الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

القصص, فاطمة .

Share

الزوجة الصالحة انسان كريم . الزوجة التى تحتمل الآلام والصدمات لهناء زوجها واسعاده هي الزوجة المثالية التى تكسب رضا الله وتفوز بالنعم . " انا احب حماتى " كلمة تقولها فاطمة كلما خلت الى زوجها ، تقولها فى سذاجة وصراحة وصدق . ولكن زوجها ) حمزة ( ينظر اليها فى شك وتساؤل . . ذلك انه لا يصدق ان زوجة فى الدنيا تحب حماتها ، وان حدث ذلك فهو امر عجيب يستحق البحث والتفكير فى التسليم به واخذه على انه امر واقع صحيح . ولكن حمزة لا يلبث ان يربت على كتف زوجته بحنان حين يلمح طابع الصدمة فى نظرتها وحركاتها . فاذا خلا الى امه راح يصف لها حب زوجته العميق لها ، وتعلقها بها . ولكن الام تهز رأسها هزات متتالية وتقول له : إن هذا هو الحال بعينه ، وانها هى التى تحب فاطمة ، ولكن القسمة والنصيب تجعل فاطمة تكرهها فى الباطن وتظهر لها الود مجاملة من اجل زوجها . ( ومن أحب السقا وجب عليه ان يحب قربته )

ومضت الايام . الزوجة بسذاجتها وطهارتها تحرص اشد الحرص على اسعاد زوجها وارضاء حماتها محتملة قسوة تتزايد مع الايام وموجدة تكاد تحس بها من حماتها فلا تملك غير الصبر والجلد ذلك انها تحب زوجها حبا لا يحده وصف ، او يشمله شرط تنوء فى سبيل اسعاده بالغلظة الجافة تهب عليها من امه . وبالنظرة المتشككة بطالعها بها زوجها بين الحين والحين وكان ثورة فى نفسه تريد ان تتفجر وانها لتدعو الله مخلصة ان يجنبها شر المعركة وتسأله ان يحفظ عليها زوجها وطفلها وان

وفقه ليصدقها فى حبها له واجلالها لامه وتحاشيها الوقوع معها فى نضال قد يؤدى الى هدم الحياة الزوجيه فتفقد البعل وتؤوب بطفل يتربى يتيما محروما او شبه اليتيم المحروم فاما الزوج فكان امينا على وفاء زوجه واثقا انها شريكة حياته ترعى حق الشركة وتحفظه فى عرضه وماله وولده وتهيئ له ما يتمنى من سعادة وراحة على انه كان فى حيرة عارمة يضطرب بين آراء امه واقوالها واتهامها لزوجه ، وبين خضوع الزوجة الصالحة الراضية لا تتكلف حتى الدفاع عن نفسها امام نزوات الحماة وطغيانها قانعة بما تلقى فى صبر ، وبما قسم لها فى استسلام يضطر زوجها الى الصمت فى كل مناسبة تثيرها امه لخلق المشاكل والخصومات . والنفس الصابرة لا تلبث ان تمل الصبر مهما طال بها امد الجلد ولاتلبث ان تثور للكرامة وتخاصم من أجل الشرف وتنسى كل شيء فى الحب فى سبيل الدفاع عن هذين العنصرين الكريمين

