الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

القصص, المصباح السحرى

Share

كان طفلا فى الرابعة ، كالوردة ابتسمت عن أكمامها ، وكأن بعينه أثارة من من قبل الحور ، كان ينشد ويبكي ، ودمعتان تسبحان فى عينيه كالجمان ، كان لا يفتأ يقول ، وكأنه يلتذ بما يقول :

- امى . . . ابى واطاول السمكري الكهل بعنقه ، باحثا عن مصدر البكاء ، وكانت الحياة فى شبابه قد أرضعته سعادة لم يشب صفوها كدر ولا قذر ؛ كانت زوجته لينة الاطراف موطأة الاكناف ؛ لدنة العود ؛ نقية طاهرة ؛ كان مأواه فى قلبها ؛ وكانت هى فى قلبه ؛ كان الحب هو الذى ضمهما جسدا وروحا ؛ ومن نبعه الخالد كانا يصطبحان ويغتبقان ؛ كانا اغنية الشباب والمرح والهناءة فى فم الزمان . كانا معصوبي العينين والآذان ؛ لأن الحب أعمى وأصم ؛ ثم شاء الله أن يجعل لحياتهما معنى ؛ فوهبهما ولدا ، فنبت حبهما فيه ، وتفرع فى عينيه ، فلما كانت هى تحدق فى عينيه النجلاوين ، تميل عليه وتقبله فى لهفة العاشق الواله وتقول :

- لكأنى أقبلك فيقتطف هو من ثغره الباسم المورد قبلة ويقول : - لكأنى أقبلك

وكان الصفيح فى يديه الصناعتين مطواعا ذلولا ؛ كأنه العجينة اللدنة اللينة ! يبدع منها ما يحب ويهوى ؛ وكانت الاباريق والمصابيح ومغارف المياه ، تنسل من بين يديه وعليها من مهارته شارات وسمات . . . ومضت أيام . . .

فاذا الدهر يقلب صفحة أخرى من حياته ؛ وإذا شجرة هواه تذوى وتذبل ، وإذا مرض عضال ، ينشب أظفاره فى الزوج ، فيعز البرء والشفاء ، واذا هى تموت وعمرها عمر الزهور ؛ وتعانقه قبل الوفاة ، فتتقطع الكلمات على شفتيها ولا تقول الا كلمة :

- ولدى . . . فتطفر الدموع من عينيهما او يشرقان بالكلام ، فلا يكادان ينطقان . . . وتمضى أيام تتلوها أيام . . .

واذا البرعم الصغير الذى خلفته الوردة الكبيرة يأبى إلا اللحاق بأصله ، والعودة الى الحضن العطش الصادى . . . قبل أن تأخذ أعضاؤه الصغيرة استواءها وقبل أن يذوق طعم الحياة . . . بفمه . . . لا بفم سواه . . .

وتمضى لا ليلة ولا ليلتان ولا يوم ولا يومان ، انما عشرون سنة كاملة مترعة بالاقبال والادبار ، والآلام والآمال ، والأفراح والاتراح ، ولكن لدى من ؟ لدى أولئك الذين تجرعهم الحياة ، كل صباح ومساء ، كأسى الشقوة والهناء ، أما سنوه العشرون ، فليس فيها ما فى حيوات الناس من سعادة وشقاء . . لماذا الناس ينعمون بالحياة حينا , ويشقون بها آخر . . .

لقد علم ببصيرته النافذة أن التملك والسيطرة ، هما داء الانسان العياء ، منذ أن تحضر وتمدن ، وتشعبت به دروب الحياة شتى الشعب ، إذن فلن يملك ولن يسيطر ، رضي من عيشه بأضيق حال ، وقنع من حياته بأهون جهد ، وساءل نفسه فى سذاجة الاطفال ، أو ليس غرض من الحياة ، أن أكون هادئ البال ، قرير النفس ، مطمئن الخاطر ، فلم أذهب نفس شعاعا ، وأجور عليها فى كل درب وشعب ، وأعكر صفوى وأطمئن فى لا لشئ سوى البحث عن الصفو والاطمئنان ؟ . . .

