أود قبل كل شئ (*) أن أشكر كل المسؤولين على اقامة هذا الملتقى الذى يضم نخبة من الباحثين فى كل من مصر وتونس ويعتبر مظهرا جديدا من مظاهر الاخوة والتعاون القائمين بين البلدين.
انكم مجتمعون اليوم لبحث قضية هامة وحساسة ، هي قضية التعرف على الذات القومية والنظر في مصير الامة العربية أى الشعوب التى منها تتكون المجموعة العربية الاسلامية
انها قضية هامة يعني بها القادة الشرفاء والمسؤولون الأمناء ، أولئك الذين يواجهون المسائل المصيرية بجد وعمق ونزاهة ويسعون الى توجيه شعوبهم الوجهة الصحيحة لتركيز شخصيتها وضمان مناعتها وتحقيق ازدهارها.
ان السياسيين والعقلاء منهم على الاخص ، يحتاجون الى سند ثقافى وحضارى يدعم عملهم السياسي بالمادة العلمية ، والبحوث ، واستقراء الاحداث ، واستغلال مساهمات العلوم الاجتماعية . ان كل ذلك ضرورى لان العمل الرامى الى نحت ملامح الشعوب وتقرير مصيرها بكل معاني الكلمة لم يعد معتمدا على السيف كما كان الامر منذ قرون ، بل على العمل التوعوى الذي ييسر النضج ويعمق الرؤية طالما أن الشعوب أصبحت اليوم تنمو وتزدهر وتتطور وتتحد وتتوحد فى اتجاه محاور حضارية وحول قيم ثقافية
أى قبل اعتبار آخر مما يبوىء رجال الفكر والثقافة والعلم مكانه ممتازة لانهم هي القادرون على التأمل واستقراء التاريخ واستجلاء اتجاهه وهم المؤهلون لاثراء القيم القومية وصيانتها من التشويه والزيغ وهم الاكفاء لرسم اتجاه مستقيم اصيل للشعوب . أقول هذا لأنى لا أزال أؤمن بأولوية الثقافة على السياسية . فالثقافة تبني وتغذى وتصون الذات الفردية والجماعية ، بينما السياسة تجتهد لاستنباط وتجسيم الصيغ القانونية والادارية والدبلوماسية والعسكرية ووضع البرامج التربوية والاعلامية واقرار الهياكل والاساليب التنظيمية الرسمية والجماهيرية الكفيلة بتحقيق ما تقتضيه الثقافة وتمليه الحضارة وطبيعة الاشياء فى كل أمة من الامم.
فالحركة الوطنية التى وقفت في وجه الاستعمار الفرنسى الذى جثم على نونيس وانهكها طيلة ثلاثة أرباع القرن هى حركة " سياسية " فى معنى السياسة النبيل بالقدر الذى كانت مستوحاة من نظرة ثقافية حضارية للشعب التونسى المهدد - حينذاك - في كيانه وفي مقوماته الاساسية . وهكذا فان الموقف الثقافى أو الوعى قد سبق العمل السياسى ، لذلك لم يفلح "المتسايسون " الذين حاولوا - قبل تأسيس الحزب الحر الدستورى التونسى ( 2 مارس 1934 ) وبعده - أن يجعلوا السياسة أو التسايس غاية لعملهم كما لم يفلح مختلف أنماط " التقدميين " الدخلاء على هذا الشعب من اشتراكين وشيوعيين وغيرهم من حملة لواء الاممية ، فى وضع هذه الامة فى مدار حضارى غير مدارها الاصيل العربى الاسلامى . وهيهات أن يوفق اليوم محترفو السياسة الى اقحام هذا الشعب فى اتجاه غير الاتجاه القويم الذى تقتضيه النظرة الثقافية الصائبة المؤمنة بحقيقة تونس الوجودية وخصائصها العربية الاسلامية الانسانية الباقية.
لهذا أعبد شخصيا عن ارتياحي لهذا الملتقى وأؤكد تشجيعي لكل المبادرات التى تصدر عن الجامعة التونسية بصفة خاصة والجامعات العربية بصفة عام والرامية إلى مزيد التعرف الى واقع العالم العربى الاسلامى وتحديد موقع هذا العالم من الدنيا وتوجيه رجال السياسة الساهرين على شؤون أوطانهم التوجيه القويم .
ذلك أن السياسيين وان بدر منهم احيانا شئ من اللامبالاة أو عدم الاصغاء الى المثقفين والباحثين والاساتذة فانهم ، أحبوا أم كرهوا ، يتأثرون بالابحاث والدراسات والتحاليل العلمية ويصغون الى التوجيهات ويقرؤون حسابا لما يكتبه ويشير به أهل الرأى.
لكن الصعوبة تكمن فى أن أهل الرأى أنفسهم مشتتون منقسمون بسبب ملابسات تاريخية واجتماعية وثقافية ، وهم يتنازعون حتى فى الشؤون المسماة بالعلمية . أما الباحثون والعلماء والاساتذة فى العالم العربى فانهم ورثوا فوق ذلك عن الاستعمار الانشطار والجهل المتبادل نتيجة طبيعية لتاريخ بلادهم الثقافى ، فمن الاقطار العربية ما أصيب باستعمار انقليزى ومنها ما أصيب باستعمار فرنسى ومنها ما أصيب باستعمار ايطالى وأخرى لم تصب بالاستعمار المكشوف ، ولكنها لم تعرف النهضة ولا استنارت بنور العلم وبقيت متقوقعة منغلقة على نفسها وكأن التاريخ تجمد فيها فأطل عليها القرن العشرون فاذا أهلها اشبه بأهل الكهف ، يفركون أعينهم وهى مبهورة فلا يكادون يبصرون ما حولهم.
