الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

القصيدة النثر ليست شعرا و(( قف! ))

Share

يعتبر القابسى من رواد القصيدة النثر فى تونس بعد أن تمكن من البحر وسجنه فى كأس ، وهذه العملية هى رغبة منه فى سلب البحر حريته ؟ أم أنها رمز لتوق الانسان للسيطرة العقلية والعاطفية على كبريات هذا الوجود وقواه الطبيعية لتسخيرها لفائدته واستعمالها فى جميع مجالات كيانه ؟ بما فيها الكيان الفنى الذى أراد القابسى ان يجلب - ما لم يتسن لغيره جلبه - لداخل ذلك الكىان من عوالم قد تكون محيطة به وقد تكون بعيدة عنه ، وبقدر بعدها عنه تكون المعاناة فى طريق الوصول الى الغاية الفنية الابداعية وايصال الغير اليها ..

هذا ما لمسته واضحا جليا فى كتابة الفابسى من خلال مجموعته الاولى (( البحر فى كأس )) لمست ان وصولى الى كيان الغاية الفنية التى اراد هو ابصالى اليها - كقارىء - كان . ولكن بقدر وصوله هو نفسه الى تلك الغاية فى معاناته . وبالصعوبة التى وصل هو بها وصلت أنا اليها بمضمون تلك الصعوبة لا بشكلها لان الشكل الذى مارس به القابسى مسيرته الفنية يختلف عن كل الاشكال الشعرية فى تونس فليس هو فى غير (( فى غير العمودى والحر )) ولا هو فى نفير القصيد المضاد لمحمد مصمولى ولا هو فى صيد الشعر الحر . ولا هو فى جوف فرا الشعر العربى الاصيل . فهو شعر عرب الرؤى . فابسى الايقاع . جان بارسى الصدى . وفى ذلك بحث عن الجديد وتجديد لأنفاس البحث عن المسار المغاير .

إن محك الدرس ليدعونا أكثر من أى وقت مضى الى أن نضع عليه ممارسة ( الناثرين الشعراء ) أو كما يحلو لبعضهم ان يسمى نفسه ( النا شعراء ) .

ولربما يكون الفحص الشامل لمعاصم تلك الممارسة أوكد - لتناولها فى شمول - من تناول أى عمل ما لأحد روادها فى تونس ، ندعه الآن لما هو أدهى لنعود اليه حتما .. والعود - لنقول كلمتنا فيه - أحمد .

فلنشرع بادىء ذى بدء فى جس نبض معصم ما يسمونه : ( القصيد المنثور ) أو ( قصيدة النثر ) .

إن هذه التسمية فى حد ذاتها لها بعدان اثنان :

1) البعد التراثى : وهو القصيد ومنشأ هذه الكلمة كان فى ارادة (( القصد )) من كتابة ذات سمات معينة يرمى الكاتب فيها الى مقاصد منها أن يقال : (( أقصد الشاعر )) أى واصل عمل القصائد صدورا من فعل قصده توجه اليه .. وقصد فى مشيته سار مستقيما مستويا ..إما فى بنيته الجسدية أو فى بنيته الاجتماعية أو فى المسلك الى الهدف وبهذا المفهوم ( فالنا شعراء ) تناقضوا مع ذلك قولا وفعلا . نثرا وشعرا .

2) البعد المستحدث : وهو بناء الضد بضده.وذلك ما حدث في هذا التركيب ( القصيد المنشور ) ذى البعد المستحدث لا على مستوى عنصرى البناء بل على مستوى ماهيه البناء نفسه إذ ( القصيد ) هو نظام معين و ( المنثور ) تعيين واضح لعدم النظام بمفهوم ( البعثرة ) وبذلك يصير مفهوم (( القصيد المنثور )) يعنى (( النظام المبعثر )) وما بعثرة النظام نفسها الا الوجه الآخر للنظام المنظم . ومن هنا يكون القصيد المنثور حالة فنية جائزة كحالة ( التلاشى البنيوى فى الطبيعة ) كجسم وردة بين يدى عاشق يريد رش طريق المعشوق بأوراق الورد فيعمد الى تفكيك تاج الوردة وبعثرة أوراقها هنا وهناك وفى ذلك منظر بديع لضد الشئ المعتاد .. وقد لا يقوم فاعل ما بتعمد ذلك الفعل ومع ذلك يحدث تفكك تاج الوردة على طاولة الصالون حول أصيص الزهور بحكم طبيعى نافذ المفعول حين يدخل عمر الورد حيز التلاشى وليس فى ذلك ( عدم ) ولكنه ( تحول ) وهو ما يسميه أدباء النقد ( التجاوز ) وهذا الاصطلاح نفسه لى فيه قوله تتمثل فى اعتراضى على من يستعمل كلمة ( تجاوز ) استعمالا مجانيا عماده أن لا عماد له .