انه - مع ذلك - لم يوصد باب دكانه ؛ لكنه لم يلازمه إلا ساعة في ليل أو نهار ، وأمست مصابيحه ، ومغارفه ؛ لا تمتاز عن سواها إلا أن صاحبها يماطل الزبائن ويدافعهم شهرا أو شهرين بدل يوم أو يومين ، فاذا صنعت كان لزاما على مشتريها أن يعاود الطلب إثر الطلب ، لسد خرق فيها أو لرأب صدع بها . . . أما هو فما يهمه شتم شاتم ولو كان هجرا ، ولاسب غاضب ولو كان نارا

حامية ، وكأنه معتصم بشعب فى رأس جبل ، والناس فى سفحه يكرون ويفرون يقبلون ويدبرون ، وماهم فى عينه - إلا دمى تحركها أيد من وراء ستار ، وخلت نفسه من هموم الدنيا ، حتى أمست عدم المبالاة ، ميسمه وشارته ؛ فلو تصدعت دار بجانبه ، ولم تصبه ما عبأ بها قط ، ولو مادت الارض وانخسفت بين أقدامه ولم يهو فى شعبها المصدع لما أحس لها صوتا ولا ركزا ولكنه لم يكن - يوما - بليد الحس والشعور ؛ لما يصادف فى نفسه هوى عتيقا أو جديدا ، فما كاد يسمع صوت الطفل وهو يشرق بالدموع ، حتى ترك جذاذة من صفيح كان يعبث بها يومين ليجعلها فى ظرف من مصباح ؛ وانحدر من دكاته وهو يخافت سعالا مزمنا ، وضم قميصه على صدره ، يتفادى نسمات الأصيل ، وهو فى قر الشتاء ، وأقبل على الطفل ، وحدق فى وجهه تحديقا ، ثم مال عليه فى حنان ومودة وسأله :

- من أنت ! يا بنى . فما فاز منه بغير البكاء المرجع ، فأعاد عليه السؤال : - من أبوك .

فلم يسمع من الطفل إلا النشيج المتواصل ، فحنا عليه كالمرضع وأمسكه من ذراعيه فى رفق ، وأعلاه حتى وضعه على مصطبة الدكان ، وآنس الطفل من تودده ما جعله يصمت عن صنع الرجل الغريب ، وكأنه فى داره ، وفى حضن أمه وأبيه ، واستخف الشيخ مرح غامر ، وكأنما استطاع هذا ، بيديه الناعمتين أن ينقله من خريف حياته او ربيع العمر وزمان الصبا والشباب ، وأسرع الى أقرب بقال ، ليبتاع للطفل ما يقدر على قصمه من النقل والحلوى ؛ ورآه الناس فتساءلوا :

- ترى . . . ما يفعل السمكرى الكهل بهذه الحلوى والنقل ؟ ! وما كاد يصل دكانه ، حتى ألفى جمعا منهم عند دكانه ؛ فاستثقل ظلهم , وأراد أن يجيبهم بقارص القول ؛ لينصرفوا ، ثم تذكر أنه عليه أن يسألهم عن الطفل التائه ، فما شفوا نفسه بالجواب ، فقال لنفسه : - سأحتفظ بالطفل ، أو نجد أباه .

فأحاط به القوم وسألوه : - لا نراك إلا منصرفا عن الناس صغارهم وكبارهم ، فما بالك - اليوم - معنيا بهذا الطفل ؟  . . .

فقال وهو يغالب السعال فى صدره : - لأننى أجد فيه مشابه من ابنى كثيرة . . .