والواقع هو أن هذه الاقطار مشتتة تعيش أوضاعا متناقضة يتأثر كل مثقف من مثقفيها بالوضعية التاريخية التى عليها قطره ، زد على ذلك أننا نجد فى القطر الواحد عددا من المدارس والكتل المختلفة نتيجة لاختلاف التكوين والتربية والتتلمذ والتمذهب . ففي تونس مثلا تعايشست المدارس الزيتونية (1) والصادقية (2) والفرنسية (3) البحتة وكذلك تكون بعض المثقفين العرب فى دول أوربية أو غير أوربية فتأثروا بلغاتها ومدارسها الفلسفية فمنهم من
يفتخر بأنه من خريجى " المدرسة الفرنسية " ومنهم من يحمد الله لكونه منتسبا الى المدرسية الانقليزية ثم جاء دور الولايات المتحدة والمانيا ثم الاتحاد السوفياتى فكانت النتيجة أن ظل أكثر المثقفين العرب مختلفين فى اتجاههم لا الثقافى فحسب بل حتى الفلسفى والسياسى . زد على ذلك انه يوجد بين الدول الاستعمارية التى ذكرنا بعضها وبيننا نحن معشر العرب المسلمين " عشرة قديمة " في ميدان الصراع الحضارى يرجع عهدها الى قرون ، فأوربا على اختلاف مشاربها وتعدد مدارسها وتشعب تياراتها الفكرية تكاد تكون مجمعة أو بالاحرى بكاد يكون رجال الفكر والادب والثقافة فيها مجمعين على جهل العالم العربى الاسلامى أو تجاهله واحتقاره وتشويهه وكل من طالع منكم الموسوعات والابحاث " العلمية " التى صدرت منذ عصر النهضه خاصه - ولا سيما القصة والمقالة والمسرح ! يلمس هذه الظاهرة . فالاسلام كدين وحضارة مجهول أو مشوه ومفترى عليه أو مسكوت عنه . وكل الدين استقوا معلوماتهم واستمدوا تكوينهم عن هؤلاء العلماء الاوربيين أو قرأوا تلك الموسوعات ورجعوا الى تلك المراجع يتأثرون طبعا من حيث لا يشعرون بتصور الغرب للشرق العربى وللعالم العربى الاسلامى . ولئن رد عدد كبير منهم الفعل والحق يقال وانبروا يدافعون عن حقيقة حضارتنا وتاريخنا فان منهم من تبنى آراء " مشائخه " وجعل نفسه بوقا لها وداعية عند رجوعه الى وطنه
ثم ان تصور البعض لما يسمى " بالموضوعية " أو المنهجية من شأنه أن يحمل التونسى أو المصرى أو العراقى أو المغربى على الحذر واجتناب الظهور بمظهر من يتعصب للعالم العربى الاسلامى أو يظهره فى مظهر نير . فمن يدرى؟ لعل ذلك يغضب أساتذته الاجلاء وينقص من قيمته عندهم ! ثم أليس الحديث عن الصفحات المشرقة لقصة الحضارة الاسلامية دليلا عن مركبات نقص وعدم قدرة على السمو عن العواطف والذاتية وتجاوز الماضى ؟ أليس التمسك بالموضوعية والمنهجية معناه البحث عن النقائص ونقط الضعف فينا ، حتى نبرر تفوق الغرب علينا ؟ ان هذا التمسك المفرط بل " المتأنق " بالموضوعية والمنهجية ربما يجعل البعض منا يبالغ ، من حيث لا يشعر ، فى القسوة على أنفسنا ويعتبر أن الامانة العلمية تقتضى أن نقول فى أنفسنا وفى شخصيتنا تاريخنا وحضارتنا ما قاله المستشرق الفلانى أو ما جاء فى الموسوعة الكبيرة الموجودة فى مكتبة احدى عواصم أوربا.
وعلاوة على ذلك فان ما يهمنا بحثه وتداركه اليوم كعائلة عربية اسلامية هو العزلة الفكرية القائمة بين اجزاء العالم العربى الاسلامى وبالخصوص بين
جناح العروبة الايمن وجناحها الايسر كما كنا نقول فى ايام الكفاح ، فبين هذين الجناحين كان يوجد جدار حديدى وضعه التاريخ ودعمه الاستعمار ولا تزال آثاره مائلة الى اليوم من سوء الحظ ! ومن الصدق والحق أن أبوح أمامكم بما سبق أن قلته منذ سنوات وكتبت فيه مرات : وهو أنى من الذين يحز فى انفسهم ما يلاحظونه من جهل بعضنا لأوضاع البعض الآخر فى العالم العربى الاسلامى ، ذلك أن عددا من الاقطار التى ربما كان لها انتاج أغزر ومساحة أكبر وسبقتنا فى الاستقلال ، تعتقد أنها هى القادرة وحدها على اعادة نحت ملامح الامة العربية الاسلامية وأنها هى التى تمثل العروبة والاصالة الاسلامية ! فما عسى ان يكون رد فعل الأقطار الاخرى التى تحترم نفسها غير الانكماش والاعتقاد بأن العروبة على هذه الصورة من التعالى والخيلاء والزهو والجهل غير مقبولة ولا حاجة لها بها فتكون النتيجة الفرقة والتمزق والتشتت.