وكان عمار شابا بلغ الثلاثين او استوى عندها طلق الحياة فكه الحديث غض الاهاب ، وعمار ، اخ ، فى الرضاعة لزوجة حمزة . ولكنه كان منذ حداثته فى سفر طويل لم يعد منه الا وشيكا فراح يتساءل عن أهله واقربائه وذكر ان له اختا من الرضاعة فدل على بيتها وأنبأته انها زفت الى حمزة قبل سنوات وانها اصبحت اما لطفل وربة بيت وان اخبارها تصل الى أمه بين الحين والحين لان امه لا تزورها تحاشيا من نظرات حماتها وغلظتها . ولكن عمار يحب اخته فما هو الا ان يندفع مهرولا ويسأل حتى يهتدى الى البيت ، فيزور أخته التى استقبلته بترحيب وعناق وبالغت فى اكرامه فاما الحماة فانكرت انها تعرف هذا الزائر ، لكنها اصرت فى نفسها على شيء فجاملت الرجل وغافلته حتى سرقت له منديله وانصرف الضيف واعدا بزيارة أخته فى حضرة زوجها بعد يسير من الايام . ودبرت الحماة امرها واصرت على رأى . وعندما عاد ابنها اختلت به وطعنت فى شرف زوجته وقالت له : ان رجلا كان عندها وهذا اثره : " منديل " وفوجئ الزوج ووقع فى حيرة . اهذه زوجته الطيبة المصون التى يحبها ويعتقد انها تصونه فى عرضها غائبا كما تصونه حاضرا ؟ . .

الاما احقر الحياة وما اتعس الحب! . . على انه لم يستطع ان يجزم بشيء وراح فى تفكير عميق مضطرب لم ينته منه الى نتيجة ولم يخرج منه بقرار . .

كانت فاطمة - بطلة قصتنا- ابنة لرحل فقير مات عنها لعام واحد من ولادتها فكفلها وامها خالها الرجل الطيب العطوف ، وشاء القدر يختطف امها وهى بعد فى الثالثة فقامت على تربيتها زوج خالها واخذتها ابنة تمحضها الحب وتبرها ، لانها كانت عجوزا عقيما ، لم تنعم بلذة الذرية ، وقد ربتها واحسنت تربيتها ، وادبتها فكانت خير مؤدبة وعلمتها كل ما تحتاجه الفتاة حين تبنى بزوج وتصبح ربة بيت . وعلمها خالها ما ينفعها فى دينها ودنياها فخرجت الى دار زوجها فتاة كاملة الصفات عالية الاخلاق مطيعة عاقلة وخير مثل للزوج الكريمة النادرة

ولم تكن فاطمة تزور اهلها الا لماما ، على رغم ما تكنه لهم من حب وتقدير . ولم يكن اهلها ليزوروها الا فى الواجبات أو حين يبلغهم انها موعوكة او مريضة ، وما داموا يسمعون انها سعيدة راضية فذلك حسبهم .

وأشرق صباح جديد ليعلن لحمزة قدوم طفلة جديدة ، بنت جميلة وضعتها فاطمة غداة اليوم الذي قذفتها فيه حماتها بالقنبلة العظيمة . واحترم الزوج شعور زوجته بيد انه لم يتمكن من اخفاء انفعالاته وما يعتلج فى نفسه من شك والم فكان اذا جلس الى زوجه لزم الصمت ، تحدثه فلا يجيب الا باليسير من القول ثم يستمر فى وجومه وتقطيبه - ولاحظت هذا القطوب وكبر عليها هذا الغدر تتلقاه من الرجل الذي وقفت نفسها وحياتها لأسعاده ولكنها لم تجرؤ على سؤاله ولم تجسر على مفاتحته - على انها كانت تشعر فى اعماقها بأن هناك حدثا قد طرأ وان كان خلف الستور ، ومكيدة دبرت لهدم العش الهانئ والمغنى الحبيب . . وجاءتها الحقيقة صريحة حين اختلت بها حماتها واعلنتها ان زوجها قد اكتشف علاقتها بشاب وان تلك العلاقة قديمة نشأت قبل زواجها وانها كانت تدافع عنها امام ابنها ولكنه مصر عازم على امر . . وجن جنون الزوجة وافترستها حمى جمعت

ما بين الام ) النفاس ( وآلام الصدمة القاسية . وفرحت الحماة بهذا النصر وهى ترى ضحيتها تلتطم على صخور مكائدها ، ضعيفة عاجزة لا تجد النصر ولا تلقى المعين .

