الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

القصص, عبقرى الجيل .

Share

عرفته قبل بضع سنوات ، كويتبا مغمورا ، سخيف الفكر ، سيء التعبير ، محدود المواهب ، فاقد الاحساس الفنى ، ضئيل الحظ من الثقافة ، ممتلئ الاوداج ، وكان الى ذلك كله يحتل مكتبا ضئيلا فى ركن جانبي من ادارة ضئيلة ، وكان بنفسه - مع ذلك كله - جنون الى أن يبرز فى المجتمع . والى أن يكون فيه شيئا مذكورا وشيئا ملحوظا . . وكنت يومها - بحكم العمل الذى اقوم به - اضطر إلى قراءة ما يرسله من غثاء القول ونفاية الكلام ، وماهو الا أن امضى فيه بعض الشئ حتى يأخذ بتلابيبي الغثيان من هذا الاسلوب الفج المعقد الوبيئي ، ومن ثم كنت اعمد الى قلبه رأسا على عقب ، لأصوغه فى شكل جديد ؛ كيما يصبح مفهوما لدى جمهرة القارئين .

وقد مضت السنوات بصاحبنا بعد ذلك ، وهو فى مكانه لا يكاد يريم عنه ، وتنقلت بى ظروف الحياة الى جو آخر ، ونسيت من آمر صاحبنا ، ومن بيانه العجيب القليل والكثير ؛ اتلهم الارسيس ذكريات بقيت تحز فى نفسى كلما تمثلت امامي أشباح رسائله المشوهة العقيمة السقيمة . . أما هو فقد مكث يؤدى عمله ذاك على نحو آلي واحد ؛ لا يكاد يتغير فى قليل ولا كثير ؛ ولا يكاد يلمسه شئ من التطور أو التحسن فى قبيل ولا دبير ؛ فكان رسائله - على اختلاف موضوعاتها - رواسم ) اكلشيهات ( خط رديئ صنعت على طراز واحد لا يمكن أن تتغير مهما تنوعت بها الظروف ، ومهما تعددت عليها الطبعات

ثم جرفه تيار الحياة العام فيمن جرف من اضرابه وقرنائه فاذا به يتحول من كويتب بسيط الى رئيس متوسط قائم باعمال أهم وأعم من ذى قبل بكثير . . وبعد أن كان فى ماضى حياته من ركاب " الدرجة الثالثة " فى ) سفينة الحياة ( - اذا به يصبح من ركاب " الدرجة الثانية " فيها ، وانه ليتطلع من كل جوارحه الى أن يطير عن هذه الدرجة المتوسطة الى الأولى بين عشية وضحاها . . وفى ذات يوم سمعت من بعض الرفاق ان صاحبنا " عصاما " قد تجاوز الدرجة الثانية وانه صار من أهل الدرجة الأولى بقفزة غير ذات أسباب واضحة . . ولم يتمالكنى العجب ولا عرتني الدهشة من هذا التقدم

السريع المفاجئ فقد اعتدنا من الليالي والأيام أن تلد لنا الشواذ والعجائب والمخدجين وأن تطهو لنا المفارقات . . وقد وجدت ذات صباح صاحبنا على رأس عمل يدير دفته ويقوم بتصريف شؤنه على ما يروق له ويروم ؛ واذا هو يحبر رسائله على طريقته الخاصة المعهودة ؛ وقد أصبحت اليوم غيرها بالأمس اعتبارا ومكانة ؛ واحتفالا وتقديرا وشأنا وتأثيرا ؛ انها تجد اليوم طريقها السهل الميسور الى كل نفس ؛ وتجد سبيلها المستقيم المعبد الى كل ناد ، وهكذا استيقظ حظ صاحبنا دفعة واحدة ؛ لا فى الناحية المادية وحدها ؛ بل وفى النواحي الأدبية أيضا ؛ فلا غرو ، وقد بلغ الى هذه القمة من الشهرة بقدرة القادر الحكيم ؛ أن يخيل اليه انه اليوم ) جاحظ البيان ( والاسلوب والتفكير . . وقد تناول النثر فضرب فيه الى كل اتجاه وتناول الشعر فاذا به أحد الشعراء الموهوبين وفتحت له الصحافة أبوابها يجول فيها ويصول ويوجه ويرشد ويصحح وينقد وأضفت عليه أضخم الألقاب الادبية واحفلها بالتقدير والتبجيل ، وصارت تنعته بمناسبة وبغير مناسبة بانه أستاذ الجيل ، وانه الشاعر المفلق الخطير ، والاديب الحصيف اللامع ثم أوغل فى أودية الادب ايغالا ما بعده ايغال فتطرق الى فلسفة الحياة والعلوم والسياسة والآداب وألف فى كل ذلك أضخم التصانيف ، ولكنه ما استهدف قط فيما يعمل الا للتقريظ الحافل والا للتكريم الحافز . . وقد ظهرت مؤلفاته النفيسة فى طبعات أنيقة جذابة وأصبحت ينظر اليها على انها العمود الفقرى للتفكير الوضاء فى الحياة الفكرية الحديثة بالبلاد وهكذا أصبح صاحبنا الساذج العيى بين عشية وضحاها طودا شامخا يشار اليه بالبيان فى عالم التفكير والسمو فى البيان . . وقد أجمع العارفون بحقيقة الامر على ان يغلقوا نوافذ تفكيرهم ونقدهم دونه واضطرهم هذا التيار العارم الجارف العام الى أن يصفقوا لصاحبنا نابغة الدهر وعبقري الجيل مع ركب المصفقين والى أن يهتفوا له مع مواكب الهاتفين .

قال محدثي وقد أصغى الى هذا الحديث : - أفيروج فى اسواقكم الزيف الى هذا الحد أيها الصديق ! قلت له : - هو كما ترى أيها العارف المغمور

اشترك في نشرتنا البريدية