ولهذا السبب فنحن نشجع مثل هذه الملتقيات ، فهى - علاوة على ما تتيحه من فائدة علمية متمثلة فى الابحاث والدراسات - تعد فرصة للتلاقى ومزيد التعرف : ان مجرد اجتماع الاشقاء كما هو الشأن اليوم فى تونس يمكنهم من أن يكتشفوا أن تونس بلاد عربية اسلامية ، عريقة فى العروبة والاسلام وأن لها كل سمات الاصالة والعراقة فى جميع الميادين وأن من واجب الاشقاء العرب أن يطلعوا عليها ويلمسوا خصائصها حتى تزول أسباب الجهل والعزلة بيننا . وليس لقاء واحد بكاف بل لا بد من طول النفس والمواظبة والاستمرار فى تنظيم اللقاءات الاخرى فى شتى الميادين.
ويحسن أن تكون اللقاءات جدية صريحة متعمقة اذ سبق أن التقينا فى بعض المناسبات فما كان منا الا ان نتبادل المجاملات والتحيات بينما نحن ما زلنا نحتاج فى الواقع الى مزيد من التعارف . هذا أقوله بصراحة ، لانى أؤمن بوحدة المصير ولانى متمسك بشخصيتنا العربية الاسلامية وأعتقد أنه لا يمكن دعم صرح القومية العربية الاسلامية ولا اقامة أسس الوحدة بين شعوبنا - ولو اقتضى ذلك قرنا أو قرنين - الا اذا بدأنا بمعرفة بعضنا لبعض عملا بقاعدة سقراط الذهبية " اعرف نفسك بنفسك " . ومن معرفتنا لأنفسنا تنتج معرفة بعضنا لبعض بما لنا وما علينا ، بايجابياتنا وبسلبياتنا ،.. فكل ذلك يشكل عناصر تقارب وتجاوب اذ ليس من المطلوب ولا من الضرورى ان نكون على شاكلة واحدة ، فقد يكون الاخ وأخوه فى عائلة واحدة مختلفين خلقا خلقا ، لكن ذلك لا يمنعهما من أن يكونا أخوين من أب واحد وأ
واحدة متضامنين ضمن عائلة متماسكة . تلك هى الصعوبات التى تواجهنا ولذلك استزيد من هذه الملتقيات وأود أن تتسم بالجد والعمق وبالصراحة خاصة !
وفي موضوعنا هذا بالذات يجب أن يقوم المثقفون بدورهم كاملا ويتخلصوا من العوائق التى ذكرت البعض منها اذا هم ارادوا أن تكون لهم منزله مرموقة فى الوطن العربي الكبير وان الواجب يدعوهم الى القيام بثورة ثقافية ذاتية تخلصهم مما علق بأذهانهم وترسب فى تكوينهم من أفكار واتجاهات موروثة عن الاستعمار الذى قصد بها - كما سبق أن لاحظت - تشويه الشخصية العربية الاسلامية والتشكيك فى الذات وان شر ما يصاب به المثقف هو أن يشك في نفسه ويشك فى وطنه فيكون ميالا الى التلبس بالغير والانتساب اليه ومحاكاته ، مستصعبا بناء مصير مشرف لوطن قومى ، يائسا من تحقيقه و لو بفضل مجهود أجيال متلاحقة ، فيركن الى الحلول السهلة ويتشبه بالغير وهذا ما وقع لكثير من المثقفين فى كل البلاد العربية الى حد أن التجنيس فى تونس والحزائر والمغرب الاقصى أغرى فى الثلاثينات بعض صغار النفوس لما قدمه الاستعمار الفرنسى من التشجيعات المادية ولقصور المثقفين عن ابلاغ صوتهم ولطغيان اللغة الفرنسية فى التعليم فكان الاختيار الوحيد امام بعضهم هو ان يكونوا فرنسيين ، وأن يتيتموا فى أوطانهم قبل تيتهم فى أبائهم وأمهاتهم !، تلك هى الكارثة الحضارية التى عرفناها فى بلاد شمال افريقيا وهي ظاهرة خطيرة قاومها فى تونس الرئيس الحبيب بورقيبه من قبل أن يؤسس الحزب الحر الدستورى الجديد . ومن معارك التجنيس الشهيرة معركة 8 أوت 1933 في مدينة المنستير من أجل منع دفن ابن أحد المتجنسين فى مقبرة المسلمين وتوالت المعارك والمظاهرات واستشهد الشهداء وسالت الدماء حتى اضطر " منسيرون " المقيم الفرنسى حينذاك الى الاذن باقامة مقابر خاصة بالمتجنسين ففهم الشعب اذ ذاك أن التجنيس مروق عن الاسلام وتنكر للدين الحنيف فكانت الصدمة الايجابية وتفتحت البصائر الى المصير الذي كان ينتظر الشعب وتوقفت حركة التجنيس وتم كل ذلك أو كاد قبل انعقاد مؤتمر الحزب الحر الدستورى التونسى فى 2 مارس 1934 بقصر هلال .
