بحث دقيق . كتب فى موضوع لغوى واحد ، هو تحقيق وتحليل وزن ( شئ واشياء) على المنهج العلمى الحديث .
للبحوث النحوية والصرفية طبيعة خاصة تكاد تميزها عن غيرها من البحوث الادبية ففى اى فرع من فروع اللغة يستطيع الانسان ان يصطنع منهجا خاصا يخضع له بحثه الذى يقوم به دون تقيد باى لون من الوان الحدود ولكنه فى مثل هذه البحوث النحوية والصرفية يجد نفسه مشدودا الى بيئة خاصة لها خصائصها ومقوماتها واعنى بهذه البيئة الخاصة ما تعارف عليه لغويو العرب القدماء من شروط ومقاييس يخضعون لها الالفاظ العربية واهم تلك المقاييس منزلة عند بعضهم هو ما يطلقون عليه ( الشواهد ) او ( السماع ) . . وقبل كل شئ يجب ان نعترف بان علماء النحو
القدامى كانوا على حظ كبير من المعرفة باساليب الجدل والمنطق فهم يتناولون المسائل فى دقة وبراعة عظيمتين تجعلان
الباحث لا يملك الا ان يتأثرهم فيوازن بين ما اتوا به ، من أدلة حتى يصل إلى غرضه وهذا هو ما يستطيع ان يضيفه اى باحث محدث ، لهذا أم اجد مناصا من تصور مسألة ( وزن اشياء ) على انها مجال جدلى تضطرب فيه الآراء وتختلف فيه المذاهب
فذهبت استطلع المعاجم اللغوية اولا لكى اكشف عما لديها ثم تناولت كتب النحو والصرف استقى منها مادة الخلاف ثانيا ، ثم اصطنعت تفكير المتواضع فرجحت ما خيل الى ، انه الصواب فى المسألة وهكذا اخرجت هذه الصفحات فى ثلاثة اقسام هى:
(العرض ثم التعليق واخيرا الترجيح ) فلعلى اكون قد وفقت فى تناول الموضوع
١ - العرض " لما كانت مفردات اللغة خاضعة للقواعد الصرفية التى يبسطها النحاة فى كتبهم وان اللغويين لم يجدوا مناصا من النقل عن تلك المصادر النحوية . لهذا لا نعجب اذا وجدناهم الا من قل منهم - مكتوفى الايدى أمام النتائج الصرفية التى يتوصل اليها النحاة وبالرغم من هذا فاننا لم نجد بدا من الرجوع الى بعض المعاجم لنقف على ما قالوه فى شأن مادة (شيئ ) .
- فالجوهرى صاحب الصحاح يقول : شيأ : الشئ تصغيره شييئ وشييئ أيضا بكسر الشين وضمها ولا تقل شويئ والجمع أشياء غير مصروف ( ج ص ٥٨ ) ثم يذكر آراءا للخليل والاخفش والكسائى والفراء نرجيء ذكرها الآن تلافي للتكرار .
٢ - اما صاحب ( المصباح المنير ) فيقول ( اشياء غير منصرف واختلف فى علته اختلافا كثيرا والاقرب ما حكى عن الخليل ) ج ١ ص ٣٥٤ . . ويأتى على ذكر رأى الخليل
٢ - وفى ( محيط المحيط ) لبطرس البستانى نجد النقل تاما عن صحاح الجوهرى . فالمؤلف رغم حداثته لم يزد شيئا على ما جاء فى الصحاح باختصار ج ١ ص ١٤٤
٤ - أما صاحب تاج العروس فانه أفرد لبحث المادة حيزا كبيرا تناول فيه آراء النحاة وحججهم وحاول أن يرجح بعضها على الآخر ولكن عدم التناول المنهجى - ان صح هذا التعبير - افقد مادته الاهمية ، فهو بلا شك قد خصص اربع صفحات كاملة ( من صفحة ٨٩ الى صفحة ٩٢ ج ١ ) لبحث كلمة ( اشياء ) ولكنه لم يسر على طريقة العلماء فى طرح المسألة ونقاشها ، وانما كان محشيا يستكثر من النقول ، ولهذا سنضرب صفحا عن كلامه الا ما تدعو الضرورة اليه .