وكان الظلام قد التصق بالجدر والزوايا والأركان فى سوقه ، فاحتضن الطفل بذراعيه ، وقد نفرت عروق يده ، فأوقفه على الارض ، وأغلق دكانه ، أما الطفل فكان لاهيا بالحلوى يمصها ويستحليها . . .

وحين دلف به الى داره بحث للمرة الأولى عن مصباح غاز ؛ كان قد صنعه حين أراد أن أن يبنى بزوجه ، فلما أضاءه فزعت الخفافيش وهلعت ، فقد أعمى الضوء عيونها المغطشة ، وعجبت من النور بعد الظلمة ؛ ومن الضجة بعد الامن والقرار ، وهوى بعضها فوق الصفيح المنتثر ، فرن إرنان الصدى فى كهف مهجور ، ووجل الطفل وجلا شديدا ، وعمد الى البكاء والنحيب ، فحمله السمكري على عاتقه ، وما زال يدور به جيئة وذهوبا ، حتى أغفى الطفل ونام ، وشكا الرجل من ضيق تنفسه ، وكبت السعال فى صدره ؛ فبرك على الارض ، ثم استوى عليها وأراح رأس الطفل فى حجره ؛ والسعال يوشك أن يمزق رئته تمزيقا ؛ لكنه لا يتململ ولا يتوجع خيفة أن يصحو الطفل ؛ فلا يسكت بعد البكاء . . .

وكانت ذبالة المصباح العتيق ؛ تراقص الظلال على الجدار المقابل ، وكان الصفيح يومض بالاشعة الموهنة التى تصافحه ، فكأنها حصى تألق فى غدير مظلم صامت ؛ وطال به مقامه وهو على هذا الحال . . .

ثم أخذته سنة من النوم ؛ فعاد به القهقرى خمسا وعشرين عاما الى الوراء وكان فى الشهر الأول من زواجه ، كان فى حديقة وارفة الظلال ؛ ملتفة الأغصان تنبثق منها جذوع النخيل ؛ حتى إذا تسامقت صعدا فى السماء ، بسطت جريدها لتحمى صغار الكروم والرمان من عتو الأشعة المتضرمة ؛ وكان الجدول يقبل الارض التى أنبت أزهار الربيع ؛ ففاح أريجها الأرج ؛ وتضوع عطرها الفواح وكان الطير يلقط الحب من سنابل العشب النامى ؛ حين دخل الحديقة ؛ فرآها

جالسة الى الماء ، وهى تغرفه بيدها غرفا ؛ ثم تفرج أصابعها الخمرية ، فينحدر الماء منزلقا منها الى الجدول ثانية ؛ وتعلق بيدها قطرات كدموع الزهر فى الصباح ومشى على رؤوس الأصابع ؛ كما يفعل القط حين يرصد طيرا ؛ فلما أحست به نهدت من الجدول ؛ وفرت تستجى بالياسمين ؛ وانطلق وراءها ؛ حتى أدركها ، فرامت ان تنفذ من ثغرة فى عريش الياسمين ، لكنه نالها فى ذراعيه ، وحملها كما تحمل الأم طفلها فى مودة وحنان ، وشعر أن أصابعه ، إنما تنال من جسمها البيض الريان فخفف القبض عليها ، وانسدل شعرها الحفال هاديا ، فكادت الأرض تقبل أطرافه وارتوى الهواء من ريا عطره منتشيا ، والزهر اطل معجبا حين رأى خدودها تتوقد خجلا وحياء . . .

وصحا السمكرى من نومه على دق بالباب وطرق ، وجلبة وضوضاء ، فرأى أن ما رآه كان حلم الماضى ، وأمل الصبا والشباب ، وأن صفيحة عن يمينه وشماله ، وأن الطفل على ركبته ما زال مغفيا ، وعلت الضجة كرة آخرى ، وفهم السمكرى أن أبا الطفل قد اهتدى إلى مأواه . . .