التجاوز المجانى :

هو أن يدعى أى كاتب أنه تجاوز كتابات غيره بما ادعى فيه التجاوز لنفسه . بحيث يصير ما كتب غيره هو الاثر الذى وقع تجاوزه منه سواء كان بعد استيعابه او قبله دون وجود اثر للكاتب نفسه يقوم بتجاوزه هو

نفسه وبذلك يصبح التجاوز لا أساس له فى عمل المتجاوز . واذا كان ذلك بناء جديدا لجدار آخر فى مدينة الخلق الفنى فكيف يقام ذلك الجدار على أساس هو لغير البانى ؟ هذا إذا قام باستيعاب ما لغيره فما بالك بمن لم يقم لا بذلك الاستيعاب ولا بوضع أساس جديد ذاتى ؟ فهل سيرتفع فى تلك الحالة هذا الجدار ؟ وهل سيتم بناء مدينة الخلق الفنى اذا كنت تبنى وغيرك يهدم ؟

وهذا ما يتقارب مع ايديولوجية التقويض لكل القيم ومعتنقو هذا المذهب هم هؤلاء الذين تزخر بهم ساحاتنا الثقافية ادعاء ودعوة فالتقويض عندهم بناء والاغلاط فى الكتابة لديهم هو التجديد بعينه . وأظافرهم والطامة الكبرى على رأس من تفطن لاغلاطهم حتى ولو لم يصلحها فانه يصير فى نظرهم وفى أبواق تجمعاتهم الضحلة والحمد لله ! يصير الرجعى الذى فاته الرتل وتخلف في محطة ما قبل التاريخ . وبذلك فاما أن نجاريهم فى أخطائهم على انها تجديد فى التركيب والتعبير والافكار والكتابة والا فنحن بضائع نسيها أصحابها على رصيف الماضى وسافروا بدون رجعة فسوف يأتى قطاع طريق ما بعد التاريخ وينهبون منا ما شاؤوا وقد ينهبوننا نحن بالذات والصفات والتعابير والكلمات ومن يصرخ منا فى الملأ أدركونى (( القطاع ! القطاع ! )) فانه سيكون فى نظر هؤلاء (( جبانا واحتمائيا )) ومن احتمى بغير ذراعيه ذل . ومن انتمى لغير قومه ولو كانوا ضعفاء فهو أضعفهم . وهو مدعاة ضعفهم .

عرق المعاناة :

لا يمكن لاية كتابة أن تنهض بنفسها ما دام فيها من ليس منها . وما دامت لا تقوم بكشف ممارساتهم فيها امام الشمس . ولا يمكن لها أن تجفف الحياة فى شرايين التكالب ما لم تفتح لأشعة الشمس فيها بابا - والبيت الذى تدخله أشعة الشمس لا يدخله الطبيب كما يقال - .

فاذا لم تفسح المجال لتلك الاشعة الناقدة لتتوغل فى عمق منعرجاتها . فالحرارة لن تستطيع أن تصل الى آباط الجسم تجوس خلال شعر الأخافى واصلة الى ما التصق واختفى وراء الشعث المغبر من كثرة ما فى طريق المتناقضات من غبار ولغزارة ما فى تجاعيد ذلك الجسد من عرق الارهاق الذى قد يلهى ماسحه عن ذرات مهمشة حطتها السوافى على اهدابه وازدلفت لتدخل العين ولكن اليد الماسحة رغم عرق المعاناة الذى يضمخها ، هى وحدها التى ستصل من خلال قطرات العرق لتحمى العين من هوامش السوافى فاذا الماسح والممسوح كلاهما فى خدمة العين فلولا الهامشة ما امتدت يد الماسح ولما

امتسح مع تلك الهامشة ما ران من قبل على العين من غبار ، صارت بعد المسح اكثر واعمق رؤية من ذى قبل .