٥ - وممن أختار طريقة الايجاز فى عرض المسألة من غير أصحاب المعاجم - ابن يعيش صاحب كتاب شرح المفصل فانه قال : ( وأما اشياء فان أصلها شياء على زنة فعلاه كقصباء وطرفاء الا انهم كرهوا تقارب الهمزتين فحولوا الاولى الى موضع الفاء فقالوا أشياء على زنة لفعاء ، والاصل فعلاء والذى يدل على انه مفرد تكسيرهم اياه على " أشاوى " وفيه خلاف قد ذكرته فى شرح
الملوكى ، وقد استقصيت الكلام فيه هناك . ص ١١ ج ٥ . ولن نستطيع ان ننتقل الى من فصل القول فى المسألة دون ان نلم ببعض الاقوال الموجزة ايضا .
٦ - فنذهب لنكشف عما لدى الرضى الاسترابادى شارح الشافية لابن الحاجب فنجده يتحدث عن هذه المسألة فى ( باب القلب المكانى ) فيذكر مذاهب الخليل وسيبويه والكسائى والاخفش ثم الفراء. ونراه يميل الى ترجيح رأى سيبويه ويستبعد مذهب الكسائى ويضعف مذهب الاخفش والفراء ص ٢٩-٣٠-٣١ ج ١
٧ - ولم يخل كتاب فى التفسير مثل ( البحر المحيط ) لابى حيان من تناول هذه المسألة عند تفسير : ( لا تسألوا عن أشياء ) الآية فانه ذكر بعض المذاهب والآراء ولم يزد على ما ذكرنا آنفا الا قوله : ( وذهب قوم الى أن وزن شىء كصديق واصدقاء . قال : ووزنها فى هذا القول الى " افياء " ثم قال : وتقرير هذه المذاهب صحة وابطالا مذكور فى علم التصريف ج ٤ ص ٢٨ من البحر المحيط.
وبعد أن الممنا ببعض ما جاء فى هذه الكتب يجب علينا ان ننظر المسألة كما جاءت فى اهم مرجع لنا الا وهو كتاب ( الانصاف ) لابن الانبارى :
تناول صاحب الانصاف هذه المسألة تحت عنوان (وزن اشياء ) فى الجزء الثانى من كتابه فعرضها كما هى عادته ذاكرا اقوال الكوفيين وحججهم وآراء البصريين وأدلتهم ثم مجيبا عن كلمات الكوفيين . وسنلم نحن هنا بالشئ المهم من كلام او عرض ابن الأنبارى قال أبو البركات : " ذهب الكوفيون الى أن اشياء وزنه افعاء والأصل أفعلاء واليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين ، وذهب بعض الكوفيين الى أن وزنه افعال " ثم
قال : " وذهب البصريون الى ان وزنه لفعاء والأصل فعلاء " ثم اخذ فى سرد الحجج فقال : " اما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا : انما قلنا ان وزنه افعالاء لانه جمع شىء على الاصل وأصل شىء شبي ( بياء مكسورة مشددة بعدها ياء خفيفة ) فقالوا فى جمعه اشيئاء على افعلاء كما قالوا فى جمع لين البناء الا انهم حذفوا الهمزة التى هى اللام طلبا للتخفيف ص ٣٤ ج ٢ الانصاف " .
وأردف ذلك برأى الاخفش من البصريين فقال : " وأما ابو الحسن الأخفش فذهب الى أنه جمع شئ بالتخفيف وجمع على افعلاء كما يجمعونه على فعلاء فيقولون سمح وسمحاء وفعلا ، نظير أفعلاء ، فكما جاز أن يجيء جمع على فعلاء جاز أن يجيء على أفعلاء لانه نظيره . ( ص ٤٣٥ ج ٢ ) . وضرب أمثلة بأطباء واحباء اللذين أصلهما طبباء وحبباء .