فاذا رجعنا إلى قضية القومية بين الوحدة والتجدد قلنا : انها قضية حيوية لا يزال النقاش يدور حولها منذ سنوات طويلة وقد مررنا فيها نحن العرب بأطوار ، ففي وقت من الاوقات وفي عهد الاستعمار بالخصوص ظهرت الاقليمية
وتعالت في بعض الاقطار العربية أصوات دعاة الاقليمية الفينيقية والفرعونية فى الشرق ، والبربرية فى بلاد المغرب . أما فى الخمسينات والستينات فكانت القومية العربية مفروضة من فوق فرضا بالرغم من أن مفاهيمها ومضامينها كانت تتغير بتغير المتكلمين عنها والداعين لها وبالرغم كذلك عن عدم الاتفاق حول جذورها التاريخية وبالرغم أيضا عن الالتباس اللاصق بها من حيث أنها مجرد انتماء تارة ومحتوى ايديولوجى أو حركة تحرر تارة اخرى ... ولا يزال بعض القادة العرب الى اليوم يعتبرونها أمرا لا يقبل النقاش وكل من ناقش زاغ وخان!
أقول هذا سعيا الى الاصداع بالحقيقة كما أراها شخصيا واذا أخطأت فعذرى أنى اجتهدت .
نحن عرب ! ما من شك في ذلك ! لكن ما معنى كلمة عرب ؟ قوميتنا عربية لكن ما هو مفهومها وما هو محتواها ؟
اني أذكر انه عندما شاركت فى مؤتمر أدباء العرب الثالث بالقاهرة ( ديسمبر 1957 ) وعبر أحد أعضاء الوفد التونسى عن أفكاره فى هذا الباب وأكد على حرية الاديب قام فى وجهه المرحوم سعيد العريان وكان من أنشط أعضاء الوفد المصرى وقال له : إذا كنت لا تؤمن بالقومية العربية يا دكتور فلماذا جئت الى القاهرة ؟ حتى أن المرحوم طه حسين التفت الينا فى آخر الجلسة بينما كنا بصدد الخروج وقال بالفرنسية : " ومع ذلك فانه لم يلتق أجرا مقابل ذلك : et pourtant il n' a meme pas ete paye pour ca وكانت شهادات الزيغ والعمالة أو شهادة الوطنية والاخلاص توزع من بعض الاذاعات العربية فنتج عن ذلك نفور وانكماش واستشرى النزاع وكان الفراغ الروحى والفكرى والايديولوجى . والواقع أن القومية العربية لم تكن هى الغاية ولم يكن التعلق بها صادقا بل كانت وسيلة الى الهيمنة وخدمة أغراض سياسية تتجاوزها . وهكذا فانه علينا جميعا ، وعليكم أنتم خاصة بوصفكم أساتذة وجامعيين أن تساهموا فى توضيح معنى القومية العربية التى نؤمن بها لا كشعار بل كواقع ومصير محتوم وفي تحديد مفهوم الذات العربية الاسلامية ومعنى التعدد أو التنوع.
اعتقد أن هناك واقعا لا يمكن لأحد أن ينكره أو يغيره وهو ان هذه الرقعة الممتدة من المحيط الاطلسي الى الخليج هي الحيز العربى الاسلامى . هناك أمة
عربية اسلامية نشأت عندما اعتنق العرب الاسلام وتفاعلوا معه تفاعلا حضاريا وامتزجوا به لغة وعقيدة وفقها وفلسفة وأسلوب حياة ... ثم انتشروا فى أقاصى الأرض ينشرون الاسلام وقد امتصوا خير ما فى الحضارات الاخرى من يونانية وفارسية وهضموا ما صلح من تراث الاشوريين والكلدانيين الكنعانيين ، وصهروه فى ذاتهم ، فسطع نجمهم وأشعوا أيما اشعاع لا فى كامل الوطن العربى الاسلامى فحسب بل فى أكثر أصقاع المعمورة فكسبت منهم وبهم الانسانية كسبا كبيرا .
و رغم ما اعترى الامة العربية الاسلامية من انحطاط لاسباب ليس هنا مقام شرحها ، ورغم ما ابتليت به من استعمار تبشيرى ، استيطانى استهدف القضاء على أعز مقوماتها ومحو شخصيتها فانها استفاقت من غفوتها واستمدت من أعمق أعماق تراثها وأصيل فكرها ومجيد تاريخها ما حفزها على التمرد والثورة والنضال من أجل الوجود والكرامة . ولعلها اليوم بصدد الجهاد فى سبيل تركيز ذاتها من جديد والقيام برسالتها فى عالم اليوم
وان افتعال التاريخ واصطياد النصوص - من كتب بعض المستشرقين خاصة - لن يجديا شيئا اذا أريد بذلك الانفصال عن الامة العربية الاسلامية أو التنكر لها أو مسخ مفهومها وتجاهل محتواها والادعاء أن للعروبه معنى قبائليا جاهليا وأصلا عرقيا سلاليا أو التذكير بما عرفته العروبة فى جاهليتها من بدائية ومادية ووثثنية و ... لن يجدى ذلك شيئا لان العروبة التى نقصد هي الحضارة العربية التى نفخ فيها الاسلام من روحه وأعلاها وهذبها ومنحها بعدا انسانيا مشرقا وشرفها بتحميلها رسالة خالدة.