بذلك تستطيع تلك العين أن تبرز ماهيات ونوعيات ما يمارس اليوم باسم التجريد أو التجريب من ضروب عديدة من ( الفن ) الهارب منا ومن جذوره معا ، وليس من الضرورى ان تكون جذور الفن المراد ممارسته ضاربة فى القدم بل من الممكن ان يقوم الممارس نفسه بوضع جذور لها (*) . أما ان يجترح  ( على هامش الأنباء ) ممارسة يدعى انها فن تجديدى داخلى الجذور لا يستطيع ان يتدخل فى شؤون جذوره الايقاعية حتى هو نفسه - وقد يعترف بذلك العجز اذا خلا الى نفسه - ولكنه اذا خلا اليه غيره حاول جهده ان يوهمه بأن ما يمارسه هو الخلق الفنى والعمل التجاوزى . فذلك لا يعدو أن يكون ادعاء لفن جف فى شرايينه نسخ الأصالة .. وشاح على سطح بشرته عرق المعاناة .     ومثل هذا الادعاء لا يمكن ان يذكرنا بغير صورة كربونية لذلك الرسام الذى قام بجمع (( شعب من الحلزون )) واغرقه فى أصباغ مختلفة الالوان وترك له المجال رحبا ليسرح كما اتفق له السروح على وجه لوحة من قماش أبيض مشدود إلى اطار يتحرك فيه ذلك ( الشعب الحلزونى ) ، وما هى الا هنيهة من الزمن المهمش حتى برزت للوجود لوحة زيتية تجريدية ضاربة فى أعماق الابداع الفنى الرائع الموحى الشفاف ذى الايقاعات الداخلية داخل عالم زاخر بالرؤى المتداخلة الخطوط ، المتعامدة الاشكال ، الأفقية الألوان - ولتفم يا فاهم ما اتفق لك الفهم الذى هو الوجه الآخر لعدم التفاهم - والغريب أن ذلك الرسام لا يخجل من أن يدعى أن اللوحة التى رسمها (الشعب الحلزونى) هى من ابداعاته ومن وضع ريشته الخلاقة .

التدخل فى شؤون (( الايقاع الداخلى )) :

إن ممارسة هذا الفنان وادعاءاته لأقرب ما تكون الى ممارسة وادعاءات هؤلاء الذين يكتبون ما يتوهمونه ، او ما يعتقدونه ، أو ما يخدعون به القارئ العادى وحتى بعض المثقفين من انه ( الشعر ) ، والحقيقة انه لا يعدو ان يكون نوعا من النثر لا يخلص ولو لأبسط قواعد الشعر العربى ، فما بالك باخلاصه لكل ما للشعر من قوانين وحتميات وضوابط ومعطيات ومنطلقات ؟ فهل يكفى أن يكتب أحدهم نثرا يوزعه على الورق كلمات وجمل متعامدة ليدعى

انه يكتب شعرا ؟ حتى ولو كان ما يكتبه حلو المذاق ، أنيق التعبير ، مشحون المضامين ، وقد يكون أروع من الشعر الموقع ، إلا أنه ينقصه الايقاع الخارجى فيدعى مجترحه : ان ايقاعه داخلى ، وهو لا يعنى من كلمة داخلى غير الهروب الى الداخل من وجه القارىء الذى يواجهه فى الخارج ، وينتظر ايقاعا خارجيا يتفاعل معه على أرضية متعارف عليها تبسطها لنا ماهية اللغة العربية التى تعتمد فى ايقاعاتها على الحركة والسكون اللذين بدونهما لا يمكن ان ندلل على حياة اى كائن حى .