ثم قال ابن الانبارى : " وأما من ذهب الى أن وزنه افعال - وهو الكسائى - فتمسك بان قال انما قلنا ان وزنه افعال لانه جمع شئ وشيء على وزن فعل وفعل يجمع فى المعتل العين على افعال نحو بيت وابيات وسيف وأسياف واندما يمتنع ذلك فى الصحيح على أنهم قالوا فيه زند وأزناد وهو قليل شاذ ، وأما فى المعتل العين فلا خلاف فى مجيئه على أفعال مجيئا مطردا فدل على أنه افعال الا انه منع من الاجراء تشبيها له بما فى آخره همزة التأنيث . ص ٤٣٥ ج ٢
ثم ذكر دليلين يعضدان هذا المذهب فى أن أشياء جمع وليس بمفرد ، وبعد ذلك انتقل الى حجج البصريين فقال : " وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : انما قلنا ان أشياء على وزن ( لفعاء ) لان الاصل فيه شياء بهمزتين على فعلاء كطرفاء وحلفاء فاستثقلوا اجتماع همزتين وليس بينهما حاجز قوى لان الالف حرف زائد خفى
ساكن والحرف الساكن غير حصين فقدموا الهمزة التى هى اللام على الالف " ص ٤٣٦ " وضربوا أمثلة للقلب المكانى بقسى جمع قوس وذوائب وتكلموا عن مكان القلب فيه مما لا داعى الى نقله هنا ، ولكننا نمضى حتى نصل الى قول ابن الانبارى : " واذا كانوا قد قلبوا من غير ان يكون فيه خفة فقالوا أى فى يئس وما اشبه ذلك مما لا يؤدى الى التخفيف فكيف فيما يؤدى اليه ؟ فلهذا قلنا وزنها لفعاء ص ٤٣٧ " .
ثم قال ابن الانبارى : ( والذى يدل على انه اسم مفرد انهم جمعوه على فعالى فقالوا فى جمعه اشاوى كما قالوا فى جمع صحراء صحارى والاصل فى صحارى صحارى بالتشديد كما قال الشاعر:
لقد اغدو على اش
قر يغتال الصحاريا
ومضى ابن الانبارى يقول : " والذى يدل على ذلك - أى انه مفرد - ايضا ايضا انهم قالوا فى جمعه أشياءوات كما قالوا فى جمع فعلاء فعلاوات نحو صحراء وصحرراوات وما أشبه ذلك فدل على انه اسم مفرد معناه الجمع وليس بجمع على ما بينا ص ٤٣٨ " .
واخيرا أخذ صاحب الانصاف يجيب على كلمات الكوفيين فيقول :
" أما قولهم : انه فى الاصل على أفعلاء لانه جمع ( شيئ ) بتشديد الياء التحتية- على الاصل كقولهم : ( لين وأليناء ) قلنا قولكم ان اصل شىء ( شىء ) بتشديد الياء مكسورة مجرد دعوى لا يقوم عليها دليل ثم لو كان كما زعمتم لكان يجئ ذلك فى شىء من كلامهم . . فلما لم يجئ ههنا على الاصل فى شىء من كلامهم - لا فى حالة الاختيار ولا فى حالة الضرورة - دل على ان ما حدتم اليه مجرد دعوى ) ص ٤٣٨ ثم انتقل الى نقض رأى آخر : " وقولهم ان اشياء فى الاصل على أفعلاء - قلنا
هذا باطل ، لانه لو كان كما زعمتم لكان ينبغى ان لا يجوز جمعه على فعالى لانه ليس فى كلام العرب أفعلاء جمع على فعالى فلما جاز هاهنا دل على بطلان ما ذهبتم اليه " ص ٤٣٩ .
وبعد هذا الرد تناول ابن الانبارى رأى الاخفش فقال : وهذا هو الجواب عن قول الاخفش انه جمع شىء بالتخفيف وانهم جمعوه على افعلاء كما جمعوه على فعلاء لأنه نظيره نحو سمح ، وسمحاء ، فان فعلاء لا يكسر على افعلاء وانما يكسر على فعول وفعال نحو فلوس وكعاب ، والذى يدل على انه ليس بافعلاء انهم قالوا فى تصغيرها أشياء وافعلاء لا يجوز تصغيره على لفظه ، وانما كان يبغى أن يرد إلى الواحد ويجمع بالالف والتاء فيقال " شييئات " وانما لم يجز تصغير افعلاء على لفظه لان افعلاء من أبنية الكثرة والتصغير على القلة فلو صغرت مثالا موضوعا للكثرة لكنت جمعت بين ضد ين لا يجوز " ص٤٣٩.
وابن الانبارى لا يعفى الكسائى من الرد عليه فيقول : ( وأما من ذهب الى أنه جمع شئ وانه جمع على أفعال كبيت وأبيات فظاهر البطلان لانه لو كان الامر على ما زعم لوجب أن يكون منصرفا كأسماء وأبناء ) ثم قال : ( وأما قوله : انما منع من الاجراء لشبه همزة التأنيث ، قلنا وكان يجب أن لا تجرى نظائره نحو أسماء وأبناء وما كان على هذا النحو على وزن أفعال لانه لا فرق بين الهمزة فى آخر أشياء وبين الهمزة فى آخر أسماء وأبناء ) ص ٤٣٩ .
