تعريفها :
القلنسوة هي غطاء للراس خاص بالرجال ، دخل فى تقاليد اللباس عند العرب منذ فجر الاسلام .
تجمع القلنسوة على : قلانس وقلاسي . وتصغر على : قلنسية وقليسية ويقال : تقلنس الرجل وتقلسى اى لبس القلنسوة
وفي النسب اليها نقول : القلاسى ولا نقول : القلانسى ) 1 ( وورد ) القلانسى ( وهو لقب الشاعر المهدوى التونسي : ( محمد بن حبيب القلانسى ( ) 2 ( ولا بعد ان يكون من عائلة اشتهرت بصناعة القلانس او التجارة فيها .
ومن المحتمل ان يكون اللقب العائلي ) القلسى ( بكسر القاف محرف عن ) القلاسي ( او عن ) القليسي ( وهو لقب عائلي عريق بصفاقس وورد فى اخبار القرن الرابع الهجرى ) 3 ( وما زال آل القلسى الى اليوم
شكل القلنسوة :
قال المستشرق الهولندى ) دوى ( عن ) لين ( : هذه الحاجة موصوفة بصورة
غامضة من قبل المعجميين العرب ، بحيث اننى لا استطيع الحصول على فكرة دقيقة محددة عن شكلها ) 4 (
وايدى ( لين فى قوله وقال : " ان هذه الكلمة - يعنى القلنسوة - نشير الى الطاقية التى توضع تحت العمامة وهي مرادفة لكلمة طربوش " ) 5 ( نمير اننا نخالف ما ذهب اليه المستشرقان المذكوران لاننا توصلنا إلى التعرف على شكل القلنسوة من خلال ما قال عنها اللغويون والمؤرخون واتضح لنا : انها ذات شكل مخروط قاعدته مستديرة حسب الراس طويلة تنتهى بذؤابة تدعي ( التتو ) .
وقد استنتجنا هذه الصورة مما يلى 1 ( تحدث ابو هلال العسكري عن القلنسوة من حيث الاشتقاق واوردنا ذلك فى أول البحث ثم عرف ) البرنس ( فقال : " والبرنس القلنسوة الواسعة التى تغطى بها العمامة ويستتربها من الشمس والمطر " ) 6 (
وعرف ابن سيدة البرنس يقول : " البرنس كل ثوب راسه ملتزق به " ) 7 ( ونفهم من هذا ان رأس البرنس الملتزق به هو مثل القلنسوة الا انه اوسع منها لكن ما هو وجه الشبه بينهما ؟ اليس هو الشكل ؟ والبرنس مازلنا نصنعه ونلبسه ونعطي رؤوسنا بقلنسوته الواسعة التى نسميها بتونس : ) الطربوشة ( ) 8 ( وهي ذات شكل مخروط وتنتهى بذؤابه من الحرير نسميها ( التنفورة ( وقال أبو هلال : " ويقال لذؤابة القلنسوة التتو " ) و ( من هذا نعلم : ان القلنسوة التى كانت غطاء للراس مثل قلنسوة البرنس الا ان هذه الاخيرة اوسع .
2 ( وتاكدنا بانها كانت طويلة مما ياتي :
روى القاضى عياض : عن ابن بسطام : انه كانت للامام سحنون قلنسوة طويلة ) 10 ( وروى ابن عبد ربه : ان الخليفة المأمون لما دخل عليه العلماء كان جالسا على فراشه وعليه سواده وطيلسانه والطويلة وعمامته ) 11 ( وروى ابن عذاب ان الحاجب عبد الرحمن بن ابى عامر أوعز الى ذوى الهيئات بطرح قلانسهم الطوال المرقشة الملونة ) 12 (
فمن هذه النصوص التاريخية نتائج بان القلنسوة كانت طويلة وطولها يزيدنا تأكدا بانها كانت ) مخروطة ( وبذلك تكون غير ) الطاقية ( وغير ) الشاشية ( اذ تخالفهما صنعا وشكلا مع ان اقدم نص تاريخي ذكر القلنسوة يرجع لفجر الاسلام بينما الشاشية ورد ذكرها في القرن الثالث الهجرى والطاقية فى القرن السابع الهجرى ) 13 ( ولعلهما اقدم من ذلك ، بحيث ان ما ذكره دوزى من غموض وما اورده من تاويلات فى فهم القلنسوة صار غير ذى موضوع ، كما ان كيفية لبسها وهل تلبس بالعمامة او بدونها لم يعد موضوع بحث او افتراض اذ وصلتنا نصوص تاريخية تنفي كل الريب وتجعلنا نتصور كيف تعود العرب لبسها
لباس القلنسوة :
ان اول من لبس القلنسوة فى الاسلام هو النبيء عليه الصلاة والسلام ثم اقتدى به المسلمون والعرب عامة وعلى الاخص الامراء والعلماء
روى النويرى : " ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يلبس القلانس تحت العمامة ويلبسها دونها ، ويلبس العمامة دونها ، ويلبس القلانس ذات الآذان فى الحرب وربما نزع القلنسوة وجعلها سترة بين يديه وصلى اليها وربما مشى بلا قلنسوة ولا عمامة ولا رداء راجلا ويعود المرضى كذلك فى اقصى المدينة " ) 14 (
منهم الرواية تفيدنا القطع في كيفية لبس القلنسوة ، كما تفيدنا بان القلنسوة دخلت في تقاليد اللباس عند العرب منذ فجر الاسلام ، وتواصل هذا التقليد مع العصور إلى النصف الاول من القرن الخامس الهجرى تقريبا ثم احد يتضاءل وآخذت انواع اخرى تعوض القلنسوة فى لباس الراس بينما العمامة يحتفظ بمركزها بقي لنا ان نتعرف عمن كان يلبس القلنسوة ، فهل كانت لباس طبقة خاصة معينة ؟ ام كانت لباس كل الطبقات ؟؟
نلتقى خلال ما نطالعة بدواوين التاريخ المختلفة بشخصيات بارزة على الاداري والعلمي كانت تلبس القلانس مع العمامة وبدونها وقل غيرهم .
