-١-
فلما كانت الليلة الرابعة بعد الألف جلست شهر زاد على مخدة من حرير معصفر ، وضعت على اريكة من خشب الابنوس المطمم بالعاج الجميل ؛ واتخذ الملك ضجعته على مرتبة محشوة زغب الطيور الناعم ، وثنى خلف ظهره متكأين من حرير اخضر فاتح ، رسمت عليه يدفنان مبدع صورة غزال نافر يود لو نفلت من سهم صياد يعميه ، ورفعت شهرزاد عينها الناعستين الى ثريا مدلاة من السقف الصقيل ، فانزاح خمارها الناعم الابيض عن شعرها الحفل كقطرات من انداء الصباح تنحدر عن وجه وردة فى ظلمة ليل ذاهب . واطالت شهرزاد النظر الى رقصة الثريا على خفقة النسيم العليل وهو يلامس الوفا من مضلعات زجاجية فيكون لاصطدامها السرمدى ايقاع حلو ناعم ، وتنبعث الاضواء من مئات المصابيح في الوان الطيف الشمس المختلفات مرانية ساهمه حالة راقصة أما شهر زاد فكات عيناه لا تفارقان افاعي دخان البخور المائجة ، وهي تصعد من مجمرة فضية موضوعة يمين اريكة الملك ، وما تكاد ترتفع قليلا حتى تذهب بددا فى الهواء ، وتمج شذاها العطري في كل همسة من نسيم .
وفجأة ارخت شهرزاد رأسها ، وذهبت نقص والملك يستمع ، وسرى الجو الشعرى والموسيقى الهادئة وقصص شهر زاد خدرا لاحلوا ناعما فى جسد شهريار ، فأسلم عينه لاغفاءة قصيرة ، ولحظت شهر زاد انصراف زوجها عن القصص ، وأدركت أنها قصت خلال هذه السنوات الطوال نوعا واحدا منه فقط ، وهو هذا السرد ، إن امتاز بالتلوية الصارخ الحار وبالنضال المستر الوحى ، في خلى من اشتبك العواطف في صراع نفس ، ومن ثم اعتزمت ان تجرعه منبها قويا يرجة رجا ، ويذيب سأمه في بحرهدار من انفعالات النفس الانسانية ، واقتربت شهر زاد من زوجها ونادته :
- مولاى فصحا الملك من غفوته واجاب متبسما :
-نعم - شهر زاد-
- أيود ملك الزمان أن اقص على مسمعيه نوعا جديدا من القصص يسمونه الواقعي
- لا أدري ما يكون هذا الواقعي إلا انني افوض أمر الاخيار اليك قالت شهر زاد ، ساأقص عليك - مولاى - قصة " المجانين الثلاثة " فقد اجتمع هؤلاء في دار دعوا فيها ، وشاء الرحمن ان يخر عليهم البيت ، وان ينعزلو في مكان لا يستطيعون منه الخروج ، فرأوا آن يقص كل منهم امر جنونه دفعا للسأم وتبديدا للوقت ريثما تصل اليهم معاول المجدين ، فتقدم احدهم وقال سأبدأ ابا ومضى يقول أو لو كنت مجنونا لمضيت أقص حياتي كما يقص العاقلون ، حسنا ! ! ومايهمني ان اكون عاقلا أو مجنونا مادام في استطاعتى ان اقص وفي استطاعتكما ان تصغيا وعند تلك النهاية القريبة البعيدة سيظهر لكم حق ما أقول :
كان لى لكل منكما أسرة ، ليست من غصنين أو ثلاثة ، وإنما من أغصان مشعبة مفرعة ، وكان جدى رحمة الله عليه مزواجا شديد لأسرة قوي البينة ، خلف ثلاثة بنين وست بنات أما البنات فاراحنا الله شرهن حين زوجن ، أما البنين فكان اكبرهم سنا والدى ...
سيقرن أحد كما ..حسنا وما فى ذلك فكل مناله العم الواحد والاثنان والعمات الكثيرات وسأجيب أنا نعم ! لاغرابة فى ذلك ما داموا يتزوجون ويتفردون في بيوت شتى فيكونون عيلات وأسرا شتى ، أما وان يجتمعوا كالنمل في خلية واحدة ، فريما كان ذلك ممكنا فى تلك المخلوقات التى اجرى الله فى اعصابها الرتابة والنظام ، أما هذه المخلوقات الادمية فقد وهبها الله غرائز التأبي تعاون والتساند ولله الأمر من قبل ومن بعد..
