الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

القياس والرأى، في فقه أبي حنيفة

Share

 اختلف الناس فى أبى حنيفة اختلافا كبيرا لم نشهده فى الأئمة الآخرين ، فأنصاره وأتباعه من المتأخرين رفعوه الى مراتب تجاوزوا فيها الحد حتى أوصلوه الى مرتبة الصحابة ، بل بالغ بعض هؤلاء المتأخرين حتى زعموا أن أشياء قد تؤدى الى العصيان ، اذ زعموا أن اتباعه فرض على أصحابه ، ولا تصح لهم عبادة اذا لم يتبعوه .

  وأسرف خصومه فى ذمه ، وكان بينهم أئمة كبار ، وكلا الفريقين على غير الصواب ، فما بضائر أبا حنيفة أن لا يوصف بتلك المبالغات ، وليست بمقنصة له إذا لم تذكر فى صفاته ، فالامام بصفاته امام له المكانة العليا بين الفقهاء ، وبزهم بعلمه وتشقيق العلم حتى انتهت به عبقريته الى استنباط أحكام من الوحى تفرد بطريقته فى ذلك تفردا .

وأما تجاوز خصومه الحد فمردود، فأقران الأئمة لا تقبل أقوالهم فى جرح الامام ، لان حسد الاقران بعضهم بعضا أمر لا اختلاف فيه ، ومن هؤلاء الاقران من لا

يوصفون بالحسد ، ولكنهم أبدوا فى أبى حنيفة آراء غير صحيحة .

وهؤلاء الأئمة الفضلاء لا يقبل جرحهم أيضا ، لان ما نقل اليهم عن أبى حنيفة لم يكن صحيحا ، فالامام أحمد بن حنبل أخذ على أبى حنيفة قوله بالرأى ، وبعض أهل الحديث أخذوا عليه المأخذ نفسه ، ولم يكونوا على صواب فى ذلك ، اذ توهموا ما لم يكن وجسموه ثم حاسبوا عليه أعسر حساب ، وليس ذلك سنة الحق والصواب .

فالامام أحمد رضي الله عنه لم يكن من الحساد ، فقد نزه الله قلبه من الحسد ، ولكنه بلغه عن أبى حنيفة ايثار الرأى على النص فنقم عليه .

روى القاضى الفاضل أبو القاسم بن العوام عن نصر بن يحيى البلخى قال : قلت لأحمد بن حنبل : ما الذى نقمتم على هذا الرجل ؟ - يقصد أبا حنيفة - قال : الرأى . قلت : فهذا مللك . ألم يتكلم بالرأى ؟ قال : بلى ، ولكن رأي أبى حنيفة خلد فى الكتب . قلت : فقد خلد رأى مالك في الكتب . قال : أبو حنيفة أكثر رأيا منه ، قلت : فهلا تكلمتم فى هذا بحصته وهذا بحصته . فسكت .

فاذا كان الرأى هو ما حمل الامام احمد على النقمة فان مالكا كان يقول بالرأى ، حتى قال الامام سفيان الثورى : (( أحصيت على ابن أنس سبعين مسألة ، كلها مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال برأيه )) .

فالنقمة لم تكن بسبب الرأى ، والا لكان على أهل الحديث وفى طليعتهم الامام أحمد أن ينقموا على مالك أيضا للسبب الذى من

أجله نقموا على ابى حنيفة ، انما نقل الى الامام أحمد عن الامام أبى حنيفة ما ليس بصحيح فنقم عليه ، ولكنه عرف له فضله ومكانته .

وليس اعتراض أهل الحديث حقا ، فأبو حنيفة رضي الله عنه كان من أشد الناس اجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتصاما به فى فقهه ، ولكن ما انتهى الى بيده من الحديث لم يكن من الوفرة التى كانت بالمدينة ومكة ، وبخاصة المدينة ، وكان الوضع كثيرا في عصره ، فلم يقبل من الحديث الا ما صح عنده سندا ومتنا .