ألا ما أتعس أولئك الذين يتفانون فى الحب ويعميهم عن كل شيء!.. وما اشقى البؤساء فى هذه الحياة التى تجور وتجور فما تعرف الرحمة وما تنصف الضعفاء . والمستضعفون فى الارض اكثر بكثير من طائفة السعداء ولكنهم على كثرتهم ضعفاء امام الارزاء صابرون امام القدر راضون بما قسم لهم من خير او شر

وكان حمزة يدخل على زوجه فلا تحدثه ولا تلتفت اليه لانها كانت لا تعي من الحمى وان كان يسمع منها كلمات مضطربة لا تدل على شيء وقد تدل على كل شيء . . لقد كبر على المسكينة فى الاوقات التى تفيء فيها الى نفسها كبر عليها ان تصارح زوجها - وكان عليه ان لا يشك فيها وان يبحث عن الامر لعل فيه لبسا وان لا يصغى لمكائد امه التى تبثها  عنها ...وظلت الزوجة بهذه الحيرة فريسة الالم ضحية الشك القاتل ، وظل هو لا يتصرف فانه لا يعرف كيف يتصرف ولا يبت فى امر لانه لا يعرف كيف يبت في الأمور وانقضت عشرون يوما والامور تسير كما هي . الزوج فى حيرة وشك وألم . والحماة فى فرح وحياة مذبذبة بين النفاق والمجاملة . وفاطمة بين آلامها واضطرابها لاتفيق الا لتغيب ولا تهنأ بنوم او عيش او طعام . . وكأن الله يريد ان يبرئ فاطمة أمام زوجها فتفرح ببراءتها قبل ان تموت فكان حمزة اذا استيقظ صباح كل يوم من نومه المتقطع المشرد شعر كانه هاتفا فى اعماق اعماقه يقرأ قوله تعالى :

" ان الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير" . . " الذين يرمون المحصنات".. فكان يطرب ويتلوم وتمضى به الحيرة فلا يفعل شيئا . وعندما يحين النصر تتضافر جهود القدر لتحقيقه ، وهكذا شاء القدر ان يحقق البراءة لفاطمة والنصر لشرفها فاذا حمزة يصدم بشاب لا يعرفه ، صدمة كادت توقعه ارضا؛ فتماسك ووقف يتبين الصادم فاذا هو إنسان يشد على يده ويقول له : اهلا بزوج اختي ! مرحبا بصهرى العزيز!.. واسقط فى يده وهو يسمع الهاتف يلقى فى اعماقه : " ان الذين

جاؤوا بالإفك " - وسحب الرجل يده من يده واخذ يستوضح منه الصهارة فعرفه بكل شئ . فأخذه الى داره وادخله على أخته التى قامت تحييه وكان بها مرض وحزن ، وكأن الله اراد ان يهبها حياة جديدة مؤقتة لتسعد فيها بنصرها وفوزها ، وكشف الزوج الحقيقة لزوجته امام اخيها واعتذر اليها متكبأ على يدها يبكى بحرارة فمسحت رأسه وقبلته وهى تبكى وتضحك . ثم رجته مقسمة عليه ان لا يكدر حياة حماتها وان يحتفظ بالسر لانها لا تريد ان يكدر حياته وحياتها ، فوعدها خيرا . وانقضت ثلاثون يوما واشتد المرض بفاطمة رغم ما بذله حمزة من جهد لتعيش لزوجها وطفلها وضاعت جهود الأطباء عبثا فقد ذهبت فاطمة ، ذهبت الى عالم الخلود نفسا طاهرة وروحا كريم وانسانة نبيلة . ذهبت لتسلك مع الابرار وتخلد من الصالحين الاخيار - وكانت آخر كلمانها لزوجهها وحماتها : " بإحمزة أوصيك باولادنا وارجو ان تسمى " سميرة ، فاطمة لتذكرني بها " وتشهدت والتفتت الى حماتها ، وقالت : اما انت فالحساب هاك وعندما يتزوج ابنك باخرى سترين ولكننى اسامح . . ولفظت انفاسها الطاهرة . . وكان الزوج وهو فى حالة الحزن يمزق شعره ويقطع اثوابه لا يدرى ما يفعل وما هى الا ان أصابته نوبة عنيفة فارتمى على جسد زوجته وصار يتممرغ على الارض ويلطم رأسه فى الجدران حتى تكاثر الجيران من النساء وامتلأ فناء الدار بالرجال فاخرجوه عنوة وقادوه الى مكان بعيد