ولنعد الي قصتنا وتزوج والدى من امرأة هيفاء ذات وجه شاحب اصفر هي مثال للجمال الهادي الحزين ولكن فى دمها الأصفر ثورة وجنون . وكثيرا ما كانت تلطم وجهها مولولة حين يفرض عليها ابي إرادته ويرغمها على ما لا ترغب فيه ترضاه . . ويطهر اننى ورثت اعصابها فهكذا المجانين يعلمون من انفسهم ما لا يعلمه العاقلون .
أجل ! ولم اكن وحيد والدى وان كنت اكبر اخوتى واثمرت امس في ربيع شبابها مرتين بعد ولادتي فولدت ابنتين اثنتين ، ثم صوحتها - فجأة - عوادى الخريف فخفت ولم تنجب .
اجل ! وتزوج عماى وانجبا بنين وبنات ، فتضخمت الاسرة وتشعبت فروعها وشجونها ، وضاق بنا البيت - وقد كنا يملكه - فرأى الآباء ان يوسعوا فيه ، وان يبنوا طبقة فوق العلية ، وتضاربت الآراء وذهبت كل مذهب ، وانقسم البيت الى فريقين فريق يؤيد البناء ، وفريق يرى ان ننفصل وان لسكن فى بيوت شتى ، وكنت على رأس المعارضة ، ولا ادري كيف تدفق النشاط في اعصابي الكسلة الواهنة ورحت اقنع هذا وذك ، واستطعت ان اكسب أمي بجانبي وأختي الصغيرة - ليلى - وقد كانت نسخة ثانيه من أمي بتقاطيعها الدقيقة المرهفة ووجها الشاحب الحزين ، وقد كانت لدى اثيرة وكنت احيفها خالص الود والمحبة .
ولكن وا أسفاه ! فقد كان البيت كله يصارعني ويناحبني العداء وانهزمنا وانتصروا .
ومعنى ذلك أننا لبثنا متصلين -كما كنا من قبل - على دخل وشحناء ولا آراني إلا عاجزا عن وصف ذلك النفور الذى كان يقرض قلبي وكنت كمن شمر عن ساقيه لا يجرى فى فسح من الأرض جامد صلب ، وانما ليخوض وحلا كربها ما من خوضه بد ، ذلك الاشئزاز بدا معى وانا لم ازل صغيرا طرى الاظافر ، وكبز معي حتى ملك على شعاب قلبي .
ولعلكما لا تريدان ان أقص على مسمعيكما نبأ نلك الخيوط الدقيقة الصلبة التى كانت تحاك من ابناء عمي بليل ينسجوا حولى شراكا من مكر وخديعة
ولعله - يحسن بكما ان لا تصدقاني فأنا كثير الريب والشكوك أخفيها فى سريرتى حيا ، وافضحها حينا . .. أو لو اردت ان انبذها والفظها لوجدت الى ذلك سبيلا . . هذا ما لا ادريه .
ولا اطيل عليكما القول ، فقد كبرت أختاى ، واصبح الحديث عززواجهن دائرا على الألسنة في البيت ، وكان المرشحان لزواجهما ابنى عمى احمد وعليا وبدهى ان لا يروقنى هذا الزواج وان افضل ان تتزوجا من شابين كفئين من خارج الأسرة وقبضت بيدى على علم المعارضة مرة اخرى ، ورحت اجاهد وأجاهد وانضوى تحت لوائي - كالمعتاد- كل من أمي وآختى ، واستطعت ان اكسا بجانبي له قيمته فى الأسرة وهو عمى أبو أحمد .
وخيل الى ان المقاومه من الطرف الآخر قد فترت ، وكاد النصر يعقد لواءه لى ، لو لا ان والدى فصل الأمر بكلمة باتة حاسمة ، وعندئذ شعرت ان قدمى لا تطيقان حمل جسمى ، فقد كانت الهزيمة - بعد ان اوشك النصر ان يكون لى - شديدة ثقيلة الوطء على جسمى الضئيل .