وحياة أبى حنيفة أروع مثل على غيرة المسلم المؤمن المحسن على دينه ، فقد بلغ من الورع والزهد والصدق والتدين أعلى المراتب، والاحسان كما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم هو (( أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك )) وكان ابو حنيفة محسنا على هذا المعنى ، فهو أشد الأئمة حرصا على سنة رسول الله ، ومن الثابت أن الامام لم يكن قط يقول بالرأى اذا ثبت لديه الحديث ، بل اذا كان لديه قول الصحابى آثره على الرأى ، وتمسك به .

واتهم بعض خصوم الامام ، أيا حنيفة بالقول بالارجاء . وهو اتهام باطل مردود ، ومعاذ الله أن يكون الامام من المرجئة لانه من أهل السنة والجماعة .

والمرجئة فرقة اسلامية من اهل الكلام ، واطلق عليهم اسم (( المرجئة )) لارجائهم أمر من سفكوا الدماء الى الله ، وارجائهم أمر من اختلفوا فى الخلافة الى الله والى يوم القيامة ، وان الايمان اعتقاد بالقلب ولا

دخل فيه لعمل الجوارح ، وانقسمت الى أربعة أقسام ، ولا مجال لذكرها هنا .

فأبو حنيفة على هذا لم يكن من المرجئة ، بل كان مفهومه من الايمان انه اعتقاد القلب المصحوب بعمل الجوارح . . ولم يرجئ أمر المختلفين الى يوم القيامة ، بلى ذكر فيهم حكم الاسلام .

واتهم شيخه حماد بن ابى سليمان بأنه من المرجئة ، وليس شئ من هذا بصحيح ، فبعض الشيعة كفروا الامويين وكفروا أبا بكر وعمر وغالوا فى على كرم الله وجهه ووجه اخوته أبى بكر وعمر وسائر الصحابة أشد المغالاة ، وقابلهم الخوارج بتكفير جمهرة المسلمين ، فوقف المرجئة موقف الارجاء في هذه الخلافات .

وموقف أبى حنيفة معروف ، فهو من أهل السنة والجماعة ، يوالى الخلفاء الراشدين جميعا أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ، وكان ضد الظلم ، ورأى فى عهده الامويين والعباسيين لم بتمسكوا حق التمسك بالكتاب والسنة فلم يرض عنهم ، وكان هواه مع آل البيت دون أن يكون من الشيعة، بل حبه آل البيت مثل حب السنة والجماعة، لم يحمله هذا الحب على الافك والباطل، بل حمله أن يعطيهم حقهم من القدر والمحبة والموالاة .

ويكفى أن نعلم أن أبا حنيفة لم يقصر الايمان على اعتقاد القلب ، بل جعل الايمان عقيدة وعملا ، ورد الايمة الكبار عن الامام ابى حنيفة هذه الفرية الكاذبة ودحضوها بالبراهين القاطعة من واقع الامام وفقهه .

وأما مسألة الرأى ، فكلمة الحق فيها أن أبا حنيفة أخذ بالرأى اذا كان الأخذ به

واجبا ، والوجوب يأتى من عدم وجود نص صحيح لديه ، وعندئذ يكون الأخذ بالرأى ضرورة ، وليس هو ببدع فى ذلك ، فله أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصحابته الاجلاء الكرام .

فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه بالرأى فيما ليس فيه وحى ، وهو رأى رآه هو نفسه ، وأجاز الرأى وأخذ به عن صحابته وسألهم عنه .

ومن الحوادث الثابتة ان رسول اللهصل الله عليه وسلم قال فى مكة : (( لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها )) فقال العباس رضى الله عنه : الا الاذخر ، فقال رسول الله : (( الا الاذخر )) فموافقته على الاستثناء لم يكن وحيا نزل عليه فى ذلك الوقت ، بل كان اجتهادا منه ورأيا .

وحادثة المرأة الخثعمية تقيم البرهان على قياس رسول الله ، فقد سألته : يا رسول الله ، ان أبى أردكته فمريضة الحج شيحا زمنا لا يستطيع ان يحج ، ان حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال لها : (( أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك (( قالت: نعم ، قال : (( فدين المله أحق بالقضاء )) .

فرسول الله ألحق دين الله بدين الناس، وهو نفسه القياس المبنى على الرأى .

وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث بن كلدة ، فعرضت له أختة (( قتببلة )) بنت الحارث فى المطاف ، واستوقفته وأنشدته أبياتا مطلعها :

يا راكبا ان الأثيل مظنة

      من صبح خاسة وأنت موفق

ومنها :

أمحمد ولأنت ضنء نجيبة

     من قومها والفحل معرق

ما كان ضرك لو مننت وربما

     من الفتى وهو المغيظ المحنق

والنضر أقرب من أصبت وسيلة

     وأحقهم أن كان عتق يعتق

ولما سمع رسول الله منها شعرها بكى وقال : (( لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه )) .

ولو كان قتله وحيا ما جاز تمنى العفو عنه ، ولكن قتله اياه كان حقا ، وهو رأى رآه رسول الله ، فلو سبق شعرها قتل أخيها لعفا عنه ، ولما كان حكمه صادرا من رأيه جاز له صلى الله عليه وسلم أن يؤثر عليه رأيه الآخر وهو العفو ، وكلا رأييه صلى الله عليه وسلم حق وصواب .

ومن أقيسة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة :

قال رسول الله : (( فى بضع أحدكم صدقة )) فسأله رجل : أيقضى أحدنا شهوته ويؤجر عليها ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (( أرأيت لو وضعها فى حرام أكان عليه وزر ؟ قال : نعم ، فقال : (( فذلك اذا وضعها فى حلال كان له أجر )) .

فرسول الله قاس فى هذه المسألة وأقنع السائل بما هو حق ، وسبيل الاقناع هو الدليل .

و (( حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تهمة ، وعاقب فى تهمة لما ظهرت له أمارات الريبة على المتهم )) (١)

و (( منع النبى صلى الله عليه وسلم الغال

من الغنيمة سهمه ، وحرق متاعه هو وخلفاؤه من بعده )) (١)

و (( منع القاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير السرية ، فعاقب المشفوع له عقوبة للشفيع )) (١)

و (( عزم على تحريق بيوت تاركى الجمعة والجماعة )) (١)

و (( أضعف الغرم على سارق ما لا قطع فيه ، وشرع فيه جلدات نكالا وتأديبا )) (١)

و (( أضعف الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها )) (١)

و (( قال في تاركى الزكاة : انا آخذوها منه وشطر ما له عزمة من عزمات ربنا )) (١)

و (( أمر بكسر دنان الخمر ، وأمر بكسر القدور التى طبخ فيها اللحم الحرام ، ثم نسخ عنهم الكسر وأمرهم بالغسل )) (٢)

و (( أمر عبدالله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين فسجر بهما التنور )) (٢)

و (( أمر المرأه التى لعنت ناقتها أن تخلى سبيلها )) (٢)

و (( أمر بقتل شارب الخمر بعد الثالثة والرابعة ، ولم ينسخ ذلك ، ولم يجعله حدا لا بد منه ، بل هو بحسب المصلحة الى رأى الامام ، ولذلك زاد عمر رضى الله عنه فى الحد أربعين ونفى فيها )) (٢)

و (( أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتل الذى كان يتهم بأم ولده ، فلما تبين أنه خصى تركه )) (٢)

وهذا الحادث وقع لشيخ كبير يسمى (( مأبور )) كان المقوقس قد بعثه مع سيرين ومارية ، فاتهم مأبور بمارية ، وكان يخدمها ويسكن معها ، فبعث رسول الله على بن أبى طالب ليقتله ، فلما مضى رأى الخادم على نخلة ، فنظر اليه فاذا هو مجبوب ، فلم يكلمه وعاد الى رسول الله فأخبره خبره ، واستحسن من علي صنيعه .

وفى صنع على كرم الله وجهه مخالفة لأمر رسول الله فى الظاهر ، لأنه أمره بقتله ولكنه لم بقتله ، وفى الحق لا مخالفة ، لأن أمر القتل كان بسبب ، فلما انتفى السبب انتفى معه المسبب ، ولذا لم يقتله .

فاذا كان أمره صلى الله عليه وسلم عليا وحيا ما جاز أن يرجع عنه ، لكنه لما كان رأيا رجع عنه الى خير منه .

بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه آراءهم فيما ليس فيه وحى من الله ، بل ان قول الله تعالى لرسوله الكريم : (( وشاورهم فى الأمر )) دليل على حجية الرأى ، فالمشاورة ليست وحيا ، لأنها آراء المستشارين ، ولو كان الرأى محرما لما أمر اليه عز وجل رسوله بالمشاورة

أخرج البخارى ومسلم رضى الله عنهما فى صحيحيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قصة الحديبية أرسل عينا يرى له قريشا ، مات فعاد اليه بأخبارهم أنهم جمعوا جموعهم ، ومقاتلوه وصادوه عن البيت ،فقام رسول الله وقال : (( أشيروا أيها الناس على ، أترون أن أميل الى عيالهم وذرارى

هؤلاء الذين يريدون أن يصدرنا عن البيت ، فان فاتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين، والا تركناهم محروبين ))

فقال ابو بكر : يا رسول الله ، خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حربا ، فتوجه له ، فمن صدنا قاتلتاه .

قال رسول الله : (( أمضوا على اسم الله عز وجل )) .

وفى أسرى بدر طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من صحابته (( الرأى )) فيما يتخذه نحوهم من اجراء .

ونحن ننقل من رواية الامامين مسلم وأحمد من حديث ابن عباس رضى الله عنهما ما نحن بصدده :

لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر وعمر : (( ما ترون فى هؤلاء الأسارى )) ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هم بنوالعم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية فتكون قوة لنا على الكفار ، وعسى الله أن يهديهم للاسلام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما ترى يا ابن الخطاب)) ؟ فقال : لا ، والله! لا أرى الذى رأى أبو بكر، ولكننى أرى ان تمكننا فنضرب أعناقهم .

ويقول عمر : فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان الغد جئت فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان ، قلت : يا رسول الله ، أخبرنى من أى شئ تبكى أنت وصاحبك ؟ فان وجدت بكاء بكيت ، وان لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أبكى للذى عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة )) شجرة قريبة منه

ونزل فى هذا الأمر الجلل قرآن كريم هو قوله تعالى : ( ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم . فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله ان الله غفور رحيم )

فهنا (( رأى )) جماعة على رأسهم أفضلهم وهو أبو بكر ، و (( رأى )) آخر لقلة من الصحابة فى مقدمتهم عمر بن الخطاب ، ووازن الرسول صلى الله عليه وسلم بين الرأيين فرجح عنده رأى أبى بكر لأنه رأى الأغلبية وفيهم أبو بكر فانفده وترك رأى الاقلية المعارضة ويرأسها عمر بن الخطاب .

فهنا سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرأى من أصحابه ، وكل منهم حر فى الرأى .

واجتهد أبو بكر وأبدى رأيه وهو رأى الاغلبية .

واجتهد عمر وأبدى رأيه وهو رأى الاقلية .

واجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى الاخذ برأى أبى بكر ومعه الاكثرية ، وترك رأى الاقلية التى يرأسها عمر .

فنزل القرآن بتأييد رأيى عمر والاقلية .

والآية الكريمة ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) تظهر أن رأى الاكثرية التى كان يتقدمها أبو بكر خطأ يستوجب العذاب العظيم الذى رده عنهم ما سبق من رحمة الله وعلمه أن حسن النية والرغبة فى الخير هما مصدر الاجتهاد .

ويستدل من هذه الآيات الثلاث أن الرأى اذا صار حكما شرعيا نافذا ، وجب الاخذ به وان ظهر خطؤه بعد نفاذه لأن الرجوع عنه يعرض الأحكام للتلاعب .

وهذا الثبوت مقصور على الحكم الذى تصدره الأغلبية عن اجتهاد سليم ورغبة في الخير وايثار للمصلحة العامة ، فأبو بكر ومن معه لم ينظروا الى مصالحهم الشخصية وان كان بينهم من أرادها ، لقول الله تعالى:

( تريدون عرض الدنيا )

( للبحث صلة )

( مكة المكرمة )

اشترك في نشرتنا البريدية