فالانسان يتحرك بمقدار ويسكن بمقدار فاذا تجاوزت الحركة الحد فهى تنقلب الى الضد ؟ واذا تجاوز السكون الحد فهو لا ينقلب الى الضد ؟ ولا يمكن ان يكون هناك توازن فى حياة الانسان اذا حاول تحطيم هذه القاعدة البديهية والحتمية التى يقرها العلم اليوم أكثر من ذى قبل ، اذ العلم اليوم هو روح عصرنا ، وروح العلم هى الحسابيات والمقادير المعينة التى دخلت كل ميادين المعرفة بلا استثناء ، وهذا ما اصبح يؤمن به ابناء العصر كلهم ولا استثنى منهم غير ( الناشعراء ) ، فعوض ان يتوغلوا فى عوالم الشعر متسمين بروح العصر ليعلمنوه ويضبطوا تحركاته وسكناته ، مالوا الى تحطيم مقوماته عوض تطويرها جريا وراء السهولة الرخيصة (*). ولقائل ان يقول لى : ما ذلك الا استجابة للقلق الوجودى الذى يعيشه العصر ، عصر السرعة حتى فى الموت ، وهذا صحيح من وجهة نظر من ليس له وقت يضيعه فى رصد تحركات وسكنات الحروف فى فلك الشعر ومداراته كما يفعل الفلكى فى مرصد الكواكب والنجوم بصبر يراقبها ، ويعمل على تطوير عدسات مراصده الجوية ليكتشف مجاهل هذا الكون واسرار فضائه الفسيح ، ولا افسح منه الا فضاء الشعر كفن له هو أيضا فضاؤه ، وفى فضائه نجوم وكواكب تتحرك بمقدار وتسكن بمقدار ، وتجرى لمستقر لها ذلك تقدير ماهية اللغة العربية التى تفاهم معها الشاعر العربى القديم وتفهمها ، وتفاعل معها فكان مفعولا لها وفاعلا فيها ، مما مكنه من أن يكتب بها الشعر دون ان يلجأ الى افراغها من محتواها ، أو افراغها فى أوعية بناها لها من قبل لافراغها فيها ، فكان يقول الشعر على السليقة .

وجاء من يتطفل على الشعر اليوم واخذ يسلقه بالسنة حداد لا تراعى ماهية اللغة التى كتب العربى على ضوئها شعره الذى

منه استقى العروضيون فنيات الايقاع الخارجى الذى يحسه حتى السامع البسيط فيرقص له ، فما بالك بمن يحسن القراءة ؟ وما بالك بمن يتذوق الشعر ذلك المثقف الواعى ؟ الذى ما فتئت تحيره ظاهرة غريبة ما زال يحاول أن يكتشف لها تفسيرا وهى ان يحاول بعضهم إلباس كتاباته النثرية حلة القداسة الشعرية التى ما كان لها ان تتصف بقداسة ذلك الابهار وتلك القشابة لو ما نسجها الشعراء وعلى مر الع العصور فوق نول الايقاعات الخارجية الملموسة التى تحتمها اللغة العربية على من يكتب بها شعرا ويحس بها ويتذوقها ويهتز لوقوعها من نفسه كل قارئ مهما كان بسيطا ، بينما لا يتحرك - الا من يتظاهر بالتحرك - للإيقاع الداخلى الذى يدعى ( الناشعراء ) أنه كامن فيما يكتبونه من نثر كمون النار فى الرماد ، وما كل رماد تكمن النار فيه ، ولكن كل نار هى مكمن للرماد ، وبالقياس على هذا لا يكون الشعر مهما انساق فى النثرية إلا مكمنا للايقاع . بينما لا يكون النثر مهما حاول التقرب من الشعر الا خلوا من الايقاع ، حتى إذا وجد فيه انقلب شعرا ، ولا يمكن ان يكون وجود ذلك الايقاع فيه الا وجودا خارجيا ومحسوسا ، لا أن يدعى بعضهم ان ما يكتبه من نثر هو شعر حتى اذا قرأته لم تجد فيه ايقاعا فيبادرك صاحبه قائلا : ( الايقاع داخلى يا أخى !! ) سبحان الله !!