على أن هذه الامة العربية الاسلامية ذات اللغة والعقيدة والحضارة والقيم العليا الواحدة لا تعنى انتفاء الخصائص العمرانية أو الذوقية أو الوجدانية التى قد يمتاز بها قطر من أقطارها ، بل ان الشعوب التى تتكون منها هذه الامة العربية الاسلامية هي بمثابة الروافد التى تنصب فيها جميعا فتريها وتدعم وحدتها بمختلف مميزاتها وألوانها.
وأنا شخصيا لا أخشى الدعوات التى تصدر عن بعض الادباء أو المفكرين العرب الذين يؤكدون على الطابع المميز لثقافة هذا الشعب العربى او ذاك ونموذج حياته . فانما تتركز الوحدة وتتدعم بانصهار كل الخصائص فى صلبها وتفاعلها بعضها مع بعض .
والذين ينكرون خصوصية قطر من الاقطار العربية الاسلامية يخطئون اذا قصدوا خدمة الوحدة القومية كما يخطئ كل الذين يحاولون التمسك بالخصائص المميزة لقطر من الاقطار العربية للتحدث عن زيغ مصر عن العروبة مثلا أو الاعتراض على عروبتها أو ربما نكرانها كما يبدو ذلك من كتابات الدكتور لويس عوض ( راجع الاهرام عدد 20 افريق 1978 ) . انهم يخطئون لان عروبة مصر حقيقة تاريخية لا يمكن جهلها.
ان التمسك بعروبة مصر لا يعنى التنازل عن تاريخها ولا جهل تراثها الفرعونى الذي يزين اليوم متاحفها والكثير من متاحف العالم ولا - كما ذهب الى ذلك طه حسين بعيد عودته من أوربا فى العشرينات - هدم أبى الهول والاهرام !!... وانما عروبة الشعور العربى والانتساب الى الامة والى الحضارة العربية الاسلامية والعزيمة على مواصلة تغذيتها واثرائها بعبقرية الشعب المصرى ووجدانه وفكره ، وتعني كذلك الوعى الكامل بحتمية المصير المشترك .
على أن طه حسين نفسه سرعان ما رجع الى الطريق الصواب . فبعد أن ادعى فى أول الثلاثينات ، وكان مبهورا بأوربا مفتونا بها ، أن مصر قطعة من أوربا ثم تراجع شيئا ما وقال : إن مصر شعب من شعوب البحر المتوسط لا علاقة له بالعرب ، صحح موقفه ووقف حياته على خدمة اللغة والثقافة العربية وساهم بأبحاثه ومحاضراته وأدبه الانشائى فى اعلاء شأن العروبة والاسلام .
وكذلك الشأن بالنسبة لسعد زغلول الذى كثيرا ما ردد العبارة التالية " مصر للمصريين " ، ويظهر أنه لم يتجاوب فى أى وقت من الاوقات مع الدعوة الى الوحدة العربية . لكن سعد زغلول هو الذي قرر تعريب التعليم يوم أن كان وزيرا للمعارف . وكان يدرس بالانقليزية الى غاية سنة 1906 فأبلى فى ذلك البلاء الحسن رغم اعتراض المستشار الانفليزى لشؤون التعليم " دنلوب Dunlop " .
ولئن اشتبهت السبل على المثقف نفسه فتعثر فى وقت من الاوقات وأخطأ الطريق سرعان ما تؤثر فيه المعطيات القومية وترجعه الى الجادة وتطبع انتاجه بطابع الأصالة
لذا وجب أن نميز بين الموقف السياسي الذي هو ظرفى وبين التكوين الجامعى وتأثيره وهو وقتى أيضا وبين الحقائق الثابتة والتى لا يمكن أن تتزعزع لان واقع الاشياء يفرضها
وكذلك الشأن في تونس فنحن لم نسمع فحسب أقوال بعض المفكرين ولم نقرأ فقط بعض المقالات التى تتنكر لتونس وتنكر عروبتها بل ان التعليم نفسه كان الى غاية سنة 1956 تعليما فرنسيا وكان الاستعمار يسعى طيلة ثلاثة أرباع القرن الى مسخ الشخصية العربية فى تونس . فأنا شخصيا تعلمت الصرف العربى باللغة الفرنسية عن الاستاذ " جيرو Giroud فى السنة الاولى والسنة الثانية ثانوى بالمدرسة الصادقية ورددت مثل جميع التلاميذ " إن الغوليين أجدادنا " وإن باريس عاصمتنا وإن تونس جزء لا يتجزأ من الامبراطورية الفرنسية" !!.. . والواقع أن أجيالا كثيرة من التونسيين تكونت تكوينا فرنسيا أو " فرنكو عربيا " ورغم ذلك لم تمح عروبة تونس . أجل كانت عرويتنا مهددة ولكن الواقع الاجتماعى والتاريخي ومعطيات الشعب التونسى القارة وبقاء ضمير الامة حيا لا يموت رغم الاعداء والاحداث ، جعلت كل المحاولات ترتطم بهذه الصخرة الشامخة الشماء ، صخرة الواقع التونسى العربى الاسلامى . ولهذا فان كل من يدعو اليوم الى مقومات غير المقومات التونسية الاصيلة العربية الاسلامية سيرتطم بهذه الحقيقة وهى أن تونس عربية اسلامية ولا يمكن تغييرها أو الزيغ بها عن عائلتها الروحية وحيزها الحضارى الاصيل