وختم الفصل بنقاش حول حقيقة أشياء هل هى مفرد او جمع ؟ مما يجدر ذكره فى فصل التعليق
ويحسن بنا الآن ان ننظر فى كتاب
( المنصف ) لابى عثمان ابن جنى الذى شرح به كتاب التصريف لابى عثمان المازنى ولن نكرر ما سبق ان ذكرناه وانما نكتفى بنقل المهم فى الموضوع وقد استنفدت المسألة من كتاب المنصف سبع صفحات كان الحديث فيها تحت عنوان : ( اختلاف العلماء فى يزان أشياء ) حيث استعرض الكتاب آراء العلماء وعلق على كل رأى وانتصر لبعض الآراء التى رضيها ابن جنى أو المازنى فمثلا نجد أبا عثمان المازنى فى الفصل يذهب مذهب الخليل فى أن أشياء فعلاء مقلوبة وكان أصلها شيئا ويجزم بابدال الياء وأوا فى ( أشاوى ) ويقول : ( وانما احتلنا لاشاوى حيث جاءت هكذا ليعلم أنها مقلوبة عن وجهها . ص ٩٤ ج ٢ المنصف )
ثم يردف هذا القول بقوله : ( واخبرنى الاصمعى قال : سمعت رجلا من أفصح العرب يقول لخلف الاحمر : ( أن عندك لأشاوى ) .
وبعد ذلك يذكر رأى أبى الحسن ، ولا نمضى قليلا حتى نجد ابا الفتح بن جنى يقول : " أعلم أنه انما ذهب الخليل وابو الحسن فى ( اشياء ) الى ما ذهب اليه وتركا ان يحملاها على ظاهر لفظها فيقولا أنها ( أفعاء ) لانهما رأياها نكرة غير مصروفة نحو قوله تعالى : ( لا تسألوا عن أشياء ) ص ٩٤ ج ٢ المنصف . " فلما رأياها نكرة غير مصروفة فى حال التنكير ذهبا الى ان الهمزة فيها للتأنيث فقال الخليل هى ( فعلاء ) منقولة إلى " لفعاء " وقال ابو الحسن : هي ( أفعلاء ) وقول الخليل فيها أقوى ، .
وهنا يبرر ابن جنى مذهب الخليل بقوله : " وذلك ان حملها على هذا الظاهر وانها مقلوبة أولى وأقوى من حملها على انها
محذوفة اللام . . ألا ترى ان القلب قد كثر فى كلامهم حتى ان ابن السكيت قد صنف فيه كتابا ولم نر الهمزة حذفت وهى لام الا فى " سوائية " وما لعله ان جاء فنزر ، فحمله على الأكثر هو القياس ) ص ٩٥ ج ٢ : المنصف ) .
ولا يغض ابن جنى الطرف عن مذهب الكسائى بل يقف عند تشبيهه أشياء بحراء فيقول : ( ثم احتال لامتناعها من الصرف فشبهها بفعلاء ، وهذا الاعتلال فى امتناعها من الصرف على ضعفه انما كان يكون فيه بعض العذر لترك الصرف لو صح أنها أفعال " .
فكأن ابن جنى لا يقر الكسائى على مذهبه الى أن يقول : ( واذا جاز أن تكون فعلاء استغنى عن هذا الاحتجاج وجرت مجرى طرفاء وقصباء فى أنه اسم للجمع لم يكسر عليه الواحد ص ٩٦ . .
ثم يذكر رأى الفراء الذي يقول : ان اشياء : أفعلاء محذوفة اللام وان شيئا محذوف من شئ ( بتشديد الياء وهنا يقول ابن جنى : " والذى ادعاه من أن أشياء محذوف من شئ لا أعلم له دلالة تدل عليه " ، لاننا لم نسمعهم قالوا ( شئ كما قالوا هين - بتشديد الياءين - ولو كان أصله شيئا بالتشديد لنطقوا به كما قالوا هين - بالتشديد - وهين بالتخفيف ) .
