كتب الاستاذ ) محمد حسن عواد ( في يوميات جريدة الندوة الغراء عدد ٨٧١ في ١١-٦-٣٨١ تحت كلمة ) شعر ( ما نصه ) السيد ابراهيم سالم العمار من مدينة أبي عريش في منطقة جيزان اشكر سعيه المتواصل في تكرار زيارتي واصراره على مقابلتى وعلى القاء طائفة من الاسئلة فى شئون الفكر والادب وفي الشعر خاصة - لا يتسع نطاق اليوميات للأجابة عليها فى الحين الذي اتسع لها نطاق الجلسات المتعددة ولكن سؤالا واحدا منها لن يضيق به هذا النطاق وهو حرصه على ان يعرف رأيى فى ديوان زميله ومواطنه الاستاذ محمد بن على السنوسى الجيزاني الديوان المسمى ) القلائد ( وعلى الاخص بعد قراءته لما كتب فيه من مديح ونقد - ولقد اجبته بعد التمهيد للرأى الصريح - بما خلاصته ان في الديوان لمحات شعرية قليلة تترقرق فى بعض القصائد الجادة وتبدو فيها كارهاصات تبشر بخير اما طابعه العام فهو طابع ) بيان ( مجرد بيان واتجاهه سلفى بنزعته الى اذواق طبقة خاصة من القدامى كان لها عذرها - من ثقافة عصرها وروحه الادبي - تبدو في تعابيرها وافكارها وتسمية آثارها بما يثبت هذا الذوق البياني المجرد وتتركز هذه الاذواق بصورة واضحة فى تسميتهم انتاجهم بمثل هذه الاسماء ) يتيمة الدهر ( ) فريدة العصر ( ) العقد الفريد ( ) عقود الجمان ( ) ميزان الذهب ( الخ . وقد تابع السنوسي هذا الذوق فسمى قصائده ) القلائد ( وسمى
مقدمة الديوان او سماها له كاتب آخر ) ١ ( من طرازه ) قلادة القلائد ( وذوق الادب الحديث يصدف عن هذا - والكتاب يقرأ من عنوانه وكان فى قدرة الشاعر السنوسي وهو ما يزال في عهد الشباب والاستعداد للوعى ان ينطبع بالواقع وان يعيش معنا فى القرن الرابع عشر لا مع ادباء القرن الرابع . . الخ . (
وما انتهيت من قراءة هذا الكلام حتى خطر على بالى قول كثير عزة :
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من اعراضنا ما استحلت
ثم انتبهت وقلت لنفسي هذا شاعر من القرن الاول فكيف يسعفني شعره في التعبير عن مشاعرى وانا من اهل القرن الرابع عشر - ولكن لا ! ان الشعر لا يخضع للزمن ولا يقاس بمثل هذه المقاييس المختلة - وهل ازري القدم بهذا الشعر او حط من قيمته ؟ لا اظن ذلك - لسبب بسيط هو ان الشعر إذا نبع من عاطفة صادقة ووجدان حي وموهبة اصيلة يظل شعرا مدى الدهر لا تخلق ولا تذوى نضارته ، فليس في الشعر قديم وحديث ولا قرن رابع ولا قرن عشرون - انما هناك شعر جيد او شعر ردىء ولا شئ غير ذلك واحسب اني لو رجعت الى آثار شاعرنا العواد لوجدت فى تعابيره واسلوبه ما يرجع الى عصر ) المهلهل وابن خلزة ( ولكن
هذا لا يضيره فى نظري لا يضيره ما دمنا نجد فى شعره بعض صدى من مشاعرنا يرجع من احاسيسنا هذا من حيث النظرة العامة الى الشعر قديمه وحديثه - فان المعول فيه على الاصالة والجودة ليس غير .
اما ان تسمية الديوان ذات ذوق بياني سلفى فهذا مما اعتز به كل الاعتزاز ولا ارانى الا قد وفقت كل التوفيق في تسمية الديوان بهذا الاسم الفني الشفاف ذى الدلالة الناصعة على مضمونه مما يدرك من أول وهلة وقديما قال بليغ من بلغاء العرب حين سئل لماذا لا يطيل في قصائده ؟ قال ذلك البليغ العربي : ) حسبك من القلادة ما احاط بالعنق ( وتكفيني في هذا الموقف شهادة الشاعر الكبير الشيخ ) احمد ابراهيم الغزاوي ( حين كتب عن الديوان يقول ) انه لاصدق عنوان قرأته على ديوان ( - اما ان كان الاستاذ يريد بالذوق الادبي الحديث هو ان اسمى ديوانى بمثل هذه الاسماء : ) اباريق مهشمة ( و ) شظايا ورماد ( و ) طفولة نهد ( و ) ساق على الدنواب ( و ) آماس واطلاس ( الى آخر هذه الاسماء فانا اعتذر من ذلك اشد العذر وأسف اشد الاسف فليس فى استطاعتي ان اصدم مشاعر القراء واذواق الادباء بمثل هذه الاسماء النابية التى يمجها الذوق الشفاف ويلفظها الاحساس الرقيق - واعتقد اننا لو انجرفنا فى هذا التيار واستسلمنا لهذا الشذوذ لكى نحسب فى قائمة ) المجددين والابتداعيين ( لكان لزاما علينا ان ننسلخ من مقوماتنا العربية وسماتنا القومية حتى في اسمائنا الشخصية فلا نسمى ) نزارا ( ولا ) يعرب ( ولا ) عدنان ( ولا ) هشاما ( لان هذه الاسماء قديمة سلفية وجدت في القرون الاولى بل علينا ان نتسمى باسماء عصرية حديثة مثل
والت هايتمان ( و ) اليوت )و سارتر و ) هوجو ( و ) تشيخوف ( وهلم جرا .
