أتيت استنشق ريح البيان
فعطرى الانغام يا قيروان
طال انتظارى موعداً شيقاً
ينأى به حين ويدنيه آن
ثلاث مرات رمت بى الى
أحضانه الاشواق قبل الاوان
ومن يكن مثلى عنيف الهوى
بالنبض بالانفاس يحصى الثوان
لا تعجبي ان حدت عن حكمتى
فذاك شأن الحب يا قيروان
قد كنت منى مثل طيف الكرى
يبدو ، ولا تبصره المقلتان
يدنو وينبو فى مدى لحظة
فالقرب منه والبعاد سيان
أفسح من حضني اذا زارني
وأنتشى فى الوهم بالاحتضان
لكن اذا ما رجني واقعي
الفيته نجما تعلي وبان
يبدو لعيني بين ابراجه
وليس لى فى القرب منه يدان
قد كنت ذاك الطيف فى روده
وكنت ذاك الحلم يا قيروان
وكنت فى دنياك أحتل من
آفاقك الزرقاء أقصى مكان
فى زحمة العشاق لم تحفلى
بعاشق جلببه الاتزان
لم يكشف السر وان شفه
وحبه لم يبده للعيان
حتى اذا بادلتني نظرة
من لهفة الاشواق فيها معان
أتيت اسعى شاكياً حرقتى
وملء روحى صبوة وافتتان
وفي يدى كأسى تحن إلى
نبع الاباريق وسكب الدنان
دوافعي في النفس جياشة
وخاطرى محتدم فى الجنان
غالبت فيك الشوق ، راهنته
فعيل صبرى ، وخسرت الرهان
لى ألف ميل من ميول الهوى
ومن شؤون القلب لي ألف شان
وأنت أحلى من ميول الهوى
ومن شؤون القلب يا قيروان
يا روضة للشعر مخضرة
مفروشة بالورد والاقحوان
" أبريل " لم يبرح على أيكها
معطر الانفاس والطيلسان
أتيت أستلهم في ظلها
فضلا من الابداع والافتنان
أطارح الطير بأصالها
أعذب ما أوحت به من أغان
يا جنة تبسط أفياءها
تعانقت فيها الغصون اللدان
الرى فيها من جدى بابل
والعطر فيها من شذى "أصبهان"
والسحر فيها من "عيون المها "
حنت له بغداد والرافدان
لو صاحب " الجسر " رأي ههنا
سحر الصبايا ودلال الحسان
لاتسعت آفاق أهوائه
وضاق عنه "الكرخ" و "الجسر" هان
لم يعرف المسكين أن "المها"
أتين بالسحر من القيروان
يا قيروان المجد يبلى البلى
مع الليالي ، ويشيب الزمان
وتعجز الدنيا ، ويذوى الصبا
وأنت دوما غضة العنفوان
معجزة أن تستقرى على
حال ، ولا يهرم منك الكيان
وأن تظلي للهدى قبلة
يسعى اليها كل قاص ودان
وأن تظلي مشرقا للسنى
يقبس من اشعاعه المشرقان
وان تظلي فوق تخت العلا
صاحبة الخاتم والصولجان
فجددى الامجاد وابقى لنا
سوق القوافي ، وعكاظ البيان
وابقى - كما نرجوه - دار العلا
وقيروان المجد ، يا قيروان

