الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

القصص, فكرة

Share

فصل جديد من " فكرة " الرواية الجديدة التى يضعها صديقنا الأستاذ أحمد سباعي ويطالعنا في هذا الفصل نمودج للافكار الخاصة التى تعتنقها وتذهب الذي تذهب اليه فى الحب .

كانت الشمس قد مالت الى الاصيل ، وعكست أشعتها من فوق التلال على المروج الخضر في حفافى الوادى ، وتماوجت شقشقه العصافير مخلطة بازيز السواقي على حواشى الجداول ، وكنت تسمع رغاء الابل وهي ترزح تحت أحمالها من العنب والسفرجل آخذة طريقها إلى الطائف . بينما اخذ الرعاة يجمعون قطعانهم متجهين صوب منازلهم وراء الهضاب البعيدة . وكانا على شرف باتئ من الروابي لمنعائرة فى السفوح البعيدة يتناولان قهوتهما بعقد الدخان على فناجينها سحبا رقيقة شفافة ويتساقط ان الحديث شيقا فى مواضيع كثيرة مخلفة .

قال وقد اعتدل في جلسته وتوجه اليها : - أتحبين ؟ - ما تعني ؟ - أعني كل ما فى هذه الكلمة من معنى ! - أحب . احب الليل فى هدوئه الغافي ، والقمر تغشاه غمامة شفافة ،

والأفق المترامي لا يحده البصر أحب الجبال الشامخة كانها تعبر عن كبرياء صامتة والسهول المبسطة كانها مطرزة بالوشى ، والجداول الصافية يترقرق فيها ماء عذب . . أحب البكور تشقشق فيه العصافير المغردة ، وأحب الشمس فى صحوتها تظللني من سعيرها دوحة فينانة ، وأحب الأصيل تنعكس فيه الشمس ذهبية براقة . . أحب كل ما هو طبعي في الحياة لم تصقله يد محترفة " وكل ما هو صحيح لم تزيفه الصناعة المبهرجة . أحب انرأي مصدره المنطق السليم والقوة مبعثها الحق ، والفضيلة يصدع بها رحل برئ من الشهوة والغرض

أحب في الحياة محمد صلى الله عليه وسلم لأن أغراضه شريفة ما التوت قط ، لأن سيرته صورة من تعاليمه .

لأن تعاليمه نقية بيضاء لم تكدرها الا أهواؤنا . لأنه كان قويا على نفسه قبل ان يكون على غيره .

صادقا في سره كما هو فى علانيته ، عادلا بلا ميزه لأصفي أصفيائه ، ولا استثناء لاقرب أقربائه لينا من غير ضعف .

رقيقا دون تكسر فقيرا ما لانت قناته لجبار فى الارض غنيا ماشبع قط من طعام الدنيا

عقاما براصله بشئ من لذائذ الحياة . - أمامى نقل - مشاعرة تعبد الله - هو ذك . . أنا شاعرة بهيامي فى جمال الكون ، متعبدة لافتناني بالمثل الكامل في حياة محمد صلى الله عليه وسلم  فهل هذا كل ما تريد أن تقول ؟

- أنه وما أعنيه بالضبط ، ويهمنى بعده أن اعرف ما إذا كنت تحبين حب أهل الدنيا وتعبثين عبثهم ؟

- أنت ترى ان الحب باللون الذي تريد فيما يرافقه من عشق وغرام وهيام لا اكثر من أنانية وحب للذات . إنه ياخذ اشكالا عدة ليستوى فى نتيجة واحده هي : حبك ذاتك وايثارك متعتها . . فانت عندما تهوى الجميلة تهوى في الواقع لذة نفسك فيها اكثر من أن تهواها لذاتها .

والأمر " شأن الفتنة بجمال الكون وهواه لا يعدو ذلك وهو ك لذة نفسك فيها اكثر من هواك لذاتها .