ويقول الاستاذ ) العواد ( في سياق تلك الكلمة انه عندما كنت في القاهرة نصحني بان احذف من الديوان قصائد ) المديح الاتباعي والمجاملات الجوفاء والاستخذاء والتصنع . . الخ ( واغلب الظن ان الاستاذ لم يقرأ الديوان ولو قراه لما قال هذا الكلام المرسل على عواهنه بدون تحفظ ولا حيطة فليس في الديوان قصائد مديح اللهم الا القصائد التى تشيد باعمال جلالة الملك المعظم ) سعود ( وتنوه بإياديه البيضاء ومواقفه المشرفة ومثله الانسانية العلياء وعروبته الصادقة . . وهذا اللون من الشعر الذي يواكب الاحداث العامة ويحدو القافلة العربية في سيرها الصاعد الى المجد والعزة يشاركنا العواد نفسه فى انتاجه الشعرى والنثرى - فهل فى هذا شئ مستنكر ؟
اما شعر المجاملات والتصنع والاستخذاء على حد تعبيره - فمع احترامي وتقديرى له - فان نماذجها الكثيرة موجودة في ديوانه ) نحو كيان جديد ( فى شعر التهنئة ) بالمواليد ( والتعزية ) بالوفيات ( والترحيب بالقادمين وما شاكلها ثم ماذا هذا عيب ؟ ان العيب لا يكمن في هذا بل ان تشكر المحسن على احسانه وتنوه بالمصلح فى اصلاحه وتقدر العظيم فى اخلاقه - هل هذا عيب ؟ ان العيب لا يمكن فى هذا بل العيب ان تكون الصورة الشعرية فى اطارها الفني مهزوزة الظلال مشوهة اللمسات - اما إذا جاءت الصورة الشعرية نابضة رائعة فقد ادي الشعر رسالته واسمع ما يقول عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين : ) واؤكد لك انى حين اقرأ قول الشاعر القديم للرشيد ( :
وعلى عدوك يابن عم محمد
رصدان ضوء الصبح والاظلام
فاذا تنبه رعته واذا غفا
سلت عليه سيوفك الاحلام
لا اكاد اقف عند الرشيد ولا عند اخافته للعدو نياما وايقاظا وانما الذي يعنيني قبل كل شئ هو هذا الشعر حين يروع بما فيه من تصوير وما يبغى ان يكون عليه الملك اليقظ الحازم الذي يحرص على رعاية الدولة ويحوطها لا من غارة العدو فحسب بل من طمعه فى الغارة عليها وليس يعنيني ان يكون الرشيد كذلك وكما وصفه الشاعر او لم يكن وانما الذى يعنيني هو هذا المثل الاعلى الذي رسمه الشاعر للذين يقومون على شئون الامم وينهضون باعباء السلطان فيها سواء اكانوا ملوكا ام خلفاء أم رؤساء جمهوريات ( .
ويقول العواد وتركته الى غد مرجو غير ميئوس فيه من شاعرية طبيعية صحيحة يطلع بها شعراء الجنوب ويطلع بها هو على شبه الجزيرة في ديوان غير هذا يشاركون فيه الشعراء الحقيقيين في العالم بشحنة من طاقات الفكر وطاقات الحياة ( ومع شكرى لهذا الرجاء الاخوى الكريم احب ان أطمنه بانني - لا زهوا ولا فخرا - وانما تقريرا للحقيقة - وللحقيقة وحدها - قد شاركت بانتاجي الشعرى الشعراء الحقيقيين في العالم بشعر استحق
النشر في صحف ادباء المهجر بامريكا بل واكثر من ذلك بشعر استحق ان يترجم الى اللغات الاجنبية وليقرأ ، الاستاذ ان لم يكن قد قرأ الخبر المنشور فى مجلة الاذاعة السعودية عدد ١٢ في شهر ربيع الاول ١٣٧٦ عن الشعراء العرب الذين اختبرت اشعارهم للترجمة - وهل نسى الاستاذ انه سبق ان فضلني على كثير من الشعراء من داخل المملكة وخارجها الذين اشتركوا في مسابقة مجلة الرياض وحكم بالجائزة الاولى لقصيدتي : ) حطم المارد القيود ( التي تمثل شعور اليقظة العربية والاسلامية وامانيها وتاريخها وجهادها المقدس ، ان كان نسي ذلك فليرجع الى مجلة الرياض العدد ١٢ في جمادى الثانية ١٣٧٤ .
يا سيدي الاستاذ انك تقدر حرية الفكر واستقلال الرأي وتشجب الانضوائية والتقليد وما دعت كذلك فان هذه القاعدة الذهبية التى عبر عنها ) فولتير فى كلمته المأثورة : ) انا لا اوافق على ما تقول ولكنى ساحارب حتى الموت في سبيل الدفاع عن حقك في قول ما تريد ( - أجل هذه هي كلمة الفصل فيما تراه انت وما يراه غيرك من اعلام الأدب وفحول الشعر
ولك تبجيلي واحترامي