واعتزم بادئ الأمر ، أن لا يرد على أبي الطفل إذا طالب بابنه ، ثم عن له أن يجيب ، فأعاد الطفل إلى عاتقه ! ومضى به نحو الباب يفتحه ، فدخل الرجل مع عمدة الحى وشكراه على حسن صنيعه بالطفل التائه . .

أما السمكرى ، فلم تخرق أذنيه كلمة مما قالاه ، فقد كان قلبه يتمزق مرارة وأسفا على الهوى الضائع ، وما كاد الرجلان يتهيآن للانصراف ، حتى قبض على ذراع العمدة وقال - وكانت تقام فى بلاده مباراة سنوية ؛ يعرض فيها كل ذى مهنة فنه - :

- اسمع - ياعمدة - شاشترك فى مباراة المصابيح غدا . . . وانفتل الرجل عائدا ، وقد أخذه العجب : - أانت ؟ . . أتعنى ما تقول ؟ - أجل ! - أانت الذى اعتزلت الناس عشرين عاما ؟ ! . . . - دعنا عن هذا . . . فلى شروط أخرى . . . - حسنا . . . وما هى ؟

- ستأتينى مساء الغد ، أو فاهم أنت  مساء الغد . وستجد الدار مظلمة ، ما عدا مصباحا يضئ ، ستحمله حينئذ بيديك ولن تحاول فى حال من الأحوال فتحه ، او سامع أنت؟ - ستحمله إلى دارك ، وستضعه مع مصابيح الناس فى حجرة فى دارك لا نور فيها ولا ضياء ، فاذا عتم الليل ، فأدخل عليها من رهطك ممن تحكمون فى المباراة . . أفهمتنى ؟ . . .

- لست أفهم شيئا . . . - ستفهم كل شيء فى حينه ! ثم أضاف قائلا : - والآن ارجو أن تنصرف ! فخرج الرجلان ونظراتهما تقولان : - مسكين . . . هذا الرجل . . . لقد مسه الخبل . . .

وبلغ العمدة فى صباح اليوم التالى أن السمكرى ! قد وجد مقتولا فى داره وقد اكتشف امره لبان ، كان قد اعتاد أن يحمل إليه إفطاره ! لقد عاد - كعادته - فى صباح كل يوم ، فلم يسمع للرجل فى الدار نأمة ولا حركة ، فارتاب فى أمره ؛ واقتحم الباب عنوة ؛ فلما رأى الرجل مجدلا ، صاح فى هلع ؛ واجتمع الجيرة ، فرأوا مدية مزقت صدره تمزيقا ، وحزن الناس واغتموا لقتل الرجل ، وآلوا ليجدن قاتله ولكن حماسهم ما عتم أن فتر ؛ فاودعوه قبره ، صامتين ، وترحموا عليه كثيرا . . . وكثيرا . . .

وهز قلب العمدة جلال الموت ، ورأى أن ينفذ وصية الميت ؛ فقدم الدار ليلا ؛ فالفى الغرفة وقد تبعثر فيها الصفيح يمينا وشمالا ، وأحس كأنما الميت يشرف عليه من عليائه ؛ ونظر إلى المصباح ؛ فألفاه ينفث نورا وانيا هادئا ؛ نورا -خيل إليه - انه أصفى شعاعا من الانوار ؛ وأنه ينبع من مجهول مجهول . . . وانه ينطوى على سر عميق ، شعر بكل ذلك ؛ فاعتزم أن يعود على أعقابه راجعا ؛ لكنه ما فتئ أن عزا خوفه ورهبته الى الدم الذى تلح رائحته الخفية فى الدخول إلى أنفه ؛ وخشى أن يوسم بالجبن والرعدة ؛ وهو الذى ذهب فى الشجاعة وثبات الجأش مثلا . . .