ففي المشرق كان الحجاج بن يوسف يدبس القلنسوة وعمامة خز خضراء ) 15 ( وروى ان الخليفة المأمون العباسي استدعي يوما قاضى القضاة يحيى بن اكثم واربعين رحلا كلهم فقبه بفقه ما يقال له ويحسن الجواب . فلما دخلوا عليه وجدوه فراشه جالسا وعليه سواده وطيلسانه والطويلة وعمامته ، وبعد جلوسهم تحدر الخليفة عن فراشه ونزع عمامته وطيلسانه ووضع قسونته ثم امرهم بنزع قلانسهم وخفافهم وطيالستهم ففعلوا بعد تردد ) 16
كذلك كان الحجاح بن يوسف والخليفة المأمون يتعممان فوق القلنسوة بينما العلماء المصاحبون للقاضى يلبسون القلانس فقط حسبما نفهم من النص ومن امر المأمون : " انزعوا قلانسكم ؟ " فلو كانوا معممين لقال لهم : ) انزعوا مهمائم ؟ ( مع ان الراوى قال : ان المأمون : نزع عمامته وطيلسانه ووضع قلنسوته ؟
وهذه التقاليد نفسها كانت متبعة فى المغرب العربي وعلى الاخص بين علماء مدينة القبر وان عاصمة افريقية الاغلبية ولم يذكر احد الرواة الذين تحدثوا عن أولئك العلماء انهم ليسوا القلانس والعمائم معا : وللاستدلال نذكر بعض ما اطلعنا عليه في هذا المجال :
روى المالكي والدباغ ان العالم اسماعيل بن عبيد الانصارى احد التابعين العشرة الذين اوفدهم الخليفة عمر بن عبد العزيز لتفقيه اهل افريقية وتوفى
بالقيروان سنة 107 ه انه كان يلبس حبة من صوف وكساء من صوف وقلنسوة صوف ) 17 ( وكان البهلول بن راشد عالم افريقية يلبس قلنسوة خز وساجا طرازيا ) 18 ( ، وكان القاضي سحنون بن سعيد التنوخي ) 160-240 ه ( له مدة قلاننس وكان يلبس كل واحدة منها فى مناسبة خاصة ، قال سليمان بن سالم : " رأيت لسحنون ساجا كحليا وساجا ازرق ورداء وقلنسوة حبرة وقلنسوة زرقاء وشيا وقلنسوة شبه الاغلب فاذا قعد للسماع لبس الرداء والقلنسوة الاغلب ، واذا شهد الجمعة لبس الساج وقلنسوة الحبرة ، واذا حضر حنازة لبس الساج الازرق والقلنسوة الزرقاء هذا كان اكثر فعله " ) 19 (
ان سليمان بن سالم القطان تلميذ سحنون وعرف بالثقه وتولى القضاء وكانت وفاته سنة 280 ه قدم لنا قائمة تامة الوصف لثياب شيخه وعرفنا عن عادته فى اللباس ولم يذكرانه كان يتعمم ) 20 ( ؟
ومما يزيدنا ايمانا بان علماء هذا العهد كانوا يتقلنسون ولا يتعممون ما رواه المالكي في اخبار القاضي عبد الله بن غانم تلميذ مالك بن انس وسفيان الثورى وغيرهما انه : ركب يوما مع الامير ابراهيم بن الاغلب وشقا سماط القيروان وفي ناحية حرك ابن الاغلب دابته وسبق القاضي الذي عطف دابته نحو داره تاركا الامير وحده . وعندما وصل الامير الى دار الامارة ولم يجد القاضي واخبر انه فارقه في مكان كذا فدعاه وساله عن السبب فقال له ابن غانم : ) اصلح الله الامير انما القاضي بحرمته واني رايتك حركت دابتك فلو حركت دابتى لسقطت قلنسوتي وانكشف رأسى وضحك على الصبيان ( ) 21 (
ان مفهوم العبارة لا تقتضى ان نفهم بان ابن غانم كان يتعمم فوق القلنسوة ؟