فهلا يمن علينا هؤلاء ( الناشعراء ) بالتخلى عن شنشنة ( الايقاع الداخلى ) ؟ فالواقع يدعوهم اليوم للخروج من داخل تلك الايقاعات الداخلية الى خارج  ملموس وليد للواقع المحسوس . ذلك الواقع الذى لا يمكن له ان يتعامل مع ما يكتب هؤلاء ان لم يخرجوا بكتاباتهم من وهم ( الايقاع الداخلى ) الذى يشر نقون فيه نفوسهم . فعلام هذه السجون فى داخل ايقاع داخلى غامض ؟ بينما هم يثورون على ايقاع خارجى ملموس كعلم حى لا بد من تطويره عوض العمل على تحطيمه وتعويضه بايقاع لا وجود له . أهى مؤامرة مبيتة ضد الشعر ؟ أم كمين منصوب لمن أراد أن يصل الى حقيقة ما يمارس هؤلاء ( الناشعراء ) متخفين وراء كلمة ايقاع داخلى ؟ حتى اذا مد الباحث أصابع التنقيب عن الايقاع الداخلى صاح فى وجهه هؤلاء ... كما يفعل سياسى فى وجه من يحتج عليه من الخارج ليفضح ممارساته المشبوهة ضد شعبه فى الداخل ، يصيح ذلك السياسى فى وجه الخارج : آه .. واه .. هذا تدخل مفضوح فى شؤون البلاد الداخلية ، تحرمه القوانين الدولية .. ولكن ليعلم هؤلاء أن التدخل فى بلاد ايقاعاتهم الداخلية لفضح ممارساتهم ضد هذا الفن لا تحرمه القوانين الدولية لا الخارجية منها ولا الداخلية التى يحتمون بها ، فاما ان يخرجوا لنا من شرنقة هذه ( الداخلية ) ، واما اخرجناهم منها عراة من كل ايقاع . يدعونه ، أو يتوهمونه ، أو يوهمونهم به مجاملة أو جهلا !

فاذا كان هناك ايقاع داخلى فعلا فلماذا لا يسمحون لنا بالدخول الى رحاب ذلك الايقاع ؟ أو لماذا لا يسمحون لأنفسهم باخراج رحاب داخلهم الايقاعى لنا ؟ حتى نتفق معهم ولو على أبسط قواعد ممارساتهم . وعلام يتكالب هؤلاء على ان نسميهم شعراء وان نسمى نثرهم شعرا ؟ وهم ما زالوا نثارين متناثرين داخل ايقاعاتهم الداخلية .. فهل سيقدرون ذات يوم على إخارج ذلك الايقاع الداخلى حيا الى الخارج ؟ أم ان فاقد الشئ لا يعطيكه ؟.

ميكانيك الشعر :

هل سمعت رفيقى القارئ ولو مرة واحدة فى حياتك بشاعر كتب قصيدا ثم جاء بعد ذلك مدعيا انه كتب (نثرا)؟ فلماذا يدعى الناثر اذن عندما يكتب لوحة، أو خاطرة ، أو نثرية .. لماذا يدعى بعد ذلك انه كتب ( شعرا ) ؟ ألا يعلم انه بذلك الادعاء يكون قد حكم على كتاباته النثرية بالمسخ ؟ بالاستلاب المقيت ؟ بفقدان الشخصية ؟ بانتحال جنسية هى ليست لكتاباته ؟ كذلك ( الغراب الذى أراد أن يقلد مشية الحمام فأضاع مشيته . . ) أو كالغراب الآخر الذي لبس ريش طاووس جريا وراء الفخامة وبهرج الرياش لينتحل شخصية طيور ما كان هو منها ، وما كانت هى منه فما كان منها الا ان رفضته كنتيجة حتمية . ولما عاد الى أفراد سربه ما كان منهم الا ان هجموا عليه ينتفون زيه المنتحل ، حتى خلصوه من عقدة انتحال الشخصية . وياليتهم وقفوا به عند ذلك الحد ، ولكنهم واصلوا حتى وصلوا الى نتف ريشه الاصلى ، حتى عروه تماما جزاء وفاقا لمن أراد أن يشوه الحقائق ، حتى ولو كانت تلك الحقائق سوداء كالغربان ، فهى اشرف من زيف مزركش بجميل الالوان وخالب الاصباغ ..

