهدم اقوى النفسيات واصلب الارادات فى لحظة خاطفة لا يملك معها الانسان التدبر والتفكير ... وقليل جدا اولئك اللذين يصمدون فى وجه الكوارث والنكبات ،ويجابهون صدمات الواقع بصدور من حديد تثبت امام الضربات ،ولا تلين تحت مطارق الارزاء ؛واقل منهم بكثير، ذلك النفر الذى يتمتع بنفسية عالية قوية ،وارادة جبارة عظمى تقابل كل وقائع الحياة ،وقسوة الدهر ؛ وكآبة الدنيا بكل استخفاف وازدراء ؛ وتنظر الى مهازل الحياة نظرة الساخر العابث الذى يضحك وعنقه تحت المقصلة ، لأنه موقن أن الحياة سفر قصير يعقبه الوصول الى دار تطمئن لها النفس وترتاح !!
انما تلك نفوس جعلها الله من طينة صلبة ، وبراها من قوة وجبروت !!! على ان ( حمادا ) لم يكن للأسف ، لا من هؤلاء ولا من اولئك ،فقد نزل عليه الرزء نزلة كانت نتيجتها الدمار والهدم والضياع الى الابد ...
لم يطرف الكرى جفن ( حماد ) منذ أن انقلب الى بيته واستلقى على سريره بل ظل مسهدا ساهما مفكرا يحملق فى السماء ويشهد البدر والكوا كب على ظفره وفوزه الذى سيحققه له الغد ولكنه ما يلبث على ذلك برهة حتى تعود اليه افكاره السود المضطربة فتتألم نفسه ويتبلبل فكره وتفيض من وجهه تلك الاشراقة ، وتنتحر على ثغره ابتسامة كانت توشك أن تلمع وتنير ...
إن القلب البشرى حساس بطبعه ، وفيه من دقة الملاحظة ما يسمونه بالحاسة السادسة ؛ وكأن حمادا كان أحس بأن كلما مر به فى يومه انما هو مجرد احلام بارقة لا يلبث أن يلاشيها الفجر ، وتصهرها اشعة الشمس فتذهب هباء ، وتضمحل مع السراب .!
ولكنه تغلب على اوهامه آخر الامر ، وقهر تلك الفكر المظلمة اليائسة ، وقام يتحامل على نفسه حين سمع اذان الفجر يملا الافق بهجة وحبورا ، ويعلن للنائمين مولد يوم جديد .
وبعد أن صلى الفجر وتبلغ بلقمة ، غادر الدار يوسع خطاه ويلاحقها حتى شارف دار صاحبه فاذا الدنيا تضطرم من حولها وتثور ، واذا ألسنة اللهب تبلغ عنان الاجواء ؛ واذا الدار كلها شعلة حمراء تتوهج ويسمع لها دوى وزفير !!
وبينما هو ذاهل من هول الصدمة وكزه انسان عابر وصاح به : وما بالك تقف صامتا هكذا ؟ هيا ساعدنا فى انقاذ ما يمكن انقاذه ... ولكن ما الجدوى يا أخى اكثر الظن أن النار قد اتت على كل شئ فى هذه الدار حتى السكان ، ولا بد انهم كانوا فى سبات عميق حين شب الحريق ..
وتنبه فجأة عقل حماد الباطن فدفع محدثه عنه ؛ واندفع يجرى الى اللهب الحامى وهو يصيح :- لقد وجدت العنوان ،وجدت عنوان القصة (المجد الضائع .. المجد الضائع ..) ولكن أين القصة واين المجد؟! ... آه ، انه هنا ، انه قد تلاشى بين النيران .. ثم قذف بنفسه - ولايزال صوته يدوى - فى الاتون الاحمر فلحق بمجده فى لحظة من لحظات اليأس الخاطفة الرهيبة ، التى لا يملك معها الفكر التدبر أو الاختيار ...
ونظر الرجل الغريب الى هذا الموقف نظرة تخالطها الدهشة والعجب ، ولكنها مليئة بالحزن والاسى ، ولم يتمالك دمعتين كبيرتين تدحرجتا على خديه وغمرت وجهه . ثم انطلق فى سبيله لايلوى على شئ . مكة