ولا نمضى فى المسألة حتى نجد ابن جنى تضمانة حتى بجد ابن جنى يرد على الفراء انكاره قول الخليل زاعما ان فيه حملا على الكلمة ، وفى هذا الصدد يقول أبو الفتح : ( وهذا الذى انكره الفراء على الخليل لا يلزمه وقد اتى هو بمثله أو أشنع منه فى هذه المسألة لانه ذهب الى أن أصل شئ ( فيعل ) وانه جمع على أفعلاء وحذفت لامه
فليس تقديم اللام بأشنع من حذفها " ص ٩٨ ج ٢ المنصف .
ويرى ابن جنى ان اصل شىء " فيعل " مجرد دعوى من الفراء لا دلالة عليه كما أنه - الفراء - ادعى انه فى الاصل فعيل وهو محال " ص ٩٨ .
ويختم ابن جنى النقاش بقوله : " فالذى ذهب ايله الفراء فى هذا بعيد مما عليه الجمهور والاكثر وقوله الخليل لادخل فيه " ص ٩٤ : المنصف ج ٢ .
واذا ما ذهبنا ننظر فى مشكلة جمع أشياء على أشاوى فاننا نجد ابن جنى يرى أن الياء قلبت واوا ويذهب الى اكثر من ذلك فيقول : " أخبرنى أبو على أن بعضهم ذهب الى أن أشاوى ليس بجمع اشياء من لفظها وانه من لفظ قول الشاعر:
يا حبذا حين تمسى الريح باردة
وادى أشي وفتيان به هضم
فقلت لأبى على : فهلا كانت أشياء على هذا فعلاء من غير لفظ شئ وتكون الهمزة فيها فاء دون أن تكون لفعاء ؟ فقال انه انما ذهب فى اشاوى الى انها من غير لفظ أشياء لان فى اشياء ، ياء ، وفى اشاوى واوا ، فاما اشياء فلا ابدال فيها يسوغ أن يقال فيها انها من غير لفظ شئ ص ١٠ ج ٢ المنصف
وفى مجال الحديث عن تصغير اشياء يأتى كتاب المنصف على تصفية المسألة فيقول أبو عثمان أولا : - سألته يعنى أبا الحسن عن تصغيرها فقال : العرب تقول أشياء - بضم الهمزة بعدها شين مفتوحة فياء مشددة مفتوحة فألف فهمزة - فاعلم فيدعونها على لفظها فقلت : فلم لا ردت الى واحدها كمارد شعراء ان واحده ؟ فلم يأت بمقنع " ص ١٠٠
ويعلق ابن جنى على هذا بعد تفسيره له
بقوله : فلهذا كان قول الخليل هو الصواب دون قول ابى الحسن ألا ترى أنه لا يلزمه أن يقول : ( شييئات ) لانها ليست بجمع كسر عليه شىء وانما هى اسم للجمع بمنزلة " نفير ورهيط " فكما جاز ان تقول : نفير ورهيط . كذلك جاز ان ينزل أشياء فمن هنا قوى قول الخليل وضعف قول أبى الحسن وهذا الذى يلزم أبا الحسن لازم للفراء لانهما جميعا يقولان انها فعلاء ولا يلزم ذلك الكسائى لانها عنده افعال وأفعال تحقر على لفظها ، وكذلك جميع ما كان اسما للجمع تحقيره على لفظه " ص ١٠١ المنصف ج ٢
وهكذا ننتهى من هذا العرض لأهم ما جاء فى كتابى الانصاف والمنصف ، وحسبنا بذلك صنيعا لننتقل الى التعليق على مارأينا من المذاهب فى هذه المسألة الصرفية .
" ٢ - التعليق " واذا ما عن لنا ان نتناول بعض ما تقدم من الآراء والمذاهب والتعليق فاننا سنحاسب اولا بعض اللغويين من أصحاب المعاجم وهذا الحساب يتجلى فيما يلى :
١ - من الجدير بالذكر ان نلاحظ على الجوهرى فى صحاحه عدم ترجيح رأى من الآراء ، وذلك بالرغم من انه قد سجل بالتفصيل آراء الخليل والاخفش والكسائى والفراء .
٢ - أما صاحب - المصباح المنير - فنجد عنده شبه الترجيح لرأى الخليل لان عبارته تقول : " والأقرب ما حكى عن الخليل " فهذا يدل على بعض الاطمئنان الى رأى فى المسألة .