فاقترب من المصباح ؛ وكان كأنه يقطر لهبا ودما ؛ لا شعاعا ونورا وأحس حين لمس المصباح أنه إنما يصافح الميت يدا . . . يدا خضبت بالدم المسفوك وكان الصفيح تحت قدميه يقعقع ضاحكا هازئا . . . ولم تطق أعصاب الرجل هذا الصراع الخفى ؛ فانطلق هاربا وهو يصيح :

- ما هذا مصباح . . . ما هذا مصباح ! . . . وأرسل من ينوب عنه في حمل المصباح إلى داره ؛ وخصصوا لمصابيح المباراة غرفة اوصدوا نوافذها ايصادا محكما ، ولم يبح العمدة لأحد بما سمع ورأى ، خيفة أن ينسب اليه ما لا يود أن يكون عليه من الشيم والصفات . . .

وحين انبأ العمدة كبار القوم من المحكمين بشرائط السمكرى المغتال ، هزوا رؤسهم قائلين :

- ما بال سمكرى معتوه يغير ما ألفناه فى أيامنا الخاليات . فأجابهم العمدة :

- إن الرجل قد قضى ؛ وما علينا لو حققنا أمنيته . . . لقد كان رجلا من خير الرجال ومات مقتولا ، ولم نقف لقاتله اثرا ، فلو نفذنا وصيته لأكرمناه وبعد أخذ ورد ، وافق المحكمون أن تكون المباراة وفق ما رغب فيه القتيل . . .

وأقبل الرجال الأربعة فى فحمة الليل الحالك على غرفة المباراة ، وكأنهم قادمون على قبر زاخر بالأشباح ، وأحسوا كأنما ابتعدوا عن دنيا الأحياء ، وإن كان جمعهم يشجعهم على اقتحام المجاهيل ، وكانت عيونهم شاخصة ، وتتلاقى على الباب الموصود نظراتهم ؛ فلما وقفوا قبالته ؛ احتاروا من يفتح الباب ، وأخرج العمدة يده ؛ ومدها متمهلا ودفع الباب . . .

ويا لعجب ما رأوا . . . رأوا الحجرة مضاءة كالنهار ؛ وكأن المصابيح تتدفق نورا ونورا . . . وأقبلوا على المصابيح ينقدونها واحدا واحدا ، فألفوها مظلمة عمياء ؛ ما عدا مصباح السمكرى لقد كان يشع كالقمر ؛ هادئا وانيا زاخرا بالرؤى والأحلام ، شعاع لا يغطش البصر ولا يغشيه ، وانما ينحدر إلى العين سلسلا ، وعافية وسلاما وأمنا وهدوءا ، وقرارا ، وعجبوا ، كيف لم ينفذ زيته منذ أمس ، وداروا حوله مستطلعين

يريدون أن يعثروا له على فتحة أو باب ، فوجدوه قطعة واحدة لا تتجزأ . . . وازدادت حيرتهم ودهشتهم ، وخشوا ان يلمسوه بأيديهم ، فتركوه وشأنه ، وانصرفوا وقد أوصدوا الباب . . .

وأصبحت البلدة لا تتحدث إلا بأمر المصباح السحرى ، الذى حير العقول ، وأذهل الألباب بنور لا ينفد . . .

وأعادوا الكرة فى الليلة التالية ، فالفوه كعهدهم به . . . مضيئا يسبى ويسحر . . وسمع بأمره القاصى والدانى ؛ وأقبل عليه الشيب والشبان ، يريدون ان يرووا ظمأهم من سحر المصباح ، وحزنوا أشد الحزن على نهاية صانعة السمكرى . . . ليته لم يمت ، ليرى مجده خافقا على هامة الزمن . .

وبعد أيام أخرج المصباح للناس ، ليروا أعجوبة تعنو لها الأعناق ، وتطأطئ لها القامات ، اعجوبة من كان يظن أنها تتم على يد السمكرى المخبول . . إنه - والنهار صحو ضحيان - ينفث نورا كالعلق احمرارا، ووضعوه على منصبة عالية ، والناس حولها يدهشون ويعجبون ؛ ولا ينقضى لهم - أبد الدهر - عجب ودهش .