واعتزمت من ذلك اليوم العزلة والانفراد ، وآثرت الخمول على نشاط ينهيه والدى بكلمة تلفظها شفتاه ، ولحظت أمي بقلبها اليقظ وبصيرتها النافذة ما اعانى وأقاسي ، وما احيله على اعصابي المكدورة من رغبات واهداء مدفونة مكبوتة ، وخلت في يوما فى الدرج بعد ما اعلن زواج الاختين من ابن العم وكنت وقتئذ على وشك الخروج :
صالح - ابني - انني لافرأ على وجهك ما تخفيه ، واننى لأدعوك - اليوم إلى اطراح ما بينك وبين ابيك ... فهل تجيب . . تكلم . .. تكلم بني
ثم مدت إلى أمي ذراعيها ، فأمسكت بيسراها كتفى ، وبدأت تخلل بأصابع يدها الحمي شعري الأشعث . . فاحتوتني لحظت انعدم فيها الشعور بالزمن وكان الالم تبخرت من رأسي بلمسة ساحر ؛ وانعثت المرئيات فى دماغى مرحة بهية راقصة وادركت في تلك الساعة ان البرزخ الذى يفصل بين وادى الافراح والاتراح والسعادة والشقاء واليأس والرجاء ، وان شق عبوره على قرة البشراجمعين ، فهو لا يشق على يد رقيقة بضة لا تملك من قوة سوى الحب
حقا لقد امدتني هذه اللمسة على ان استمر فى ذلك الجو الذي يخنق الأنفاس سنتين متوالنين ، واختصر واقول ان في تهايتهما ولدت اختي الكبيرة من ابن عمى سالم ولدا ذكرا ، وكنت آئذ في قطيعة مع الأسرة كلها ، ما عدا أمي وليلى ، وكان الجميع يعتقدون أن بي لوثة وجنونا تبعداني عنهم وربما كانوا على حق فيما يقولون ولو اننى رأيتني مضطرا لأن اطئن على صحة أختى وصحة المولود الجديد
لقد كان الطفل زهرة مفتحة ناضرة ، ممتلئا صحة ونشاطا وقد ورث من أبيه عينيه السوداوبن الجمياتير وأهدا به الوصف الغرار فأخذته بين يدى وقبلنا فى فمه الغض الطرى ، وكانت اختي لي واقفة بالقرب منى ، وهى ترنو إلى الطفل وانطلق بصري انطلاقا جانبيا ، ووقع على وجه ليلى ودنها كور حالم وان يمسح أطراف الظلام في هدوء ابدى ... ولحظت شيئا عجيبا .
حقا - ما أشد غباوتي ألم أر ليلى طوال هذه المدة ، أم ما الأمر ؟ انثى لم الحظ قط على وجهها هذا الشحوب الذابل ، ولا هذا الغدر الذي تردت فيه عيناها المجهدتان .
آه -ليلى- لقد تذكرت وأدركت إنها ولا ريب تلك الأقاويل والأراجيف التى كانت تطفر من بعض الألسنة في الدار ، والتى كانت تهمس احيانا - لا بالأفواه - ولكن بالأعين والاشارات . وانا اعلم الناس - يا ليلى - برهافة اعصابك وشدة احساسك أنا اعرفك - يا اختى - لأنني يخيل إلى انى اعرف نفسي ، وقد سمعت كثيرا مما يقال عنك وعن زوجك مصطفى ، وسمعت كثير عن الادوية التى وصفت لكما ، والتي آرانى لا اقرمنها شيئا ، وان كتسأت تقرينه ، فموقفي بتباين عن موفقك ، لأنني ما زلت محتفظا بحيادى فى المسألة ما انت - أيتها المرأة المرهفة- التى ترمي بالعقم فالمسألة بالنسبة اليك مسألة موت أوحياة ، مسألة نوع يستمرا و ينقطع ، ولذلك فلاشك آن حكمك عليه سيكون غير حكمى ، ليلى . . اخال أن الله يريده أن يبلوك . . واراني كأنتي استطيع التكهن . . فصبرا جميلا - أختاه -.
البقية فى العدد الآتي /
المدينة المنورة