٣ - وفى تاج العروس ذكرنا سابقا ان
الشارح حاول أن يتقى على المسألة ضوءا كبيرا الا ان كثرة النقول ، وعدم تسلسلها المنطقى يهونان من شأنه . . ومع ذلك تلحظ عنده شبه الترحيح لمذهب الكسائى وذلك بقوله : " وحيث انجر بنا الكلام الى هنا ينبغى أن نعلم أى المذاهب منصور مما ذكر ؟ ص ٩١ ج ٢ تاج العروس " وهنا ينقل رونية عن السخاوى فى كتابه : ( سفر السعادة وسفير الافادة ) تؤيد رأى الكسائى فى المسألة ثم يحاول الانتصار لهذه الرواية برده على ( الجاربردى ) عند ما اعترض على رأى الكسائى فمن هذا نعلم أنه لم يصرح تماما بالترجيح ولكنه مال اليه ضمنيا أما رواية السخاوى فسنوردها فى فصل الترجيح ، .
٤ - أما ابن يعيش من النحويين فبالرغم من أن عبارته كانت موجزة الا انه لمح بتأييده لرأى الخليل وذلك بحكايته له دون غيره من الآراء ونراه اخيرا يميل على شرح آخر له قائلا : وقد استقصيت ( الكلام هناك ) أى فى شرح الملوكى .
٥ - لا يتضح لنا البت فى المسألة تماما الا عند الرضى ممن تناولوا المسألة بالايجاز فانه رجح رأيا واستبعد آخر وضعف رأيين كما أشرنا سابقا ، وهنا يتضح لنا الاطمئنان الكامل .
٦ - وعند ابى حيان صاحب التفسير المعروف باسم البحر المحيط نجد مذهبا جديدا لم يصرح باسم صاحبه ويتنخص هذا المذهب فى أن وزن ( أشياء ) هو ( أفياء ) والمعروف ان الكوفيين جعلوا الوزن
(أفعاء) لا (أفعاء) فلعل أبا حيان يعنى مذهب الكوفيين والفراء بأنه " أفعاء " وأن هذه الباء فى الاصل عين والا فانى لم اقف على قول أشار إلى ان الوزن أفياء .
ولم يبق أمامنا الآن الا أن نتملى ما جاء فى كتاب الانصاف ، فنراه يذكر رأى الكوفيين أولا وأهم ما فى هذا الرأى أمران :
١ - قياس الكوفيين فى علة حذف الهمزة من أشياء على سوائية .
٢ - ثم جعلهم أشياء جمعا لا مفردا أو اسم جمع كما يرى البصريون . .
واذا كان ابن الانبارى قد رد عليهم زعميهم بأن أصل شئ : شىء - بفتح الشين بعدها ياء مشددة مكسورة فهمزة . . وقال فيه انه مجرد دعوى لا يقوم عليها دليل فانه جزم أيضا بان ليس فى كلام العرب أفعلاء جمع على فعالى ونحن نقر صاحب الانصاف فى انكاره الاول لانه تمحك لا داعى له ولو كان صحيحا لسمع فى كلامهم كما سمع فى هين - بتشديد الياء - : هين بسكونها -
أما الانكار الثانى فان دل على شىء فانما يدل على مدى استقراء صاحب الانصاف للنصوص العربية فانه يرد على الكوفيين جازما وهذا لا يتأتى الا لصاحب اطلاع واسع . واستصدار حكم كهذا فى - رأينا دليل على الثقة حتى يقوم ضدها ما يزلزلها أما مذهب ابى الحسن الاخفش فانه يلف بالكلمة حتى يخضعها لوزن ( أفعلاء ) الذى لا يطرد الا فيما كان على زنة فعيل معتل اللام أو مضعفا كغنى وأغنياء كما أن هذا المذهب سيصطدم بمسألة تصغير أشياء على لفظه لان القياس فى جمع الكثرة ومنه أفعلاء أن يرد الى مفرده ويجمع أحد الجمعين وعلى
العكس من ذلك وردت أشياء فلقد قال ابو عثمان المازنى " سألته - يعنى ابا الحسن - عن تصغيرها " فقال : العرب تقول : " أشياء فاعلم فيدعونها على لفظها فقلت : فلم لاردت الى واحدها كما رد شعراء الى واحده ؟ فلم يأت بمقنع ؟
ففى هذا النص يتبين مدى ضعف رأى الاخفش .