ورأى عقلاء القوم انصراف العامة عن أعمالها إلى هذا الحدث الطارئ والذى - لا ريب - يعود على البلاد بخسران مبين ؛ فأرادوا أن يصرفوهم عن المصباح ، ولكن ما جدوى السدود عند انحدار النهر الطامي ؟ وأين للعقلاء أو السخفاء أن يصرفوا الناس عن شئ ما زال لهيب شوقه مستعرا فى قلوبهم ؟

وقال شيخ حكيم وهو يهز لمته البيضاء : - أتسمعون - أيها الرفاق - لن تصرفوا الناس عن هذا المصباح ، حتى تبددوا سره وسحره ، ومادام المصباح يشع ، ولا يعلم منا أحد ؛ ما ذلك الشئ الذى فيه يتلألأ ، فلا يخطرن ببالكم . أنكم بالغون من الناس أمرا . . . تقدموا الى المصباح ، واجعلوا فيه شعبا أو صدعا ، فتتدفق الانظار الى داخله ، وترى ذلك الشئ المضئ . . . وحين يعرف سوف يقولون - وهم يلوون وجوههم شأن من غش فى شئ - : أهذا كل ما فى الأمر  . . . تبا له . . . ما أوهنه من مصباح خلب الالباب والعقول يالضيعة الاوقات . . .

وفهم العقلاء ان الرجل مصيب فيما يقوله ، فاقبلوا على المصباح ، ودعوا السما كرة وطلبوا منهم أن يفتحوه عنوة ، ففعلوا ، وما كادوا يفعلون ؛ حتى ارتفعت سحب من نور ، تجيش كالموج الحبيس ، وأخذ الناس رعب وهول ، فتأخروا . . . ولكن ما عتم أن تبدد عجاج الضوء ، وبدا للعيون فى المصباح شئ كالتفاحة الضامرة ، يألق ألقا يخطف الأبصار والألباب ، ووجم الناس لحظات ، شعروا فيها كأنهم يبتعدون عن دنياهم ويلجون عالما غربيا . . .

وصاح رجل : - ما هذا إلا حجر كريم . . . فسئل كل جوهري عنه ! فهزوا رؤسهم منكرين : - ما هو بحجر ! . . .

واصلح رجل منظرته على عينية ؛ وكان شابا ممتلىء الجسم فى الأربعين من عمره ؛ وأقبل عليه يتفحصه ويدرسه ، ثم نهد من موضعه وقال واثقا مؤكدا : - إنه مزيج كيمائى غريب لا يفهمه الا الراسخون فى العلم

فأجابه الشيخ الحكيم : - لم يكن السمكرى المتوفى كيماويا يوما ما ، ولم يكن يعرف الامزج الصفيح بالصفيح فقال الرجل نفسه معاندا : - ولكننى واثق مما أقول ، والعلم لا يخطئ . . . فهمس الحكيم قائلا ، ليحسم الخلاف : - نعم . . . كل ما فى الدنيا مزيج كيماوى غريب . . .

وكان رجل من عرض الناس يقف بالقرب من المصباح ، وعلى كتفه ابنه الذى آلى أن يحمله على ظهره - أبدا - فقد تاه قبل ايام ولو لم يعثر عليه السمكرى المقتول لأرهق أباه فى البحث عنه ، ليله و نهاره . . .

و نظر الطفل الى الشئ المعلق وقال : - هذا قلب . . . انه شبيه ذلك الذى شويناه . . . قبل أيام ، ولمعت فى ذهن الرجل فكرة ، وأسرع الى العمدة ، يسأله كيف قتل الرجل ؟ وكيف وجده لما دخل عليه ؟ فأنبأه ، انه ألفاه . مطعونا فى صدره ، وكأن قلبه انتزع انتزاعا . . .  - لقد فهمت .

اشترك في نشرتنا البريدية