لم يكن حمزة ليجد أي عزاء فى الحياة بعد زوجه التي فقد معها الحنان والوفاء والطهر والرضى ، وفقد بعدها النعيم الوارف الذي كان يلقاه كل ما آب الى بيته والجو الساكن المفعم بالحب الذي تهيئه له فاطمة . فاما اليوم ، فحياته فارغة لولا هذه البسمات التى تتراءى على وجه " فاطمة " الصغيرة وهي تلعب مع اخيها . انها عزاؤه عن كل شيء . انه يعيش لاجلها ، يقوم ويسهر على تربيتها . . وانقضت اعوام والحت ام حمزة على ابنها ان يتزوج فان الدين لا يجيز اشاب مثله لم يبلغ الكهولة بعد ان يظل ارمل ، واستبد به إلحاح اصحابه ولكنه مع ذلك الحال كان مصرا على الترمل

وفاء لزوجته وحفظا على عهدها وحرصا على اولاده ان تعبث بهم يد غير يد امهم الرحيمة او نظرة غير تلك النظرة التى عرفها مليئة بالحب طافحة بالحنان ولما كثر الحاح امه واصحابه استخار الله ووعدهم انه سيطلب الى الله رؤيا فاطمة فى المنام فيسألها رأيها فان أذنت له تزوج والا فعلى الزواج السلام مدى العمر

وحقق الله امنيته فرأى زوجه فيما يرى النائم تربت على ظهره بحنان وتقول له باسمة : " تزوج اطع دينك وانا واثقة من حبك ولكن لا تنس اولادك " ثم تختفى .

بني حمزة بزوجه الثانية " ناهد " وكانت فتاة لم تبلغ السادسة عشرة بعد ، لعوابا ، . مكسالا ، تنام الضحى وتسهر الليل الى جانب المذياع او الحديث مع الجارات وصبرت أم حمزة فى الشهر الاول والثانى والثالث ثم ضج بها الصبر فبدأت تبذر الشقاق وتدرس . بل اخذت تنهال بقوارص الكلم على " ناهد " فتحملت الصبية اول الامر ثم ما لبثت ان اصابتها رعونة الشباب فاندفعت تكيل لحماتها الصاع صاعين . .

وثارت الحماة وشكت لابنها ولكن هذا كان دائما يصم اذنيه ويتعامى حتي ليكاد يسمع الشتائم تنهال على امه من زوجه فيضحك فى سره . . واشتد النضال بين الحماة والزوجة وعرفت الحماة ان الله يريد أن ينتقم منها جزاء ما اسلفت لفاطمة من سيئات ، وجاءها مرض الموت وحلق بها نذيره فجمعت إليها ابنها وزوجه واطفاله وطالبتهم السماح فتباكوا ، ثم تنهدت بصوت متحشرج : رحم الله فاطمة . أعترف صادقة اننى كنت قاسية عليها واننى اتهمتها ظلما وعدوانا وانها بريئة وان الله قد انتقم منى.. سامحنى ياولدي! . . وانتم يا اطفالي وانت يا بنيتى )ناهد( ثم أدارت وجهها وتشنجت ولفظت انفاسها الاخيرة . .

اشترك في نشرتنا البريدية