الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

القصص , غانية

Share

كانت كالزهرة المتفتحة تبتسم لكل شئ . وكانت كأنفاس الربيع تمر على كل فتنعشه . وكانت كالجدول الصافى الذى يترقرق فى هدوء ودعة فيندى ما حوله ويمضى فى طريقه طاهرا نقيا .

وكذلك كانت ، فأن نقاءها كنقاء الشمس تبعث الدفء والنور باشعاعها الى الأرض دون أن تهبط إلى الأرض .

ولم تلجأ الى الرقص الا لأنها تريد ان تعيش ويعيش معها غيرها . والرقص فن وإن غلط الفنان بفنه فليس الذنب ذنبه ، ولكنه ذنب الناس الذين لا يدعون الفنان لا يعيش الا إذا نزل بفنه الى مستواهم . ولا بد للذين يشعرون بعزتهم ان لا يكونوا عالة على أحد ، والذئاب لا تتورع عن افتراس النعاج الهائمة . والراعي مهما كان أمينا فأن نفسه ذات مسارب . وأهون ما يتسرب اليها الملال . . وهى لا تريد ان تثقل على أحد لئلا يملها الناس .

كانت تستطيع ان تختار رجلا من هؤلاء الرجال الذين يتهافتون على طلب يدها فتعيش عيش الملكات !...

لكنها لا تستطيع العيش بدون امها واخواتها الصغار وتلك عاطفة سامية لا يمتلىء بها الا قلب انسان . فأذا ضحت بهنائها فى سبيل اخواتها وأمها فلانها انسانة ! . . والانسانيون لا يروقهم أن يتقلبوا فى أحضان النعيم . ومن حولهم يتقلبون فى أكف الحرمان.... وهي من هذا الصف الممتاز . وثمانية نفوس تتطلب الطعام والشراب والكساء والمآوى - حمل ثقيل : وعب لا يثبت له إلا أولو العزم

من الرحال . وهى انثى ومن حولها اناث مثلها . وبيئتها تثقل الانثى بالقيود والاغلال ثم لا تؤدى لها ما تستلزمه القيود والاغلال من واجبات .

ما العمل ؟ ألقت على نفسها هذا السؤال الذى يلقيه على نفسه كل من وقع فى مشكل.... فأجابها كل من حولها : العمل! . . ولكن ما هو العمل ؟ وما نوعه ؟ التجارة تتطلب رأس المال وهو مفقود !

والوظيفة لا تقيت الثمانية - ولو كانوا اطفالا - الخبز الحاف وراغب الزواج منها لا يكلف نفسه الا بها . أما أخواتها وامها فهذا مالا يحتمله الأزواج ولو كانوا فى ثراء المهراجات.  انها شهية . لكنها لا تسمح أن يلتهمها الجياع

وهي رشيقة ذات قوام مياس . وخصر نحيل . ولدونة كلدونة الاغصان الخضر . إن كل ما فيها راقص مترجرج والرقص فن والارباح مغرية ولكن الناس لا ينظرون فى الراقصة الا المرأة اللعوب التي لا تريد من مفاتنها الا اغراءهم بها فيجترئون عليها بشتى انواع الاجتراء وان فى الناس المجنون والطائش والعربيد والجمهور فى جملته لا يرحم . وان لها لفتنة .وان فى عينيها السحرا . وان فى ابتسامتها ما يشعل فى النفوس النار . فأن اجترأ عليها العربيد والطائش والمجنون فأنهم انما يجترئون تحت تأثير الفتنة العمياء . والسحر الجارف والنار الموقدة . واذا لم يرحمها الجمهور فلانه لا يحكم الا بما يرى . ولم يرفيها الا جسما يترجرج . ونهدا يتهزهز . وكفلا يتخلع . وطرفا يتكسر ، وكل اولئك لا تبديها للاعين الا المرأة الخليعة التى لا تحفل إلا بأثارة الغريزة واقتناص الرجل ؛ وابتزاز الاموال . فاذا لم يرحمها الجمهور ، فلأنه لم يعرف من امثالها غير ذلك ؛ ولا يحكم الا بما يرى . اما صفاء النية ؛ و نقاء القلب ؛ وطهر الضمير ؛ فلا تسمح للجسم ان يتكشف أمام الناس عن مفاتنه . ومن اين للجمهوران يصل الى الاعماق أو ينتهى الى الحقائق ؟ ؟