وإذن فما معنى التمصير أو التونسة إن صح هذا التعبير ؟ لقد قيل إنه يجب أن تكون مصر مصرية وتونس تونسية والجزائر جزائرية وتحدثنا دائما وكتبنا هنا كثيرا حول التونسة . هنا يجب التوضيح : أن التمصير أو التونسة فى اعتقادى لا يعنيان الانسلاخ عن القومية الذاتية ، بل معناه الاحتفاظ بالخصائص التى تميز تونس ومصر أو غيرهما من الاقطار العربية المنتمية كلها الى أمة واحدة . فعندما نقول : إن مصر يجب أن تمصر التعليم أو يجب تمصير مصر ففى اعتقادى - وأعتذر لدى الاخوان المصريين اذ أسمح لنفسى بالحديث نيابة عنهم - انما نعنى أن مصر عندما تمصر ستساهم فى تجديد معنى العروبة ، وستساهم فى اثراء معنى العروبة كيف ذلك وبأى شئ؟ بخصائصها الذاتية وعبقرية شعبها الفريدة ، لان لمصر خصائص فى جميع ميادين الحياة ، فرضتها الجغرافيا وفرضها النيل وفرضها التاريخ الطويل ، وكذلك الشأن بالنسبة الى تونس ، إن مصر - عربية اسلامية وتونس عربية
اسلامية ولكن الخصائص الذاتية التونسية أو خصائص القطر التونسي غير خصائص القطر المصرى ونحن بقدر ما نتمسك بالوحدة وبالذات العربية الاسلامية بقدر ما يجب علينا أن ننمى الخصائص المصرية والخصائص التونسية كما يجب أن ينمى اخواننا فى المغرب الخصائص المغربية واخواننا فى العراق الخصائص العراقية فكل خصائصنا فى الحقيقة انما هى روافد تنصب فى نهر واحد هو نهر الامة العربية الاسلامية الخالدة طالما أن الوحدة لا تنفى التنوع بل تتغذى منه وتستقيم وتدوم به !. ومعنى هذا ايضا أن العروبة ليست الا ثمرة مساهمات كل الاقطار التى تتكون منها الامة العربية فعندما تتمصر مصر ويتجذر المصريون فى تربتهم ويتفاعلون مع مناخهم تستفيد العروبة من مصر وبقدر ما نركز على تونسة تونس فى نطاق احتفاظنا بلغتنا وبحضارتنا الاسلامية فنحيى تقاليدنا الشعبية ونعتنى بمختلف ألوان موسيقانا ونستوحى مناخنا فى شعرنا وأدبنا ونهتم بتاريخنا ونخلصه مما شوهه به بعض الاجانب المغرضين ... بقدر ما نثرى العروبة ونمدها بنسغ جديد ونفس طريف ، وكذلك تثرى العراق وسوريا والمملكة السعودية وغيرها من البلدان العربية الاخرى العروبة عندما تتمسك بأصالتها . والعروبة ليست شيئا جامدا بل هى جسم حى متحرك نام متطور بتطور وحيوية الشعوب التى تتكون منها وليس لاى كان فى العالم العربى الاسلامى أن يدعى العصمة أو يفكر فى احتكار العروبة والوطنية والاصالة . نحن جميعا عرب وفي سبيل اعلاء العروبة نعمل ونجاهد ولا يكون ذلك الا اذا كنا تونسيين فى كل مظاهر حياتنا وساهمنا برأس مال ثقافى واجتماعى . فى ثروة العروبة وتنميتها أما إذا اكتفينا بالشعارات أو إذا استغللنا عنوان العروبة المجيد للهيمنة وفرض الرأى فاننا نكون اما سلبيين أو منافقين !.
فما هى العروبة حينئذ اذا صح ما سبق ؟ هنالك تحديدات يتعين أن أطرحها . أولا : ليست العروبة معني عرقيا ولا يثبت العلم هذا ولا المنطق ولا أى معنى من معانى الحضارة العصرية . ان العروبة ليست معنى عرقيا بل هى معنى حضارى وكذلك ليس تاريخ الحضارة العربية تاريخ العرق العربى إن وجد ، ثانيا : ليس تاريخ العروبة تاريخ عهد الكلام بلهجة قريش ، فلهجة قريش احدى لهجات الجزيرة العربية . ما الذى جعلها خالدة وما الذى اثراها وفرضها فى التاريخ ؟ انه القرآن الكريم بالطبع . ان لهجة قريش مثلها كمثل اللهجات الاخرى لا يرجع اليها الفضل فى حد ذاتها وانما الذى ادخلها فى التاريخ وابقاها على الدهر هو القرآن ، ثالثا : النواة الاساسية للعروبة فى اعتقادى هى القرأن الكريم لغة ودينا وعقيدة وفقها .