ومن خلال ما اوردناه من نصوص تاريخية ومما سنذكره نفهم بان القلنسوة كانت لباسا مدنيا حضريا اختص به العلماء وكبار رجال الدولة بينما بقية الطبقات الشعبية بما فيهم العباد والزهاد كانوا يتعممون او يغطون رؤوسهم بالمناديل او الشواشي ؟ ؟ ) 22 (
روى القاضى عياض : ان الامير ابراهيم بن الأغلب أشار عليه العلماء بتولية العالم الفقيه عيسى بن مسكين ) 214-295 ه ( قضاء افريقية فطلب رؤيته فلما دخل عليه وهو يلبس جبة من صوف وعمامة من صوف ، وبعد انصرافه قال للذين اشاروا عليه به : ) اشرتم على بشيخ في زى جمال ؟ (
والجمال رجل شعبى كان ينقل البضائع والمتاع فوق جمل بمقابل اجر والجمالة والحمارة كانت حرف فى المجتمع القديم ، وقول الامير صريح فى ان زى عيسى زى شعبى وليس بزى اهل العلم ؟
وارسل مرة ابن الاغلب الى ابى خالد عبد الحق المتعبد وكان رجلا طويلا آدم غليظا كثير الشعر يلبس عمامة كبيرة كانها شقة فلما دخل عليه قال له الامير : ) بلغني انك من العرب وان لك عيالا وعرض عليه مالا فرفضه ) 24 ( الخ ( فعبد الحق اشتهر بالزهد والعبادة وبدا فى نظر الامير انه من العرب اى بدوى ؟
كان سحنون عالم افريقية وقاضيها اذا خرج للحرث فى ضيعته ينزع قلنسوته ويغطى راسه بمنديل ) 25 ( ولا يبعد ان يكون ذلك زى الفلاح فى ذلك العهد .
نعم قد كان بعض العلماء يتعممون مثل القاضي ابن ابى الجواد وعيسى بن مسكين لكنهم قلة واكثر رجال العلم يتقلنسون بدون لف العمامة وروى الدباغ ان القاضي عبد الله ابن غانم سأل يوما احد اصحابه اثر عودته من صلاة الجمعة فقال : ) احضرت بالجامع ؟ قال نعم : قال كيف رايت ؟ قال : رايت اصلحك
الله سبعين قلنسوة تصلح للقضاء وثلاثمائة قلنسوة فقيه ؟ فترجع ابن غانم وقال : مات الناس ؟ ( ) 26 ( . فهذا العدد الضخم من رجال العلم الفقهاء اللابسين للقلانس الذى رآه ابن غانم قليلا ناهيك انه قال انا لله وانا اليه راجعون ، مات الناس ؛ لدليل على ان من عادات رجال العلم بالقيروان لبس القلانس وحدها ؟ وبها يعرفون ؟
وهذا التقليد الحضرى كان ايضا متبعا فى غرب الاندلس لان اهل شرقها اشتهروا بحسر الرؤوس كما نص ابن سعيد وغيره ، وفي الوقت نفسه نجد البرابرة فى غرب الاندلس يتميزون بالعمائم ؟
روى ابن عذارى : الحاجب عبد الرحمن بن ابي عامر عندما اولاه العهد الخليفة المروانى هشام بن الحكم سنة و 39 ه اوعز الى ذوى الهيئات من طبقات أهل الخدمة ) بطرح قلانسهم الطوال المرقشة الملونة وكانت على قديم الدهر تيجانهم التى يباهون بها طبقات الرعية ويباهون بها أهل المملكة وامرهم بالانتقال عنها الى العمائم ووعدهم على التفريط في ذلك بالعقوبة فاستعان كثير منهم بجيرانهم من البرابر واخوانهم حتى لبسوها على اكره حال واشد مشقة وغدوا الى قصر الزاهرة يوم الجمعة لاربع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى فكانوا بها اقبح منظر واهجن زى وملبس لمخالفة العادة واصبحوا فى الناس فضيحة ) 27 (