انها جيدة التفكير خطر لها كل ذلك وكاد يقعدها عما اعتزمته . ولكن الحياة حبيبة جبارة . فقد خيرتها بين احياء ثمان أو اماتهن جوعا ، وقد قست عليها فى الخيار ، ولا سبيل ان تتراجع الحياة عن رأيها ، فلتختر أحد الأمرين طوعا او كرهًا ،

مهما تجهم وجهها ، ومهما قست فى احكامها ، فأن حبها عميق متأصل فى النفوس وهو أعمق ما يكون فى النفوس البائسة منها ، المتمردة عليها ، ألا ترى الذين يفتكون بها وينتحرون فرارًا منها لا يكادون يحسون بنهايتهم حتى يتشبثوا بها ، ولا ادل على ذاك من المرارة التى ترتسم علاماتها فى وجوههم ، وتظهر فى حركاتهم العنيفة التى يريدون من ورائها إعادة الحياة اليهم مرة ثانية . ان التفكير فى البعد عن الحياة مؤلم ، أفلا يكون اشد ايلاما على النفس معالجتها لمفارقة  الحياة ؟ ؟

ها هى امها الفانية وكأنها جذع يعتصر ، فتبادر لتمسح هذه الدمعة التى ان توالت فسوف يدرك الجذع الجفاف ، وتنظر الى أخواتها فتجدهن كالزهور الذابلات ، وفى نظراتهن تعبير صامت يدك الصخر اشفاقا ورحمة .

واخذت تقلب الرأى وهي فى مضجعها ولكن من أين للرأى ان يتحرر من ضغط الحاجة ؟ ومخيلة الجائع لا تتصور الا الرغيف ! وعقل المعدم لا يفكر الا فى المال !

وليس للعاطل أمنية الا العمل ، أما كيف يأتى الرغيف ؟ وكيف يجمع المال ؟ وكيف يعمل العامل ؟ فالتفكير فى ذلك لا يستقيم مع خواء المعدة ، وصراخ الامعاء ولا خيار للغريق فيما ينجيه من اللجة ، فهو يتعلق بما يصادفه فى عرض البحر ، ولو خنزير البحر .

وقف صاحب المسرح مأخوذا بالجمال القادم عليه ، واصغى مقبلا على الحسن البكر وهو يتحدث . ورحب بالعرض ترحيب الفرح بالمفاجأة السارة ، واعد لها افخم ما يعده العاشق الولهان لفتاة احلامه ، واعلن عنها فى الصحف والمجلات وعلقت صورتها فى كل مكان ، وكان الاقبال عليها شديدًا لرؤية الكوكب الجديد ، وصفق لها الجمهور ، ونصبت لها الفخاخ ، ولكن الطعم لم يغرها على الوقوع ، ولا اغداق صاحب المسرح عليها اغداقا ما كانت تحلم به ، ولم يرد بهذا ، إلا الاحتفاظ بنجمة مسرحه المتألقة وكوكبه اللامع . واكتفت هى بذلك عن كل ما سواه ، وظلت تنثر البسمات على النظارة ، وتصافح المعجبين ، ولا تبخل بالحديث والمؤانسة على كل من يطلبهما منها فى فترات الاستراحة ولكنها مع ذلك ظلت كالشمس تبعث الدفء والنور الى الارض دون ان تهبط الى الارض .

اشترك في نشرتنا البريدية