فالمقومان الاساسيان في نظري هما : اللغة ، لغة قريش التى جاء بها القران و طورها وأغناها ، والعقيدة الاسلامية . وانطلاقا من هذين العنصرين أى من هذه النواة المتنامية المتواصلة منذ أربعة عشر قرنا ازدهرت الحضارة العربية وهذه النواة امتصت على مر القرون كل فروع المعرفة وكل انماط الحياة وصهرتها وافادت من مساهمات كل الاقطار التى تركزت وتعمقت فيها وتجلت فى ربوعها لغة قريش . وان الحضارة العربية انتشرت لا بشكل خطوط كما فعلت بعض اللهحات قبل الاسلام بل انتشرت بشكل اشعاع مستمر على كافة الوطن العربي . ان معجزة العروبة تكمن فى أنها انتشرت بالاشعاع ويخطئ إلى حد كبير من يعتقد انها انتشرت بحد السيف لان استقراء التاريخ يفيد أن ما فرض بالسف لا يرسب فى الاعماق ولا يتناول الا السطح وسرعان ما يزول ويذهب هباء منثورا . وهناك أبحاث معاصرة كتبها الغربيون انفسهم تشهد بأن الحضارة الاسلامية أشعت بنفوذها الباطنى لانها قدمت للبشرية نظرة جديدة وروحا جديدة حتى أن روجي غارودى Roger GARAUDY الذى كان في أعز أيام شابه ماركسيا ثم أصبح اليوم متعاطفا مع المسيحية يؤكد فى كتابه الاخير " حوار الحضارات " أنه لا يعقل أن يفرض المسلمون انفسهم فى الاندلس بحيش يعد حوالى أربعين أو خمسين ألف فارس فقط ، وانما شأن المسلمين فى الاندلس شأن جماعة " ماوتسيونغ " فى الصين : لم تكن كثرة العدد ولكنها أشعت بفضل " ماوتسيونغ " الذى أتى بفلسفه جديدة مستقاة من الماركسية وخصوصا من واقع الصين واستجاب الى حاجة ملحة كان يشعر بها الشعب الصينى ولو بصورة غير واضحة . كذلك جاء المسلمون بفلسفة حديدة ، بروح جديدة ، بمشروع مجتمع جديد واستجاب الى حاجة كان يشعر بها المغرب العربى والاندلس.
فالعروبة هي إذن حضارة انطلقت من نواة اعتمدت لغة قريش وبالخصوص القرآن الكريم ونمت باطراد وليس ذلك من باب الصدف ، وهذا ما أود أن ينكب عليه الباحثون . لكن لماذا لم تستقر ولم تثبت ولم تبق الا فى هذه المناطق المتدة من المحيط الى الخليج والمحاطة بالصحراء بينما المسلمون ذهبوا حتى الى الفيلبين والى بلاد القياصرة الروس والى الصين والى أوربا ثم تقلصوا وتراجعوا وزالت اللغة العربية وربما بقى الدين الاسلامى كعقيدة فقط . فلماذا ؟
منذ أربعة عشر قرنا استقر الاسلام واللغة العربية فى هذه المنطقة فقط . هناك بحوث أتذكر اني اطلعت عليها بسرعة يقول بعضها : إن تركيز اللغة
العربية والدين الاسلامى فى شمال افريقيا وفى مصر رغم وجود حضارتين عتيقتين هما الحضارة الفرعونية والحضارة البربرية والحضارات التى تواجدت وتعاقبت في المغرب العربي الكبير قبل الاسلام يرجع فى الاصل الى قرابة بين اللغة العربية وبين الحضارات التى كانت موجودة فى مصر وفى المغرب العربى . هذا يحتاج إلى بحث والى تدقيق ولكن نلاحظ ان العروبة والاسلام بالخصوص تركزا وأشعا ولا يزالان فى هذه الرقعة الجغرافية المعروفة . انا شخصيا أعتقد أن الذى يوحد بيننا ويجعل منا أمة هي اللغة العربية وخاصة الدين الاسلامي باعتباره عقيدة وحضارة وان الاقطار التى تتكون منها هذا الامة الاسلامية أقطار لا بأس من تركيز خصائصها لانه بقدر ما تتركز هذه الخصائص يكون فى ذلك غنم للامة العربية كعائلة تجمع بين كل الاطراف
ولهذا فنحن في تونس مثلا بقدر ما نسير ونعمل ونجاهد حتى تكون لغتنا هي العربية بقدر ما ننمى ونعمق انتماءنا للحضارة الاسلامية وللدين الاسلامى ونعتبر أن عالمنا الطبيعى هو العالم العربى الاسلامى . ان شخصيتنا هى شخصية عربية اسلامية وبقدر ما نقوم بهذا العمل ونؤمن به ونجاهد فى سبيله بقدر ما نعتز وننمى خصائصنا لان تونس رغم تواضع مساحتها لها من الاصالة ومن التاريخ ومن الخصائص الذاتية ما يجعل العروبة تعتز بها وتستفيد من كيانها ومن شخصيتها المتنامية المشعة أبد الدهر وكذلك بالنسبة الى الشقيقة مصر والى كل الاقطار العربية الاخرى.