الحال في الامرين واحد ، لكنك وأنت تهوى الكون تحب ذلك الحب الرتيب الهادىء . . الحب الطبيعى المهيا لايثارها ومتعتها . أما وانت تحب الجميل م هو الكائن الحي فقل ان تستصفي المتعة وتتذوق الجمال الهاديء

للجميل ككائن حي نوازع ومشارب ومنالب لا تضمن توافقها لما تنشد من متعة ولذة

وللجميل من منزفل الطبيعة وجه واحد لا يهددك فيه اختلاف النوازع والشارب فان تترع هناءتك في الهدوء الذى تنشد .

وقديما خلط الناس بين الحب الذى هو استصفاء اللذة مجردة فى الشكل الجميل باوسع معانيه دون استثناء او استئثار ، وبين الفنية التى هى حصر الجمل في أضيق حدوده للاستئثار به .

الحب فى شكله الاول معناه : الجمال شائع فى كل جميل على الارض شيوع المتعة به دون استثناء او استئثار .

والحب فى شكله الاخير - حصر الجمال فى حالة بذاتها تستثنيها لنفسك وتقيدها بك . فانت غاو فيما استثنيت ، ظالم لما استأثرت .

والحب فى شكله الاخير غلطة الاجيال والحقوب تحدرت الينا فى اسلوب كانت القصة و لوضع أهم عناصره وتركت الغلطه أثرها فى وعي الاجيال حقبة

بعد اخرى حتى استوى العهد الذي حلت فيه الغلطة محل الحب الطبعي فنحن اليوم نحب بمعنى اننا نضفي الجمال فى حيز ضيق ، ونحب بمعنى اننا تستذل لحا كم مطلق ، او نستبد بعبد ضعيف - او نحب بمعنى ان نشقى بالتوفيق بين ارواح تتنازعها مشارب مختلفة باختلاف الاهواء والاغراض ومنافع الذات

شكى كثير من عزة ، وحكي جميل من بثينه ، وجن قيس بليلي في صور لاندرى كم عانى الوضاع والقصصيون فيها ولكنك تدرى أنها كيفت الحب في جميع الصور بعدهم وصغته فى القلب الذى شاء الوضاع والقصاص لكثير وجميل ، وقيس ، ولو كنت قصصيا بارعا ذا خيال واسع لاستطعت ان تضع للناس قاعدة جديدة للحب في قصة محبوكة يجعل منها مثالا للحب فى اسلوبه الجديد

فالحب بهذا المعنى عدا أنه انانية جامحة ، وحب للذات ، أرى انه تقليد سخيف لفكرة تحدرت الينا من اجيال ممعنة فى القدم غذاها حيال الرواة والقصصين . وهو بعد هذا اوقبله ان شئت معرض للذل والتزق والتجنى كما هو اقحام متكلف للمزج بين قلبين متحابين وفي كل منهما نزعة متاصلة للاستئثار والانانية .

بربك ما معنى الشكوى بين الحبيبين ثم ما معنى اللوعة والأسي والبكاء ، ثم مامعنى الجنون او الموت ؟ اليس ذلك نتيجة اقحام متكلف على غريزة شخصين ؟ انه ليس اكثر من ان تقول العامة ويقول التقليد انهما تحابا ، اما غرائزهما الشخصية ففي منأى عن ذلك بما ركب فيهما من حيوانية انهما يتحابان اليوم . وينعمان معا بتأثير هذا المخدر الوجدانى فلا تستوى سحابة النهار حتى يكدرها ذل او يستفزها كبر او تجن فاذا عصب الحيوانية الاصيل يستيقظ ، واذا احساسها يرهف حادا ، واذا النفس تسمع في صمت لنداء الغريزة فاذا الجو من جدير يكفهر ، والسماء تتلبد بالغيم ، واذا هدير الرعد وهزيم الريح ينذر بالشر والويل ، واذا العاشقان بين الهوى التقليدى واهواء الغريزة يتجاذبهما مد وجزر ، واذا النناب بذر الشكوى يحلان محل الخيالات والوهم الزائف .

اشترك في نشرتنا البريدية