وأما رأى الكسائى فمع اتسامه بالبساطة وعدم التعقيد ومع أن بعض العلماء مال اليه الا ان علة عدم الصرف وقفت عائقا أمامه فهو قد جعل وزن اشياء أفعال وهذا جميل لاول وهلة ولكن حيلته لعدم الصرف لم تكن مستساغة حتى جعلت ابن الانبارى يقول عن مذهبه : انه ظاهر البطلان . كما أدت بابن جنى الى أن يقول ايضا : هذا الاعتلال فى امتناعها من الصرف على ضعفه انما كان يكون فيه بعض العذر لترك الصرف لو صح انها أفعال . . ص ٩٦ المنصف ج ٢ - .
ففى هذا النص يطالعنا مدى الشك فى رأى الكسائى كما انه يوحى بعدم الاحتفال به .
وأخيرا نلتقى بمذهب البصريين وعلى رأسهم الخليل بن احمد ، وهنا نرى دفاعا عظيما فى كتابى الانصاف والمنصف على السواء فالمؤلفان لا يحاولان أن يضعاه تحت المهجر كما فعلا فى غيره وانما نلحظ جهاز مستميتا يبرر كل ما يقوله البصريون بالشواهد الكثيرة والقياسات المختلفة أحيانا وبالمنطق وحسن الجدل احيانا اخرى فالنتيجة فى كل من الانصاف والمنصف تكون فى كفة البصريين وهذا المذهب هو الذى يقول بالقلب المكانى ويجعل كلمة
أشياء اسم جمع كرهط فلا يؤخذ بمسألة التصغير السماعية ، أولا. ثم انه يمنع الكلمة من الصرف دون أن يؤاخذ على ذلك .
ولعلنا الآن بعد هذه الجولة القصيرة نخلص الى ( الترجيح ) .
٣ - " الترجيح " من استعراضنا السابق لما جاء فى الحراج ثم تعليقنا عليه نستطيع ان نحصر المذاهب والآراء فيما يأتى :
١ - مذهب يقول بالقلب المكانى ويجعل الكلمة اسم جمع أو مفردا . وعليه الخليل والبصريون ومن مال اليهم .
٢ - مذهب يدعى فى الكلمة حذف اللام وهى الهمزة المجاورة للالف وعليه الاخفش وهذا المذهب يصطدم بعدم السماع فى جمع فعل على أفعلاء .
٣ - مذهب يتابع الاخفش الا انه يدعى أن - شىء - محذوف من شىء بالتشديد وعليه الفراء وهذا أيضا يصطدم بعدم السماع . .
٤- مذهب يميل الى البساطة ويحتال لعلة منع الصرف وعليه الكسائى . اذن ما الرأى الراجح من بين هذه الاقوال ؟ ؟
لقد نقل لنا صاحب تاج العروس رواية تقول : " قال الامام علم الدين السخاوى
فى كتابه ( سفر السعادة ) : واحسن هذه الاقوال كلها وأقربها الى الصواب قول الكسائى لأنه فعل جمع على افعال مثل سيف واسياف واما منع الصرف فعلى التشبيه بفعلاء وقد يشبه الشئ بالشئ فيعطى حكمه كما أنهم شبهوا ألف أرطى بألف التأنيث فمنعوه من الصرف فى المعرفة . . ذكر هذا شيخنا وأيده وارتضاه " ص ٩١ ج ١ .
فهذه رواية عن عالم كبير له مكانته العلمية ترجح مذهب الكسائى وهى لا تنقى القول على عواهنه وانما تقوى من شأن الحيلة فى عدم الصرف بمثل آخر هو ما قيل فى شأن ألف ارطى من تشبيهها بألف التأنيث . .
وكنت قد ذهبت فى مسودة هذا البحث الى ترجيح رأى الخليل والبصريين الذى يقول بالقلب المكانى نظرا لعدم الاعتراضات القوية على ذلك المذهب ، ولكن تعليق استاذنا العلامة مصطفى السقا على الاخذ برأى الكسائى فى المسألة فهو كما يقول الاستاذ السقا فى تعنيقه : " أخف هذه الآراء مئونة وعلته فى منع الصرف مقبولة لوجود نظائرها فى ارطى وغيره ) .
والجدير بالذكر ان الاستاذ صاحب هذه المجلة قال برأى الكسائى حين قرأت عليه مسودة هذا البحث دون ان يعلم بتعليق الاستاذ مصطفى السقا كما أنه علل ذلك بملاحظات نطقية .