ويجب فى اعتقادى أن لا نتصور الامة العربية كقطر محدود ونموذج واحد متصلب متحجر ذلك أن العروبة جسم حى ، يتطور ونساهم جميعا فى انمائه لا فقط حغرافيا بل تاريخيا ، وسوف تساهم كل الاجيال القادمة فى تنمية العروبة وفي استجلاء معالمها وسوف تساهم بالخصوص فى الدفاع عنها وفى فرضها على العالم كما قال الدكتور خليفة منذ حين لان العالم أحببنا أو كرهنا يعتبرنا جميعا " عربا " ومسلمين مصيرنا واحد ويعاملنا نفس المعاملة ولا يمكن ان نشعر بالعزة والكرامة الذاتية ولا يمكن ان نفرض احترامنا على الغير إلا إذ تمسكنا بشخصيتنا ودافعنا عنها أمام الغير وحملناه على أن يعاملنا بالصفة التى نحن عليها لا كما يريد منا أن نكون .
وان الاممية التى كثر عنها الحديث فى القرن التاسع عشر وفى النصف الاول من هذا القرن هى كلمة حق أريد بها باطل فهى عند نفر من رجال
السياسية وبعض المفكرين فى أوربا أحبولة مع الاسف ، هي طريقة الاستدراج بقية شعوب العالم الضعيفة لفرض نمط أوربى على العالم مثلما قال " فولتير" في كتابه ZADIG : " كيف يمكن للانسان ان يكون فارسيا ؟ " اذ لا يمكن أن يكون الا فرنسيا وفي الضفة اليسرى من نهر السين فى باريس إذا أمكن ذلك ! فالاممية نظرة توحيدية مفروضة من طرف الاقوياء ، وكل فتاة بأبيها معجبة ، وكل دولة قوية كانت تفرض نفسها بالسيف ، وبالمعمرين وبالمبشرين بالامس وتحاول فرض نفسها اليوم بالمثقفين عن طريق الايحاء والابهار واستغلال التفوق العلمي والتكنولوجيا ! و هذه هى قضية صدق المثقفين و أصالتهم فى كل دول العالم .
هناك من المثقفين من خانوا الامانة فبعضهم لا يزال يخدم أسياده السياسين لتركيز الاستعمار الاوربى وبسط الامبريالية بكل انواعها سواء كانت من الشرق أو من الغرب فنحن بقدر ما نتعلق بالاممية الحق نؤمن أن واجبنا يقتضينا ان نشهر بنوع من " التلميس " الحضارى والثقافى الذى يتزين بالموضوعية والمنهجية والتقدمية واليسارية أو اليمينية ولكن غايته فى الواقع هي استضعاف الشعوب وابقاؤها تحت نير هذه الدول العظيمة فتبقى مهيمنة بثقافتها أو مسيطرة بقوتها الاقتصادية مثلما كانت بالامس مسيطرة بجيوشها .
اننا نؤمن بالاممية والدين الاسلامي دين له اتجاه أممى انسانى وقد خاطب الله الناس - لا العرب وحدهم - بقوله : " يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم" والاممية لا تنفي بل تقتضى وجود الشخصية المميزة لكل شعب من الشعوب ولكل أمة من الامم ، ولا يمكن ان تستتب السلم الا بالاحترام المتبادل، والاحترام المتبادل يقتضى معرفة بعضنا لبعض على أساس خصائصنا الذاتية، فنحن عندما نتعمق في معانى الذاتية ونصونها نصفي الاجواء ونطهر الواقع الموروث بين العرب أنفسهم حتى تكون اخوتنا أخوة مبنية على الوضوح لا على الالتباس وعلى الصراحة لا على المداهنة أو المجاملة وحتى يكون تقاربنا تقاربا موضوعيا ويصمد مدى الدهر ونحن لا ندعى ان الامة العربية هى وحدها المنتخبة من قبل الاقدار لتكون قيمة على الامم الاخرى ، فهذا قول مرفوض لا يستسيغة عاقل ولا مسؤول . نحن كعرب مسلمين يجب أن تفرض ذاتنا وشخصيتنا باحترام أنفسنا وبالاشعاع الحضارى واسهامنا فى مسيرة
البشرية نحو مزيد من الازدهار والكرامة والعدل والحرية ويجب كذلك أن نعين اخواننا البشر فى العالم وخاصة جيران البلاد العربية والاسلامية فنطهرهم من آثار الاستعمار ونشفيهم من داء التعصب وعقدة الكبرياء والتعالى وبذلك نضمن اسباب البقاء والنمو والمناعة للامة العربية كوحدة متراصة الصفوف كالبنيان المرصوص ومن جهة اخرى نساهم فى استئصال أسباب الشحناء في العالم وخاصة المتقدم منه ونمهد بكل ذلك الى الحوار البناء والتعاون الحق والتكامل أى الى السلم والى المعمورة الفاضلة التى حدثنا عنها فيلسوف الاسلام أبو نصر الفارابى.
فاذا صح هذا واقتنعنا به فهل من رسالة أصعب وفي نفس الوقت أنبل بالنسبة اليكم أيها المثقفون العرب من أن تساهموا فى استجلاء كل هذه المعانى وتعبيد طريق الفوز فى هذه المعركة الحضارية أمام الاجيال الصاعدة التى هى كما نعلم الآن فى ارتباك وفي حيرة وتردد ، لا تعرف أى طريق تختار .
نحن فى مفترق طرق وفى ظرف تاريخى حاسم وفي وضع عالمى خاص وان للمثقفين لدورا عظيما خطيرا هو أبعد اثرا وأعلى قيمة مما يقوم به غيرهم من المسؤولين فى قطاعات أخرى ... ان كانوا حقا بدورهم مضطلعين ولرسالتهم واعين