وهكذا عرى افراد السرب ذلك الغراب المتطوس ، فاذا هو مجرد حتى من الريش الاسود الذى به ينتسب الى جنسه ، فاذا هو صنف من الطيور الهوامش ، واحد فى نوعه . وسيظل هكذا مهمشا فى انتظار زمن رجوع الريش له ، ليزخرف من جديد زغبا ينمو وينضج ، ولا يمكن ان يبزغ الا ريشا ليس بامكانه ان يعيده لغير سواد غربانه ، إذا تفضلوا عليه بالعفو لارجاعه الى حظيرتهم ، ولربما لا يقبلونه رغم سواده ، لان جماعة الغربان تؤمن هى ايضا مثلنا نحن البشر بقولنا : ( من باعك بالفول بعه بالقشور ..) ولقد كثر اليوم من يقشر وجهه ويقول : أنا أبيض .. ومن يلبس قناعا ويقول : أنا ممثل . ومن يسود وجهه ويقول أنا حداد أو أنا فحام . ومن يشحم لباسه ، ويزيت ثيابه ، ويوسخ يديه ، ويقول : أنا ميكانيكى . ويبدو أن هذه العاهة التى تفشت اليوم فى ميدان ميكانيك السيارات، يظهر انها عاهة معدية ذلك لأننا نشاهدها تتجاوز حدودها ، لتستشرى فى أوساط ميكانيك الشعر لما لاحظنا من تكاثر من يسود بقلمه وجه الورق ويصرخ متوجعا :

( أنا شا .. عر ... ) !

وقد لا يسود بعض المصابين بداء ميكانيك الشعر وجه الورق ، ولكن يزينه بما يحسب انه الشعر حتى اذا قرأت ولذلك ان تتذوق معانيه بامتاع ، حرمك غياب الايقاع الشعرى ، وضياع موسيقاه تلك المتعة الفنية الرائعة . وتحاول ان توجد لذلك النثر ايقاعا كجواز للعبور به الى مدينة الشعر فتفشل ، فما يكون منك عندها الا ان تضم ذلك الى بيت مال ( الناشعراء ) . ولا يمكن لك أن تسميه شعرا .. و (( قف )) ! لا بد أن تكمل النقص كأن تقول : هذا شعر منثور ! أو (نثر شعرى) ! أو باختزال صحافى (النشعر) ! و ( الناشعراء ) !

وكثيرا ما يمارس بعض الشعراء الشبان كتابة نثرية وبكل تواضع يسمونها ( كتابة ) أو ( لوحة ) أو ( تعبيرا ) أو غير ذلك الا ان يسموه ( شعرا ) لانهم يعرفون أن الشعر الحقيقى هو غير ذلك . ولا يسمى نثره شعرا الا من كان لا يحسن كتابة غير النثر . واليك نموذجا من كتابة هى أقرب ما تكون من الشعر ومع ذلك لا يمكن أن نسميها شعرا وأن نوهم القراء بانها ( شعر ) :

وجه أمتى على ساحل التاريخ أرخبيل ..

مشجرا ما زال بالرغوة الخضراء ..

وبركان الميلاد ما زال واعدا بعطاءات أخرى ..

هى لنا الخليج ، ونحن المحيط لها ..

وها وجه أمتى ينضح وهاجا بالعرق المقدس .

ولعل البعض يعتقد أنى ضد ممارسة تلك الكتابة التى يقبل عليها كثير من المستخفين بالشعر كفن له قواعده ومعاناته لا يتحلل ولم يتحلل منها كأى فن وكأى فنان حقيقى الا هؤلاء الذين أخذوا يحبرون حزما من الاوراق يقذفون بها شباك مرمى الشعر حتى ليكادوا ان يمزقوا تلك الشباك ( بعيد الشر ) . وما كانت لتهتز شباك مرمى الشعر لقذفاتهم لولا غياب الناقد الاصيل : حارس المرمى ، ولربما كان الحارس حاضرا ولكنه لم يستطع حماية الشباك اما لضعفه فى فنيات تلقى الكرات المقذوفة .. أو لضعف فى الرؤية مما جعله لا يميز بين الكرة وحذاء اللاعب الذى تنصل من قدمه وارتشق فى خلية من خلايا الشبكة ، وبقى معلقا فى أرجوحة التدلى ( كشك من عصبان جاف ) يتأرجح فى احدى شرفات شقة فى عمارة الكتابة حتى اذا ما مر احد السواح وشاهد ذلك العنقود ظن ان نوعا من التين أو الكمثرى قد نضج فى غير فصله ، وخارج حقل تواجده ، فسحب من عنقه آلة التصوير وأخذ يلتقط منظرا كركاتوريا تذكاريا لتلك المعلقات ( النشعرية ) .                                                الوردية : 1978/1/29

اشترك في نشرتنا البريدية